* تاريخ مختصر الدول : من ريدافرنس - الى نزول هولاكو على باب بغداد

اذهب الى الأسفل

* تاريخ مختصر الدول : من ريدافرنس - الى نزول هولاكو على باب بغداد

مُساهمة  طارق فتحي في السبت فبراير 05, 2011 4:38 pm


(1/160)

و في سنة ثماني و أربعين و ستمائة سير ريدافرنس عسكرا نحو ألفي فارس نحو المنصورة ليجس بهم ما هم عليه المصريون من القوة. فلقيهم طرف من عسكر المسلمين فاقتتلوا قتالا ضعيفا فانهزم المسلمون بين أيديهم فدخل الفرنج المنصورة و لم ينالوا منها نيلا طائلالأنهم حصلوا في مضايق أزقتها و كان العامة يقاتلونهم بالحجارة و الآجر و التراب و خيولهم الضخمة لم تتمكن من الجولان بين الدروب. و كان القائد لعسكر المسلمين فخر الدين عثمان المعروف بابن السيف أحد الأمراء المصريين شيخ كبير أحاط به الفرنج و هو في الحمام يصبغ لحيته فقتلوه هناك. و عادوا إلى ريدافرنس و أعلموه بما تم لهم مع ذلك العسكر و بالمدينة. فزاد طمعه و طمع من معه من البطارقة ظانين أنه إذا كان الالتقاء خارج الجدران بالصحراء لم يكن للمسلمين عليهم مقدرة.فعبى جيوشه و سار بهم طالبا أرض مصر. فصبر المصريون إلى أن عبر الفرنج الخليج من النيل المسمى اشمون و هو بين البرين بر دمياط و بر المنصورة. فتوجهوا نحوهم و التقى العسكران و اقتتل الفريقان قتالا شديدا. و انجلت الحرب عن كسرة الفرنج و هزموا افحش هزيمة و منعهم الخليج المذكور من أن يفوزوا و ينجوا بأرواحهم فغرق منهم خلق كثير و قتل آخرون و أسر الملك ريدافرنس و معه جماعة من خواصه و أكابره. فلما حصل ملك الفرنج في قبضة الملك المعظم قال له المماليك الصغار أقرانه: إننا نرى الأمر كله إلى شجر الدر و الأمراء و ليس لك من السلطنة إلا اسمها فلو كنت في الحصن كنت أرفه خاطرا منك و أنت صاحب مصر و الحكم لغيرك و السبب في هذا ليس إلا حاجتك إليهم في مقاومة الفرنج و ليس لك عدو سواهم فالرأي أن تصالح هذا الملك و من معه من أمرائه إلى أي مدة شئت فإنه لا يخالفك في جميع ما تريد منه إذا اصطنعته و وهبت له روحه و تأخذ منه الأموال و الجواهر التي له في دمياط و يسلم إليك دمياط و يذهب في حال سبيله و تأمن شره و شر أهل ملته و تستريح من الأمراء و استخدام الجند و تبقي في ملكك من اخترت و تزيل من كرهت. فصغا المعظم إلى قولهم و استصوب رأيهم و دبر الأمر مع ريدافرنس و حلفه كما أراد من غير أن يشاور الأمراء الكبار في شيء من ذلك. فأحسوا بالقضية و تحققوا تغير المعظم عليهم و ما قد نوى أن يفعل بهم فنقموا عليه و وثبوا به فهرب منهم و صعد إلى برج من خشب كان هناك فضربوا فيه النار فلما وصلت إليه و شاطته رمى نفسه إلى الخليج النيلي. فجاؤوا إليه و رموه بالنشاب و هو في الماء فمات غريقا جريحا.
و اتفق الأمراء التراك و قدموا عليهم أميرا منهم يلقب بعز الدين التركماني و نهضوا إلى ريدافرنس و جددوا معه اليمين و افتدي منهم بألف ألف دينار و تسلم دمياط فأطلقوه ثم سار التركماني من المنصورة إلى مصر و أقطع الإسكندرية لأمير من الترك يقال له فارس اقطاي و تزوج شجر الدر و صار ملك مصر في قبضتهما. و أما ريدافرنس لما وصل إلى دمياط أخذ أهله و من تخلف من أصحابه و خرج عنها و سلمها إلى المسلمين و أقام هو بعكا و بنى مدينة قيسارية و أصلحها و أسكنها جماعة ثم سار إلى بلده.

(1/161)

و لما ولي التركماني الديار المصرية كان الأمر كله إلى شجر الدر لا تمكنه التصرف إلا فيما يصدر عن رأيها فكره ذلك و لم يطق احتماله و هم بإهلاكها. فشعرت بذلك و سبقته. ففعلت به ما أراد أن يعمل بها و أشلت عليه المماليك الصغار. و في بعض الأيام لما دخل الحمام و كانوا يسكبون على رأسه الماء ليغتسل جرحوه بالسكاكين فقتلوه. و قيل مقلوا رأسه في الماء داخل الخزانة إلى أن اختنق مغطوطا. و أمرت شجر الدر أن يخرج و يدفن فأخرجوه و دفنوه في الدار. و لما بلغ ذلك الأمراء الكبار عظم عليهم فعلها فوثبوا بها و قتلوها و رموها في الخندق فأكلتها الكلاب. و قدموا عليهم واحدا منهم اسمه قوتوز فحلفوا له و ملكوه و لقبوه الملك المظفر. و لما استولى المماليك على الديار المصرية سار الملك الناصر صاحب حلب بجريدة إلى دمشق فسلمها إليه أهلها فملكها و أقام بها و صارت دار مملكته. ثم راسله بعض المماليك من مصر ليسير إليهم فيسلموا له مصر فعبى عسكره و سار إلى نحو الديار المصرية ليملكها كما ملك دمشق. فلمابلغ أمراء الترك ذلك بادروا إليه في عساكرهم و التقوا الشاميين بناحية غزة و كسروهم و هزموهم فعاد الملك الناصر فيمن معه خائبا خاسرا. و فيها ملك بدر الدين لؤلؤ جزيرة ابن عمر و أسر صاحبها الملك مسعود بن الملك المعظم من بيت أتابك زنكي و سيره في ركوة إلى الموصل و تقدم إلى من وكل به ليرميه ليلة في دجلة فغرقوه و أخبروا أنه رمى نفسه و هم نيام و لم يحسوا بما فعل.

(1/162)

و فيها اجتمع أولاد الملوك و أمراء المغول فوصل من حدود قراقورم مونككا بن تولي خان. و أما سيرامون و باقي أحفاد و خواتين قاان فسيروا قنقورتقاي و كتبوا خطهم أنه قائم مقامهم و أن باتوا هو أكبر الأولاد و هو الحاكم هو راضون بما يرضاه. و أما أغول غانميش خاتون زوجة كيوك خان و من معها من أولاد الملوك فوصلوا إلى خدمة باتوا و لم يقيموا عنده أكثر من يوم بل رجعوا إلى أوردوهم و استنابوا أميرا منهم يقال له تيمور نوين و أذنوا له أن يوافق ما يتفق عليه الجمع كله و إن اختلفت الأهواء لا يطيع أحدا حتى يعلمهم كيفية الحال. فبقي جغاتاي و مونككا و سائر من كان حاضرا من الأولاد و الأحفاد و الأمراء يتشاورون أياما في هذا الأمر و فوضوا الأمر إلى باتوا لأنه أكبر الجماعة و أشدهم رأيا. فبعد ثلاثة أيام من يوم التفويض قال: إن مثل هذا الخطب الخطير ليس فينا من يفي بحق القيام به غير مونككا فوافقوه كلهم على ذلك و أجلسوه على سرير المملكة و باتوا مع باقي الأولاد و الأكابر خدموه جاثين على ركبهم كالعادة. و انصرف كل واحد إلى مقامه على بناء أنهم يجتمعون في السنة المقبلة و يعملون مجمعا كبيرا ليحضره من الأولاد و الأكابر من لم يحضر الآن. و في سنة تسع و أربعين و ستمائة في وقت الربيع حضر أكثر الأولاد مثل بركة أغول و أخوه بغاتيمور و عمهم الجتاي الكبير و الأمراء المعتبرين من اردو جنكزخان. و في اليوم التاسع من ربيع الآخر كشفوا رؤوسهم و رموا مناطقهم على أكتافهم و رفعوا منوككا على سرير المملكة و مونككا قاان سموه و جثوا على ركبهم تسع مرات. و كان له حينئذ سبعة من الأخوة: قبلاي، هولاكو، اريغبوكا، موكا، بوجك، سبكو، سونتاي، فترتبوا جالسين على يمينه و الخواتين على يساره و عملوا الفرحة سبعة أيام. و بينما هم يحسرون و يسرون إذ وصل قدغان أغول و ابن أخته ملك أغول و قراهولاكو و قاموا بمراسم التهنئة و شرائط الخدمة. و كان الجماعة بانتظار أغول غانميش زوجة كيوك خان و ولدها خواجة أغول و أمرائهم و لم يصل بعد أحد منهم. و في سنة خمسين و ستمائة توجهت أغوا غانميش و جماعتها في عساكرهم نحو أردو مونككا خان. و كان المقدم على جيوشهم سيرامون و ناقوا. و لما قربوا اتفق أن رجلا من أردو مونككا قاان من الذين يربون السباع لأولاد الملك هرب منه أسد فخرج في طلبه دائرا عليه بالجبال و الصحاري فاجتاز بطرف من عسكر سيرامون و لقي صبيا منهم قد انكسرت عجلته و هو جالس عندها. فلما رأى السباع المذكور مجتازا استدعاه ليستعين به في ترميم عجلته فأجابه السباع إلى ذلك و نزل من فرسه و أخذ يصلح معه العجلة. فوقع بصره على أسلحة مستورة في باطن العجلة فسأل الغلام عنها. فقال له: ما أغفلك كأنك لست منا كيف لم تعرف أن كل العجل التي معنا كهذه مشحونة بآلات الحرب. فلما تحقق ذلك ترك طلب الأسد الآبق و سار مسيرة ثلاثة أيام في يوم واحد عائدا إلى أصحابه و أعلمهم بما رأى و سمع. فأمر مونككا قاان أن يمضي إليهم منكسار في ألفي فارس و يستكشف حالهم. فمضى و ذكر لهم ما نقل عنهم فلم يتمالكوا و داخلهم الرعب و لم يسعهم إلا التسليم لما يقضى عليهم. و لما حضر الكبير منهم و الصغير وقع السؤال و ثبتت الجريمة عليهم فجوزوا بما استوجبوا من الهلاك و تقسيم عساكرهم على الأولاد و الأمراء. و لما فرغ خاطر مونككا قاان من أمر المخالفين شرع في ترتيب العساكر و ضبط الممالك فأقطع بلاد الخطا من حد الميري إلى سليكاي و تنكوت و تبت لقبلاي أغول أخيه. و البلاد الغربية لهولاكوأخيه الآخر و من جهة تحصيل الأموال. و ولى على البلاد الشرقية من شاطئ جيحون إلى منتهى بلاد الخطا الصاحب المعظم يلواج و ولده مسعود بيك. و على ممالك خراسان و مازندران و هندوستان و العراق و فارس و كرمان و لور و اران و أذربيجان و كرجستان و الموصل و الشام الأمير أرغون آغا. و أمر أن المتمول الكبير ببلاد الخطا يؤدي في السنة خمسة عشر دينارا و الوضيع دينارا واحدا. و ببلاد خراسان يزن المتمول في السنة عشرة دنانير و الفقير دينارا واحدا. و من مراعي ذوات الأربع الذي يسمونه قويجور يؤخذ من كل من له مائة رأس من جنس واحد رأس واحد و ن ليس له مائة لا يؤخذ منه شيء. و أطلق العباد و أرباب الدين من الوثنيين و النصارى و المسلمين من

(1/163)

جميع المؤونات و الأوزان و التكليفات.يع المؤونات و الأوزان و التكليفات.
و فيها و هي سنة ألف و خمسمائة و ثلاث و ستين للإسكندر توجه حاتم ملك الأرمن إلى خدمة مونككا قاان أخذ قربان خميس الفصح و رحل عن مدينة سيس يوم الجمعة الصلبوت و خرج متنكرا مع رسول له بزي بعض الغلمان و أخذ على يده جنيبا يجذبه خلف الرسول لأنه كان خائفا من السلطان صاحب الروم.و ذكر الرسول اين ما جاء و اجتاز من بلد الروم أنه قد أرسله الملك حاتم ليأخذ له الأمان من مونككا قاان فإذا أمنه توجه هو بنفسه إلى حضرته. حدثني الملك حاتم عند اجتماعي به بمدينة طرسوس بعد سنين من عودته من خدمة مونككا قاات قال: عبرت بقيسارية و سيواس مع الرسول و لم يعرفني أحد من أهلها قط إلا لما دخلنا مدينة ارزنكان عرفني رجل من السوقية كان قد سكن عندنا فقال: إن كانتا هاتان عيني فهذا ملك سيس. فلما سمع الرسول كلامه التفت إلي و لطمني على خدي و قال: يا نذل صرت تتشبه بالملوك. فاحتملت اللطمة لأزيل بها ظن من كان ظنه يقينا.
و في سنة إحدى و خمسين و ستمائة توجه هولاكو إيلخان من نواحي قراقورم إلى البلاد الغربية. و سير معه مونككا قاان الجيوش من كل عشرة اثنين و صحبه أخوه الصغير سنتاي أغول و من جانب باتوا بلغاي بن سبقان و قوتار أغول و قولي في عساكر باتوا. و من قبل جغاتاي تكودار أغول بن بوخي أغول. و من جانب جيحكان بيكي بوقا تيمور في عسكر الاويرات. و من ناحية الخطا ألف بيت من صناع المنجنيقات و أصحاب الحيل في إصلاح آلات الحرب. فكان أمير الترك كيدبوقا الباورجي. و كان القائم مقام هولاكو بأردو مونككا قاان ولده جومغار بسبب أن أمه أكبرخواتين هولاكو أبيه. و أخذ صحبته ابنه الكبير اباقا و ابنه الآخر يسمون و من الخواتين الكبار دوقوز خاتون المؤمنة المسيحية و الجاي خاتون. و في سنة اثنتين و خمسين و ستمائة تواترت الايلجية في طلب السلطان عز الدين صاحب الروم ليحضر هو بنفسه في خدمة مونككا قاان. فتجهز و سار حتى وصل إلى مدينة سيواس. و لما سمع أن الأمراء قد مالوا إلى ركن الدين أخيه و يرومون تمليكه عاد مسرعا إلى قونية و أرسل أخاه علاء الدين و كتب معه كتبا يذكر فيها: إنني قد سيرت أخي علاء الدين و هو سلطان مثلي و أنا لم يمكنني المجيء بسبب أن أتابكي و مدبري جلال الدين قرطاي قد مات و ظهر لي أعداء من ناحية المغرب فإذا كفيت شرهم جئت المرة الأخرى. فلما سار علاء الدين توفي في الطريق و لم يصل إلى الاردو. و أراد عز الدين أن يقتل ركن الدين أخاه الآخر و يأمن غائلته فأحس الأمراء بذلك و هربوه بأن ألبسوه ثياب بعض غلمان الطباخين و وضعوا على رأسه خوانجه فيها طعام و أخرجوه من الدار و القلعة في جماعة من الصبيان قد حملوا طعاما إلى بعض الدور. فلما خرج أركبوه فرسا و ساروا به حتىأوصلوه إلى قيسارية و انضم إليهم هناك جماعة من الأمراء و جيشوا و توجهوا نحو قونية ليحاربوا عز الدين. فبرز إليهم عز الدين بمن نعه من العسكر فكسرهم و هزمهم و أسر ركن الدين أخاه و اعتقله بقلعة دوالوا. و في سنة ثلاث و خمسين و ستمائة وصل رسول بايجو نوين إلى السلطان عز الدين يطلب منه مكانا يشتي به لأن بلد موغان الذي كان يشتوبه صار مشتى لهولاكو. فأبى السلطان أن يجيبه إلى ذلك و طمع فيه و ظنه منهزما بين يدي هولاكو و جيش و حاربه عند خان السلطان بين قونية و اقسرا و انكسر عز الدين و هرب متوغلا في بلاده الداخلة. فأخرج بايجو اخاه ركن الدين من الحبس و ملكه على جميع بلاد الروم.

(1/164)

و فيها وصل الملك حاتم و دخل بلده أول أيلول و كان مجيئه صحبة بايجو نوين. و فيها في شهر شعبان نزل هولاكو بمروج مدينة سمرقند و اقام بها أربعين يوما. و هناك أدرك أخاه سنتاي أغول أجله و أخبر بوفاة أخيه الآخر في طرف بلادر فتكدر خاطره لهاتين الوقعتين فوصل إليه الأمير أرغون و أكثر أكابر خراسان و قووا عزمهم فعبروا ماء جيحون و كان الوقت شتاء شديد البرد لا يقشع الغيم و لا ينقطع وقوع الثلج من تلك البقاع إلى وقت حلول الشمس برج الحمل. فأمر الأمراء أن يقصدوا في عساكرهم قلاع الملاحدة و كان مقدم الاسمعيلية يومئذ ركن الدين خوزشاه بن علاء الدين فأخرب خمس قلاع من قلاعه التي لم يكن فيها ذخائر للحصار. و أقبل رسول هولاكو إلى حد قصران. و كان كيدبوقا قد سبق ففتح قلعة شاهديز و ثلثا آخر من قلاعهم. و لما وصل إيلخان إلى عباساباذ سير ركن الدين إلى العبودية صبيا عمره نحو سبع أو ثماني سنين و ذكر أنه ولده. فلم يخف صنيعه على هولاكو و لكن لم يكاشفه في ذلك بل أعز الصبي و أكرمه ثم أعاده إليه. و بعد وصول هذا الابن المزور إلى ركن الدين سير أخاه شيرازنشاه في ثلاثمائة رجل على سبيل الحشر. فسير هولاكو الثلاثمائة إلى جمالاباذ من بلد قزوين و أعاد أخاه محملا رسالة إليه و هي أنه إلى خمسة أيام إن لم يصل بنفسه إلى الخدمة يحكم قلعته و يستعد للحرب. فأرسل رسولا يقول: إنه لا يتجاسر على الخروج خوفا من حشمه الذين معه داخل القلعة لئلا يثبوا به فإذا وجد فرصة جاء. فعرف هولاكو أنه مماطل مدافع من وقت إلى آخر فرحل رابع عشر شوال من سنة أربع و خمسين و ستمائة من بيشكام و نزل على القلعة المحاذية لميمون دره و تقدم بقتل الثلاثمائة رجل من الملاحدة الذين كانوا بجمالاباذ قزوين سرا و صار أهل قزوين يضربون بذلك مثلا لمن يقتل فيقولون انبعث إلى جمالاباذ. و لما عاين ركن الدين نزول هولاكو بالقرب سير رسولا يقول: إن سبب تماطلي لم يكن غير أنني ما كنت أحقق وصوله المبارك و الآن أنا نازل اليوم أو غدا. و كان تلك الليلة ليلة الميلاد. فلما عزم على الخروج ثاوره العلاة من الملاحدة و واثبه الفدائيون و لم يمكنوه من الخروج. فسير إلى هولاكو و أعلمه ما هم عليه من التمرد. فأمره أن يداري الوقت معهم محافظا نفسه منهم و كيف ما كان يحتال للنزول و لو متنكرا. و تقدم إلى الأمراء ليحتفوا بالقلعة و ينصبوا المنجنيقات و يقاتل كل منهم من يقاتله من الاسمعيلية. فلما اشتغل الملاحدة بقتال المغول نزل ركن الدين و معه ولده و خواصه إلى عبودية هولاكو و أظهر الخجلة بل الندامة معترفا بما اقترفه في الأيام الماضية من الجرائم و الآثام. فشملته لطائف عواطف ايلخان و بدل ما عند ركن الدين من الاستيحاش و الاستنفار بالاستيناس و الاستبشار. و لما تحقق من بالقلعة ما نال صاحبهم من الطمأنينة و الكرامة سلموا القلعة و نزلوا عنها فحاول المغول هدمها و فتحوا أيضا جميع القلاع التي في ذلك الوادي. و توجه ايلجي إلى متولي قلعة الموت ليتبع مولاه ركن الدين في توخي الايلية و تسليم القلعة. فأبى إلا العصيان إلى أن نازله بلغاي أغول في عساكر جمة فطلب الأمان و سلمها و خرج عنها في أواخر ذي القعدة من السنة المذكورة. و في تلك الأيام وصل شمس الدين محتشم قلاع قهستان و أخذ يرليغا و سار معه أصحاب ركن الدين إلى قهستان ليخرب جميع القلاع التي هناك و هي تزيد على خمسين حصنا حصينا و تسلموها و فتحوها إلا قلعتين منها هما كرذكوه و كمشير فإنهم لم يطيقوا فتحها في الحال إلا بعد سنتين. و وصل أكابر الديلم صالحوا المغول على تخريب قلاعهم. و في أواسط ذي الحجة عاد هولاكو إلى الاردو بناحية همذان و سير ركن الدين و بنيه و بناته و أزواجه إلى قزوين. و في سنة خمس و خمسين و ستمائة التمس ركن الدين خوزشاه من هولاكو أن يسيره إلى عبودية مونككا قاان. فأعجبه ذلك و أرسله و معه تسعة نفر من أصحابه صحبة الايلجية. فلما وصلوا إلى مدينة بخارا خاصم الايلجية و تسافه عليهم فحقدوا عليه. فلما وصلواإلى قراقورم لم يؤذن لركن الدين أن يحضر و برز مرسوم مونككا قاان إليه أن: يجب عليك العود إلى بلدك و التقدم إلى نوابك ليسلموا قلعتي كرذكوه و كمشير فإذا سلموهما و أخربتهما تحضر مرة أخرى و يكون لك التليشميشي أي الإكرام و

(1/165)

القبول. فنكص ركن الدين بهذا الرجاء على عقبه. و في الطريق أهلك مع من كان معه من أصحابه. و وصل يرليغ مونككا قاان إلى هولاكوليقتل الملاحدة بأسرهم و لا يبقى منهم أثر. فأرسل قراقاي اليبتكتجي إلى قزوين و قتل بني ركن الدين و بناته و إخوته و أخواته مع جميع عساكر الملاحدة و أوتكو حنا نوين أيضا أخرج من رعايا الاسمعيلية بحجة الحشر اثني عشر ألف رجل و قتلهم كلهم و أخلى الأرض من كل من ألحد في دينه.قبول. فنكص ركن الدين بهذا الرجاء على عقبه. و في الطريق أهلك مع من كان معه من أصحابه. و وصل يرليغ مونككا قاان إلى هولاكوليقتل الملاحدة بأسرهم و لا يبقى منهم أثر. فأرسل قراقاي اليبتكتجي إلى قزوين و قتل بني ركن الدين و بناته و إخوته و أخواته مع جميع عساكر الملاحدة و أوتكو حنا نوين أيضا أخرج من رعايا الاسمعيلية بحجة الحشر اثني عشر ألف رجل و قتلهم كلهم و أخلى الأرض من كل من ألحد في دينه.

(1/166)

و فيها سير السلطان عز الدين رسولا إلى خدمة هولاكو شاكيا على بايجو نوين أنه أزاحه عن ملكه. فأمر هولاكو أن يتقاسما الممالك هو و أخوه ركن الدين. فظهر عز الدين فأتى إلى قونية و مضى ركن الدين مع بايجو نوين إلى مخيمه. و لخوف عز الدين من بايجو نوين وجه مملوكه طفلا إلى نواحي ملطية و خرتبرت ليستخدم له عسكرا من الأكراد و التركمان و العرب. فوصل هذا المملوك و سير في طلب شرف الدين أحمد ابن بلاس من بلد الهكار و شرف الدين محمد بن الشيخ عدي من بلد الموصل الكرديين فأتياه. فأقطع ابن بلاس ملطية و ابن الشيخ عدي خرتبرت. أما ابن بلاس فلم يقبله اهل ملطية لأنهم كانوا مستحلفين لركن الدين فكان يضطهدهم و يجور عليهم. فما احتملوه و آل أمرهم معه إلى أن وثبوا بأصحابه و قتلوا منهم نحو ثلاثمائة رجل و هرب هو مع من تبعه من أصحابه و اجتازوا ببلد قلوذيا و أحرقوا دير ماذيق يوم الشعانين و عبروا إلى بلد آمد و هناك أدركهم صاحب ميافارقين و قتل ابن بلاس و أسر أصحابه. و أما ابن الشيخ عدي فرحل من خرتبرت ليتصل بالسلطان عز الدين فأدركه أنكورك نوين و قتله و من معه. ثم ولى السلطان عز الدين ملطية رجلا بطلا شجاعا يقال له علي بهادر فقبله أهل ملطية خوفا من صرامته. و هذا علي حارب الاعجزية و هم قوم مفسدون من التركمان كانوا يغيرون على؟ البلاد و يقتلون أهلها و يسبون الذراري فأسر مقدمهم المسمى جوتي بك و سجنه بقلعة المنشار و هزم جيوشهم . فأمن الناس شرهم و انفتحت السبل و امتار الناس الطعام و فرج الله عنهم غمهم قيلا. و بينما هم فرحون بذلك إذ وافاهم بايجو نوين في عساكره و صاروا يقاتلون متسلمي القلاع ليسلموها إلى ركن الدين. و نزلوا على مدينة ابلستين و قتلوا من أهلها نحو ستة آلاف رجل و أسروا النساء و البنين و البنات. و جاؤوا إلى ملطية فهرب علي بهادر إلى كاختة. و خرج أهل ملطية إلى خدمة بايجو نوين بأنواع الترغو و التحف. و كن ذلك في منتصف أيلول سنة ألف و خمسمائة و ثماني و ستين للإسكندر. فحلفهم لركن الدين و رحل عنهم بعد أن أخذ أموالا و ولى ركن الدين على ملطية مملوكا له اسمه فخر الدين اياز. و لما خرج بايجو من حدود الروم طالبا للعراق عاد علي بهادر إلى ملطية فأغلق أهلها الأبواب و لم يمكنوه من الدخول خوفا من بايجو. فحصرها أياما و اشتد الغلاء بها و بلغ المكوك من الملح إلى أربعين درهما و الحنطة المكوك بسبعين درهما. فضجر الناس و ضاقت بهم الحيلة ففتح العامة الحاكة و غيرهم بابا من أبواب المدينة في بعض الليالي فدخلها علي بهادر و أصحابه التركمانيون عنوة و أصعد إلى المنابر جماعة ينادون و يقولون: إن الأمير قد أمن الرعية النصارى منهم و المسلمين فليخرج كل واحد إلى عمله و دكانه و ليشتغل ببيعه و شرائه فإنما كلامه مع الحكام.فلما أصبحوا قبض على فخر الدين اياز مملوك السلطان ركن الدين و سجنه و أركب شهاب الدين العارض على بهيم حقير و طوفه بملطية ثم قتله و شد أحد طرفي رسن في رقبة المعين الايكد بشاسي و الطرف الآخر في رقبة كلب و مشاه بالأسواق ثم ضرب عنقه. و عاقب المستوفي الرومي القسيس قالويان و ولده كيريوري و اخويه باسيل و مانويل و استصفى أموالهم ثم قتلهم. و قتل أيضا الأمراء الثلاثة أولاد الأمير شهاب الدين إيسو الكردي. و اشتد الجوع بملطية و بلدها حتى أكل الناس الكلاب و السنانير و كانوا ينقعون الجلود اليابسة التي لدم بها النعال فيأكلونها مطبوخة. و اجتاز جماعة من أصحابنا بقرية اسمها باعبدون ببلد جوباس من أعمال ملطية فرأوا جماعة من النساء قد اجتمعن في بيت و قدامهن ميت ممدود و بأيديهن السكاكين و هن يشرحن لحمه و يشوينه و يأكلن. و امرأة أخرى شوت ابنها الصغير في تنور لها و لما كبسها مجاوروها حلفت أنها لم تقتله و إنما مات ففعلت به ذلك زاعمة أنها به أولى من الديدان.و بعد ما فعل علي بهادر تلك الرزايا بأعيان ملطية و مثل بأماثلها لم يهنأ له بها عيش لما كان أهلها عليه من البلاء و الجلاء و الجدب. فخرج عنها ملما بالسلطان عز الدين.

(1/167)

و فيها مرض ثاوذوروس ملك الروم بمدينة نيقية و كان في خدمته بطريق يقال له ميخائيل و يلقب بباليولوغس أي الكلام المتقدم. و ذلك أن العلماء من الروم بعد تغلب الافرنج على القسطنطينية تقدموا فقالوا إن ملكا في اسمه الميم و الخاء من حروف اليونانيين ينزع الفرنج عنها و يعيدها إلى الروم. فكان الملك ثاوذوروس يخاف هذا ميخائيل لئلا يتغلب على الملك. و لما اشتد خوفه منه سجنه و اعتقله ببعض قلاع بلد تسالونيقي و لم يمكنه إهلاكه بغير جريمة تظهر منه. و في مرضه هذا أرسل بطريقا يقال له غاذينوس ليأتيه به. فلما وصل غاذينوس هذا إلى ميخائيل قال له سرا: أنت الملك فكن لبيبا و أسلم نفسك إلي و لا تظهر كراهية أصلا و رأسا ليزول بذلك ما حصل عند الملك من الخيالات في شأنك. فأجاب ميخائيل إلى ذلك و حمله مقيدا إلى الملك. و لما مثل بين يديه بكى و أظهر الكآبة العظيمة. فرق له الملك و حن إليه و أقبل عليه و أوصى إليه في تربية قالويان ابنه و تدبيره و كان الابن وقتئذ طفلا و أشرك معه في ذلك البطريرك ارسانيوس. و بعد مدة مديدة توفي ثاوذوروس و دفن في دير مغنيسيا. و كان له أخت تسمى كيرايلونيا و لها ختن على ابنتها يقال له موزالون فخرجت معه إلى الدير بحجة زيارة قبر الملك و أقاما به أياما يتشاوران في أمر الملك و اتفقا على أن يقبضا على ميخائيل و من يرى رأيه و يتولى تدبير الطفل موزالون. فشعر ميخائيل بدسيستهما و سير عليهما جماعة من جند الفرنج الذين كانوا في خدمته و أمرهم أن يقتلوهما معا حيث وجدوهما. فدخل الفرنج الدير و لقوهما في البيعة وقت صلاةالعشاء فقطعوهما موضعهما و نادوا بشعار ميخائيل بمدينة نيقيا قائلين: ميخائيل يا منصور ميخائيل ملك يونان باليولوغس أوطوقراطور رومانيا. و من هناك سار ميخائيل إلى مدينة نيقية و خطب له بالمملكة بجميع تلك البلاد و اعتقل الطفل قالويان ابن الملك ببعض القلاع و نفى البطريرك ارسانيوس الذي وبخه على فعله هذا. و لما تمكن من الملك لم يكن له اهتمام إلا بأخذ قسطنطينية فسار إليها مرة و لم يقدر على فتحها فصبر إلى أن ثارت الفتنة بين البنادقة و الجنوية بمدينة عكا فسار البنادقة أجمعين عن القسطنطينية إلى عكا لنصرة أصحابهم و كانوا هم الحفظة لها. و احتال حيلة أخرى بأن أشار إلى متولي بعض قلاع الروم ليكاتب بغدوين الفرنجي صاحب القسطنطينية و يقول له: إن هذا ميخائيل قد تغلب على مملكة الروم بغير استحقاق و هو ظالم معتد على بيت أستاذه و أنا كاره له و أنت أولى بهذه القلعة منه لأنك ملك ابن ملك و ميخائيل خارجي. فابعث لي عسكرا و أنا أسلمها إليهم و لا بد من منجنيقات تكون معهم فينصبونها و يظهرون القتال و الزحف ليكون لي عذر عند الناس إذا سلمتها. فاغتر بغدوين الفرنجي بكلامه و قدره صادقا بما قال فأرسل من كان عنده من المقاتلين إلى تلك القلعة و نازلوها و اشتغلوا بنصب المنجنيقات و الاستعداد للقتال. و حينئذ عبرميخائيل في عساكره خليج القسطنطينية و نزل عليها و هي خالية عن رجال الحرب و حال بينها و بين العسكر الذي كان على القلعة المذكورة. فدله بعض الرعاة على باب عتيق للمدينة قد عفا أثره و لم يفتح من عهد قسطنطينوس فنبشوه و دخلوا المدينة و ملكوها ليلاو تغافلوا عن بغدوين صاحبها عمدا حتى خرج في أهل بيته و صار إلى بلاد الفرنج في البحر. و كان مدة بقاء القسطنطينية بيد الفرنج نحو ثلاث و خمسين سنة ثم عادت إلى الروم كما كانت أولا.

(1/168)

و فيها في شهر شوال رحل هولاكو عن حدود همذان نحو مدينة بغداد. و كان في أيام محاصرته قلاع الملاحدة قد سير رسولا إلى الخليفة المستعصم يطلب منه نجدة فاراد أن يسير و لم يقدر و لم يمكنه الوزراء و الأمراء و قالوا: إن هولاكو رجل صاحب احتيال و خديعة و ليس محتاجا إلى نجدتنا و إنما غرضه إخلاء بغداد عن الرجال فيملكها بسهولة. فتقاعدوا بسبب هذا الخيال عن إرسال الرجال. و لما فتح هولاكو تلك القلاع أرسل رسولا آخر إلى الخليفة و عاتبه على إهماله تسيير النجدة. فشاوروا الوزير فيما يجب أن يفعلوه فقال: لا وجه غير إرضاء هذا الملك الجبار ببذل الأموال و الهدايا و التحف له و لخواصه. و عندما أخذوا في تجهيز ما يسيرونه من الجواهر و المرصعات و الثياب و الذهب و الفضةو المماليك و الجواري و الخيل و البغال و الجمال قال الدويدار الصغير و أصحابه: إن الوزير إنا يدبر شأن نفسه مع التاتار و هو يروم تسليمنا إليهم فلا نمكنه من ذلك. فبطل الخليفة بهذا السبب تنفيذ الهدايا الكثيرة و اقتصر على شيء نزر لا قدر له. فغضب هولاكو و قال: لا بد من مجيئه هو بنفسه أو يسير أحد ثلاثة نفر إما الوزير و إما الدويدار و إما سليمانشاه. فتقدم الخليفة إليهم بالمضي فلم يركنوا إلى قوله فسير غيرهم مثل ابن الجوزي و ابن محيي الدين فلم يجديا عنه. و أمر هولاكو بايجو نوين و سونجاق نوين ليتوجها في مقدمته على طريق اربل و توجه هو على طريق حلوان. و خرج الدويدار من بغداد و نزل بجانب ياعقوبا. ولما بلغه أن بايجو نوين عبر دجلة و نزل بالجانب الغربي ظن أن هولاكو قد نزل هناك فرحل عن ياعقوبا و نزل بحيال بايجور و لقي يزك المغول أميرا من أمراء الخليفة يقال له ايبك الحلبي فحملوه إلى هولاكو فأمنه أن تكلم بالصحيح و طيب قلبه فصار يسير أمام العسكر و يهديهم. و كتب كتابا إلى بعض أصحابه يقول لهم: ارحموا أرواحكم و اطلبوا الأمان لأن لا طاقة لكم بهذه الجيوش الكثيفة. فأجابوه بكتاب يقولون فيه: من يكون هولاكو و ما قدرته ببيت عباس من الله ملكهم و لا يفلح من يعاندهم و لو أراد هولاكو الصلح لما داس أرض الخليفة و لما أفسد فيها. و الآن إن كان يختار المصالحة فليعد إلى همذان و نحن نتوسل بالدويدار ليخضع لأمير المؤمنين متخشعا في هذا الأمر لعله يعفو عن هفوة هولاكو. فلما عرض ايبك الكتاب على هولاكو ضحك و استدل به على غباوتهم. ثم سمع الدويدار أن التاتار قد توجهوا نحو الأنبار. فسار إليهم و لقي عسكر سونجاق نوين و كسرهم و هزمهم و في هزيمتهم التقاهم بايجو نوين فردهم و هجموا جميعا على عسكر الدويدار فاقتتلوا قتالا شديدا و انجلت الحرب عن كسرة الدويدار فقتل أكثر عسكره و نجا هو في نفر قليل من أصحابه و دخل بغداد.

(1/169)

و في منتصف شهر المحرم من سنة ست و خمسين و ستمائة نزل هولاكو بنفسه على باب بغداد و في يوم و ليلة بنى المغول بالجانب الشرقي سيبا أعني سورا عاليا و بنى بوقاتيمور و سونجاق نوين و بايجو نوين بالجانب الغربي كذلك و حفروا خندقا عميقا داخل السيبا و نصبوا المنجنيقات بإزاء سور بغداد من جميع الجوانب و رتبوا العرادات و آلات النفط. و كان بدء القتال ثاني و عشرين محرم. فلما عاين الخليفة العجز في نفسه و الخذلان من أصحابه أرسل صاحب ديوانه و ابن درنوش إلى خدمة هولاكو و معهم تحف نزرة. قالوا: إن سيرنا الكثير يقول: قد هلعوا و جزعوا كثيرا. فقال هولاكو: لم ما جاء الدويدار و سليمانشاه. فسير الخليفة الوزير العلقمي و قال: أنت طلبت أحد الثلاثة و ها أنا قد سيرت إليك الوزير و هو أكبرهم. فأجاب هولاكو: إنني لما كنت مقيما بنواحي همذان طلبت أحد الثلاثة و الآن لم أقنع بواحد. و جد المغول بالقتال بإزاء برج العجمي و بوقاتيمور من الجانب الغربي حيث المبقلة و سونجاق نوين و بايجو نوين من جانب البيمارستان العضدي. و أمر هولاكو البتيكتجية ليكتبوا على السهام بالعربية: ان الاركاونية و العلويين و الداذنشمدية و بالجملة كل من ليس يقاتل فهو آمن على نفسه و حريمه و أمواله. و كانوا يرمونها إلى المدينة. و اشتد القتال على بغداد من جميع الجوانب إلى اليوم السادس و العشرين من محرم. ثم ملك المغول الأسوار و كان الابتداء من برج العجمي. و احتفظ المغول الشط ليلا و نهارا مستيقظين لئلا ينحدر فيه أحد. و أمر هولاكو أن يخرج إليه الدويدار و سليمانشاه و أما الخليفة إن اختار الخروج فليخرج و إلا فليلزم مكانه. فخرج الدويدار و سليمانشاه و معهما جماعة من الأكابر. ثم عاد الدويدار من الطريق بحجة أنه يرجع و يمنع المقاتلين الكامنين بالدروب و الأزقة لئلا يقتلوا احدا من المغول فرجع و خرج من الغد و قتل. و عامة أهل بغداد أرسلوا شرف الدين المراغي و شهاب الدين الزنكاني ليأخذ لهم الأمان. و لما رأى الخليفة أن لا بد من الخروج أراد أو لم يرد استأذن هولاكو بأن يحضر بين يديه فأذن له و خرج رابع صفر و معه أولاده و أهله. فتقدم هولاكو أن ينزلوه بباب كلواذ و شرع العساكر في نهب بغداد و دخل بنفسه إلى بغداد ليشاهد دار الخليفة و تقدم بإحضار الخليفة فأحضروه و مثل بين يديه و قدم جواهر نفيسة و لآلىء و دررا معباة في أطباق ففرق هولاكو جميعها على الأمراء و عند المساء خرج إلى منزله و أمر الخليفة أن يفرز جميع النساء التي باشرهن هو و بنوه و يعزلهن عن غيرهن ففعل فكن سبعمائة امرأة فأخرجهن و معهن ثلاثمائة خادم خصي. و بقي النهب يعمل إلى سبعة أيام ثم رفعوا السيف و بطلوا السبي. و في رابع عشر صفر رحل هولاكو من بغداد و في أول مرحلة قتل الخليفة المستعصم و ابنه الأوسط مع ستة نفر من الخصيان بالليل و قتل ابنه الكبير و معه جماعة من الخواص على باب كلواذ و فوض عمارة بغداد إلى صاحب الديوان و الوزير و ابن درنوش. و أرسل بوقا تيمور إلى الحلة ليمتحن أهلها هل هم على الطاعة أم لا. فتوجه نحوها و رحل عنها إلى مدينة واسط و قتل بها خلقا كثيرا أسبوعا. ثم عاد لى هولاكو و هو بمقام سياكوه.
و كان من الفضلاء المعتبرين في هذه السنين القاضي الأكرم جمال الدين بن القفطي مصنف كتاب تاريخ الحكماء مولده بقفط من أعمال صعيد مصر سنة ثماني و ستين و خمسمائة رحل به أبوه طفلا و أسكنه القاهرة المعزية وبها قرأ و كتب و شدا شيئا من الأدب. ثم خرج إلى الشام فأقام بحلب و صحب بها الأمير المعروف بالميمون القصري. و اجتمع في هذه المدة بجماعة من العلماء و استفاد بمحاضرتهم و فقه بمناظرتهم. ثم لازم منزله بعد وفاة الأمير المذكور إلى أن ألزم بالخدمة في أمور الديوان في أيام الملك الظاهر فتولى ذلك و هو كاره للولاية متبرم بها. فلما مات الملك الظاهر عاد فانقطع في منزله مستريحا من معاناة الديوان مجتمع الخاطر على شأنه من المطالعة و الفكرة منقبضا عن الناس محبا للتفرد و الخلوة لا يكاد يظهر لمخلوق حتى قلده الملك العزيز وزارته سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة. فلم يزل في هذا المنصب مدة أيام الملك العزيز و الملك الناصر ابنه حتى توفي ثالث عشر رمضان سنة ست و أربعين و ستمائة.


avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2863
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى