* تاريخ مختصر الدول - من آدم ابو البشر - الى موسى ع

اذهب الى الأسفل

* تاريخ مختصر الدول - من آدم ابو البشر - الى موسى ع

مُساهمة  طارق فتحي في الأربعاء أكتوبر 01, 2014 5:12 am

تاريخ مختصر الدول
المؤلف : ابن العبري
مختصر في الدول قصدت في اختصاره الاقتصار على بعض ما أوتي في ذكره اقتصاص إحدى فائدتي الترغيب والترهيب من أمور الحكام والحكماء خيرها وشرها على سبيل الالتقاط من الكتب الموضوعة في هذا الفن بلغات مختلفة سريانية وعربية وغيرها مبتدئا من أول الخليفة ومنتهيا إلى زماننا. وهو مرتب على عشر دول داولها الله تعالى بين الأمم فتداولتها تداولا بعد تداول.
الدولة الأولى: دولة الأولياء من آدم أول البرنساء أي الناس.
الدولة الثانية: الدولة المتنقلة من الأولياء إلى القضاة قضاة بني إسرائيل.
الدولة الثالثة: الدولة المتنقلة من قضاة بني إسرائيل إلى ملوكهم.
الدولة الرابعة: الدولة المتنقلة من ملوك إسرائيل إلى ملوك الكلدانيين.
الدولة الخامسة: الدولة المتنقلة من ملوك الكلدانيين إلى ملوك المجوس.
الدولة السادسة: الدولة المتنقلة من ملوك المجوس إلى ملوك اليونانيين الوثنيين.
الدولة السابعة: الدولة المتنقلة من ملوك اليونانيين الوثنيين إلى ملوك الإفرنج.
الدولة الثامنة: الدولة المتنقلة من ملوك الإفرنج إلى ملوك اليونانيين المتنصرين.
الدولة التاسعة: الدولة المتنقلة من ملوك اليونانيين المنتصرين إلى ملوك العرب المسلمين.
الدولة العاشرة: الدولة المتنقلة من ملوك العرب المسلمين إلى ملوك المغول.
الدولة الأولى
للأولياء قبل الدخول إلى أرض الميعاد
قال من عني بأخبار الأمم وبحث عن سير الأجيال أن أصول الأمم من سالف الدهر سبعة: الفرس والكلدانيون واليونانيون والقبط والترك والهند والصين. ثم تفرع كل واحدة من هذه الأمم إلى أمم وتشعبت اللغات وتباينت الأديان. وكانوا جميعا صابئة يعبدون الأصنام تمثيلا للجواهر العلوية والأشخاص الفلكية.وهم على كثرة فرقهم وتخالف مذاهبهم طبقتان: طبقة عنيت بالعلوم كالكلدانيين والفرس وسائر من يأتي ذكره في موضعه، وطبقة لم تعن بهذا كأهل الصين والترك والصقالبة والبرابرة والحبشة ومن اتصل بهم.
أما الصين
فأكثر الأمم عددا أفخمهم مملكة وأوسعهم ديارا، ومساكنهم محيطة بأقصى مشارق المعمورة ما بين خط الاستواء إلى أقصى الأقاليم السبعة في الشمال وحظهم من المعرفة التي بزوا فيها سائر الأمم إتقان الصنائع العملية وأحكام المهن التصويرية.
وأما الترك
فأمة كثيرة العدد أيضا فخمة المملكة وفضيلتهم التي برعوا فيها معاناة الحروب ومعالجة آلاتها. فهم احذق الناس بالفروسية أبصرهم بالطعن والضرب والرماية. وأما سائر هذه الطبقة التي لم تعن بالعلوم فهم أشبه بالبهائم منهم بالناس، لان من كان موغلا في الشمال فإفراط بعد الشمس عن مسامتة رؤوسهم برد أمزجتهم وفجج أخلاقهم فعظمت أبدانهم وابيضت الو انهم واستدلت شعورهم فعدموا بهذه دقة الإفهام وثقوب الخواطر فغلب عليهم الجهل والبلادة وفشل فيهم الغي والغباوة كالصقالبة ومجاوريهم. ومن كان منهم قريبا من معدل النهار وخلفه إلى نهاية المعمورة في الجنوب لطول مقاربة الشمس رؤوسهم سخنت أمزجتهم واحترقت أخلاطهم فاسودت الو انهم وتفلفلت شعورهم فعدموا بهذه الأناة وثبوت البصائر كالحبشة وباقي السودان إلا الهند فإن الله قد فضلهم على كثير من السمر والبيض وهم معدن الحكمة وينبوع العدل إلا أنهم يثبتون أزل العالم ويبطلون النبوات ويحرمون ذبح الحيوان ويمنعون إيلامه.

(1/1)

" آدم " أبو البشر خلق يوم العروبة سادس الشهر الأول وهو نيسان سنة إحدى للعالم بعد أن خلق الله تعالى في يوم الأحد وهو أول نيسان السماء العليا أي الفلك التاسع المتحرك بالحركة الأولى من المشرق إلى المغرب والأرض وتسع مراتب الملائكة والنور والأركان الأربعة. وخلق تعالى في يوم الاثنين الرقيع وهو السماء الدنيا أي الفلك الثامن وما في ضمنه من الرقعة السبع المتحركة بالحركة الثانية من المغرب إلى المشرق.
وفي يوم الثلاثاء أمر الله تعالى الماء فاجتمع إلى مكان واحد صائرا بحرا وأظهرت الأرض منبتة عشبا وأشجارا مثمرة وغير مثمرة. وفي يوم الأربعاء قال عز من قائل: لتكن مصابيح أي كواكب في علو الرقيع للفصل بين الليل والنهار ولدلالات الأوقات والأيام والأعوام فرصعت الثوابت بالفلك الثامن والنيران والخمسة المتحيرة كل بفلكه واستولت الشمس على سلطان النهار واستولى القمر على سلطان الليل وبقي الفلك التاسع وحده متطلسا. وفي يوم الخميس خلق الله تعالى التنانين العظام وكل نفس متحركة في الماء وكل طائر ذي جناح. وفي يوم الجمعة أمر الله تعالى الأرض فأخرجت انفسا حيوانية بهائم وسباعا وحشرات. ثم خاطب ملائكته قائلا: هلموا نخلق إنسانا بصورتنا ومثالنا عارفا بالخير والشر مستطيعا لفعلهما. فظهرت يمين مبسوطة فيها أجزاء من العناصر الأربع ونفخ فيها نسيم الحياة فوجد آدم شابا. ثم ألقى الله عليه الرقاد وانتزع إحدى أضلاعه من جنبه الأيمن وخلق منها حواء أم البشر واسكنهما فردوس عدن وهو الجنة ومستقرها نحو المشرق أباحهما الأكل من جميع ثمار الجنة خلا شجرة معرفة الخير والشر. وأردف ذلك يوم السبت فلم يخلق فيه شيئا.
ومن علمائنا مار غريغوريوس النوسوي ويعقوب الرهاوي يزعمان أن جميع المخلوقات إنما وجدت في آن واحد والكتاب الإلهي إنما خصص كون كل كائن بيوم لتعليمنا حسن الترتيب في الأمور وان الله غير موجب بالذات بل فاعل بالاختيار له أن يبرأ ما شاء متى شاء.
وكان آدم وحواء عاريين بغير لباس ولم يستح أحدهما من الآخر حتى دخل الشيطان في الحية وخدعت حواء فأكلت من الثمرة التي نهاهما الله تعالى عن الأكل منها أعطت آدم أيضا بعلها فأكل. فانفتحت أعين قلبيهما وأحسا بالعري فاستحيا واتزرا بورق التين وأهبط بهما من جنة عدن إلى الأرض على تسع ساعات من نهار الجمعة وكانت خلقتهما في الساعة الأولى من هذا النهار بعينه.
وقد اختلفت علماؤنا في أمر الثمرة المنهي عنها فقال قوم إنها البر وقال آخرون إنها العنب وقال الأكثرون إنها التين وغريغوريوس النوسوي يزعم إنها رمز إلى القوة الشهوانية والنازينزي يرى إنها رمز إلى المراء في ذات الله وصفاته.
وعلى رأي مارثوديوس بعد ثلاثين سنة للانتفاء من الجنة باشر آدم حواء فولدت قايين وقليميا أخته توأمين. وبعد ثلاثين أخرى غشيها فولدت هابيل ولبوذا أخته توأمين.
وبعد سبعين سنة أخرى حاول آدم تزويج كل واحد منهما بتوأمة أخيه. فأبى قايين طالبا توأمته لأجل ذلك قرب قربانا من ثمار أرضه لكونه فلاحا فلم يقبل لفساد طريقته. ورفع هابيل قربانا من أبكار غنمه لكونه راعيا فقبل لحسن سيرته. فأسر قايين عداوة أخيه فقتله غيلة واستوطن أرض نوذ الخارجة عن حدود ولد أبيه. وحزن آدم على هابيل مائة سنة. ثم عاد مفضيا إلى حواء فولدت شيث والماضي من عمر آدم يومئذ على رأي الاثنين والسبعين حبرا اللذين نقلوا التوراة وكتب الأنبياء لبطليموس ملك مصر قبل مجيء السيد المسيح لذكره التبجيل كما سيأتي شرح ذلك في موضعه مائتان وثلثون سنة. وعلى رأي التوراة التي بأيدي اليهود بعد مجيئه مائة وثلثون سنة. وجميع أيام آدم على الرأيين تسعمائة وثلثون سنة.
" شيث بن آدم " يقال أنه أول من ابتدع الكتابة وشوق ولده إلى الحياة السعيدة التي كانت لأبويه في الجنة فانقطعوا إلى جبل حرمون متعكفين على العبادة والنسك والعفة لا يطورون بجنبة النساء. فسموا بذلك بنو ألوهيم أي الإله. وأولد شيث انوش وله حينئذ على الرأي السبعيني مائتان وخمس سنين وعلى رأي اليهود مائة وخمس سنين وجميع أيامه على الرأيين تسعمائة واثنتا عشرة سنة.

(1/2)

" انوش بن شيث " يقال هو أول من دعا اسم الرب ومنحه الله تعالى معرفة الأكوان ومسير الكواكب وهو وان لم يجانب النساء لم يغفل التقرب إلى الله زلفى. وأولد قينان ابنه وله يومئذ على الرأي السبعيني مائة وتسعون سنة وعلى رأي اليهود تسعون سنة وجميع أيامه على الرأيين تسعمائة وخمس سنين.
" قينان بن انوش " ولد له مهلالايل وعمره على الرأي السبعيني مائة وسبعون سنة وعلى رأي اليهود سيعون سنة وجميع أيامه على الرأيين تسعمائة وعشر سنين.
" مهلالايل بن قينان " ولد له يرد وعمره على الرأي السبعيني مائة وخمس وستون سنة وعلى رأي اليهود خمس وستون سنة وجميع أيامه على الرأيين ثمانمائة وخمس وتسعون سنة.
" يرد بن مهلالايل " ولد له حنوخ وعمره على الرأيين جميعا مائة واثنتان وستون سنة وجميع أيامه تسعمائة واثنتان وستون سنة. وفي سنة أربعين ليرد هبط بنو ألوهيم من جبل حرمون متآيسين من العود إلى الفردوس ورغبوا في النساء فلم يزوجهم ذوو قرابتهم مستخفين لهم. فاختطبهم قوم قايين باذلين لهم بناتهم فأنكحوهن فولدن جبابرة مبرزين في الحروب والغارات. وقيل أن بنات قايين اخترعن آلات الملاهي زامرات بها ولذلك تسمي السريانية اللحن قينة بالكسر وتسمي العرب الأمة المغنية قينة بالفتح.
" حنوخ بن يرد " ولد له مثوشلح وعمره على الرأي السبعيني مائة وخمس وستون سنة وعلى رأي اليهود خمس وستون سنة. هذا حنوخ تمسك بوصايا الله الطاهرة وعمل بها وتتبع الخير وصرف عن الشر مواظبا على العبادة ثلاثمائة سنة فنقله الله إلى حيث شاء حيا وقيل إلى الفردوس.
والأقدمون من اليونانيين يزعمون أن حنوخ هو هرمس ويلقب طريسميجيسطيس أي ثلاثي التعليم لأنه كان يصف الباري تعالى بثلاث صفات ذاتية هي الوجود والحكمة والحياة. والعرب تسميه إدريس. وقيل أن الهرامسة ثلاثة: الأول هرمس الساكن بصعيد مصر الأعلى وهو أول من تكلم في الجواهر العلوية وانذر بالطوفان وخاف ذهاب العلوم ودرس الصنائع فبنى الأهرام وصور فيها جميع الصناعات والآلات ورسم فيها طبقات العلوم حرصا منه علىتخليدها لمن بعده. والثاني هرمس البابلي سكن كلواذا مدينة الكلدانيين وكان بعد الطوفان وهو أول من بنى مدينة بابل بعد نمرود بن كوش. والثالث هرمس المصري وهو الذي يسمى طريسميجيسطيس أي المثلث بالحكمة لأنه جاء ثالث الهرامسة الحكماء ونقلت من صحفه نبذ وهي من مقالاته إلى تلميذه طاطي على سبيل سؤال وجواب بينهما وهي على غير نظام وولاء لأن الأصل كان باليا مفرقا والنسخة موجودة عندنا بالسريانية. وقيل أن هرمس الأول بنى مائة وثمانين مدينة صغراها الرها وسن للناس عبادة الله والصوم والصلاة والزكاة والتعييد لحلول السيارة ببيوتها وأشرافها وكذلك كلما استهل الهلال وحلت الشمس برجا من الإثني عشر. وأن يقربوا قرابين من كل فاكهة باكورتها ومن الطيب والذبائح والخمور أنفسها. وحرم السكر والمآكل النجسة. والصابئة تزعم أن شيث بن آدم هو اغاثاديمون المصري معلم هرمس. وكان اسقليبياذيس الملك أحد من أخذ الحكمة عن هرمس وولاه هرمس ربع الأرض المعمورة يومئذ وهو الربع الذي ملكه اليونانيون بعد الطوفان. ولما رفع الله هرمس إليه حزن اسقليبياذيس حزنا شديدا تأسفا على ما فات الأرض من بركته وعلمه وصاغ له تمثالا على صورته ونصبه في هيكل عبادته. وكان التمثال على غاية ما يمكن من إظهار أهبة الوقار عليه والعظمة في هيبته ثم صوره مرتفعا إلى السماء وكان يمثل بين يديه تارة ويجلس أخرى ويتذكر شيئا من حكمه ومواعظه على العبادة. وبعد الطوفان ظن اليونانيون أن الصورة لاسقليبياذيس فعظموه غاية التعظيم. وكان أبقراط إذا عهد إلى تلامذته يقول: نشدتكم الله باري الموت والحياة وأبي وأباكم اسقليبياذيس. وكان يصوره وبيده نبات الخطمي رمزا منه إلى فضيلة الاعتدال في الأمور واللين والمؤاتاة والمطاوعة في المعاملة. وقال جالينوس: لا يجب أن يرفض الشفاء الذي يحصل عليه المرضى بدخولهم هيكل اسقليبياذيس. أقول كلما ورد من أخبار ما قبل الطوفان ولم يسند إلى نبأ نبوي فهو حدس وتخمين لعدم المخبر به على الوجه.
" مثوشلح بن حنوخ " ولد له لمك وعمره على الرأي السبعيني مائة وسبع وستون سنة وعلى رأي اليهود مائة وسبع وثمانون سنة وجميع أيامه على الرأيين تسعمائة وتسع وستون سنة.

(1/3)

" لمك بن مثوشلح " ولد له نوح وعمره على الرأي السبعيني مائة وثمان وثمانون سنة وعلى رأي اليهود مائة واثنتان وثمانون سنة. وجميع أيامه على الرأيين سبعمائة وثلث وسبعون سنة. ومات قبل أبيه.
" نوح بن لمك " ولد له شام وعمره على الرأيين خمسمائة سنة. وعلى الرأيين جميع أيامه تسعمائة وخمسون سنة. وفي سنة ستمائة لعمر نوح تهارج الناس وأباحوا المحظورات وارتكبوا المحارم. وكان نوح بارا صديقا. وأخبره الله تعالى بحال الطوفان وأمره أن يصنع فلكا طوله ثلاثمائة ذراعا وعرضه خمسون ذراعا في عمق ثلاثين ذراعا. ونزل إليه هو وزوجته وبنوه الثلاثة: شام وحام ويافث ونساؤهم وأدخل معهم من كل نوع من الطيور والحيوان الطاهر سبعة أزواج ذكورا وإناثا. ومن النجس زوجا ومن الطعام ما يقوته ومن معه قوتا ماسكا للرمق. وقيل أن تابوت أبينا آدم أيضا كان معهم في الفلك. ثم هطلت السماء انهطالا وتواترت الأمطار واستنهرت المياه أربعين يوما أولها السابع والعشرون من شهر أيار وتغشمرت السيول العمران وغشي الماء كل شيء وركب الجبال الشامخة وعلا عليها خمس عشرة ذراعا. ودام ذلك سنة كاملة. ثم ذكر الله نوحا ومن معه في الفلك فأمسك نزول الماء وعصفت الرياح فجففت الأرض واجتنح الفلك إلى جبل قرد ويعرف بالجودي وفي أثناء ذلك بعث نوح الغراب مستكشفا عن حال الأرض. فلم يعد لاشتغاله بأكل الجيف. واتبعه بحمامة فلم تجد موضعا للوقوف فعادت إلى نوح. ثم صبر بعد ذلك سبعة أيام وسرح حماما آخر فرجع إليه مساء وفي منقاره ورقة من شجرة الزيتون. فعلم أن الماء قد غاض. وبعد أيام أرسل طائرا آخر فلم يعد. فأقام تتمة سنة وخرج هو وآله من الفلك في السابع والعشرين من السنة الثانية وبنى مذبحا وقرب قربانا قبله الله وعهد إليه أن لا يورد على خلقه طوفانا ولا يبيد فيما بعد حيوانا وجعل آية رضوانه قوس قزح المرئية في السحاب. وأطلق الله لنوح أكل لحوم الغنم والمواشي وشرب الخمر ومما كان قد حرم قبل الطوفان. وابتدأ نوح بعمارة الأرض وغرس كرما وشرب من عصيره وثمل يوما في خيمته فانكشف. فشهده ابنه حام وهزئ منه. وعرف أخواه شام ويافث ذلك واخذ إزارا فغطيا أباهما ووليا يمشيان القهقرى حتى لا ينتبه. ولما استيقظ نوح علم ما صنع به فلعن كنعان بن حام قائلا: إن زرعه من بعده يكون لعبودية الأمم. وإنما لعنه نوح والذنب لأبيه لا له لأنه عرف بالوحي ما سيبدو منه من اتخاذ الملاهي وإنشاء الزمر وإفشاء الزنا وباقي الفواحش التي ارتكبها بنو قايين. وبعد الطوفان قسم نوح المسكونة بين بنيه عرضا من الجنوب إلى الشمال فأعطى بلاد السودان حاما وبلاد السمر شاما وبلاد الشقر ليافث. ثم مات وله تسعمائة وخمسون سنة. فمن خلق العالم إلى ورود الطوفان على الرأي السبعيني ألفان ومائتان واثنتان وأربعون سنة وعلى رأي اليهود ألف وستمائة وست وخمسون سنة وعلى رأي السمرة ألف وثلاثمائة وسبع سنين. وهذا إلى غاية الفساد لاقتضائه إدراك نوح آدم في قيد الحياة بمائتين وثلث وعشرين سنة ولم يأت به خبر من الله ولا عن أنبيائه. وقال انيانوس الراهب الاسكندرني إن مدة ما بين ابتداء خلق آدم وبين ليلة الجمعة التي كان فيها الطوفان ألفان ومائتان وست وعشرون سنة وشهر وثلاثة وعشرون يوما وأربع ساعات.

(1/4)

" شام بن نوح " ولد له ارفخشد وعمره مائة سنة وسنة واحدة. وجميع أيامه ستمائة سنة. وقيل أن نوح أوصى إلى شام ابنه وقال له: إني إذا مت فأخرج تابوت أبينا آدم من الفلك وخذ معك من أولادك ملكيزدق لأنه كاهن الله تعالى وسيرا معا بالتابوت إلى حيث يهديكما ملاك الرب. فعملا بهذه الوصية وهداهما الملاك إلى جبل بيت المقدس ووضعا التابوت على قلة هناك فغاص فيها. فعاد شام إلى أهله ولم يعد ملكيزدق لكنه بنى ثم مدينة اسمها أورشليم أي قرية السلام ولذلك تسمى هو أيضا مليخ شليم أي ملك السلام وسكنها باقي أيامه لهجا بالعبادة وما غشي امرأة ولا أراق دما كان قربانه خبزا وخمرا فقط. ولأن الكتاب الإلهي أبان عن عظم شأنه واعرض عن إبانة نسبه وتاريخي ولادته ووفاته. قال الرسول المغبوط بولس: لا ابتداء لأيامه ولا انقضاء لسنته. وقد ضرب مثلا للمسيح في نبوءة داود حيث قال: أنت الكاهن إلى الأبد بهيئة ملكيزدق. وعلى تلك القلة التي فيها قبر آدم صلب السيد المسيح.
" ارفخشد بن شام " ولد له قينان على الرأي السبعيني وعمره مائة وثلاثون سنة وجميع أيامه أربعمائة وخمس وستون سنة وليس لهذا قينان ذكر في التورية العبرية ولا في التي بيد السمرة وهو مذكور في إنجيل لوقا.
" قينان بن ارفخشد " ولد له شالح على الرأي السبعيني وعمره مائة وثلاثون سنة. وجميع أيامه أربعمائة وثلاثون سنة. وإما على رأي اليهود فارفخشد لما أتت عليه خمس وثلاثون سنة ولد له شالح. وكذلك السمرة إنما تجعل شالح ابنا لارفخشد لا لقينان بن ارفخشد. وقيل أن هذا قينان اخترع علم الأفلاك بعد الطوفان وبنوه اتخذوه إلها وصاغوا له تمثالا بعد وفاته وسجدوا له. وهو بنى مدينة حران على اسم هاران ابنه.
" شالح بن قينان " ولد له عابر وعمره على الرأي السبعيني مائة وثلاثون سنة وعلى رأي اليهود ثلاثون سنة، وجميع أيامه أربعمائة وستون سنة.
" عابر بن شالح " ولد له فالغ وعمره على الرأي السبعيني مائة وثلث وثلاثون سنة وعلى رأي اليهود أربع وثلاثون سنة. وجميع أيامه ثلاثمائة وثلث وأربعون سنة. ومنه اشتق اسم العبري. وقيل من إبراهيم لعبوره الأنهار منزوحا به من العراق إلى الشام.
ومن أئمتنا باسيليوس وافريم يزعمان أن من آدم إلى هذا عابر كانت لغة الناس واحدة وهي السريانية وبها كلم الله آدم وتنقسم إلى ثلاث لغات أفصحها الآرامية وهي لغة أهل الرها وحران والشام الخارجة. وبعدها الفلسطينية وهي لغة أهل دمشق وجبل لبنان وباقي الشام الداخلة. واسمجها الكلدانية النبطية وهي لغة أهل جبال اثور وسواد العراق. ويعقوب الرهاوي يقول: إن اللغة لم تزل عبرية إلى أن تبلبلت الألسن ببابل.
" فالغ بن عابر " ولد له ارعو وعمره على الرأي السبعيني مائة وثلاثون سنة وعلى رأي اليهود ثلاثون سنة. وجميع أيامه ثلاثمائة وثلث وأربعون سنة. وفي سنة مائة وأربعين لفالغ فلغت الأرض أي قسمت قسمة ثانية بين ولد نوح. فصار لبني شام وسط المعمورة فلسطين والشام واثور وسامر وبابل وفارس والحجاز. ولبني حام التيمن كله أي الجنوب: إفريقية والزنج ومصر والنوبة والحبشة والسند والهند. ولبني يافث الجربيا أي الشمال: الأندلس والإفرنجة وبلاد اليونانيين والصقالبة والبلغار والترك والأرمن. وبعد وفات فالغ ثارت الفتن بين بنيه وبين بني يقطان أخيه وشرع الناس في تشييد الحصون.

(1/5)

" ارعو بن فالغ " ولد له ساروغ وعمره على الرأي السبعيني مائة واثنتان وثلاثون سنة وعلى رأي اليهود اثنتان وثلاثون سنة. وجميع أيامه ثلاثمائة وتسع وثلاثون سنة. وفي سبعين سنة لارعو قال الناس بعضهم لبعض: هلموا نضرب لبنا ونحرق آجرا ونبني صرحا شامخا في علو السماء ويكون لنا ذكرا كي لا نتبدد على وجه الأرض. فلما وجدوا في ذلك بأرض شنعار وهي السامرة " ونمرود بن كوش قات راصفي الصرح بصيده وهو أول ملك قام بأرض بابل وهو الذي رأى شبه إكليل في السماء واتخذ مثله ووضعه على رأسه فقيل إن إكليله نزل من السماء " . قال الله تعالى: هذا ابتداء عملهم ولا يعجزون عن شيء يهتمون به سوف افرق لغاتهم لئلا يعرف أحدهم ما يقول الآخر. فبدد الله شملهم على وجه الأرض و أرسل رياحا عاصفة فهدمت الصرح ومات فيه نمرود الجبار وتبلبلت لغات الآدميين ولذلك دعي اسم ذلك الموضع بابل. وبنى نمرود ثلاث مدن ارخ وخيليا " أي الرها ونصيبين " والمدائن.
" ساروغ بن ارعو " ولد له ناحور وعمره على الرأي السبعيني مائة وثلاثون سنة. وعلى رأي اليهود ثلاثون سنة. وجميع أيامه ثلاثمائة وثلاثون سنة. ويقال أن ساروغ اظهر سكة الدراهم والدنانير. وفي أيامه اكثر الناس اتخاذ الأصنام وكان الشياطين يظهرون منها الآيات الباهرة. وساميروس ملك الكلدانيين أبدع المكاييل والموازين ونسج الابريسم واخترع الأصباغ. وقد جاء في الخرافات انه كان له ثلث عيون وقرنان. وفي هذا الزمان اوفيفانوس ملك مصر صنع سفينة وغزا سكان السواحل. وبعده قام فرعون بن سانس ومنه سميت الفراعنة.
" ناحور بن ساروغ " ولد له ترح وعمره على الرأي السبعيني تسع وسبعون سنة وعلى رأي اليهود تسع وعشرون سنة. وجميع أيامه مائتان وسنة واحدة. وفي خمس وعشرين سنة من عمره كان جهاد أيوب الصديق على رأي اروذ الكنعاني. وبنى ارمونيس ملك كنعان سذوم وغامورا على اسم ولديه ومدينة صاعر على اسم أمهما.
" ترح بن ناحور " ولد له إبراهيم وعمره على الرأيين جميعا سبعون سنة. وجميع أيامه مائتان وخمس وسبعون سنة. ومات بمدينة حران. وبنى مورفوس ملك فلسطين مدينة دمشق قبل ميلاد إبراهيم بعشرين سنة. وبوسيفوس يقول إن عوص بن آرام بناها ومن هاهنا يتفق التاريخان السبعيني والعبراني.
" إبراهيم بن ترح " ولد له اسحق وعمره مائة سنة. وجميع أيامه مائة وخمس وسبعون سنة. ولما أتت عليه خمس عشرة سنة استجابه الله تعالى في العقاعق التي كانت تفسد في أرض الكلدانيين وتمحق زروعهم. واحرق إبراهيم هيكل الأصنام بقرية الكلدانيين ودخل هاران أخوه ليطفئ النار فاحترق ولذلك فر إبراهيم وعمره ستون سنة مع أبيه ترح وناحور أخيه ولوط بن هاران أخيه المحترق إلى مدينة حران وسكنها أربع عشرة سنة.
ثم خاطبه الله قائلا: انتقل عن هذه الديار التي هي ديار آبائك إلى حيث آمرك. فأخذ سارا امرأته ولوط ابن أخيه وصعد إلى أرض كنعان وحارب ملوك كدرلعمر وقهرهم. وفي عودة من المحاربة اجتمع بملكيزدق الكاهن الأعظم وخر على وجهه بين يديه وأعطاه عشرا من السلب وباركه ملكيزدق. وفي سنة خمس وثمانين من عمره وعده الله أن يجعل نسله كعدد الكواكب التي في السماء وذريته كرمل البحار فوثق إبراهيم بالله حق الثقة.
وفي هذه السنة دخل إلى مصر ووشى بحسن سارا امرأته إلى فرعون فسأل إبراهيم عنها. فقال: هي أختي من أبي لا من أمي. ولم يكذب بقوله هذا لأنها كانت ابنة عمه فأقام جدهما مكان أبيهما. فاختارها فرعون إلى نفسه مختليا حتى حقق أنها زوجته فردها إليه مع هدايا جزيلة من جملتها هاجر المصرية أمة سارا وتقدم إليه بالانتزاح من بلده خوفا من أن يهجس في صدره هاجس سوء ثانيا. ولأنه لم يكن لإبراهيم ولد من امرأته سارا سمحت بجاريتها هاجر فوطئها إبراهيم وولدت له إسماعيل. واستهانت هاجر بسارا مولاتها شامخة عليها بسبب ولدها فأزاحتها سارا من عندها إلى القفر بغيظة منها فتراءى ملك الرب لهاجر قائلا: لا بيأسي من رحمة ربك فان الله قد بارك على الصبي حين خاطب أباه إبراهيم. وكان خاتمة البركة باللغة السريانية هكذا: وأكبرته طب طب وأعظمته جدا جدا.

(1/6)

أقول قد اتفق في هذه الألفاظ سر عجيب لاح في عصرنا وهو إنا إذا جمعنا حروفها بحساب الجمل كان الحاصل ستمائة وستة وخمسون سنة وهي المدة من الهجرة إلى السنة التي قتل فيها آخر الخلفاء العباسيين وزال الملك المعظم جدا عن آل إسماعيل. وبعد مائة سنة مضت من عمر إبراهيم ولد له اسحق من سارا. ولما حصل لاسحق تسع عشرة سنة اصعده إبراهيم لجبل نابو ليضحي به ضحية لله تعالى ففداه الله بحمل مأخوذ من الشجرة أنقذه. والحمل مثال لسيدنا يسوع المسيح له المجد الذي فدى العالم بنفسه ولذلك قال في إنجيله المقدس: إن إبراهيم كان يرجو أن يشاهد يومي فشاهد وسر.وقيل في تلك السنة تم ملكيزدق بناء أورشليم. وفي ثماني وثلاثين سنة من عمر اسحق درجت سارا أمه وعمرها مائة وسبع وعشرون سنة. وتزوج إبراهيم قنطورا ابنة ملك الترك ولما بلغ اسحق أربعين سنة نزل ايليعازر وليد بيت إبراهيم إلى حران وجاء برفقا زوجة اسحق ولما توفي إبراهيم دفن إلى جانب قبر سارا زوجته في المغارة المضاعفة التي ابتاعها من عفرون الحيثاني. وفي زمن إبراهيم كانت ساميرم ملكة اثور وهي بنت التلال خوفا من عود الطوفان.
" إسحق بن إبراهيم " ولد له يعقوب وعمره ستون سنة. وجميع أيامه مائة وثمانون سنة. وبعد عشرين سنة من تزوجه حبلت رفقا امرأته. ولأنها تألمت بالحبل مضت إلى ملكيزدق لتسأله عن حملها ودعا لها وبشرها بأن أمتين عظيمتين في أحشائك وان الكبير من توأميك يطيع الصغير يعني عيسو أبا الاذوميين وهم الإفرنج الشقر ينقاد ليعقوب أبي الإسرائيليين. وقيل في ذلك الزمان بنيت مدينة اربيل من اربول الملك ومدينة ايريحو من سبعة ملوك كل منهم بنى لها سورا.

(1/7)

" يعقوب بن اسحق " ولد له لاوي وعمره اثنتان وثمانون سنة. وجميع أيامه مائة وسبع وأربعون سنة. وفي سبع وسبعين سنة من عمره أخذ من عيسو أخيه البكورة ومن اسحق أبيه تبريك البكورة بالحيلة المذكورة في التورية وهي أن اسحق لما طعن في السن ذهب بصره. وكان عيسو ازب ويعقوب اجرد. فلبسته أمه مسك جدي وقدمته إلى اسحق قائلة: هذا عيسو ابنك أعطه بركة بكورته. فجسه إسحاق وقال: مجسة عيسو وشمائل يعقوب. ومع ارتيابه به لم يأب تبريكه. ولما حنق عليه عيسو أخوه هرب من قدامه إلى حران ورأى يعقوب في أول ليلة خرج من بيت أبيه فارا من أخيه في منامه سلما منصوبا في الأرض ورأسه إلى السماء والملائكة يصعدون وينزلون عليه وعظمة الله ظاهرة في أعلاه. فانتبه يعقوب وقال: لا ريب أن هذا بيت الله. فأخذ الحجر الذي كان فوق رأسه ونصبه مذبحا وسكب عليه دهنا تمثيلا بدهن الميرون الذي به تتقدس هياكل الله عندنا. ووصل يعقوب إلى بيت لابان خاله بحران واختطب راحيل ابنته الصغيرة وقبل أن يرعى غنمه سبع سنين حق المهر. فلما تمت المدة زوجه لابان ابنته الكبرى محتجا بوجوب تزويج الكبرى قبل الصغرى وزف معها جارية اسمها زلفا. فقبل يعقوب ثانية الرعي سبعا أخرى حق مهر راحيل. وعند تمام المدة زوجه راحيل ابنته الصغيرة وزف معها جارية اسمها بلها. ومال يعقوب إلى راحيل فمانعها الله الولاد برهة من الزمان. وولدت لايا ستة أولاد البكر روبيل أي العظيم لله ثم شمعون أي الطائع ثم لاوي أي التام ثم يهوذا أي الشاكر ومن ذريته ظهر الملك المسيح المدعو ابن داود بالجسد. ثم ايساخر أي الأجر. ثم زبولون أي النجاة من هول الليل. وولدت راحيل ابنين يوسف أي الزيادة ثم بنيامين أي ابن العزاء. وولدت زلفا ابنين جاذ أي الحظ ثم اشير أي المجد. وولدت بلها ابنين أيضا دان أي الحكم ونفتالي أي المتضرع وابنة اسمها دينا أي العادلة. جملة البنين اثنا عشر وهم الأسباط أي قبائل بني إسرائيل. وبعد ميلاد لاوي بثلاث سنين ولدت راحيل يوسف وبيع ابن سبعة عشرة سنة وبقي عبدا عشر سنين ومعتقلا ثلث سنين وأمينا على دار فرعون ثلاثين سنة ووزيرا ثمانين سنة وجميع أيامه مائة وأربعون سنة. وبعد وفاة اسحق حارب عيسو يعقوب أخاه فنصر الله يعقوب. ورماه بسهم فقتله وهزم من معه. وانحدر يعقوب إلى مصر وعمره مائة وثلاثون سنة بعد أن أقحط سنتين. ويهوذا بن يعقوب تزوج امرأة كنعانية اسمها شوع وولدت له ثلث أولاد عير واوانان وشيلا. وتزوج عير امرأة من بنات لاوي اسمها ثامر وكان يضاجعها مضاجعة قوم لوط ومات ولم يرزق ولدا فزوجها يهوذا بولده الآخر وهو اونان ليقيم منها نسلا لأخيه عير. وكان إذا باشرها سكب ماءه على الأرض فهلك هو أيضا بغير خلف.
وإما شيلا الأخ الصغير لما رأى هلاك أخويه أبى قربها. والسر في ذلك أن يعقوب طلب من ربه أن لا يترك زرع كنعان الذي لعنه نوح يختلط مع نسله. فاحتالت ثامر كنة يهوذا حتى باشرها يهوذا متنكرة عليه فحملت من حميها واتأمت بابنين هما فرص وزرح وداود النبي من نسل فرص بن يهوذا.
" لاوي بن يعقوب " ولد له قاهاث وعمره سبع وأربعون سنة. وجميع أيامه مائة وسبع وثلاثون سنة. وإنما ذكر لاوي في النسب وان كان روبيل اكبر أولاد يعقوب لان من ذرية لاوي ولد موسى النبي المنقذ لآل إسرائيل من عبودية المصريين والسان لهم سننا إلهية.
" قاهان بن لاوي " ولد له عمرم وعمره ستون سنة. وجميع أيامه مائة وثلث وثلاثون سنة. وفي زمانه صار الطوفان المذكور في كتب الكلدانيين في العراق والملك باثور بالفرس. وقيل في أيام لاوي كان.
" عمرم بن قاهاث " ولد له موسى وعمره خمس وثمانون سنة. وجميع أيامه مائة وسبع وثلاثون سنة. وعندما ولد موسى وضعه والداه في صندوق مقير ورمياه في النيل خوفا من فرعون امونفاثيس خانق مولودي العبرانيين فوجدته ابنة فرعون هذا واتخذته ولدا وسلمته إلى يانيس ويمبريس الحكيمين فعلماه الحكمة وقصة تعلمه منهما غير مذكورة في التوراة وقد ذكرها الرسول بولس نقلا عن ارسطامونيس.

(1/Cool

" موسى بن عمرم " بعد ما أتت عليه أربعون سنة من عمره وهو في بيت فرعون رأى شخصا مصريا يفتري على شخص إسرائيلي فالتفت إلى جوانبه فلم ير أحدا فضربه وقتله. وبعد أيام رأى إسرائيليين يتخاصمان فأخذ ينكر عليهما. فقال له أحدهما: من جعلك علينا واليا قد جئت تقتلنا كما قتلت بالأمس المصري. ففزع موسى لئلا يظهر ذلك لفرعون فهرب إلى أرض العرب وتزوج صافورا الزنجية ابنة يثرون بن رعوئيل المديني ابن دادان بن يقش بن إبراهيم من قنطورا زوجته التركية. وولدت صافورا الزنجية لموسى ابنين أحدهما جرشون أي الغريب والآخر ايليعازر أي الله أعانني. ولما بلغ موسى ثمانين سنة وكان يرعى غنم يثرون حميه، تراءى له ملاك الرب في جبل حوريب وهو طور سينا بلهيب النار في العوسج والعوسج لا يحترق فدعاه الله من العوسج قائلا: يا موسى يا موسى. فقال: ها أنا. فقال له: حل نعليك من قدميك لأن المكان الذي أنت قائم عليه مقدس. ثم قال له الرب: قد سمعت استغاثة شعبي من المصريين ونزلت لخلاصهم على يدك. فقال موسى: من أنا حتى أمضي إلى فرعون رسولا. فقال له الله: أنا أكون معك. قال موسى: فان قالوا لي ما اسم ربك ماذا أقول لهم. قال: قل اهيا اشر اهيا أي الأزلي الذي لا يزال. فقال موسى: إن لساني ألثغ ثقيل النطق كيف يقبل مني فرعون. قال الله له: إني قد جعلتك إلها لفرعون وهرون أخاك نبيا بين يديك يقول لفرعون ما تقص عليه فيرسل ابني بكري إسرائيل وأنا أقسي قلب فرعون فلا يطيعكما فأظهر آياتي بأرض مصر. فلما مضيا موسى وهرون إلى فرعون بالرسالة قال لهما: اصنعا لي آية. فألقى موسى عصاه فإذا هي تنين. فدعا فرعون السحرة ففعلوا كذلك فابتلعت عصا موسى عصيهم. ومع هذا أبى فرعون أن يرسلهم. فصنع الرب بمصر من الآيات ما قد شرح في التورية من تغير الماء دما وأظهار الجراد والضفدع والظلام والحشرات والنار وغير ذلك. وفي الليلة التي قتل الله فيها جميع أبكار المصريين من بكر فرعون وما دون أذن فرعون لموسى وهرون أن يخرجا بني إسرائيل من مصر ويمضون ويعبدون امام الرب ثم يعودون إلى مصر فاستعار بنو اسرائيل من جيرانهم حلي الذهب والفضة والملابس الفاخرة بحجة العود وخرجوا من مصر ستمائة ألف رجل سوى الحشم والأثقال بعد أن تم لهم بمصر أربعمائة سنة وثلاثون سنة. ولما لم يرجعوا لما أمروا اتبعهم فرعون وجنوده. فدمدم بنو إسرائيل على موسى قائلين: قد كان الأصلح أن تخدم المصريين ولا نهلك في البر فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق وعبر بنو إسرائيل فيه. ودخل فرعون وجنوده خلفهم فغرقوا وسار بنو إسرائيل في البر أياما. ثم ثاروا على موسى قائلين: كنا نؤثر الموت بمصر ولا نموت بالجوع في هذا البر.فأمطرهم الله تعالى الخبر من السماء وأنزل عليهم المن والسلوى وكان الغمام يظلهم نهارا وعمود نار يضيئهم ليلا سائرا بين أيديهم. وقال الله لموسى: اصعد إلي أنت و هرون وناذاب وابيهو ولداه وسبعون شيخا. ففعلوا ذلك ودنا موسى وحده والباقون وقفوا اسفل الجبل فعرفهم موسى وصايا الله ثم نزلوا وأقام موسى بالجبل أربعين يوما صائما. وتقدم الله إليه بالفرائض المكتوبة في لوحين من حجر. ولما استبطأ بنو إسرائيل مجيء موسى قالوا لهرون:قم اعمل لنا إلها يمضي أمامنا لأن أخاك ما نعلم ما كان منه. و أحضروه حلي الذهب التي لنسائهم و أولادهم وصاغ منها عجلا وقال: هذا إلهك يا إسرائيل الذي أخرجك من مصر. ولما عاد موسى وعرف فعلهم غضب غضبا شديدا وضرب باللوحين سفح الجبل وكسرهما وألقى العجل في النار وبرد سبيكته بالمبارد ناعما وألقاه في البحر وأمر بني إسرائيل أن يشربوا منه جميعهم وقال لبني لاوي: الرب يأمركم أن يقتل الرجل منكم أخاه ونسيبه. فقتل منهم ثلاثة آلاف رجل.
ثم رقي موسى للجبل مرة ثانية ومعه لوحان آخران من حجر وأقام فيه أربعين يوما صائما طاويا لياليها وعاد نازلا وبيده اللوحان مكتوبا فيهما العشر وصايا وهي: الرب إلهك واحد.

(1/9)

لا تحنث في يمينك. احفظ يوم السبت. أكرم والديك. لا تقتل. لا تزن. لا تسرق. لا تشهد بالزور. لا تتمن منزل أخيك. لا تتمن قنية رفيقك. وقال الله: ملعون من يشتم والديه. ملعون من يظلم جاره. ملعون من يضل الأعمى عن السبيل. ملعون من يحيف في القضاء على اليتيم والمسكين. ملعون من يضاجع أخته ومن يلامس امرأة أبيه ومن يضرب صاحبه غيلة ومن يرشو في قتل نفس. ملعون من لا يثبت على هذه السنن. فإن أنتم خالفتموها تزرعون ويأكل زرعكم أعداءكم وتنهزمون من غير أن يطردكم أحد وأرسل عليكم الوحوش فتفنيكم ولا تشبعون طعاما ولا تروون ماء ولا تقبل لكم صلاة وأخرب أراضكم و أبددكم بين الأمم المبغضة لكم واختس قدركم. وقال الله لموسى: قل لبني إسرائيل يفردون لي ذهبا وفضة ونحاسا وثياب أرجوان وقزا وإبريسما ومرعزى وأديما وخشب شمشار ويعملون لي مسكنا بينهم زمان تقلبهم خارج أرض الميعاد ويكون أخوك هرون وبنوه يلهبون السرج فيه من العشاء إلى الصباح. فعملوا كما أمرهم الله تعالى وسار بنو إسرائيل وموسى أمامهم يعد لهم منزلا. وتغطرس هرون ومريم على موسى لأجل زوجته الزنجية وقالا: العل موسى وحده كلمه الله فمعنا أيضا قد تكلم. فقال لهما الله: إن تمت نبوؤتكما فإني سرا أتجلى عليكما وأما موسى فقد ائتمنته على بيتي ومن فم لفم أكلمه. وعند ذلك برصت مريم وابيض جسمها كالثلج. وتضرع موسى إلى الله أن يطهرها. فقال الله: لو أن أباها تفل في وجهها لكان يجب أن تستحي منه فلتنعزل عن الحلة سبعة أيام ثم تدخل. ففعلت وطهرت. فجاء بنو إسرائيل إلى البر المعروف بصين . وماتت هناك مريم أخت موسى وهرون ودفنت حيث توفيت ثم جاءوا إلى جبل هور ومات هناك هرون وولي مكانه ايليعازر ابنه. ولما عبر بنو إسرائيل نهر الأردن قال الله: يا إسرائيل إن عملت بوصايا إلهك بوركت في قريتك بوركت في حقلك بورك ثمار كرومك وولد بعيرك يسلم الله عدوك في يديك ويجيئك عن طريق واحد ويهرب في سبع طرق يبارك الله الأرض التي يعطيك ويجعلك له شعبا مقدسا كوعده لك. وإن خالفت هذه الوصايا تنقلب بركاتك لعنات و يبددك الله في جميع الأمم ويعطيك قلبا فزعا ووجع العين ورماك بالنيط وتكون مرعوبا بالليل والنهار.
أقول تأمل أيها القارئ كيف جعل الله وعده ووعيده لبني إسرائيل مقصورين على ما يرونه في دنياهم من غير أن يذكر لهم شيئا من أحوال الآخرة وأمور المعاد وذلك لغلظ طباعهم وقصورهم عن النظر إلى العالم الروحاني.
ثم أوحى الله إلى موسى قائلا: ها أنت ماض في طريق آبائك فادع يوشع بن نون تلميذك وأوصه بأن يقوم بتدبير هذا الشعب فإني أعلم أنه يضل بعد موتك ويتخذ الأصنام ويعبدها فيحل غضبي بهم فيلحقهم بؤس وذل. ولست أورثهم أرض الجبابرة المغلة عسلا ولبنا من قيل ورعهم وصلاحهم لكن لسوء أعمال سكانها قبلهم ولما وعدت به آباءهم إبراهيم واسحق ويعقوب. فلما فرغ موسى مما أوصى به يوشع بن نون خاصة وبني إسرائيل عامة أصعده الله إلى جبل نابو وأراه أرض كنعان وهي أرض الميعاد التي سيورثها لبني إسرائيل. ومات هناك ودفنته الملائكة من غير أن يعرف له قبر إلى آخر الدهر.وكانت سنة مائة وعشرين سنة ولم يضعف بصره ولم تتشنج وجنتاه. ويوشع بن نون امتلأ روح الحكمة بوضع موسى يده عليه وأطاعه بنو إسرائيل. فمن آدم إلى وفاة موسى على الرأي السبعيني ثلاثة آلاف وتسعمائة وإحدى وخمسون سنة وعلى رأي اليهود ألفان وأربعمائة وإحدى وتسعون سنة.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2863
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى