* كفاح كفيف - الجزء الثالث

اذهب الى الأسفل

* كفاح كفيف - الجزء الثالث

مُساهمة  طارق فتحي في الخميس أغسطس 02, 2018 11:14 pm


كفاح كفيف 3
طارق فتحي
كلنا علمنا قصة حب عبد المالك لفتاة شابة صغيرة من قريته او ربما من القرية المجاورة لقريته وبعد صراع مرير مع نفسه حاملا كل كياناته واحاسيسه الجديدة والغريبة عليه نوعا ما قرر ان يفاتحها بمكنونات نفسه وحبه الجارف الجارح الهائج نحوها وليكن ما يكون حتى لو كان هذا اللقاء الاخير بينهما لانهماعاديحتمل عذابات نفسه وارهاصات عقله المجنونة .
اختفت الفتاة عنه فترة قصيرة جدا من الزمن ولم تعد تأتي اليه في مكان لقائهما الاول مما وضعه في حيرة من امره فصدق نفسه انه حب من طرف واحد من طرفه هو وحسب . قرر حينها ان يذهب الى دارها عسى ولعل ان يلتقي بها ويصارحها بحبه العظيم لها وليكن بعد ذلك الطوفان اما نجاة من هذا العذاب المبهم والغامض واما غرقا عميقا في حبه الجارف .
وحسناً فعل اذ ذهب الى دار اهلها فوجدهم متحفزين للانتقال الى دارهم الجديدة ولما استعلم عن فتاتهم قالت امها انها سبقتهم الى الدار الجديدة مع اخيها الكبير لاعداد الدار لا ستقبال العائلة . فصمت صمتاً رهيباً كصمت القبور وجر اذيال الخيبة التي تعود عليها طيلة سني حياته الماضية بخفي حنين فما هو متأكد تماماً من حبها له ولا هو يستطيع ان ينفي احاسيسه ومشاعره تجاهها ووقع في حيرة عظيمة واغتم للامر كثيرا . اصبح انطوائيا لا يختلط مع الاخرين ويتحين الفرصة للذهاب الى دارهم الفارغة والمهجورة نوعا ما ولسان حاله يقول:
أمر على الديار ديار ليلى – اقبل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الديار شغفن قلبي – ولكن حب من سكن الديار.
شاءت الصدف يوما ما ان تعطل الراديو وبما ان الحب عار وخيم وشيء معيب في هذه الديار تظاهر بالحزن على الراديو الا ان النار المتأججة في قلبه دعته الى مصارحة والدته لحبه اليتيم لهذه الفتاة وطلب منها ان تخطبها له لتكون زوجة وانيساً تساعده على مواجهة الحياة القاسية التي عاشها في ما مضى او المقبلة عليه في قابل الايام , لم ترفض والدته طلبه واستحسنت الفكرة ولكنها كانت ماكرة كفاية حتى ماطلت معه كثيرا بحجج واهيه . تاخرت عن خطبة الفتاة متذرعة بان الوقت غير مناسب او حين الانتهاء من الحصاد او بعد بيع المحصول ولربما بعد جز صوف الخراف وبيعها او أي حجة تجدها والدته مقبولة لديه.
وهنا كانت الصدمة الكبرى حيث طرق سمعه ان الفتاة خطبها شابا من محلتها في قريتهم الجديدة ففغر فاه وايقن ان جميع احلامه ضاعت منه وسقط في هاوية النحس واستقر في قاعها اصبح اكثر عزلةوانطواءا من ذي قبل وتفكر بضياع طفولته البريئة والجميلة وضياع مدرسته الحبيبة وضياع الراديو استاذه ومحبوبه الدائم واخيرا وليس آخرا ضياع حبه اليتيم والوحيد وكان ضياع الاخير شيئاً صعبا للغاية وعلامة فارقه في حياته لا ولم ولن يمكن نسيانه حتى لو عمر الف عام. .
غالباً ما كان يرفض الاختلاء مع نفسه او يجلس وحيدا بعيدا عن الاشخاص حيث انتابته هلاوس من نوع آخر اذ كلما اختلى مع نفسه متفكرا بما جرى ويجري حوله من قدره المكتوب المحتوم يسمع انفاسها قرب اذنيه ويحس بوجودها وعندما يبتسم في سره يسمع صوتها وهي تغدقه باعذب الكلمات واكثرها احساسا بالجمال الطبيعي الذي يحيط بهما عندها يقوم بالتحدث اليها كانها حقيقة واقعة وهي جالسة بجانبه وفي احيان كثيرة ملتصقة به تماما .

في هذا الجزء العجيب من كفاح كفيف حدث مالم يكن في الحسبان وانقلبت الموازيين راسا على عقب في واقع هو اقرب الى الخيال منه الى الحقيقة اذ تفاجأ الجميع بخبر طلاق محبوبته وعودتها الى قريتهم في بيت جدها . جن جنونه ولم يهدأ له بال فالح على والدته بالذهاب الى بيت الجد وخطبة الفتاة منه بعد ان يتكفل باخبار والديها . وعاتب امه على مماطالاتها السابقة مؤكدا عليها تنفيذ امره مباشرةً دونما تردد او مماطلة وتسويف هذه المرة .
كان له ما اراد وذهبت والدته فعلا لبيت جد الفتاة فامهلها الجد بضعة ايام لحين التشاور مع والديها وفعلا تم الامر وتمت الموافقات اللازمة لخطبته وبعد اسبوع تم تحويل الفتاة الى داره بصفتها زوجة عبد المالك . لم يصدق ما حدث معه ومرت الايام سريعة وهو بين الذهول والصدمة والفرح والحزن والخوف والوجل حتى بات لا يعرف ماذا يصنع تجاه هذا التسارع العجيب والغريب والمفاجيء في منحى حياته فندت كل نظرياته التشائميةولم يعد يعتد بقانون او اية صيغة عشائرية او قبيلية تحكم حياته بعد الان .
اخذت الامور تتحسن لديه وعائلته بشكل لا يصدق وملفت للنظر احبته والدته الى حد الجنون وتعلق به جده باحاسيسه الانسانية الغير معهودة لديه معتذرا ومؤنباً ضميره على فعلته مع حفيده طيلة سنوات عمر الاخير ومما زاد في سعادته عودة اخيه الكبير بعد طلاقه من زوجته وام طفلية مباركا لاخيه ومحباً له بشكل قل نظيره.
دخل عبد المالك عالما آخر غير عالمه وللمرة الاولى في حياته يتعلق به طفلا اخيه الكبير وحبهما الطفولي البريء له واستوت العائلة على قدر كبير من المحبة والحنان والامان والاطمئنان وعم السلام الجميع . في احيان كثيرة كان يسأل نفسه ووالدته هل هو نفس الشخص هل هو عبد المالك ابن هذه العائلة الرائعة فتجيبه والدته بالايجاب والدموع تنهمر من عينيها بغزارة فتاخذهبين ذراعيها وتشهق بحرقة بدموع ساخنه تلهب خديه وقطرات منها تنزلق على رقبته فيتحسس حرارتها فيعلم ان امه تبكيه .

هذا الشعور الرائع بالحب والامان والسلام جعل عبد المالك يفقد توازنه تماما ونسي كل ما تعلمه في حياته الماضية فبات كالطفل البريء يصغي للجميع في وداعة كانه يكتشف الحياةلاول مرة . ومنغرائب الامور ان زوجته ذهبت يوما الى بيت جدها لغرض عنده يخصها حيث قررت المبيت في بيت الجد ليلة واحدة فقط والعودة اليه في الصباح الباكر واستاذنت من جميع العائلة الغريب في الامر انه عندما حل المساء اتت والدته لتنام معه على سريره خوفا عليه من الوحدة ومراعاة لمشاعره وبينما تطرق باب غرفة نومه نهض لاستقبالها بعد ان عرفت نفسها اليه وجلسا سوية يتذاكرون الايام الخوالي وكيف قست عليه في ما مضى وترجوا من الله ان يغفر لها سوء افعالها وافهمته ان ما فعلته به كان عن غير قصد واوعزت الام الامر الى تربيتها القاسية هي الاخرى ايضا ً.
انفعل كثيرا حين سماع كلام والدته الطيب فقام فوق سريره يقفز كالاطفال ويصرخ عاليا انه اسعد انسان على وجه الارض واتجه صوب والدته ليقبلها ويحتضنها تعبيرا عن حبه العظيم لها فاذا به يسقط من السرير على ام رأسه فاطلق صرخة مدوية هرع اليه كل من في الدار واخذت والدته تقرأ عليه المعوذات وبعد ان هدأ قليلا حكى لها ما جرى معه فربتت على كتفه وقالت انه كابوس يا ولدي والحمد لله انك افقت منه . وعهدا علي من الآن فصاعداً سابحث لك عن عروس تنسيك محبوبتك وبكت عليه كثيرا في دنيا الواقع دون ان تشعره بحزنها الحقيقي عليه.
بعد ان استيقظ من حلمه مرعوبا مفزوعا لا يلوي على شيء وعدته والدته بايجاد عروس جميلة له . برت بوعدها واخذت تخطب له كل فتاة تصادفها في طريقها . جرت العادة عندهم ان يذهب اهل الشاب الى بيت الفتاة واذا ما تمت الموافقات اللازمة يعودون الى الدار ويصطبحون الشاب معهم عائدين الى بيت الفتاة ليراها الشاب واذا ما وافق عليها تتم قراءة سورة الفاتحة من قبل الجميع اصحاب الرأي والمشورة من كبار القو وسادتهم تسمى هذه العملية ( بالخطبة ) .
الا ان شيئا من هذا لم يحصل للشاب اذ كلما ذهبت والدته لخطبة فتاة تجابه بالرفض وبعلل واهية جداً . الادهى والامر ان والده كان ينقل له سماعاً الكلام الموذي من رفض الناس اليه وعدم قبولهم تزويج بناتهم له . وغالبا ما كان الكلام قاسياً وجارحاً بدون اية رحمة او شفقه فيستمع الى كلام والده وهي كالسهام المسمومة تدخل الى اعماق قلبه واحاسيسه فتمزقه ايما ممزق .
قرر في احد الايام ان يهيم على وجهه تاركا عائلته واهل قريته الى غير رجعه . حسم الامر بعد ان تشاور كصيرا مع نفسه , لاتراجع لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى . في صباح اليوم التالي باكرا خرج عبد المالك من داره دون علم عائلته وقرر في نفسه ان تكون وجهته المدينة وليكن ما يكون حينها, حمل نفسه وسار بها بعيدا بمحاذات ما يسمى بالشارع الرئيسي للقرية المتجه الى المدينة شرقاً متحسس اشعة الشمس وحرارتها التي تلهب جبهته فيعلم انه بالاتجاه الصحيح .
بعد مسيرة نهار كامل مع غياب شمس ذلك اليوم تلمس طريقه بفكره فاذا هو في مفرق طرق , تفكر مليا فما استطاع ان يهتدي اي الطريق يسلك . احب المدينة من خلال البرامج الاذاعية وتخيل ان الظلم فيها اقل والناس اكثر ثقافة ودراية من اهل الوبر . صادف ان مرقت سيارة احد اهالي القرية فتوقفت بجانبه واصطحبته الى القرية ثانيةً ,
بعد عودته الميمونه قرر ان يلغي فكرة الزواج ويرفعها من ذهنه . هدأت سريرته نوعا ما مع هذا القرار الحاسم فنهض باكرا صباح اليوم التالي وهو اكثر نشاطا وحيوية بانتظار الكهرباء الوطنية ليستمع الى محبوبته راديو القيثارة الصغير الاثيرة عنده والصديقة المخلصة له دوما, بينما هو يقلب بموجات الراديو يميناً وشمالاً . اقبلت عليه والدته لتبشره انها وجدت له عروسا شابة تعيش هي واهلها في مدينة الموصل .
لا استطيع ان اصف لكم الصدمة والفرحة وتيه الفكر وشرود الروح وهو يستمع الى هلاهل وزغاريد والدته واخته التي تحبه دوماً . هذه الاحاسيس في الغالب لا تود ان تترجمها الى كلمات لتفسد معانيها السامية وتحصرها في قالب اللفظ والمعنى , فاطلق مخيلته بعيدا وعاد الامل اليه هذه المرة ولكن بصورة اقوى .
اصبح عبد المالك امام امر حقيقي وجاد بشأن عائلته وامر خطوبته وزواجه وعليه ان يعمل بكد وجد ليوفر له مبلغا مناسبا للذهاب الى خطبة الفتاة من ذويها . وفعلا تم ذلك عمل لمدة سبعة اشهر او ما يزيد قليلا حتى تمكن من جمع نقود المهر . وتم كل شيء على ما يرام فخطبت الفتاة وتم المهر والزفاف ولكن بدون مراسيم الفرح والزواج اذ تم احضار العروس بسيارة واحدة فقط حتى انها لم تستعمل جهاز المنبه حين دخولها القرية لتعلم الناس وتشهر زواجه الميمون .
تم الزواج بهدوء بصحبة سيارة يتيمة زفت عروسه اليه وسط قريته بين اهله وخلانه ومرت ايام العسل الاولى ثقيلة عليه لا مهنئين ولا زوار مروا به للتهنئة بمناسبة زواجه ولا حتى هدية واحدة افرحت قبله . كان كل شيء عادياً مجرد دخول فتاة الى حياة هذه الاسرة تدعى زوجة عبد المالك .
اخذ يحدثها شيئا عن أطباعه وعاداته والاخلاق لتكون على بينة من امره وامرها واذا بها تسرد له معاناتها بسبب عائلتها حيث كانوا يفضلون اختها الكبيرة عليها في كل شيء من الرعاية والاهتمام والحب بينما هي لا تخطرعلى بالك احدا منهم , اوعزت هذا بسبب دمامة خلقتها حيث كانت قصيرة القامة بشكل ملفت للنظر اضافة الا انها بالكاد تملك مواصفات الاثنى . القبح والدمامة يحيطان بها من كل جانب .
كلما انتهت من جملة اردفتها باخرى بين النحيب والبكاء المر حتى ادمت روحه وحزن عليها كثيراً فوعدها خيرا وقال لها سوف انسيك اهلك وكل شخص اذاك . فاهتم بها وعلمها قصار السور وكيفية الصلاة اضافة الى معلومات ثقافية بسيطة الا ان كل محاولاته هذه ذهبت ادراج الرياح فلم تخرج الزوجة من قوقعتها ولم تنسى ظلم اهلها لها وظلت اشباح الماضي تلاحقها مع كلهبه نسيم او رائحة تذكرها بهم او فعل مشابه لما كانوا يفعلونه معها .
ودارت الايام واخذت الزوجة تنتقم من زوجها بشكل كبير ومؤثر كانه هو السبب في تعاستها فاصبح عدوها اللدود الذي وقع اسيراً بين يديها . من حيث كان يحلم بزوجة تتسم بنوع من الثقافة البسيطة لتنسجم معه تحب الكتب والشعر خاصة وهي من بنات المدينة وتوقع بشكل مؤكد انها سوف تمنحه الحب والحنان المحروم منهما طيلة فترة حياته الماضية ولكن انا للاحلام ان تتحقق .
عندما يشتكي لاهله سوء تصرفاتها معه وعلى الاخص والدته , كان يسمع كلاما ينكأ جراحه القديمة ويعيد فتحها من جديد فاهله يتمنون عليه بانهم زوجوه , وماذا يريد بعد ذلك ؟ بين الفينة والاخرى كانوا يعيروه بدفعهم مهر زوجته . كلما حاول عبثا طلب بعض النقود منهم يمتنعوا عن اعطائه بحجة ان له اخوة اصغر منه عزاب بدون زواج وهم يدخرون ما بوسعهم بغية تزويجهم . اما اهل زوجته فبالرغم من انهم يسكنون المدينة الا انهم كانوا اكثر تخلفا وجهلا من اهل قريته .
كان سكان القرية يقسون عليهما تهكما وتندرا واحيان كثيرة يسمعونهم سوء الكلام وفحشه ولم يكن اهله وعائلته بمنآى عن الجميع اذ اصبحوا والحالة هذه مثار سخرية وتندر من قبل قريتهم وحتى القرى القريبة المحيطة بقريتهم . بقي على هذا الحال يصارع الهموم التي تحيط به. مما انساه مسألة التعليم والتعلم , حينها اتجه لكتابة الشعر الحزين بغزارة .
اخذ يعمل بجد ويجني الاموال ليثبت لاهلهولاهل زوجته انه يستطيع العمل وجلب النقود تلك الوسيلة القبيحة في نظره للاستمرار في الحياة مثله مثل الآخرين. حيث كان لا يرفض اي عمل ممكن ان يدر عليه بعض المال . انشغل في اعمال البناء وكثيرا ما كان يقدم الى داره ويده تنزف الدماء من بين اصابعه بسبب خشونة العمل . مع ان ارباب العمل يلحون عليه بان يلبس الكفوف ليحافظ على يديه الا انه لا يستطيع ذلك لاعتماده كليا على حاسة اللمس اثناء العمل. وكفوف العمل تحرمه من هذه الحاسة .
مع هذه التضحية الجسيمة كثيرا ما كان يعود الى البيت ليجد زوجته تسمعه سوء الكلام وفحشه فيلجأ حينها الى كتابة الشعر حيناً ويلجأ احيانا كثيرة الى تدخين سيكارته محلقا بافكاره تجاه السماء . واذا حمي وطيس السباب والشتائم التي تكيلها له زوجته بسبب او بدون سبب كان يهرب من البيت باتجاه محيط قريته حيث يقضي اغلب وقته مع رعاة الاغنام من اقرانه تارة وتارة اخرى يقضي وقته في محل التسجيلات لصديق طفولته . في احد المرات جلب معه شريط كاسيت يحوي على اغاني جميلة فبحث عن الة التسجيل خاصته فلم يجدها وحين سأل زوجته اجابته بان ابيه حطمة المسجل خاصته وهشمه الى قطع صغيرة . لملم قطع المسجل وغادر البيت .
ومرت الايام كثيرا ما كان يخرج من البيت بملابسه الرثة والممزقة احيانا اضافة الى ما يعلوها من الاتربة والاوساخ فاصبح كالمتسول لمن يراه ولا يعرفه . اذ تحطم كل شيء عند هذا الشباب الاهداف والمباديء والطموح لاثبات الوجود حتى في حقه على العيش بسلام. لم يطيق نفسه والسباحة ضد التيار اتعبته في مواجهة عذاباته واضطهاده فمات كل جميل في عقله وقلبه وروحه وجميع جوارحه فأمسى هائما سائحا في دنيا الله لا يلوي على شيء ولولا ايمانه بخالقه لفكر كثيرا بوضع حداً لحياته وفعلا راودته الفكرة واخذت تشغل حيزاً من تفكيره . فكلما قدم المزيد من التضحيات لاهله وزوجته تقابل جميع افعاله وتصرفات بالجحود والاستهجان فاصبح كالالة يعمل بدون مشاعر واحاسيس بشرية .
ومما زاد الطين بلة عندما احتلت بلاده من قبل قوى الشر قوى التحالف الغربي بقيادة امريكا ادخلوا من ضمن ما ادخلوه بعض التقنيات والالات الحديثة مما كان لها الاثر السلبي على عمله وفعلا تم الاستغناء عنه فاصبح كمن احيل الى التقاعد بدون راتب تقاعدي ولا حتى تكريم بحفلة وداع بسيطة . اخذ يجتر همومه الواحدة تلوه الاخرى ويحسب خسائره بدأً من التعليم وانتهاءا بالزوجة النكدية التي طالما سلقته بلسانها السليط ومازالت تفعل به الافاعيل المنكرة والخبيثة, حبيبته الاثيرة لديه تلك التي اختفت من حياته دون ان تترك له كلمة وداع اخيرة ,طرق سمعه صوت الاطلاقات النارية من صوب القرية التي زفت اليها وكيف مات حلمه الوردي.
هنا حدث منعطفا خطيرا له اذ لملم شتات حطام نفسه وقرر المضي بكل جد في بناء نفسه من جديد وكعادته دوما اخذ يتحدى المستحيل . قدم طلبا الى الرعاية الاجتماعية وحصل على اول راتب له بعد مرور عاما كاملاً, مع ان مرتبه كان ضئيلا الا انه استلم دفعته الاولى المتأخرة لتسعة اشهر مبلغا مقداره 450 الف دينار. وهو اول مبلغ كبير نسبيا يحصل عليه في حياته فاستشار اهل الحل والعقد كيف باستطاعته ان يصرف مثل هذا المبلغ الكبير,
ما بين مشجع ومحبط اخذ اخيه الصغير يشرح له كيفية استخدام الاجهزة الحديثة في التواصل مع الاخرين باستخدام الهاتف ومما ذكره له ان عليه ان يتعلم القراءة والكتابة بواسطة الهاتف وتعلم كيفية استخدامه . فاستحسن الفكرة وعندما خلد الى النوم فكر في نفسه كيف يتعلم وهو لا يملك هاتفا لبدأ نشاطه الفعلي في التعلم . فخرج لاخية الصغير وطلب منه هاتفه لليلة واحدة وعندما امتنع الاخير راودته فكرة كتابه احرف لوح الكتابة على كفي يدية ومفاصل اصابعه وتخيل ان مفاصل اصابعه هي ازرار مفاتيح الحروف فبات ليلته يقظا حتى الصباح فاتقن كل شيء بمفاصل اصابع كفه .
في صباح اليوم التالي طلب من اخية ان يمتحنه في الكتابة على هاتفه وفعلا كتب جملة او اثنتين وعندها قال له اخيه الصغير انك لم تخطيء ولا حتى بحرف واحد لقد احسنت صنعا . فانشرحت اساريره وانفرجت وقدح زناد عقله بفكرة شراء هاتف نقال وفعلا تم شراء الهاتف في اليوم التالي بالتقسيط المريح ...
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2863
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى