* كف القمر - رائحة الموت

اذهب الى الأسفل

* كف القمر - رائحة الموت

مُساهمة  طارق فتحي في الخميس أغسطس 02, 2018 10:31 pm

كف القمر  1
طارق فتحي
كان البيت مزدحماً بالاولاد وضجيجهم كخلية نحل فرت من عقالها , صراخهم يصم الآذان. ضحكاتهم لعبهم مزاحهم خصامهم , خمسة من الاولاد الذكور قلبوا البيت الى حلبة مصارعة  كتبهم المنثورة في كل مكان ,في كل ركن قصي ,في كل زاوية من البيت, تعثرت باقلامهم وحقائبهم المدرسية, ملابسهم قد نزعت بالمقلوب نثروها  فوق اسرتهم, رائحة الجوارب تعبق في الغرف.
تكدس حوض غسيل الصحون بالملاعق والشوك والسكاكين اضافة الى الصحون من مختلف الانواع والاحجام , وبقايا ماء طافح يعلوها  بكل الوان الطيف الشمسي . القت بنظرها صوب الثلاجة فغرت فاها وحدقت عيناها وهي ترى اثار اصابع اولادها تعلو مقابضها . اشاحت بوجهها الى الطباخ فاذا به لوحة رائعة الجمال قد خطتها ريشة بقايا الطعام والمرق المسكوب على حافته .
يا للاولاد المشاغبين لم ينفع الدرس معهم لم تفلح كل التوجيهات والنصائح والارشادات في استقامتهم والمثول لاوامر الوالدة المصون , ظن بها الظنون , هداها تفكيرها الى اعلان حالة الطواري في البيت , اعلن النفير هذا حالها في كل يوم . يا الهي , ما العمل.؟ بدأ صراخها عاليا بعد ان انهارت كل معنوياتها وفقدت الامل باستجابة  اولادها لها .
ما هذه  الفوضى يا اولاد , انتم تثيرون جنوني  سوف اشكيكم لوالدكم فهو من يحسن التصرف معكم , خلاص تعبت اني على وشك الانهيار, تاملوا منزلكم هذا شاهدوا غرف نومكم انكم تعبثون في المكان وفي عقلي . ان لم تنتهوا من ترتيب غرفكم ولم شتات تلك الفوضى التي تحدثوها في كل يوم وانتم عائدون من مدارسكم , تجعلوني اصاب بالدوار والغثيان .
هيا كفوا عن هذه الفوضى وامتثلوا لما اقوله لكم وليذهب كل الى غرفته ويقوم بترتيبها على اكمل وجه وبعد نصف ساعة ساقوم بالتفتيش ومن لم تعجني غرفته اشكوه للوالد , الاب الصارم والقاسي مع الاولاد . ففر الجميع كل الى وجهته لترتيب اسرتهم , تنفست الصعداء وارتمت على مقعد صغير في المطبخ بعد ان هدها الصراخ العالي والانفعالات والتشنجات حتى باتت بين قوسين او ادنى من فقد اعصابها كأنها اصيبت باغمائه مؤقته .
فتحت عيناها جالت بنظرها في كل ارجاء المطبخ ولسان حالها يقول يا الهي ,؟ من أي ابدأ والى اين انتهي . لملمت شتات نفسها وبالكاد نهضت استلمت العمل الشاق عمل كل يوم . وهي تهمس في سرها ليس المهم ان اعمل كمايستروا  في حفل موسيقي بهذا البيت فهذا ديدن كل ام لديها خمسة اولاد من الذكور. ولكن المحبط في الامر ان هذا العمل يتكرر صباح كل يوم ومساءه ما بقيت الام حية تجتر سنوات عمرها  في العذاب المهين,
دخل الاب داره ليجد كل شيء مرتب بحسب الاصول خرج له الاولاد واحدا بعد الآخر ليلقوا عليه التحية تركوه في غرفة الطعام بقي لوحده يتضور جوعا في انتظار الطعام, لم ياتي الطعام في موعده المحدد نهض من جلسته وتوجه صوب المطبخ حيث الام المكلومة والمنكوبة باولادها الاشرار الصغار .
اين الطعام يا امرأة حدقت بوجهه ملياً ثم صمتت ادارت ظهرها له وهي تهيء وتعد امامها قدور الطعام . اسمعني جيدا الاولاد اتعبوني هذا اليوم , هل انا المرأة الحديدية . ماذا لو تأخر عنك الطعام نصف ساعة اضافية . امتعض الاب وعبس وجهه , اردفها قائلا: ماذا تفعلين اليوم بطوله سوى طبخ الطعام وغسل الملابس والاهتمام بنفسك, حتى اني لم اجد الراحة في الايام الاخيرة بسبب ضجيج اولادك , هل سألتي نفسك يوما لماذا اخترتك كزوجة لي ؟ اخترتك لانك وافقت على ان تكوني ربة بيت بالرغم من امتلاكك شهادتك العالية .
تركته واقفا لوحده في مطبخها وذهبت بصحون الطعام العامرة بكل ما لذ وطاب الى صالة الطعام ورتبت كل شيء ثم عادت لتجلب له الماء وقدح كبير من اللبن الرائب الطازج . قفل عائداً  الى طعامه جلست بجانبه ليتناولا الطعام معاً كعادتهما في كل يوم . دموع ساخنة تنساب ببطيء شديد على وجنتيها الورديتين . ما كان منظرها وهي تبكي بصمت ليفوت على الزوج الذكي اللماح لمثل هذه المشاعر والاحاسيس.
توقف عن تناول طعامه واشاح بوجهه صوب وجها مسح بابهامه اليمني دمعة كادت ان تسقط في صحن المرق الموضوع امامها انحنى عليها ببطيء وطبع قبله خفيفة على وجنتها واعتذر منها على ما تفوه به من كلام وارجأ السبب الى مشاكل حصلت له في لعمل . التفتت  اليه كقطه متعلقة بحب  راعيها اكتفت بابتسامه حزينة رسمت له كل معاناتها خلال سني عمرها بمعيته . همست في اذنه بصوت خفيض انهم الاولاد .. انهم الاولاد ..
في صباح اليوم التالي نهضت مبكرا قبل نهوض اولاها اخذت تجري كالمصروع على قدم وساق كيما تهيء لهم الافطار قبل ذهابهم الى مدارسهم , انجزت نصف المهمة ايقظت الاولاد هبوا من نومتهم مذعورين تبعثروا في المكان والكل يصرخ على الكل كعادتهم في  صباح كل يوم . خرج احدهم من غرفته يصرخ ويولول امي لم اعثر على فردة جوربي الثانية , تلقى بعض الارشاد من امه وقفل عائدا الى غرفته في حيرة من امره .
صرخ الثاني من تلقاء نفسه وهو لا يزال في غرفته امي اين حقيبتي المدرسية وضعتها هنا بالامس اين اختفت يا امي . وقعت بيضتان من يدها وهي تعد بيضاً مقليا للفطور بغية عمل ساندويشات لاولادها على اثر صراخ ابنها العالي والغير مبرر, ردت عليه وهي تندب حظها وسوء صباح يومها بسبب سقوط البيض وهي تتشاءم من الامر .
خرج اليها ناحية المطبخ واذا بالولد الثالث يصيح امي كتاب الجغرافية لم اجده , الم تريه امس هل وضعتيه في مكان ما , اصبح الاثنان بحذاء باب المطبخ واذا بالرابع يخرج مهرولا مسرعا تجاهها ليجد اخوته الاخرين سبقوه الى امه , وقف امامها نصف عارياً وهو يتكلم بحرقة يكاد يبكي من اثرها  امي قولي لاخي ان يكف عن اللعب والمزح معي وسرقة اغراضي وتاخيري عن ارتداء ملابسي .
الام منهمكة في تقشير البطاطا  والخيار لتضعها مع البيض في الساندويشات التي اعتدها مسبقاً لهذا الغرض . التفتت بسرعة البرق تجاه اولادها الواقفين قبالتها امام باب المطبخ . وهي منهارة القوى منكوشة الشعر قد اختلطت دموعها مع كحل عينيها فرسمت لها لوحة  تراجيدية  مؤلمة , مسحت دمعة نزلت على عجل تركت اثار دماء خفيفة على خدها انتبهت لنفسها فاذا بها قد جرحت احد اصابعها اثناء اعداد الفطور الصباحي ,
وقفت مذهولة وهي تطالع وجوه اولادها  الذين لا ذوا بصمت رهيب وهم يرون الدماء تسيل بقطرات صغيرة من سبابة يد امهم اليسرى . في هذه الاثناء اتى الابن البكر وهو صارخا من بعيد اين عطري يا امي انهم يسرقون اشيائي  وينتعلون  احذيتي انا لا ارغب بان يستعمل احدهم اشيائي او يشاركني بها . ولما لم يلقى جوابا على غير العادة , اهتم للامر أقرب كثيرا من اخوته وحالما شاهدته امه انهارت وسقطت ارضاُ ,
افاقت من نومتها القصيرة  فاذا بها تجد البيت فارغا يلفه الصمت الرهيب , والساندويشات موضوعة على  منضدة المطبخ بجانب الطباخ لم يمسسها احداً , توقف عندها الزمن برهة ليعلن هزيمتها وعدم قدرتها على الاستمرار ثانيةُ , عليها الان ان تفكر بجدية بتغير هذا الوضع المزري نحو الافضل والطامة الكبرى انه عمل كل يوم انها متطلبات الحياة المجحفة لكل ام لخمسة اطفال ذكور او ما يزيد عن ذلك بقليل .
تركت الام المطبخ  مهزومة من الداخل جريحة الفؤاد تلوذ بالدعاء الى الله , لماذا يحصل معي هذا يا الهي : الحمد لله على هذه الحال وعلى كل حال , استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم . اتجهت الى الحمام اسبغت الوضوء على يديها وام راسها ومسحت بارجلها , رق قلبها باشتياقها الى ربها صلت ركعتين استغفاراً لتذمرها من الاولاد وضيق صدرها تذكرت دردشاتها السابقة مع ابيها رجل الدين العالم المتبحر في الامور . اعتذرت من ابيها لخروجها عن بعض تعاليمه وكان شعاره رحمه الله القناعة كنز لا يفنى .
مرت الايام والسنين كبر الاطفال وكبرت مشاكلهم معهم بسرعة رهيبة لم يفطن اليها الوالدان وهم في مرحلة الدراسة الجامعية منهم من تخرج قبل سنوات قليلة وتعين في احد وظائف الدولة . الا ان الممارسات والرياضات الصباحية استمرت على حالها هذه المعاناة  التي ما انفكت  تلازم الام , كبر حجمها وقوي عودها بات الوالدان لا يقدران على قهرها , استمرت بهم الايام على نفس المنوال ,اصبح كل يغني على ليلاه.
امي ما اروعك وما اجملك , يا الهي كل هذا الجمال الآخاذ لم انتبهله من قبل ,  من فضلك أأنت ملاك .؟ ام ماذا .؟ لا تقولي لي انك امي , يا للهول . شبك يدية خلف رأسه وعيناه  الجاحظتان على وسعهما  تتفحصان جسد والدته من راسها حتى اخمص قدميها , انت رائعة هذا اليوم يا امي , لماذا لم اراك هكذا  من قبل ,  نهرته والدته ممازحة اياه , ماذا تريد يا ولد .؟  ما وراء كل هذا الغزل بامك , انا اعرفك جيدا ’ انت آخر العنقود واكثر اولادي تملقاً وتزييفاً للحقائق ,
حاول ان يتمادى اكثر الا انه خشي ان يفتضح سره ويكون ذماً عليه ويندم , امي احبك يا امي عن جد اني احبك , اريد ان تخبري والدي ليشتري لي جهاز آي فون الاصدار الاخير بمناسبة نجاحي من المتوسطة الى الاعدادية  , كل زملائي في المدرسة تقريباً يملكون مثل هذا الجهاز. قرصته من اذنه قرصاً خفيفاً , اذهب انت الان الى المدرسة وساتدبر لك الامر مع والدك حين عودته من العمل , لا تخبر احداً من اخوتك بوعدي هذا , طار لبه من الفرح احتضن والدته بكلتا يديه , طبع قبلة ساخنة وقوية  على خدها زلزل لها كل اسنانها . واردفها بقبلة اخرى وكان على عجل , هرب من امامها كالجرذ الذي افلت للتوه  من الفخ.
دقت ساعة العمل الجاد , تقاطر الاولاد واحدا تلوه الاخر الى الدار, اطلق جرس الانذار بدأ الصراخ والعويل والكل يصارع الكل بطاقات شبابية  مذهلة قد زادت عن اللزوم , ما هذا اليوم المشؤوم صرخت الوالدة بهم كالعادة , تسيدت الام بريادة , كفى يا اولاد هذه بزيادة . عاد الجميع الى غرفهم , بعد ان احدثوا فيها الفوضى الخلاقة . جلسوا الى مائدة الطعام الصغيرة في المطبخ , اخذوا يضربون الطاولة بقبضة يدهم بصورة متتالية وهو يرددون ( عاوزين ناكل ),( عاوزين ناكل ) التفت اليهم الام منهكة القوى  فوجدت الثلاثة كافضل  نعمة وهبها الله لها ورأت فيهم سعادتها ,شكرت الله وحمدته  في سرها ,
ما ان اشارت الساعة الى الثالثة والنصف حتى دخل عليها ابنها البكر , بحث عن والدته بعد ان خلع عنه ملابسه الرسمية فوجدها في غرفتها طرق عليها الباب طرقاً خفيفا فاجابته خرجت اليه يلفها الدهشة والغموض اذ لم تعتد ان يطرق بابها ابنها البكر , وما ان اصبحت امامه وجهاً لوجه حتى باغتها باحتضانها ولف بها دورة كاملة او دورتين مع طبع قبلة حارة على جبينها , انزلها الارض تثبتت من نفسها جيداً وبادرته ما هذا يا ولدي ايكون يوم التقبيل العالمي ولم انتبه او عيد الام وهذا ليس موعده .
باركي لي يا امي اليوم اخبرت حب حياتي في العمل بحبي لها حين  رايتهالاول مرة قبل عام مضى , اليوم كان الرد الصاعقة عندما اخبرتها اني اريد ان اتزوجها وافقت بحرارة وانا الذي كنت اظن انها تحب زميل لي آخر, فاتحته بحبها  لي , اليوم اخبرني بالامر , اتضح انها تحبني انا , نعم يا امي تحبني انا , هل تبينت الامر ابنك البكر تحبه الفتيات اول فتاة تحبني وقعت في غرامها , امي احبك اكثر من روحي احبك كما لم احب شيء آخر في حياتي , انها جميلة تشبهك تماما  الا انها تصفف شعرها دائما ولاتتدلى خصلات شعرها اللولبية على جبينها مثلك  تماما هذا هو الفارق الوحيد بينكما , احبك يا امي , قالها وهو يصرخ في الفضاء باعلى صوته .
خرج بقية الاولاد من غرفهم على اثر الصراخ فوجدوا اخيهم يلف ويدور في رقصة جنونية ووالدتهم تنظر اليه وقد وضعت اليد فوق اليد فوق خصرها النحيل وهي غارقة بابتسامتها التى لا يعرف سرها واحاسيسها الا الراسخون في الامومة وذوي الحظ العظيم , زفت لهم البشارة وبما انهم يكبروا بعضهم بسنة او سنتين اخذ الهياج والحماس يدب في الجميع بعد سماعهم الخبر السعيد , كل هذا الهرج والمرج والفرح والسرور سببه اعلان عن الحب , ما اجملك ايها الحب وما اجمل احاسيسك ومشاعرك وما اجمل ايامك ولياليك .
اكمل الاولاد دراستهم الاعدادية , منهم من التحق بالجامعة ومنهم من التحق بالمعاهد بحسب درجات ومعدلات  تخرجهم . خمسة اولاد يعني خمسة احلام خمسة اماني وخمسة آمال كبيرة , غادر الابن الاكبر وزوجته الدار الى دار خصصت لهما من قبل الوزارة التي  يعمل بها استملكها فيما بعد, في حين الولد الذي يليه تزوج هو الآخر ومكث في دار والدته .
دبت المشاكل اذ كان الاثنان يعملان , مع صغر عمريهما وطيش الشباب ما انفكت تصرفاتهما تزعج الوالدة وعلى الاخص تلك المزارف الرفيعة  ليست ذي بال تنخر في جسدها رويدا رويدا . اتخذ القرار نهائيا باستئجار دار لهما والانفصال عن البيت الكبير باوامر عليا من حضرة الوالد استجابة المصون الوالدة المصون .
عبث بقية الاولاد بوالدتهم كما يحلوا لهم مع انهم اصبحوا جميعا يعملون الا ان شقاوة الاطفال لم تفارقهم فكلما كثرت تحركاتهم في البيت كلما علا ضجيجهم وصخبهم . تبعثرت الام في تلبية رغباتهم سواءا كان ذلك في الطعام والشراب او في ارتداء ملابسهم وغيرها من الافكار الصبيانية التي كادت ان تجن لها الوالدة .
الاولاد لم يبالوا بنصائح امهم فكانت كل اشارات المرور امامهم خضراء وكل شيء مباح مع انهم لقنوا قواعد لعبة الحياة بين المسموح والممنوع على اتم وجه الا انهم لم يرعوا  ولم يأبهوا لذلك كثيراً,  قرر اثنان منهم الهجرة والسفر للبحث عن فرص عمل افضل او لكمال دراساتهم العالية . كان لهما ما ارادا وبعد التي واللتية تم اقناع الاب بالامر بعد ان بذلت الوالدة معه جهداً جهيدا  يؤرقها لستة  اشهر مضت .
مرت الايام والشهور ثقيلة والبيت يعاني من فراغ كبير بعد ان غادر آخر العنقود البيت الى محافظة اخرى بعيدة عن العاصمة بغداد . كان اتصال الاولاد بوالدتهم يكاد يكون يومياً ثم اصبح يلقونها كل اسبوع ومع مرور الوقت . اصبحت لا تراهم الا بالاشهر . واخيراً وليس آخرا اصبحت الزيارات في المناسبات فقط .
نظرت الوالدة في المرآة تتطلع الى تقاسيم وجهها الذي نحت الزمن فيه اخاديد بالكاد تظهر للعيان وعينين ذابلتين ارقهما البكاء لغياب اولادها وجحودهم معها كما تعتقد , تفكرت ملياً كيف اخذ السكون والهدوء القاتل يلف البيت الكبير, وحيدة لا عمل لها زوجها لا ياتيها الا مساءا بحسب متطلبات اعماله اليومية .
ذهبت الى غرف اولادها وهي تستذكر كل صغيرة وكبيرة شهدت لها جدران هذه الغرف شهادة حق واضح  كسطوع شمس في يوم صيفي قائض . حملت وسادة  احدهما وضمتها الى صدرها تذكرت كيف وجدت فردة جوربه الثانية , رمت الوسادة بعصبية وخرجت من الغرفة . اتجهت صوب الحمام لتغسل وجهها وتكفكف دموعها . حين خروجها نظرت مطرقة الرأس لتجد احد بلاطات الحمام مختلفة عن الاخريات تذكرت كيف كان يتعثر به احدهما . كسرت ساقه استغرقها الامر ثلاثة اشهر حتى شفي تماماُ .
عادت ثانية الى غرف الاولاد تطالع بعينيها الاسرة والجدران ليخبروها بحوادث الزمان والمكان , يا الهي هناك خربشات على الحائط كيف لم انتبه اليها , تقدمت خطوة واعقبتها باخرى فاذا بها  عبارة عن جملة ( احبك يا امي لن اعيش بدونك ابداُ ) انهارت فوق سرير ولدها الفارغ واخذت تبكي بحرقة شديدة كانهالم تبكي من قبل ,
غادرت الى غرفة اخرى لتجد الاسرة فارغة والدواليب تحوي القليل من الملابس ,  انها رائحة عطر ابني البكر يا الهي  ارحم  دموعي , القت بتفكيرها بعيدا ولسان حالها يقول
بقيت آثار كتبهم وملابسهم وصدى ضحكاتهم، وذكريات أحضانهم عندما أغضب من أحدهم يركض نحوي سريعاً ليحتضنني ويقول : أسف يا أمي سامحينيو اليوم أجفف دموعي ولا تجف حرارة فراقهم كلٌ في مكان وبلد , تشتت قلبي وراءهم هكذا الحياة,كل ذهب ليشقطريقه ويلتمس رزقهوكل واحد يرحل يقول نفس الجملة
(جزاكِ الله عنا كل خير أديتي الرسالة بأمانه يا أمي سأعود إليك لأكافئك ولو أنني عاجز عن وفائك حقك )
كبرت وضعفت قوتي ولكم أتمنى لو بقوا معي بضجيجهم وضحكاتهم والبيت بقي منثورا لأستمتع معهم بقية عمري لكنها الحياة , قصتي هذه اقدمها لكل ام :
استمتعوا بصراخهم والكتب المبعثرة هاهنا وهناك  والملابس المتناثرهوضحكاتهم ولعبهم بمحتويات البيت إنها ذكريات جميلة لا تحرموا أنفسكم منهابيتي اليوم جميل ومرتب وكل شيء في مكانه كما أحب والهدوء يملؤه، لكنه كالصحراء لا حياة فيهفلا تصرخوا عليهم من أجل النظافة والترتيب سيأتي يوم ويخرج الواحد تلو الآخر,

كما حصل لي كلما خرج أحدهم يجر حقيبته فإنه يجر قلبي معه و مع حقيبته، لأحتضن الباب بعد قفله وراءه وأجثو على ركبتي ثم أستعيد نشاطي لأقف وأتذكر هذا الباب كم صرخت عليهم : اقفلوا الباب جيداً وراءكم.

ها أنا اليوم أقفله وراءهم ولن يفتحه غيري بعد أن كان كل واحد يحمل مفتاحاً له ليدخلوا واحداً تلو الآخر ويقول أحدهم : أمي انت بخير ؟ لماذا لونك شاحب ؟!
والثاني يقول : هل أكلت وأخذتي علاجك؟!
والثالث يمسح بيده قدماي ويداي حتى أنام!!
والرابع: يحكي لي حكاياته في العمل
، والخامس يتصل ويقول : جاي ع البيت
وماذا علي أن أقول سوى الحمد لله ولعل الله يربط على قلبي.


رائحة الموت  1
طارق فتحي
كنت في طريق العودة من البلد … أو لنكون أكثر تحديداً … طريق مغادرة البلد … فقد اختلطت علينا البلاد … بلاد بالميلاد وبلاد بالسكن… وبلاد بالعمل ... تماماً كما اختلط علينا كثير مما نسمع ونرى ونحس…

انتهيت لتوّي من دفن والدي الحبيب … ولكن دمعة من عيني لم تسقط بعد…

رجل ظلمته الأيام التي لا تكفّ عن الظلم يوماً ولم نكفّ نحن عن اتهامها بذلك… وقد يكون وراء ظلم الأيام حكمة … وقد نكون محقّين في اتهامها بالظلم… هو رجل عاش فتعب … ثم مات فاستراح… هكذا بكل بساطة… اختصار موجِز معجِز لحياة انسان كان عظيماً لديّ ومؤثراً إلى أبعد مدى … قاسى المرض وجحود الزوجة والأولاد والأصدقاء فتمنّينا له أن يموت… إلا إنه عندما نفّذ وعده ومات أحسسنا كم فقدنا وأنّه ما كان يجب له أن يموت… لولا أنّه فعل…

تذكرت واقعة غريبة…
والدي كان مصاباً بالسكري … وعندما أصابت ساقه الغرغرينا اضطر الجراحون لبترها إنقاذاً لحياته… استخرجنا شهادة وفاة وإذن دفن للساق المبتورة… وكان استخراج الأوراق حاملة اسم ابي  مرعباً إلى حد الذعر… إلا أنه عندما فعلنا لم نشعر أننا فقدنا أيّ شيء… إلا أنه كان لا بد يشعر بأن جزءً منه قد مات ودُفن و لا عودة له… هل اشتاقت أعضاء جسده لعضوها الميت المبتور؟! أنشتاق نحن للأشياء الكثيرة التي كانت لدينا وفينا لكنها ماتت ودُفنت وبُترت دون أن نشعر؟!

قاهر هو الموت … ومحيط بنا من كل جانب… وجبار هو الاحساس بالفقد…
ربما لهذا السبب بالذات يتمنّى المحبّون دوماً الموت قبل أحبّائهم… إنه ألم الفقد… ذلك الفظيع المريع المفزع… هو يمزّق فيك تمزيقاً ولكنك لا تشعر من أين يأتيك… ولا كيف تتغلّب عليه…

أما الموت فقد صار سهلاً وفيراً متاحاً في كل وقت وزمان… ولأي عمر… ولا يشترط مرضاً ولا علّة… مفاجئ لص… يسرق منا جمال ذكريات مضت وأمل أمنيات لأشياء لم تـُحقـّق بعد…
يأتي الموت في عبّارة … أو على شريط قطار…
في حادث حافلة… أو غارة جوية… أو ضربة وقائية برية…
في أمراض وبائية تفاجئك بالصباح… وتزهق روحك بالمساء…
في عيوب خلقية ووراثية في قلبك ومخّك ورئتيك وأنت لا تدري…
لا حماية منه… وليس له تطعيم…
لا وقت لتوقعه… ولا لحظة أمان منه…

انقبضت روحي وأحسست غصة في حلقي…
وإذ دخلت المدينة… إذ اختلت عجلة القيادة في يدي… وكدت اصطدم بسيارة كانت تجاورني… لم يكن شرودي السبب ولا التفكير في الموت…
بـل هــو الـمـــوت … هو الموت الذي كان أمامي في تلك اللحظة بالذات… كأنّي استحضرته بكل قوته ونفوذه ليمثل أمامي الآن…

كان الموت في قطة!!!
أجل … صحيح ما قرأته عيونكم … وإن أخطأت عقولكم الظن بي…
فأمامي مباشرة… رقدت قطة تنازع الرمق الأخير… دهستها سيارة مسرعة دون أن تلتفت إليها… إذا كان الناس اعتادوا على أن يتم دهسهم شخصياً ولا يلتفت أحد إليهم فهل من المفروض أن يلتفتوا لقطة دهسوها؟!

لم تكن القطة قد ماتت بعد… ولكن من الواضح أن اصابتها بالغة وأن عمودها الفقري لا بد تهتّك إذ أن تشنجاً غريباً كان يشمل أطرافها السفلية وذيلها كأنه مسّ الكهرباء… حتى أن نصف القطة السفلي كان يرتفع عن الأرض في الهواء لكأنما يستغيث… بينما نصفها العلوي فاقد لكل أثر للحياة… بل أكاد أجزم من الوهلة السريعة حين رأيتها أنه مدهوس مختلط بأسفلت الطريق…

القشعريرة الباردة بدأت من منصف عمودي الفقري وصعدت لتشمل كتفيّ فذراعيّ فرقبتي… دوار شديد يكتنفني… منظر الرجفة العنيفة لنصف القطة السفلي سرّى في جسدي احساساً بالخدر والشلل… سهم نافذ اخترق عمودي الفقري وأصاب نخاعي الشوكي في مقتل…

الآن بدأت دموعي تنساب حارة ساخنة…

أهي دموعي على القطة المعذبة حتى الموت … أم هي دموعي التي جاهدت لحبسها إثر وفاة  ابي…

كانت الدموع غزيرة للغاية… وبدأت أنشج وأنتحب… كأنها دموع كل الموتى… دموع كل شيء وكل شخص فقدته … بعد أن أحببته…

أتراك تعذبت هكذا يا ابي قبل أن تموت؟!!
ماذا عنك يا جدتي… حتى لو كنتِ قد متِّ وأنا بعد طفل… ماذا عن أخي الصغير الذي ولدته أمي ميتاً… هل أدرك شيئاً من الحياة قبل أن يموت… هل تعذب أيضاً؟! ماذا عن صديقي في الكلية الذي لم يستجب لمحاولات والديه وأخته لإيقاظه صباحاً فقد كان قد مات في نومه!!

قررت أن أعود ثانية لقطتي المعذبة المسكينة…
لم يكن في ذهني أيّ شيء محدد أفعله لها… ولكني سأعود إليها… على الأقل أشاركها لحظاتها الأخيرة… تلك التي فشلت في مشاركتها مع ابي  فندمت… كنت أعلم أنه متعب للغاية منذ فترة وجيزة… ولكن ظروفاً حالت دون وجودي ورجاء شديد للموت أن يتمهّل ويعطيني الفرصة لأراه مرّة أخيرة… ولكنه لم يفعل… الآن سأشارك القطة لحظاتها الأخيرة…
الموت هو الموت أليس كذلك؟!  قبض روح ابي قبلاً هو نفسه ما سيقبض روح هذه القطة الآن؟! ربما أتمكن أن أراه…
أو أشمه…
أو أسمعه…
أو أشعر به…
إلا أنني وبعد أن استدرت للعودة فوجئت بتوقف سير المرور… لا زلت مرتبكاً مشلولاً منقبض النفس والغصة تمزق حلقي وصدري… هل أترجل من السيارة وأذهب سيراً لقطتي المسكينة؟!! أجل … سأفعل… أضأت أنوار الانتظار التي حقيقة لا تهم… فالطريق متوقف متوقف… وإذ بدأت في الاقتراب من موقع القطة المحتضرة… إذ رأيت أغرب منظر في حياتي…

امرأة حبلى في شهرها الأخير… فاجأتها آلام الوضع وتدفق ماؤها  مترجلى من سيارة متوقفة وسط الطريق مما اضطر سائقها – ربما زوجها أو أخيها – للتوقف… وتجمع بعض المارة والسائرين وأصحاب السيارات في مثل هذه المواقف للتدخل…  
الموقف الأخّاذ انتشلني من حالة الموت التي كنت أرزح تحت وطأتها… نسيت ابي الميت والقطة المحتضرة…
الكون كله صار في لحظة ترقب طفل يولد من بين فخذي امرأة حبلى مستلقية على ظهرها وسط الشارع والام المخاض تعصف بها . ممرضة متمرسة أخذت وضعها القيادي… أناس لا أعرفهم وربما لا يعرفهم أحد بدأوا في احضار الملاءات النظيفة وجرادل المياه الساخنة…
لم أسمع سيارة واحدة تتذمر أو أداة تنبيه واحدة تُضرب…
الحدث الجلل وقع…
وصرخة الطفل الوليد شقت السكون السابق… بقعة دم كبيرة لوثت أسفلت الطريق… ولكن لم يكترث لها أحد…
ابتسامة عجيبة في قوتها… فرضت نفسها على ملامحي… وجه تبلّله الدموع وتظلّله كآبة متشح بالحزن… الآن تغزوه ابتسامة… تبدأ الابتسامة صغيرة… ثم تبدأ في الاتساع حتى تملأ الوجه كله…
الآن تذكرت ثانية… ابي الميت… وقطتي المسكينة المحتضرة… وإذ هداني تفكيري أن أتناول أحدالملاءات التي استخدمتها الممرضة لتوليد المرأة الحبلى… إذ عبرت الطريق… لأجد قطتي المسكينة قد ماتت… الآن زال كل ألم داخلي… لأنها ماتت… بل أني كدت أنسى منظرها المرعب المريع حينما كانت تتشنج… فهي الآن قد ماتت… ماتت واستراحت… القطة كفّت عن التألم…
كفّت عن الاستغاثة والشكوى والتظلّم…
بمنتهى الرفق … غطيتها بالملاءة التي لا زالت تحمل بعضاً من إفرازات الطفل الوليد والأم الحبلى… لففتها في حرص… ومشيت في بطء مهيب جهة الرصيف المقابل… كأني في موكب تشييع… القطة النبيلة قد ماتت… ولكنها ما زالت تستحق بعضاً من الاحترام… فقد كانت قطة عظيمة… تماماً كما كان ابي رجلاً عظيماً…
في حنان شديد… أسندت جثة القطة على الحائط المجاور… بوجهي ذاته… ذاك الباكي… والمبتسم في آنٍ معاً!!!!
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2863
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى