* امراءة خائنة - فتاة متمردة

اذهب الى الأسفل

* امراءة خائنة - فتاة متمردة

مُساهمة  طارق فتحي في الخميس أغسطس 02, 2018 8:24 pm

امرأة خائنة

لن أدون في دفتر يومياتي تاريخ ولا ساعة .. فالندم إحساس غريب يبتلع كل التواريخ .. يحتل كل الأوقات .. يسجن الدقائق والثواني يرهن بقية العمر لحسابه بكل قسوة ..
كانت البداية عادية ولا تعطي أي لمحة عن النهاية القبيحة ... متى كانت البدايات تعطي دلالة النهايات ؟؟ لو حدث هذا لما أعطى يوليوس قيصر ظهره لصديقه بروتوس .. ولا تبنى فرعون مصر الطفل الرضيع الذي أتاه على مهد عائم ..
ولما عرفتني بدور على زوجها..

التقينا صدفة بعد فراق دام اثنتي عشرة عاماً .. ذهبت لاداء واجب العزاء في إحدى قريبات زوجي الدكتور مصطفى ... كانت تجلس في مواجهتي وترمقني بنظرات طويلة متأملة .. في البدء ظننتها إحدى مريضاتي اللواتي عالجتهن في زمن مضى .. او ربما هي تمعن النظر للتأكد من انني الدكتورة صفاء المشهورة في مجال طب النساء والولادة .. جمعتنا جلسة الغداء فاذا بها تسالني بصوت ناعم أعاد لي ذكريات قديمة مبهمة .. "
صفاء ؟؟ انتي ما عرفتيني مش كدة ؟؟ انا بدور عبد الفتاح .. كنا مع بعض في مدرسة الخرطوم الثانوية صف خوارزمي " .. يا لها من ذكرى بعيدة .. كانت بدور من اكثر الطالبات هدوءاً في الصف .. لم تكن بمثل ذكائي ولا شقاوتي لذلك انتمينا لمجوعات مختلفة .. لكن كثيرا ما جمعتنا نشاطات مشتركة في حصص العلوم او الدروس الخاصة .. كانت معرفتي بها سطحية وتقتصر على تبادل التحية كلما التقينا .. لم نكن صديقات ..

رددت تحيتها بحرارة .. فرؤيتها اعادت لي ذكريات اجمل مراحل العمر .. مرحلة الصداقة المتينة البريئة المنزهة عن الاغراض .. الأحلام الكبيرة .. مرحلة التفتح والانطلاق .. حميمية العلاقات التي ربطتني بفتيات ما زالت بعضهن في حياتي بصورة او باخرى ..
اخترنا ركناً بعيدا هادئا وجلسنا نحتسي الشاي ونجتّر الذكريات " ما شاء الله عليك يا صفاء من يومك شاطرة شديد وكنتي مصرة على كلية الطب .. عارفة كل ما اشوفك في الجريدة او التلفزيون اقول لراجلي دي كانت زميلتي في الثانوي واقعد احكي ليه عنك وعن شقاوتك انتي وشلتك الي كنتوا بتعملوها ايام المدرسة ..
وبصوت ضاحك اخذنا نسترجع تلك الايام ... " تتذكري يا صفاء لمن انتي وصحباتك تتلموا جنب النافورة في الفسحة وتقعدوا تغنوا
وترقصوا ويجي المدير طاير من مكتبه وشايل عصايته وبيكورك ( يا بنات يا قليلات الادب يا عديمات التربية ) وانتو تجروا تندسوا منو ورا الشجر ؟؟ .. اجبتها بضحكة جعلت العديد من الاعين المستهجنة تلتفت الينا فنهرتها بلطف " هي يا بدور انا نسيت اننا في بيت البكا ..
اسكتي الناس ديل بعد شوية بيجوا يطردونا " فواصلت بصوت هامس " ولا تتذكري لمن انتي وصحباتك قررتوا تمشوا اسبوع العلوم في جامعة الخرطوم وقمتوا دخلتوا بالنفاج البين بيت المدير والمدرسة ونطيتوا حيطة الشارع ؟؟ اظن المرة ديك طلبوا ليكم اولياء امركم .. كتمت ضحكتي وانا اشعر بالبهجة تغمرني لهذه الذكريات الرائعة .. كان صوت بدور الهامس يعيد عقارب الساعة الى الوراء بنعومة جعلتني اتذكر كيف كنت انا وصديقاتي نتفق على الهرب من الحصص ومغادرة المدرسة بسرية تامة ..
الذهاب الى شارع (15) والوقوف امام واجهة كوافير كيلوباترا والاستوديو المواجه له .. نتفرج على فساتين الزفاف وصور العرائس .. نتسكع امام البقالات بعد ان نشتري الفول السوداني والتسالي من البائعات المصطفات على طول الشارع .. ثم فجاة نقرر الذهاب الى شارع (41) لاكل الايس كريم .. حيرتنا في كيفية الوصول ثم الاتفاق على ركوب ( يا عم ) .. فرحة اصحاب العربات بركوبنا معهم .. غمزاتنا البرئية عندما نعطي اسماء مزورة لمن يحاول معرفة اسماءنا .. يا لها من ايام ..
لم تنتبه بدور لشرود ذهني وعندما عدت اليها كانت ما زالت تضحك وهي تقول " الشئ الوحيد الكان بيشفع ليكم برغم شيطنتكم انكم كلكم كنتوا شاطرات شديد ومن اوائل الفصول .. وكل الناس كانت مستغربة كيف تكونوا شقيات كدة وشاطرات في نفس الوقت ؟؟.. الا باقي شلتك وين لسه متواصلين ولا الحياة فرقتكم ؟؟ ..
اجبتها بابتسامة حقيقية عريضة لم اذق طعمها منذ وقت طويل.. " امينة دخلت هندسة وبعد ما اتخرجت اتزوجت ولد عمها ومشت معاه السعودية .. سعاد كانت في الاحفاد وبعد ما اتخرجت بقت معيدة فيها .. وما اتزوجت لغاية الان .. محاسن كانت معاي في طب واتخصصت جراحة في لندن وعايشة هناك اتطلقت وقالت ما عاوزة تتزوج مرة تانية .. هبة قرت كيمياء نووية .. هاجرت امريكا اتزوجت هناك امريكي مسلم ووضعها كويس خالص ..
سمعت تحت انها شغالة مع الحكومة وبتاخد ملايين .. كلنا بنتراسل من وقت للتاني .. لكن سعاد معاي طوالي وبنتلاقى اسبوعيا .. اها انتي عملتي شنو ؟؟ سالتها وانا انظر بفضول الى طبقات الشحم الهائلة التي تغطي جسدها .. ربما لهذا لم اتعرف عليها في البدء فقد كانت ذات قوام نحيل ايام المدرسة اما الان حتى ملامح وجهها تغيرت .. استقبلت نظراتي بابتسامة متسامحة وردت على تساؤلي الصامت بهدوء " انا مجموعي دخلني علوم اغذية جامعة الجزيرة ..
ولمن كنت في سنة تانية شافني اخو صاحبتي لما مشيت معاها بيتهم في مدني .. مهندس بترول في قطر وكان جاي اجازة مخصوص يفتش على عروس .. المهم يا ستي حصل النصيب وتزوجنا في اجازة نص السنة على اساس اني اقعد في السودان لغاية ما اخلص دراسة لكن امشي ليه في الاجازات .. الحصل اني جيت من شهر العسل حامل وكان حمل صعب شديد لانهم كانوا توام وطبعا ما قدرت اواصل السنة ديك ولا البعديها ولا البعديها لمن ضاعت فرصتي في الدراسة بعد ولادة حسن وحسين اصر عز الدين نكون معاه في قطر كان عارف اني ما حاقدر على الاولاد براي ..
المهم مشيت ودخلت في دوامة الغربة والولادة تاني .. لمن التيمان تموا سنة حملت تاني واجهضت لانو صحتي كانت ضعيفة .. بديت استعمل موانع لانو الدكتورة بتاعتي هناك قالت انو خصوبتي عالية شديد والتنظيم ما حينفع .. ركبت لولب وكان حيقتلني وعمل لي مشاكل كتيرة لغاية ما طلعته .. اضطريت ابلع اقوى نوع حبوب وهو العمل فيني كدة .. زاد وزني بصورة رهيبة .. اضطريت وقفتها طوالي قمت حملت بمحمد .. ولمن كان عمره ستة شهور حملت تاني بالتومات هديل وهيام .. على فكرة عز الدين زوجي توم وامه زاتها تومة عشان كدة المسالة وراثية ..
وقتها كنت تعبت شديد من قصة الحمل والولادة ورا بعض وبقينا ما قادرين نعمل كنترول على الموضوع .. اتناقشنا انا وعز وقررنا اربط العرق وخلاص كفاية علينا الخمسة عيال الله يدينا الصحة وطولة العمر عشان نربيهم .. بعد كدة قرر عز يرجع السودان نهائي وقال تعب من الغربة وعاوز يبدا ياسس شغل خاص بيه .. وفعلا جينا قبل سنتين اشترينا لينا بيت كبير في المنشية .. دخلنا العيال المدارس وعز فتح ليه شركة معدات حفر والات ثقيلة .. ودي كل اخباري .. يلا قولي لي عندك كم ؟؟ انا من هسة حاجزة بناتك لاولادي .. اكيد ورثوا شطارة امهم وسماحتها "

اصابني سؤالها بطعنة قوية فرفعت راسي ورمقتها بنظرة حادة جعلت الابتسامة تختفي من ملامحها .. ثم استعدت سيطرتي على نفسي .. هذه السيطرة التي احتجت سبع سنوات كاملة كي اكتسبها واصبح منيعة امام هذا السؤال المقتحم المدمر " انا ما عندي عيال يا بدور ... الله ما اراد " بانت علامات الحرج واضحة على وجه بدور الشفاف ثم خاطبتني بذات اللهجة المتعاطفة المواسية التي سئمت منها " ونعم بالله يا صفاء دي حاجة ما بايد البشر .. دي بيد رب العالمين "
ثم نهضت تلملم حرجها وهي تعتذر .. " معليش يا صفاء انا لازم امشي لاني اتاخرت شديد على الاولاد خليتهم مع الشغالة وتلاقيهم جننوها .. ترددت قليلاً ثم اضافت بخفوت " لو تحبي نتواصل يا صفاء ممكن اديك رقم تلفوني .. انا عارفة انك مشغولة شديد وما عندك وقت للمجاملات الكتيرة لكن .. وقاطعت كلماتها الخجولة بان اخرجت كرتي من حقيبتي وناولتها اياه " حاكون سعيدة اتواصل معاك يا بدور .. دة كرتي فيه الموبايل وتلفون البيت والعيادة اتصلي بي في أي وقت

في تلك الليلة وبعد ان اغلقت عيادتي مبكرة عدت الي منزلي الكبير الفارغ .. احسست بوحدة قاتلة .. مصطفى ما زال في عيادته التي يرجع منها قبل منتصف الليل بقليل .. جلست في غرفتي افكر في بدور وما حركته داخلي من ذكريات اثارت شجوني .. كانت بداخلي حسرة وغيرة لم استطع انكارهما .. حسرة الاطفال الذين كانوا حلمي وهاجسي وغيرة من بدور التي حصلت على ما لم احصل عليه من زوجي مصطفى ..
مر في راسي شريط لقائي به .. عندما ربط الحب قلبينا كنت في سنتي الثالثة وهو في سنته الاخيرة .. عند تخرجي كان يستعد للسفر الى ادنبرة لبدء تخصصه .. تزوجنا وسافرنا معا اخترت امراض النساء بينما تخصص مصطفى في جراحة المخ والاعصاب .. مرت السنوات ما بين المذاكرة واللهو والتجول في دول اوربا اثناء الاجازات .. عدنا الى السودان ليواجهنا سؤال لم نطرحه على انفسنا في غمرة انشغالنا "
لماذا لم ننجب بعد ؟؟ " وبدات رحلة طويلة استمرت ثلاث سنوات اخرى قبل ان يعلن الاطباء عجزهم امام حالتنا الغريبة .. فكلانا لا نعاني من أي موانع انجاب .. كل التحاليل والفحوصات في اكبر المستشفيات اكدت اهليتنا لانجاب الاطفال ولكن ارادة رب العالمين فوق كل اعتبار .. فتقبلنا قدرنا ولكن هناك شئ ما اختفى .. اصاب الفتور حياتنا.. وتدريجيا اختفت كل الروابط المشتركة واصبح كل منا يتظاهر بالانشغال في عمله حتى يبرر البرود والتوتر الذي اصاب علاقتنا ..
ومنذ تسعة اشهر تحجج مصطفى بحاجته الى السهر لاجراء البحوث والدراسات الخاصة بعمله وحرصه على عدم ازعاجي لينتقل الى غرفة اخرى .. اصبحنا كالاغراب يجمعنا سقف واحد .. نلتقي احيانا في مواعيد الوجبات لنخوض في نقاش طبي جاف .. اما الحياة الخاصة فقد اصبحت شبه معدومة .. وكأن عدم امكانية الانجاب قد قتلت كل رغباتنا واحاسيسنا .. اصبح ما يجمعنا علاقة صداقة اكثر منها زواج ... بالنسبة للعالم الخارجي .. نحن الثنائي الذهبي .. حياتنا مثالية .. عملنا ناجحاً ومثار حسد حتى مع عدم وجود الاطفال ... ما اكثر ما تستره الجدران وراءها...
اتاني اتصال بدور بعد ثلاثة ايام من لقاءنا وهي تدعوني لزيارتها انا وزوجي والتعرف على اسرتها .. اعتذر مصطفى بدواعي الانشغال فذهبت وحدي .. كان بيتها جميلا وفسيحاً مفروش بذوق رفيع .. استقبلتني بدور بالاحضان ومن وراءها خمسة وجوه تشع بالصحة والشقاوة .. احتضنتهم بلهفة وانا اعطيهم الهدايا التي احضرتها معي وسط احتجاجات بدور " ليه تعبتي نفسك يا صفاء والله ما في داعي للعمليه دة " ..
كنت افكر باحساس امراة محرومة وانا اتاملهم وارد على بدور " تعب شنو يا شيخة دي حاجة بسيطة شديد " كنت اهم بتقديم اعتذاري لعدم حضور مصطفى .. وانا ارفع كاس العصير عندما اتاني الصوت العميق مرحباً .. فرفعت راسي لتصطدم عيناي بوجه حاد القسمات بوسامة ملحوظة .. قوام ملئ بالرجولة .. اناقة مترفة تتناسب مع القوام الجميل .. رائحة عطر منعش .. تهللت اسارير بدور هبت باحترام وهي تخاطب زوجها "
تعال يا عز سلم على الدكتورة صفاء "مد يده القوية ليغوص كفي الرقيق في دفئها .. وبابتسامة عريضة كشفت عن اسنان بيضاء تتوسطها فلجة صغيرة زادته وسامة ... رحب بي " اهلا يا دكتورة .. نورتينا .. تعرفي بدور ليها ثلاثة يوم ما ليها سيرة غيرك وخلتنا كلنا متشوقين نشوفك"
البيت منور بوجودكم يا باش مهندس .. قاطعتنا بدور بمرح " هي انتو شنو دكتورة وباش مهندس ... صفاء وعز وبس " وجلس عز بجانب بدور في مواجهتي وحولهما الصغار الفرحين .. كنت انظر اليهم وافكر بان هذه هي العائلة الحقيقية وليست الكذبة التي اعيشها انا ويصدقها الاخرون بكل غباء .

في زمن قياسي تطورت علاقتي ببدور واسرتها .. دعوتهم لزيارتي والححت على مصطفى تاجيل كل مواعيده لمقابلة عز الدين .. ثم ذهب معي مجبرا لزيارة اخرى قبل ان يعلن انه لا يملك الوقت ولا الرغبة في تكرار الزيارات وطلب مني ان اذهب اليهم او ادعوهم بمفردي .. وهكذا اصبحت ضيفا دائما في بيت بدور .. اهرب من عملي المضني الى بيتها الآمن المشع دفئا كلما سنحت لي الفرصة .. اذهب بلا مواعيد وفي أي وقت لاجد الترحيب .. صحبة الاطفال .. ورفقة عز ..

لقد اعتدنا الجلوس سويا لنناقش مختلف امور الحياة .. كان رجلا مثقفا واسع الاطلاع وملما بكل ما يدور حوله فكنا دوما نجد مواضيع مشتركة وقضايا تهمنا .. نتحاور بهدوء وسلاسة بينما بدور في المطبخ تعد الطعام او تشرف على مذاكرة اطفالها وطلباتهم التي لا تنتهي .. كان هذا محيطها الذي تعيشه بلا تذمر وبكل رضا وتجهل أي شئ يحدث خارجه لذلك اصبحت حواراتي مع عز مربكة لها فاعتادت ان تنسحب معتذرة حالما يبدا النقاش وتختفي لتتركني مع عز .. احيانا تاتينا ضحكاتها من المطبخ عندما ترتفع حرارة النقاش ويتمسك كل منا برايه وهي تطلب من زوجها ان يترفق بي ...

رويدا رويدا لم تعد لقاءات المنزل تكفي لنقاشاتنا الطويلة .. فاعطينا انفسنا حق التواصل الهاتفي في اوقات مختلفة بحجة انهاء حوار او بدء آخر جديد .. كان الليل هو الوقت المفضل عندما انزوي مع وحدتي في غرفتي ويكون عز متفرغا خصوصا وان بدور اعتادت النوم مبكرا بعد ارهاق النهار المتواصل مع اطفالهما ..
وتدريجيا انحرفت النقاشات الجادة الى التعابير الناعمة التي تقال همساً وتدغدغ الحواس .. كان اطراءوه لجمالي وقوامي يجعلني احلق عاليا .. وبدا لي كأن قرونا قد مضت منذ ان لاحظ مصطفى جمال جسدي الذي لم يزد الا بضعة كيلوجرامات منذ ان تزوجت .. زيادة اضافت اليه استدارات انثوية مغرية .. وملامح وجهي الدقيقة زادتها السنين جمالا ناضجاً وهاجاً ..


اتى قبل الموعد المحدد تسبقه لهفته العارمة لهذا اللقاء الذي حاول كلانا تجنبه فغلبنا شوقنا بعد ان غذته المكالمات الليلية الحارة بقوة لم نعد نستطيع صدها .. عندما دخل بخطواته المصممة تلاشت آخر افكار التعقل التي كنت اهمسها لنفسي قبل قليل .. اخذني بين ذراعيه وطبع قبلة طويلة عميقة على شفتي المرتعشتين .. فنسينا كل شئ وغبنا عن العالم ..
لا ادري كم مر من الوقت ثواني ؟؟ دقائق ؟؟ ساعات ؟؟ كنا غارقين في احضان بعضنا على الكنبة الطويلة في الصالة .. رفعت راسي اثر سماعي لشهقة قوية أتتني كانها حشرجة انسان يحتضر .. في مواجهتي وقفت بدور بوجه مذهول غارق في الدموع .. تجمدت حركاتي وانحبس صوتي .. تمنيت الموت في تلك اللحظة ...
رفع عز راسه ليرى سبب عدم تجاوبي مع حركاته المحمومة .. انتفض بفزع وصرخ " بدور الجابك هنا شنو ؟؟" ردت بصوت من اعتادت الاجابة على اسئلة زوجها الذي تعبده ... " جيت .. جيت .. جيت اسوق صفاء تتغدى معانا .. كنت .. كنت .. كنت عاوزة اعمل ليها مفاجاة .. انا دقيت الباب لكن لقيته مفتوح "
يبدو ان لهفة عز على لقائي انسته اغلاق الباب الذي تركته له مفتوحاً .. كانت بدور تنقل نظراتها الذاهلة بيننا .. شهقاتها مليئة بالرعب والالم وعندما نطقت اتت كلماتها متقطعة .. متلعثمة .. " صفاء ؟؟ انتي بتعملي شنو مع عز ؟؟ .. عز ؟؟ انت بتسوي شنو مع صفاء ؟؟ " بدات تبكي بهستريا .. وفجاة ارتفعت ضحكاتها المجلجلة .. ثم انخرطت في بكاء مرير سقطت بعده على الارض بلا حراك ...

اصيبت بدور بلوثة عقلية ادخلت على اثرها مصح للامراض النفسية .. انا اغلقت عيادتي وهربت الى ادنبرة بحجة تحضير الماجستير والدكتوراه .. اعيش وحيدة ترافقني فقط ذكرى وجه بدور الباكي وصوت ضحكاتها المتالمة الغريبة قبل دخولها الى عالم كنت انا من فتح بابه ..
لم اعاود الاتصال بعز منذ ان نقل زوجته من ارض بيتي الى المستشفى ... تركته وحيدا يواجه التساؤلات عن اسباب ما حدث لزوجته .. ويواجه نظرات اطفاله ..
هربت وانا احمل معي اوزار خيانتي ...

فتاة متمردة
كيف يصبح الإنسان متمرداً على كل ما حوله ومن حوله ؟؟ هل التمرد صفة تولد معنا وتظل كامنة فينا حتى تأتى الظروف التي تفجرها ؟؟ أم هي صفة مكتسبة من بيئتنا التي نعيش فيها ونتعامل بها لرفض واقع نرفضه ونجبر عليه ؟؟
بدأ تمردي منذ سن السابعة .. ربما تندهشون لأنني كتبت السابعة وليس السابعة عشرة .. لكنها الحقيقة فعندما وصلت تلك السن كان الصراع الدائر بين أمي وأبي بشأني قد وصل مداه .. وكي لا أشوش تفكيركم سوف أقص عليكم خلفية الأطراف كلها حتى تكتمل الصورة في خيالكم ...
أبي السوداني الأصل يحمل الهوية الهولندية منذ عام 1986م بعد أن أتى طالباً اللجوء إلى بلد أمي قبلها بسنة .. أمي الهولندية بأصول فرنسية وألمانية كانت تعمل في مكتب شئون اللاجئين وكلفت بمتابعة ملفات السودانيين .. تدريجيا وقعت في غرام هذا الأفريقي الأسمر الذي يحمل نداء الغابة في عينيه وتحفز النمر في حركات جسده .. وغموض آسر في صوته وكأنه آت من عالم آخر يبدو بعيداً بالنسبة لهذه المخلوقة الشاحبة من شدة البياض مع شعر أشقر ذهبي وعينان بلون العشب الأخضر .. سحرها هذا البدائي العملاق .. وقبل أن تبت الحكومة في قبول أو رفض طلبه .. أعطته أمي حق اللجوء الى قلبها فمنحته الإقامة والجواز الهولندي ...
في بداية عام 1987م .. أتيت أنا إلى الوجود .. طفلة ساحرة تحمل لون كوب من الحليب أضيفت إليه قطرات من القهوة السوداء .. تجلت غرابة شكلي منذ اللحظة التي فتحت فيها عيني الكبيرتين لتشع وسط وجهي البرونزي ببريق يحمل لون السماء الصافية ففرحت به أمي لانه يذكرها بجدتها الألمانية .. كان هناك زغب بني ناعم تتخلله خصلات ذهبية يملا رأسي المستدير .. حملت اسم ياسمين .. فهو اسم عربي ويحبه الغرب .. سيكون مألوفا وسهل النطق .. نشأت في منزل ملئ بالحب والاستقرار .. وبعد وصول آخى الصغير عندما بلغت الثالثة من عمري بدأت بذرة الخلافات بين الزوجين المحبين .. أرادت أمي اسماً لا يجعل من أخي أضحوكة بين أقرانه ولا يعرضه لعنصرية الوسط الذي سيعيش فيه عندما يكبر .. أراد أبي اسماً يثبت به عروبته التي تخلى عنها بمحض إرادته .. واسلامه الذي تمسك به برغم محاولات أمي المستميتة لجعله ينساه ... استخدمت أمي سلاح الدموع والمقاطعة لفرض إرادتها .. وهما سلاح فعال للتأثير في قلب رجل محب .. فحمل آخي اسم مزدوج مايكل محمد .. وخلال فترة قصيرة كانت أمي قد طمست الاسم الثاني واصبح أخي مايكل فقط ...
كان أبى رجلا حنونا .. ذكياً .. مرحاً .. برغم كل شئ يحمل ولاء لا حدود له لوطنه الأول اعتاد أن يجلسني في ركبتيه كل مساء ويحكي لي قصصاً عن السودان وباللهجة السودانية الدارجية .. فنشأت وأنا اعرف الكثير عن بلد أبى .. أسماء جدي وجدتي .. أعمامي وعماتي أسماء أبناءهم ... كانت هذه الحكايات هي قصصي المفضلة لما قبل النوم كل ليلة .. وعندما أصبحت في الخامسة حفظت عن ظهر قلب خريطة السودان بأسماء المدن والأنهار .. وكنت ارسم الطريق بإصبعي الصغير إلى مدينة أبو حمد مسقط راس أبي ..
لم يكن هذا الأمر يروق لامي فحاولت منع أبي من غرس هذه المعلومات في رأسي .. لكنها لم تفلح لان الصغيرة المفتونة بابيها وقصصه كانت تطلب المزيد .. أتى رد فعل أمي مباشرا وصريحاً .. تركتني لابي وجعلت مايكل عالمها الخاص الذي لا ينافسها فيه أحد .. خصوصا وانه ورث عنها بياضها الشاحب .. شعرها الذهبي .. والعيون بلون العشب ... بمرور الوقت أضحى بيتنا معسكر مقسوم بحدود غير مرئية .. وقّع أبي وامي اتفاق ضمني بان لا يتعدى احدهما منطقة الآخر ..
ظلت امي ترفض بشدة محاولات ابي تلقيني تعاليم الدين الاسلامي .. كانت تطالب بان اعطى حق الاختيار لاتباع دينه او دينها عندا اصل السن التي تتيح لي المعرفة والاختيار .. اصر ابي على موقفه .. واصرت امي .. وبدات حرب معلنة بين الطرفين انحاز فيها مايكل تلقائيا لامي .. وكنت انا حزينة وخائفة ومرتبكة مما يحدث .. وصلت الخلافات ذروتها عند بلوغي الصف الثالث الابتدائي كنت حينها في السابعة .. ووقتها بدا تمردي ...
في ليلة ارتفع فيها صراخ ابي وعويل امي .. نزلت من غرفتي الى غرفتهما في الطابق الارضي .. فتحت الباب دون ان اقرعه وقفت بهدؤ اتطلع الى نظراتهما المندهشة من تصرفي .. واخبرتهما بقراري .. انا لن اتبع ديانة أي منهما .. لقد قررت ان اكون لادينية حتى يكفا عن الجدال بشاني .. واذ استمر ت حربهما سوف اخبر الاخصائية الاجتماعية في مدرستي عن عدم ارتياحي في منزلي .. كان تهديدي فعالا .. فهما يدركان معنى ان اخبر سلطة رسمية عن حربهما المتواصلة وقد يصل الامر الى اخذي منهما ووضعي تحت حماية الدولة .. بعدها كمم الخوف الافواه .. اختفت الخلافات .. واختفت معها ايضا الرابطة الحميمة التي كانت تجمعني بابي .. لكنه ما زال مصرا على اجراء أي حوار بيننا باللهجة السودانية التي رفضها مايكل بشدة .. كما رفض اسم محمد قبلها ..
في العاشرة من عمري كنت اجمل طفلة في المنطقة .. امتزاج جينات ابي وامي افرز خليطا مثيرا للانتباه .. وقتها عرفت معنى ان يكون لي صديق خاص ( بوي فريند ) اصبتكم بالدهشة مرة اخرى ؟؟ لا تندهشوا فهذا شئ متعارف عليه في بلدي لكنه كان نقطة خلاف جديدة بين ابي المعارض لنشوء علاقة مع الاولاد في هذه السن المبكرة حتى لو كانت برئية وامي المؤيدة للامر وترى انه تطور طبيعي في شخصيتي وخطوة ضرورية تمهد لانتقالي من مرحلة الطفولة الى مرحلة المراهقة .. وتمردت عليهما معا.. اتخذت صديقا تمردا على تحفظات ابي .. وكان عربيا مسلما تمردا على رغبات امي .. وجن جنونهما معا ولكن لاسباب مختلفة ...
اتسعت الهوة بين افراد عائلتي ..اصبح ما يربطنا فقط عنوان المنزل المشترك .. عندما وصلت الرابعة عشرة بدات امي تفكر بالطلاق .. اخبرت ابي برغبتها فرفض بشدة خوفا من فقداني انا تحديدا لان مايكل وقتها كان قد قطع شوطا طويلا في طريق الضياع .. في الحادية عشرة من عمره اصبح صبيا عصبيا وقحا وعنيفا ... حلق شعر راسه ووشم الصليب المعقوف على ذراعه .. كان يكره ابي بسبب لونه ودينه واصوله العرقية .. ويكره امي لانها تزوجت بابي .. ويكرهني لاني احمل ملامحهما معا ..
في السادسة عشرة رفعت امي دعوى طلاق امام المحكمة .. ورفعت انا عن نفسي عبء العذرية التي لازمتني طيلة حياتي السابقة .. منحتها عن طيب خاطر الى سامي صديقي العربي المسلم الهجين الذي كان يكبرني بعامين .. يومها عدت الى المنزل حيث العراك اليومي بين امي وابي ومايكل .. وقفت انظر اليهما فترة وهم يتبادلون السباب .. ابي باللغة الهولندية واحيانا بالعربية التي تفهمها امي وان كانت تنكر ذلك .. امي ترد عليه بخليط من الهولندية والالمانية .. بينما يصر مايكل على الالمانية التي لا يتقنها ابي .. وفي لحظة صمت نادرة اخبرتهم بانني قد فقدت عذريتي .. صرخت امي وسقطت على الارض لعلمها بعلاقتي مع العربي القذر كما كانت تدعوه .. كاد ابي يصاب بنوبة قلبية .. اما مايكل فقد بصق على الارض بين قدمي وهو يسبني بكلمات لو كتبتها هنا لتوقفتم عن قراءة بقية يومياتي ...
مر اسبوع هادئ على بيتنا وكأن اعلاني قد اصاب الجميع بالبكم .. كان ابي صامتا وتبدو عليه علامات التفكير العميق .. امي غاضبة وباكية .. مايكل ليس له اثر في المنزل .. الاسبوع الذي يليه كان غريبا .. بدا وكأن ابي يسعى الى ترميم علاقته المدمرة مع امي ويحاول ان يسترضيها .. كما بدا يكلمني بنضج وكانه اكتشف فجاة ان ابنته الصغيرة قد اصبحت امراة .. وفي جلسة نادرة جمعتنا نحن الثلاثة فجر اقتراحه القنبلة .. طلب من امي ان يفترقا بلا طلاق لفترة معينة يعيدا فيها تقييم علاقتهما .. ان كانت بعدها ما مصممة على الطلاق فسوف يمنحها حريتها بلا مشاكل ... كانت الغرابة تكمن في انه يرغب خلال هذه الفترة في العودة الى وطنه .. السودان .. وان يصطحبني معه فترة اجازتي الدراسية التي تبلغ خمسة وثلاثون يوماً ... لم تعجبني فكرة مغادرة موطني والذهاب الى بلد غريب والبقاء وسط غرباء طيلة هذه الفترة .. وترددت امي في قبول عرضه .. وهنا تجلى ذكاء ابي حيث ظل يلوح لها بجزرة الطلاق بالتراضي مما جعلها تلين من تصلبها وتوافق شريطة موافقتي انا على الذهاب معه .. وفي جلسة طويلة استغرقت ساعات ظل ابي يحفر ذاكرتي ويستخرج منها كل القصص الجميلة التي سمعتها عن بلده وانا صغيرة .. اعادني الى ايام احببتها .. الى الفترة الوحيدة التي شعرت فيها انني اعيش وسط عائلة طبيعية وليس في ساحة حرب .. ظل يغريني بالجو الجميل والشمس الساطعة مقارنة بجو هولندا الغائم القاتم .. حدثني عن جدتي التي تتمنى رؤيتي قبل موتها .. عن اعمامي وعماتي .. كانت كلماته الاخيرة المعول الذي هدم به آخر حصون مقاومتي
" ياسمين انا باحاول اصلح حياتنا عشان اسرتنا ترجع زي اول واحسن كمان .. محتاج مساعدتك ..لازم نخلي امك براها عشان تفكر بدون ضغوط .. وما شرط نقعد هناك اجازتك كلها .. صدقيني لو الوضع ما عجبك طواليحنرجع "
انا من شعب يؤمن بالوعود .. يصدقها ويفي بها .. لذلك حزمت حقائبي وذهبت مع ابي الى بلده على امل ان تكون هذه اولى الخطوات في اصلاح حال عائلتنا التعيسة ..

في مطار الخرطوم المتهالك استقبلتني شمس مشرقة وحرارة لافحة فكانت علامة ترحيب جيدة .. اثناء دخولي الى الصالة احاطتني النظرات المعجبة المندهشة من ملامحي المتناقضة .. في هذه السن كانت الجينات الأفريقية قد لعبت دورها فاصبحت امتلك جسد امرأة ناضجة .. قامة طويلة وبشرة بلون البرونز .. شعر طويل متموج في حلقات لولبية تمازج فيه البني والذهبي بترتيب الهي بديع .. كانت عيناي السماويتان تتطلعان بفضول في الوجوه والمناظر .. صدمني شكل المطار فهو يفتقر للجمال والنظافة مقارنة مع مطار امستردام الفخم .. تمت الإجراءات بسهولة وخرجنا تتابعني النظرات والابتسامات والهمسات .. كان أبي صامتا بشكل يدعو للريبة ويبدو انه قد أجرى اتصالاته قبل وصولنا .. ما ان خرجنا حتى هرول الينا رجل في اواسط العمر يرتدي ما يشبه الزي الرسمي وحمل أمتعتنا الى سيارة لاندكروزر حديثة ..
كانت رحلة طويلة استغرقت نصف اليوم او اكثر لم تتوقف فيها السيارة إلا للتزود بالوقود او شراء الطعام والماء .. أحسست بالخوف والتعب والغربة وصمت أبى لم يساعدني في التغلب على أي منها .. شغلت نفسي باللعب في كمبيوتري المحمول الذي أصررت على إحضاره معي .. ففيه كل عناوين أصدقائي في هولندا .. صور أمي ومايكل .. مذكراتي .. أغاني المفضلة .. كل ما احتاجه موجود داخله ..
يبدو لي ان جو السيارة المكيف والهدوء الذي لا يقطعه الا صوت قرآن خافت جعلني أغفو .. استيقظت على يد تهزني برفق لاكتشف ان السيارة توقفت في منطقة سكنية تحيط بها الصحراء .. نزل ابي امام منزل متواضع غريب الشكل .. لك يكن الباب مغلقاً فدفعه ودخل وأنا اتبعه بخوف ... رأيت أمامي مساحة شاسعة أرضها تراب وفي نهايتها يوجد مبني وحيد غريب الطراز ..
بدا الاستقبال بصرخة أطلقتها امرأة خرجت من المبنى الصغير .. فتبعها آخرون .. وفجأة وجدنا أنفسنا وسط دائرة من البشر الذين يبكون ويضحكون في آن واحد .. وعلى أصواتهم المتنافرة تدافعت جموع اخرى من الباب المفتوح حتى امتلأت الساحة بطوفان من البشر .. كان ابي يتنقل من ذراع لآخر باكياً بصوت عال فيما بدا لي وكأنه كابوس لن ينتهي .. واخيرا تنبه البعض لوجودي فسالت اكبر النساء سناً " دي منو يا سعيد ؟؟ " كانت لهجة ابي مزيجا من الفخر والحزن " دي ياسمين بتي يا امي " وانطلقت الصرخات مرة أخرى واتى دوري في التنقل من حضن لاخر .. لم يتركوني الا بعد ان شارفت على الإغماء ...
ليلتها اختبرت اغرب تجربة في حياتي .. النوم في العراء وتحت السماء مباشرة .. ظللت مستيقظة فترة طويلة وأنا ارقب النجوم وهي تدنو مني وتبتعد عني حتى خيل الي في لحظات أنني أستطيع إمساكها بيدي .. كنت أدرك إنها خيالات عقلي المرهق لكنني أحببتها في اليوم التالي اختبرت تجربة أخرى لا تقل غرابة عن الأولى لكنها مفزعة .. تم ذبح عدد من الخراف بوحشية بالغة بدعوى الترحيب بنا .. عزفت عن الأكل لمدة يومين حتى تفهم أبي مشكلتي واصبحت الخضراوات طعامي الرسمي ...
كانت رؤيتي تثير دهشة كل من يراني .. ثم يتبعها الفرح عند سماع لهجتي السودانية الطلقة .. قابلت أعداد هائلة من البشر .. مر أسبوع من السلام الغريب عن طريق هز الذراع بقوة او الاحتضان بعنف وعانيت في نهايته من ألم حاد في ذراعي اليمين ... في الأسبوع الثاني لحضورنا اختفى كمبيوتري المحمول بصورة غامضة من الغرفة التي خصصت لي وحدي بعد أن رفضت بصورة قاطعة مشاركة أي كان خصوصيتي التي اعتدتها منذ طفولتي .. علل أبي الاختفاء بان لصا قد سطا على المنزل وسرقه اللابتوب مما أثار حيرتي .. لماذا يسرق لصا فقط كمبيوتري ويترك بقية أغراضي ومن بينها أشياء قيمة وغالية الثمن ؟؟ وعدني أبي بالبحث عنه فسكت على مضض .. لكن عندما اختفى جواز سفري وكل أوراقي الثبوتية من الدولاب أدركت ان هناك شيئا ما يحدث حولي .. شيئا غامضا يستهدفني .. فواجهت أبى بشكوكي ... ويا لها من مواجهة ...
" ياسمين .. انسي هولندا تماما .. انسي أمك ومايكل .. من هنا وجاي دي بلدك ودة بيتك وديل اهلك " احتدم النقاش وارتفع صوتي وانا ادعوه بالكاذب المحتال فما كان منه الا ان صفعني بقوة .. كانت هذه اول مرة يضربني فيها ابي .. لكنها لم تكن الاخيرة ...
حبست نفسي في غرفتي وبما انه لم يكن هناك قفل في الباب القديم .. قمت بوضع كرسي وراءه ورفضت الأكل والكلام .. في اليوم الثالث كسر ابي الباب ونقلني الى المستشفى لمعالجتي من الهبوط والجفاف .. اعتنى بي الجميع بعد عودتي لكنني لم أتجاوب معهم فقد كنت اشعر بكراهية شديدة لكل من حولي .. كنت أفكر في مدى صحة كلمات امي .. هولاء العرب القذرين لا يعرفون شئيا عن الوفاء بالوعود.. يدعّون ان دينهم يمنعهم الكذب ويكذبون كما يتنفسون .. ارغب بالعودة الى وطني .. ارغب بالعودة الى امي ومايكل فبرغم كل شئ هم لا يكذبون ...
بت آكل فقط ما يعينني على البقاء حية وبعيدة عن المستشفى والتزمت الصمت التام برغم محاولات جدتي العجوز وعمتي التي تكبرني بثمانية اعوام ... مرت شهور توقفت عن عدها .. ففي مدينة مثل ابو حمد تتشابه اللحظات والدقائق والساعات كنت خلال هذه الفترة قد اكملت عامي السادس عشر .. وقتها فكر ابي ان علاجي الوحيد سوف يكون تزويجي حتى يقطع كل الجسور التي تربطني ببلدي وتبقيني هنا .. وتوافد الراغبون عندما علموا برغبة ابي وما كان اكثرهم .. جميع شباب المنطقة تقريباً تدافعوا للحصول على هذه المخلوقة الهجين بجمالها الغريب ..اخيراً وافق ابي على ابن عمي الذي يكبرني بتسعة عشر عاما .. اتاني مهددا بانه سوف يذبحني كما ذبحت الخراف عند حضورنا ويدفنني في صحراء ابو حمد ان انا رفضت الزواج .. اخبرته بموافقتي شريطة ان يتم العقد بوجودي واوقع على السجل بخط يدي .. استغرب طلبي ولكن فرحته الكبيرة بموافقتي السريعة جعلته يرضخ لما اريد .. حددت مواعيد العقد يوم الخميس على ان يتم الزواج بعد شهر حينما تكتمل عملية تحويلي الى امراة سودانية كاملة وحرق الجزء الهولندي في حفرة الدخان التي اعدت خصيصا لهذا الغرض ..
يوم العقد البستني عمتي الثوب السوداني بعد جهد كبير وثبتته بكيمة من الدبابيس حتى لا بنفرط عقده امام الرجال .. دخلت وجلست بهدوء والعريس المرتقب يرمقني بنظرات متلهفة فرحة .. انتظرت حتى وصل الماذون لنقطة البكر ثم القيت قنبلتي في وجه ابي وعريسي وكل الحضور .. اعلنت بصوت واضح ولهجة سودانية صميمة بانني لست بكراً واخبرتهم بفقداني لعذريتي مع صديقي منذ عام .. وان ابي على علم بهذا الامر ..
كانت فضيحة مدوية تكلمت عنها ابو حمد لفترة طويلة نلت بسببها ضربا مبرحا من ابي الحانق ونلت ايضا اعفاء من هذا الزواج المفروض عليّ وترحيلي من ابو حمد التي اصبحت جحيما لا يطاق من الغمزات المتبادلة في أي مكان يرتاده ابي ..
تم سجني في شقة مفروشة باحد الاحياء الجديدة في العاصمة بلا أي وسيلة اتصال بالعالم الخارجي .. لم احاول الاستغاثة .. فانا في بلده .. والقانون في صفه .. املي الوحيد هو ايجاد وسيلة للاتصال بالقنصلية الهولندية .. هذا الامل المستحيل ..
كان ابي يغيب لساعات طويلة .. احيانا طيلة النهار وجزء من الليل .. حتى ايقنت انه يتفادى البقاء بمفرده معي حتى لا تستعديه نظراتي اللائمة على ضميره النائم ولا تذكره ملامحي الشاحبة بافعاله القبيحة ... تآمر ضدي الصمت والعزلة والاحساس بالظلم وبدات اهوي في بئر عميق من الياس واحسست باني اكاد افقد عقلي .. وفي ليلة طال فيها غياب ابي قررت ان حياتي ليس فيها ما يستحق ان اعيش من اجله ان كانت ستمر على نفس الوتيرة .. احضرت موس الحلاقة من الحمام وزينت معصمي بخطين رفيعين لكنهما يكفيان لاستلاب روحي المعذبة .. جلست بهدوء وانا انظر الى دمي يسيل ويملا الارض حولي .. عندما فتح ابي الباب بعد فترة قصيرة كنت لا ازال في وعيي احملق في البقعة الداكنة التي بدات تتكون تحت قدمي .. نظرت الي وجهه المفزوع بشماتة وتشف .. وعندما بدا ركضه اليائس نحوي وهو يصرخ .. غبت عن الوعي ..
فتحت عيناي في غرفة بيضاء انظف من تلك التي كنت فيها في ابو حمد .. طالعني وجه ابي الباكي ونظراته القلقة التي ذكرتني برجل كنت اعرفه في زمن مضى .. رجل اعتدت الجلوس على ركبتيه وسماع حكاياته عن وطن صار لي سجنا وجحيماً .. لم احس بالشفقة تجاهه ولا الحزن ولا أي شئ .. مجرد فراغ سكنني بعنفوان .. علمت انني احتجت لكمية كبيرة من الدم لتعويض ما فقدته .. وان ابي اعطاني دمه ..
جاءت الشرطة للتحقيق في محاولة الانتحار والتزمت الصمت التام فعلل ابي الامر بعدم معرفتي للغة العربية .. واخرج لهم جوازي الهولندي .. اخبرهم باني احس بالغربة والحنين الى بلدي واهلي .. فتركوني ومضوا ..
عند خروجي من المستشفى اخذني ابي مباشرة الى المطار .. سلمني جواز سفري .. كمبيوتري .. وتذكرة العودة .. بكلمات حزينة هامسة ودعني وانا مشيحة بوجهي الى الاتجاه المعاكس .. " ياسمين .. يمكن هسة ما تفهمي انا عملت كدة ليه .. لكن حيجي يوم وتفهمي لما تتزوجي ويبقى عندك اطفال تحسي انك ممكن تعملي أي حاجة في الدنيا عشان تحميهم من أي شئ .. حتى من نفسهم لو استدعى الامر .. انتي حتة مني يا ياسمين .. حبك اتزرع جواي من اول لحظة فتحتي فيها عيونك في المستشفى .. انا عملت كدة لاني عرفت من زمان اني ضيعت مايكل .. وكنتي انتي الباقية لي .. كنت عاوز احافظ عليك واحميك من حياة غلط .. لكن واضح انو انا الكنت غلط من البداية .. من يوم ما اتزوجت امك .. حاولي تسامحيني .. حاولي تفهمي وتتفهمي " تعالى نداء طائرة الخطوط الجوية الهولندية معلنا دخول الركاب .. غطيت معصمي باكمامي الطويلة .. شددت ظهري .. رفعت ذقني واتجهت الى بوابة الخروج دون نظرة الى الوراء ...
فــبرايـــر 2006م ...
اصبحت في التاسعة عشرة .. انتقلت من امستردام الى مدينة صغيرة .. اعيش وحيدة في شقة خاصة بي واعمل في مجال الدعاية والاعلان .. خارج نطاق العمل اعيش كقط بري لا يألف الناس ولا يتعايش معهم .. اصد كل محاولات التقرب وارفض العلاقات الاجتماعية .. في الليالي الطويلة الباردة التي يجافيني فيها النوم .. اغمض عيناي واسترجع ذكرى سماء تغطيني ونجوم تدنو وتبتعد .. وفي لحظات اكاد اقسم باني اشم عبير الصحراء ومن وراء التلال يتراءى لي وجه حزين يطالبني بالتفهم والغفران .. وجه لكيان احمله داخلي طباعا وملامح ..
في احدى المرات صورت اعلانا وضع في غلاف مجلة مشهورة .. كتب احد النقاد معلقاً على شكلي الغريب " يا له من جمال فريد .. في عينيها نداء الغابة .. وفي حركاتها توثب نمر افريقي .. يحيط بها جو من الغموض وكانها من عالم آخر ..
ارسلت المجلة بالبريد الى عنوان ابي في ابو حمد .. اتمنى ان تكون قد وصلته ...

avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2852
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى