مـنـتـديــات الــبـــاحـــث
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

* الحلم - كفاح كفيف : الجزء الاول

اذهب الى الأسفل

* الحلم - كفاح كفيف : الجزء الاول Empty * الحلم - كفاح كفيف : الجزء الاول

مُساهمة  طارق فتحي الخميس أغسطس 02, 2018 11:04 pm

كرسي الاعتراف
طارق فتحي
استحدثت هذه النافذة الجديدة في نادي القصة القصيرة والمختصة بالمشاكل الاجتماعية سواءا كانت الاسرية منها او المجتمعية بغية اطلاع الجيل الجديد من الشباب لما يحدث ويدور حوله دون دراية منه . راجين ان نوفق بتقديم هذه النافذة والاستئناس بآرائكم الرائعة من نقد او حلول لما تقرأون من قصص واقعية . الوقائع حقيقية والاسماء مستعارة حفظا على السرية ولمن لا يحمد عقباه . راجين المشاركة الفعالة فبكم نرتقي وبمساهماتكم نستمر والله الموفق لا رب غيره .
مدير النادي : طارق فتحي
كرسي الاعتراف  1
طارق فتحي
الحلم
كما وردني بدون رتوش
‏*‏ انا امرأة تجاوزت الستين من عمري وقد كنت أعمل موجهة تربية فنية للمرحلة الابتدائية‏..‏
رسالتي هذه اوجهها لكل أم وأب ولابني ولحفيدي الذي لم أره حتي الآن‏..‏ منذ زمن طويل بعد تخرجي مباشرة من مدرسة المعلمات مرضت أمي مرضا شديدا ثم توفيت ثم لحق بها أبي بعد ثلاثة أشهر‏.‏
وكان نتيجة ذلك أن أجبرني زوج أختي علي بيع البيت أنا وأختي وأن انتقل للإقامة معهما ومنذ ذلك اليوم‏,‏ بدأت قصتي مع الذل والهوان والإهانة‏..‏ كنت أذهب للعمل منذ الصباح الباكر فاشتري ساندويتشات من محل فلافل وأنا في طريقي للمدرسة كيلا أفطر في البيت وبعد انتهائي من العمل آكل في أي مطعم شعبي في الخارج كيلا آكل بالمنزل وأدخل من باب البيت فامسح واكنس وأطبخ ما لا أتذوقه‏,‏ وفي نهاية كل يوم لابد أن اسمع إهانات صريحة ومباشرة ولابد ان اسكت وإلا أصبح في الشارع‏.‏

ساءت صحتي من الأكل السييء وتدهورت بشدة أثناء اقامتي عند اختي فكانت تتهمني هي وزوجها بادعاء المرض حتي عاد بي زميلاتي يوما من المدرسة يحملنني بعد أن اغمي علي‏.‏ كرهت اختي وزوجها وعشت عامين علي أمل ان أتزوج من رجل طيب القلب يعوضني عن كل تلك الأيام السيئة التي رأيتها في بيت أختي وبالتالي وافقت علي أول عريس تقدم لي وانبهرت بوجاهته ولأن أبي مات فلم يقم أحد بالسؤال عن العريس أو حتي بتأميني بمهر مناسب أو مؤخر أو شبكة‏.‏
كان كل هم زوج أختي هو الاستيلاء علي أكبر قدر من المال اثناء تجهيزي من نصيبي من بيع منزل أبي . تزوجت يا سيدي ومات كل أمل لي في الدنيا فمنذ الايام الأولي ظهر لي زوجي على حقيقته بخسته وبخله‏,‏ أما امه واخته فحدث ولا حرج‏.‏

ولأنه كان انسانا غير كريم كان يقول لي مؤخرك مبلغا تافهاً أرميه لك علي الحذاء فتصبحين في الشارع . تحملت السب والضرب المبرح والإهانة المستمرة والسخرية مني ومن أهلي حتي من والدي رحمهما الله وتحملت أيضا ألا يدخل لي البيت قريب أو زميلة في الشغل بسبب وقاحته في استقبال أي شخص يمت لي بصلة من قريب أو بعيد . عشت وحيدة مع الإهانة والضرب والسب وكأن الدنيا لم يعد بها خير ولا تضم انسانا ينقذني مما أنا فيه وكنت أصلي بعد كل فرض ركعتين
رجاء الله كي يخلصني مما أنا فيه ولكن لم تقبل دعواتي وظللت علي هذا الحال
حتي جاء يوم أذكره جيدا فقد خرجت يوما مع زوجي المحترم لنقدم فروض الولاء والطاعة لحماتي فقابلنا مدير المدرسة
التي أعمل بها وأخذ يشكر لزوجي في اخلاقي وأنه لا يوجد في المدرسة من هو مثلي وغيره من كلام المجاملة هذا ووصلنا إلي بيت حماتي وقبل أن أدخل وجدتني أجر من شعري وسحبت داخل الشقة لينهال علي ضربا وسبا امامها وهو يقول لي فرحانة بنفسك يا ست المعلمة  حاسبة نفسك ست وظل يضرب في امام امه دون أن تمنعه عني ولم يكن يهمها أي شئ سوي أن تعرف سبب الخناقة وظل يضرب في لمدة ساعة وهو يسبني بالفاظ نابية تشير لانني امرأة ساقطة واني لا أذهب للعمل إلا كي ينظر الي الرجال‏..‏

الحلم
كما وردني بدون رتوش
فقدت من شدة الآلم السيطرة علي نفسي حتي فقدت التحكم في مثانتي بللت نفسي‏.‏
ومنذ ذلك اليوم توقفت عن الدعاء نهائيا وصرت كالصنم لا اتكلم ولا أفعل أي شئ‏,‏ صامتة واجمة حتي التفكير توقفت عنه ولم أعد اشعر بشيء حتي حين أنجبت ابني الأول لم افرح به ولم اشعر ناحيته بأي مشاعر وقام زوجي بتربية ابني علي مبادئ اسرته العجيبة من وحشية وانتهازية وحقد علي الآخرين بل وايضا علي الاستهزاء بي وبأصلي واهلي ثم جاء الفرج بأن قرر زوجي السفر للخارج

كنت وقتها حاملا بعد توقف عن الانجاب مدة ثماني سنوات . سافر زوجي وانا حامل ثم توفيت حماتي بعد سفره فشكرت الله علي رحمته الواسعة بأن ازال اكثر اثنين يؤذيانني‏.‏
ولأول مرة في حياتي أنام حتي ارتاح في السرير وأنام بعد عودتي من العمل وآكل براحتي وأشاهد التليفزيون ويمر اليوم دون سب وضرب‏,‏ ولكن زوجي كان لابد وأن يترك اثره الطيب فبعد ان سافر لم يرسل لي نقودا بل كان يرسلها إلي اخته لتعطيها الي ابني الاكبر فاذا اردت مبلغا اطلبه من ابني حيث كان يدربه علي البخل‏,‏ والفشل منذ صغره ولكنني لم اهتم بل فرحت بسفر السجان وموت السجانة كما كنت القبهما‏.‏
أنجبت ابني الاصغر ولأول مرة افرح بالولادة فلم يأخذه زوجي من حضني ليلقنه اسلوبه الشاذ في الحياة وظل زوجي في الخارج سنوات طويلة وانا سعيدة لأول مرة في حياتي توطدت العلاقة بيني وبين ابني الأصغر بينما لم يحمل قلبي أي حب للابن الأكبر الذي تحول مع مرور الوقت إلي صورة ألعن من ابيه‏..‏ فكان يقتر علي في مصروف البيت لي ولأخيه بينما كان يأكل في أغلي المطاعم ويرتدي أغلي الملابس ولأني لم أكن أريد وقوع مشاكل ربيت ابني الأصغر علي طاعة أخيه الأكبر‏,‏ وتخرج ابني الاكبر في كلية التجارة‏,‏ واقترح زوجي عليه أن يسافر معه ليجد فرصة عمل له في الخارج فسافر

وهو يظن أنه سيعمل مديرا وذلك بواسطة نفوذ ابيه ذي المؤهل المتوسط‏,‏ وحين سافر واستلم عملا لم يكن يتخيل ضآلة راتبه لم يتحمل اكثر من شهر وأصيب بما يشبه الانهيار فهو ليس رئيسا يأمر ويحكم كما كان يحلم طوال حياته وكما اعتاد بل هو مرءوس وله من يحاسبه ويؤنبه وترك العمل ,ظل في المنزل,قام والده باستدعائي انا واخيه لانه لم يعد يتحمله بسبب طلباته الكثيرة ولسوء طباعه حيت لم يكن يغسل الكوب الذي يشرب فيه هذا وقد بدأت الأمراض تتراكم علي زوجي‏,‏ سافرت انا وابني الاصغر بالرغم من انها كانت سنة الثانوية العامة واستطاع ان يأخذها من هناك بمجموع معقول اتاح له ان يدخل كلية الطب العلاج الطبيعي

كان ابني غير موافق علي الكلية في البداية ولكنه أطاع والده حينما قال له العلاج الطبيعي تخصص نادر ومطلوب في الدول العربية بكثرة وعدنا جميعا الي بغداد  بعد رفض ابني الأكبر لأي عمل وتدهورت صحة زوجي ودخل الابن الاصغر كلية الطب العلاج الطبيعي وقرر الابن الأكبر ان يقوم بالدراسات العليا دون ان يعرف كم ستتكلف أو ما فائدتها أو يعمل اي عمل ليصرف علي نفسه‏.‏
ولأول مرة بعد سنوات طويلة من الزواج بدأ زوجي يشكوا لي في البداية كان يشكو من أخته وابنائها الذين لا يتذكرون افضاله السابقة عليهم‏,‏ ثم بدأ يشكو من الابن الاكبر الذي ظهرت صورته أمامه بعد الغربة من غرور بلا مبرر وتطلعات لأشياء خارج قدرتنا المالية وعدم سعيه للعمل‏,‏ ثم قرر زوجي أن يستثمر الأموال التي عاد بها من الخارج في بناء عمارة يكون لكل ابن شقة ويؤجر باقي الشقق كنوع من الاستثمار‏,‏ ولأول مرة يتحمس ابني الاكبر للعمل وأعلن حماسه الشديد لهذه الفكرة انه سيتولي امر كل شئ ليريح أباه المريض هذا في حين أنه كان يرفض شراء لوازم البيت نفسه‏.

اتضحت الرؤية فيما بعد حيث علم زوجي انه قد سرق ما يزيد علي خمسين مليون دينار  اثناء بناء العمارة وانه لم يشرف علي أي شئ بل سلم المشروع كاملا لمكتب هندسي لينفذه‏,‏ وبدأ يحدث احتكاك بين زوجي وابني الاكبر لأول مرة كما بدأ زوجي يدرك أن له ابنا آخر لم يعطه شيئا مما أعطاه للأول‏.‏

ويبدو أن زوجي شعر بنهايته ففي يوم سألني ان كنت سأسامحه علي ما فعله بي في الماضي فلم ارد عليه كما استدعي ابني الاصغر وطلب منه ان يسامحه لأن الاكبر قد اخذ اكثر من حقوقه فرد عليه انه لا يريد أي اموال بل يريد سلامته‏.

توفي زوجي وبعدها بثلاثة اشهر قرر ابني ان يخطب وحينما اعترضت علي التوقيت بعد وفاة ابيه قرر ان هذا كلام فارغ واعتراض علي ارادة الله ولآني ما زلت في فترة الحداد علي زوجي وليس مسموحا لي بالخروج فسيذهب هو واخوه وعمه وحدث ان استولي علي نصيبي في ميراث ابيه وحتي نصيب اخيه ليفرش احسن فرش ويشتري اغلي شبكة ويعمل أحسن فرح وسافر ابني الاصغر للخارج ليستطيع أن يجهز نفسه للزواج بنفسه وعشت مع ابني الاكبر وزوجته التي كانت تشبه حماتي‏.‏

ولانه هو وزوجته لا يعملان فرض علي ابني الاصغر ان يموله كل شهر بمبلغ مالي ليصرفا منه وعاد عهد الظلم من جديد وعدت مرة أخري للصمت والخرس‏.‏

بعد ست سنوات من سفر ابني الاصغر قرر ان يتزوج في احدي الاجازات وتمت الخطبة والزواج بسرعة من طبيبة من بيت طيب واشتعلت النار في قلب إبني الاكبر وزوجته فسيفقدان الممول الاكبر كما أن الزوجة الجديدة بأصلها واهلها ووضعها الاجتماعي تقلل من شأنهما‏.‏ وبدون ان اطيل عليك استاذي استطاع ابني الاكبر في اقل من سنة بتدبير شيطاني ان يدمر زيجة اخيه لتتركنا زوجته وهي حامل ووضعت طفلها ونحن لا نعلم حتي اسمه‏.‏

ظل في وسوسته حتي اقنع اخاه بان يتزوج اخت زوجته ذات المؤهل المتوسط حتي وافق وجاء اليوم المشئوم يوم عقد القران وكانت زوجة ابني قد سبقتنا بأبنائهما الثلاثة الي قرية ابيها بعدة ايام وقاد ابني الاكبر السيارة ولكن لم نصل الي حفل كتب الكتاب بل وصلنا إلي مستشفي الطوارئ حيث توفي ابني الاصغر وبترت قدمي واصيب ابني الاكبر بكسر مضاعف في الحوض‏.‏

انكسر قلبي كسرا لم يمحه الزمن حتي الآن وظللت في السرير لما يزيد علي عام وتزوجت اخت زوجة ابني‏(‏ العروسة المشئومة‏)‏ بعد هذا الحادث بستة أشهر مرتدية الشبكة التي اشتراها ابني لها علي انها هدية والدها واستطاع ابني الاكبر أن يستولي علي كل نقود اخيه وسألت نفسي بعد أن افقت من موت ابني أليس ذلك أكلا لمال اليتيم وظللت اسأل نفسي تري ما اسم ابنه الذي لم أره وكيف يكون شكله وتصورت انه ربما يكون شكل أبيه فاري ابني فيه‏..‏ وذهبت الي منزل طليقة ابني الراحل لأري حفيدي دون أن يعرف ابني الأكبر مستعينة بالخادمة واستقبلتني والدتها ببرود ولها حق في ذلك وقلت لها أحمد مات انتوا ماعرفتوا فقالت ببرود البقاء لله‏,‏
وحين سألت عن حفيدي قالت لي انه سافر مع امه للخارج حيث تعمل ومرت السنون وقام ابني بفتح مشروع بنقود اخيه او ابن اخيه علي الاصح وعاش حياة مرفهة هو وزوجته اما انا فانخرطت في العبادة وفي يوم بعد صلاة الفجر نمت فرأيت ابني الاصغر وهو طفل يبكي فسألته مابك يا حبيبي فقال لي‏:‏  انهم يضربوني يا امي  وكانت تلك كلمته وهو صغير حينما كان يضربه اخوه‏.‏ ذهبت الي احد المشايخ  والذي كان يوما طالبا عندي في المدرسة  وسألته

وعرفت الاجابة من قبل ان يقول لي وعلمت أنه يجب علي ان اترك الصمت فطلبت من ابني ان يسمعني لأول مرة في حياته وذكرته بانه استولي علي مال ابن اخيه اليتيم وان اخاه يتعذب في قبره وانه لابد سيدفع الثمن‏.‏

فاذا به يستهزئ بي ويقول لي انت كبرت وخرفت وبعدها بايام رماني في أحد دور المسنين مدعيا اني لا أستطيع دخول الحمام بنفسي وحتي الآن لم أرى حفيدي ويأتينا هنا في الدار طلبة جامعيون ليزورونا وكنت اتوقع أن أجده بينهم ولا اعرف ان كان في بغداد  ام مازال في الخارج‏.‏ والآن يكتب لي هذه الرسالة حفيدي بالتبني كما يقول وهو أحد الشباب الذين يزوروننا في الدار وهو الذي شجعني علي كتابتها لعل حفيدي أو أمه يقرآنها فاراه مرة واحدة قبل الموت‏,‏ أما ابني الاكبر فقد بدأ في دفع حسابه الثقيل مع الله حيث اخبرتني خادمتهم التي تزورني باستمرار ان ابنته الكبري تركت المنزل وهربت بعد أن سرقت مبلغا ضخما من المال ولا يعرفون أين ذهبت حتي الآن أما ابنه الأصغر فقد زادت حالة الصرع لديه بشكل كبير‏..‏ ولا أقول يا سيدي اني شمتانة فيه ولكني ايضا لست متعاطفة معه‏..‏ وفي النهاية لا أملك سوي أن ادعو الله أن يغفر لنا جميعا‏.‏

كرسي الاعتراف  4
رأي ادارة النادي
طارق فتحي
‏{{‏ سيدتي‏..‏ لقد آلمتني رسالتك وأحزنتني علي ما عانيته طوال حياتك‏,‏ وإن كنت واثقة في عدل الله سبحانه وتعالي‏,‏ تأكيدي أن ما تكبدته في رحلة الأيام القصيرة‏,‏ ستجنينه خيرا وسعادة مع من تحبين وتشتاقين إليهم في الدار الآخرة‏,‏ حيث المستقر‏.‏

لم أعرف إلي من أتحدث‏,‏ إلي شقيقتك وزوجها‏,‏ اللذين استباحاك بعد وفاة والديك‏,‏ ورسما عذابات حياتك‏,‏ أم إلي إبنك العاق‏,‏ الظالم‏..‏ أم أوجه ندائي إلي طليقة ابنك الراحل وحفيدك لعلهما يقرآن ويرق قلباهما‏,‏ ويحققان رغبتك الأخيرة‏.‏

إن الذين ظلموك يااختي العزيزة‏,‏ قلوبهم غلف‏,‏ نسوا الله فأنساهم أنفسهم‏,‏ ولو كان في نفوسهم بصيص من الإيمان لتدبروا آيات القرآن الكريم الملأي بصور الظلم وعقاب الله الصارم‏:‏ إنما السبيل علي الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق‏,‏ أولئك لهم عذاب أليم‏..‏ لقد أعمي حب المال أبصارهم‏,‏ وزادهم الشيطان حقدا‏,‏ فأوعز اليهم بأن العز فيما لديك‏,‏ ونسوا أن من طلب عزا بباطل أورثه الله ذلا بحق‏..‏ وبدون أن تذكري ما آلت إليه أحوال شقيقتك وزوجها‏,‏ فإني أوقن بأن عدالة السماء لن تجعلهما يهنآن‏.‏

أما ابنك الذي لم يعرف جزاء قوله أف في وجهك‏,‏ لا أفهم كيف لم يستيقظ ضميره وهو يري ما ألم ببيته وهذا قليل مما سيحصد ولو تدبر قوله سبحانه وتعالي‏:‏ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا‏,‏ لأتي إليك زاحفا‏,‏ مقبلا قدميك طالبا العفو‏,‏ الذي سيجده حتما لأنك أم تدعين علي إبنك وتكرهين من يؤمن علي دعاك‏.‏

أيها الابن العاق إن رجالا يتخوضون في مال بغير حق فلهم النار يوم القيامة‏.‏ هكذا وعد الله‏,‏ وأنت الآن في عذاب صغير‏,‏ فهل يستيقظ ضميرك وتنحو بنفسك‏,‏ لأنك طمعت في كل شئ فخسرت كل شئ‏,‏ فهل هذا ما كنت ترجوه أو تتمناه‏.‏

ولمطلقة الابن الراحل وأم الحفيد الذي تحلم الجدة برؤياه‏,‏ أقول لها‏,‏ أن تلك الأم التي تعاني الوحدة والعذاب في دار المسنين لم ترتكب في حقك إثما‏,‏ وأنت أم وتقدرين عذابات الغياب والحرمان‏,‏ فهل لك أن تمدي يد المحبة والحنان‏,‏ وتصطحبي ابنك إلي جدته فنحن نعيش أياما طيبة‏,‏ أدعو الله أن تكوني هنا في بغداد وتقرئي تلك الكلمات فتغرسي الفرح في قلب تلك الأم المسكينة وتحولي حزن العيد إلي فرح‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏. والله الموفق للصواب لا رب غيره .
طارق فتحي
مدير النادي


كفاح كفيف  1
طارق فتحي
في احد القرى النائية في شمال غرب نينوى تلك التي لا تكاد ترى من على الخارطة العراقية. تقبع عائلة فقيرة امتهنت الزراعة البسيطة لتامين عيش حياتها يوما بيوم. بين رعي الاغنام والعمل كأجراء في بساتين الغير. رزقت هذه العائلة بطفل ذكر فكانت فرحتهم به لا تسعها الدنيا على ما رحبت . في الشهور الاولى من حياة هذا الطفل اهتمت العائلة به بشكل كبير لتوفير احتياجاته التي بالكاد تبقيه على قيد الحياة . حملت امه دلوا صغيرا ويممت شطر بئر ماء في القرية المجاورة لقريتها . تركت الطفل برعاية جده . حينها اكتشف الجد ان الطفل كفيف لا يبصر.
عند عودة والدته من البئر اسرع الجد بزف الخبر اليها فاندلق الدلو تلقائيا على الارض وتجمدت المرأة متسمرة في مكانها جاحظة عيناها فاغرة فاها هرعت الى غرفتها باكية صارخة مولولة ممزقة كل اوراق الزينة التي علقتها على جدار غرفتها الطيني بمناسبة المولود الجديد . بعدها اخذت تدور بطفلها بين الاطباء والمشايخ وحتى الانبياء لم يسلموا من طوافها لتجد حلا او سبيلا لولدها دونما اية جدوى . فلا النبي يونس ع حل لها معضلتها ولا الشيخ فتحي الرجل الصالح والامام المدفون قريبا من قريتها ولا اطباء الموصل او غيرهم استطاعوا ان يجدوا لها حلاً .
اخذت الام تعمل تجاربها الخاصة مما سمعت او قيل لها بهذا الخصوص . مرت الايام تلوه الايام ولم يتحسن وليدها فخطر ببالها انه من الممكن ان يرى ولو قليلا من زاوية عينيه فاخرجت له لسانها بكل ما استطاعت من قوة حتى يراه ويمسك به والتفت حوله مخرجة لسانها لعله يمد يده اليها دون جدوى. حتى راها الجد فقال لها انتبهي كي لا يقطع لسانك ساخرا منها.
اسلمت الام امرها الى الله سبحانه وتعالى وهي يائسة في هذه القرية البائسة التي يلفها الجهل والجمود والقسوة المجتمعية مع بعض العادات والتقاليد التي ما انزل الله بها من سلطان . شاء القدر ان تكون ولادة هذا الطفل البريء في مثل هذه الاجواء الغير سارة تحت تهكم الجد وصيحات الاستهجان من اهل القرية حتى بات الامر لا يطاق .
نظرة المجتمع وقسوتهم بسبب جهلهم المتقع الى من به ادني عيب او عوق كانسان منبوذ يعتبروه عالة على القرية واهله . وفق هذه القوانين المجتمعية الجائرة نشأ وترعرع هذا الطفل الكفيف البائس. والكل ينظر اليه كانه ارتكب جريمة بشعة . مما يستوجب اخفاءه وان لا يراه الناس لجرم او عيب او عاهة ليس له فيها شأن . اذا ما تشاجر اي معاق مع شخص سليم عييره الاخير بعوقه او عاهته .هذه من ناحية .
ومن ناحية اخرى هذا المجتمع القاسي ينظر الى من به عوق نظرة شفقة واسترحام. وينبذوه بكل صور النبذ المعروفة لدى الجميع وحتى ان تمكن صاحب العوق من العمل فهم لا يشغلوه عندهم ولا يسمح له ذلك من قبل اهله امه وابيه كي لا يتقول عليهم الناس بانهم لا يتمكنون من اطعام ولدهم او تربيته فيعيرونهم بذلك فيصبحوا مسوخا بين اهلهم وقريتهم وعشيرتهم ...
شب الصبي الكفيف عن الطوق وسط هذه الاجواء المفعمة بالجهل والتعاسة التي كانت تحيط به من كل جانب حتى عائلته اخذت تتبرم منه . فتمرد على مجتمعه واهله والقوانين التي كانت تسير هذه القرية النائية دون ان يعلم معنى التمرد . فكان الشاب الوحيد الذي صرخ بوجوه مجتمعه صرخة مدوية زلزلت اركان سجنهم المعنوي الذي بنوه لكل معاق او ذي عاهه. غالباً ما كان يعبر عن تمرده بالاختلاط مع الشباب اليافعين من اقرانه وممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي كالاخرين وهو يعلم جيدا ان العقاب ينتظره حين عودته الى البيت ولكنه لم يهتم لهذه العقوبات القاسية . فالثورة على تصحيح مفاهيم وعادات وتقاليد هذا البؤس الماثل للعيان امام الجميع يتطلب منه الصبر والثبات على المبادي مهما حدث . فكان بحق ثوري بكل ما تحمله الكلمة من معاني سامية .
جرت العادة عند اهله انهم اذا ارادوا الذهاب الى مكان ما دون اصطحابه معهم فتحوا له (الراديو) ليهدئوا من روعه ويكف عن الالحاح للذهاب معهم وبالفعل يستمع للراديو وتهدأ اعصابه ولا يعترض على ذهابهم من دونه  فتعلق كثيرا بالراديو بعد ان اعجبته الفكرة.
ذات يوم انهال عليه اخيه الاكبر بالضرب المبرح لابسط الاسباب واكثرها سخافة  وكان لا يسلم من التأنيب والتجريح من بقية افراد العائلة ولا احد يهتم به عندما يتشاجر مع الشباب في الحارة . الا عمه فكان يحنو عليه ويحبه كثيرا ودائما ما كان يشعره بذلك . على العكس من خاله الذي كان قاسيا عليه الى حد الافراط . بعد فترة وجيزة وردت رساله من عمه من مقر عمله خارج بلدته يقول فيها العم لقد اشتريت راديو صغير الحجم لابن اخي الحبيب عبد المالك وهذا هو اسم الشاب الكفيف ففرح لما سمع الخبر فرحا شديداً . وطلب منهم ان يعيدوا قراءة الرسالة من جديد للتأكد من الخبر . فنهره خاله والجميع لطلبه هذا .
يا الهي سيكون لي الراديو الخاص بي ,افتحه متى ما اشاء واغلقه كما يحلو لي واخذ يعد الايام والساعات حتى قدم عمه فتحلق اولاد الحارة حوله كان عمه يحب الاطفال كثيرا بالرغم من انه متزوج ولم ينجب ,اخذ يوزع عليهم الحلويات اخذ حقيبة صغيرة من جعبته  ودسها في احضانه وقال له اخفي هذا الشيء عن اخوتك لئلا يا خذوه منك ولما وصل الدار فتح العلبة فاذا به راديو صغير جديد مع بطارياته . اخفى الراديو والاحاسيس تتقاذفه . الخوف على الراديو والفرح به والشوق لسماع صوته .
عندها تجاوزت الساعة السابعة مساءا ونام جميع من في الدار وحان لقاء الحبيب بحبيبته فتح الراديو وصار يقلب بموجاته الاذاعية وما كاد موشر الراديو يستقر على اذاعة ما حتى نهرته والدته بحجة ان اخوته نيام فدس الراديو في جيبه وعبثا حاول النوم والفرحة تتسرب من جميع كياناته  فما افلح فبقي يغفو هنيئة ويصحو اخرى وهو يتحسس الراديو في جيبه بين الحين والحين . وكان كل هذا القلق وعدم النوم بشكل صحيح هو خوفه من ان ينقلب على الراديو وهو في جيبه فيكسره ولا يستطيع اظهاره واخفائة في مكان آخر خشية ان يجده اخوته فياخذوه منه .
في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي قرر ان يفتح الراديو لسماع الاخبار ويظهره امام اخوته وليكن ما يكون  فاستمع الى موجز الاخبار وبعدها تم بث اغنية عراقية من الفلكلور الشعبي . حينها اخذ اخوته يرجمونه بحجارة صغيره وبكل ما تقع ايديهم عليه وهم يتهامسون  ويتضاحكون حتى سمع والده ينهره بشده ويقول له اعطني الراديو فاعطاه لوالده . ظن عبد المالك ان ابيه سوف يخبيء الراديو او يرفعه في مكان آمن الا انه فوجيء بانقطاع صوت الراديو والاغنيه الجميلة التي طالما احبها . سمع صوت ارتطام وتكسر شيء على الارض لقد اغتالوا حبيته حيث اصبحت اشلاء مبعثرة .
بكى كثيرا كانه لم يبكي من قبل وما يفيد البكاء ولم تعد حبيبته اليه فقرر ان يدخر يومياته من النقود حتى يتمكن من شراء راديو صغير له انه نافذته على العالم . حرمت نفسه من شراء اشياء كان يحبها كثيرا كالحلوى وغيرها في سبيل شراء الراديو الذي تعلق به ايما تعلق. ولما سمع بعض اهل القرية بما جرى له من قسوة من قبل عائلته امه وابيه واخوته وخاله قرروا ان يمدوا له يد المساعدة فاعطاه كل من لقيه بعضا من النقود التي كان يدخرها عند خالتة وان كان غير مطمئن لها.
اجتمع معه احد عشرة دينارا فيمم وجهه شطر بيت خالته لياخذ مدخراته ويشتري بها راديو صغير. وهنا كانت المفاجأة اخبرته خالته بان اخيه الصغير مرض مرضا شديدا فاعطت والدته  جميع مدخراته . حزن حين سمع هذا الكلام من خالته فعاد بادراجه الى البيت يحث الخطى جارا خيبته لا بل خيباته التي ما انفكت تلاحقه دوما .
ودارت الايام وتفتحت قريحة عبد المالك للتدبر في المزيد من التمرد على اهله ومجتمعه لما كان يعانيه من شظف العيش وعدم الاهتمام به ونكران وجوده في الحياة . هذه المعاناة القاسية جعلت منه ان يصر ويكافح ليثبت للجميع انه ليس كما يظنون . وكان الدافع القوي هو سوء معاملته بين اهله واقرانه يذكر في احد الايام ابتاع خاله دراجة ثلاثية العجلات فاراد ان يحصل على واحدة مثلها ولما اخبر اهله بذلك ضحكوا عليه واخذوا يتندرون منه فسرها في قلبه.  
بالكاد ابتلع ريقه وهو يعلم ان اخوته الاصغر منه سجلوا في المدرسة ولما اخبرهم عنه قالوا له ان المدرسة غير ملائمة للعميان اضافة الى ان مدير المدرسة رفض تسجيله هذا ما اخبروه به ولما علم ان اخوته دخلوا المدرسة اصر على الذهاب الى المدير للاستفهام حول رفضه لدخول المدرسة فتم نهره من عائلته وهددوه بقطع المصروف عنه فابتلع غصته في حلقه وكتم الامر في سره.
كانت ايام سوداء مدلهمة اخوته في المدرسة وهو  جالس لوحده في البيت حيث كل يذهب الى عمله انتابه  احساس بالنبذ  وبما انه لم يعتاد هذه النظرة الى نفسه اخذ يفكر ويفكر. ماذا عساه ان يفعل ليس له متنفس غير عمه البعيد عنه الذي بالكاد يراه مرة واحدة في الشهر. الح على اهله بضرورة ان يدخل المدرسة فاجابه والده بانه سوف يتصل بالرعاية الاجتماعية ليصرفوا له راتباً شهرياً. ما علموا من ابنهم انه يريد شيء آخر يريد ان يصبح مثل اقرانه لقد فهم الامر ورفض النبذ الا ان هناك بون شاسع بين ما يرده هو وبين ما تفكر به عائلته.
عندها يأس من دخول المدرسة فاخذ يتابع البرامج التلفزيونية مثل افتح ياسمسم والورشة والمرسم الصغير وغيرها من البرامج التعليمية. بعدها اخذ يتابع قصص الاطفال مثل السندباد البحري وبائعة الكبريت والسندريلا وغيرها فتعلق قلبه بادب القصة القصيرة واستهواه الشعر. اذ كان  يحضر حلقات الذكر في قريته ويتابع المداح النبوية باصوات قرائها مما الهمه الكثير في نضم الشعر.
يوما كان حاضرا في المولد النبوي الشريف وهو في غاية السعادة يتمايل طربا مع اصوات الدفوف الكبيرة بخراخيشها التي سلبت له لبه وهو في هذه الحالة غارقا بالكلية في بحور الموسيقى السماوية فاذا بخاله يحضره ويشده من ياقته امام الجميع واثناء التلاوة شعر حينها بالاهانة المباشرة له وعلم ان جده هو الذي اخبر خاله عنه حيث كان الجد لا يقل قساوة عن بقية افراد عائلته .
في ذات عصر يوم جميل تشاجر مع اخيه الكبير فتلمس الارض لعله يعثر على شيء ما يرمي به اخيه بعد ان اغضبه واثار حفيظته , هنا صرخ الجد به انك اعمى لا تستطيع اصابته فصدم من كلام جده  وانتابنه شعور بالاسترخاء والخدر في يده حتى ان الحجارة الصغيرة سقطت من يده من تلقاء نفسها كأن يده انفصلت عن جسده تماما ولم يعد يشعر بها....
بعد مرور سنوات قليلة انتقلت مديرة جديدة الى مدرسة القرية التي كانت قريبة جداً من بيته. تعرفت هذه المديرة على عبد المالك واهتمت به ايما اهتمام وصارت تاخذه معها الى المدرسة اثناء الحفلات والمهرجانات المدرسية وجعلته يشارك في الاناشيد واكتشفت عنده عدة مواهب وتوطدت عرى الصداقة بينهما بشكل لافت للنظر.
ذات يوم سألته المديرة ماذا تتمنى ان تكون ؟ فاجابها على الفور , اتمنى ان ادخل المدرسة واكون احد طلابها المميزين. صمتت المديرة برهة ولم تحر له أي جواب ولم توعده باي شيء. في يوم ما هرب مالك من امام ناظري جده خشية معاقبته , اذ كثيرا ما كان الجد يعاتبه ويعاقبه لاتفه الاسباب, تعلق فوق عمود منصوب على سطح بيتهم الطيني مختبأ خلف حائط طيني يحجبه عن عيون جده . وكثيرا ما كان يختبيء في هذا المكان.
اتت مديرة المدرسة لتبحث عنه فوجدته معلقا بهذه الصورة فخافت عليه كثيرا واعتقدت ان في ذلك خطورة عظيمة , فصاحت به . لا . لا . تفعل انزل من عندك . كيف صعدت الى هذا المكان المرتفع وهي في حالة هلع وخوف شديدين . الا انه كانت في حساباته طريقة اخرى سهلة جدا لارتقاء هذا العمود المخيف ومن مكان مخصوص لا يعلمه الا هو .
صرخت المديرة فيه وقالت له تعال الي رويدا رويدا فقط انزل من عندك فتحرك ليقفز وينزل مثل كل مرة ولقد فعلها سابقا كثيرا, ولكنها في هذه المرة اسرعت والتقطتنه بيديها الحنونتين وضمته الى صدرها برفق وحنان لم يعهده في بشر قبلها.
جلست معه على دكة طينية قلية الارتفاع من على سطح المنزل وبشرته بخبر كاد ان يطير من الفرحة لسماعه من احب الناس اليه مديرة المدرسة الجديدة , حيث قالت له اليوم ستأتي معي حتى اسجلك في المدرسة وتكون من الان فصاعدا احد طلابها وسوف تكون مثل باقي الطلا.
في الحقيقة هزه الخبر المفاجأة هزا عنيفا وهو يقول في سره من يصدق ان اكون طالبا كغيري من الطلاب واخذت احلامه العريضة تتسع شيئتا بعد شيء . انتباه احساس وشعور بالزهو والفرح من يصدق انه سيكون كالمبصرين وتوسعت كثيرا احلامه ورافقتها هذه المرة امنياتيه وتخيل كيف سيهتمون به اهله ويعاملوه كاحد الامراء النبلاء وحلق عاليا في سماء امنياته .
الا ان الذي حدث هو العكس اذ اخذ الجميع يستهز به ويرمقه بنظرات بلهاء ضاحكة ساخرة فاسمعوه كلام مؤلم جدا حيث قالوا له انت كفيف ماذا ستكون طيار او طبيب او مهندس او ضابط ولم يفوتوا عمل او مهنه الا اسمعوه اياه , غلق اذناه بكلتا كفيًه وهو يرى معاولهم تهدم وتهشم احلامه .
فبيل امتحانات نصف السنة بقليل دخل المدرسة كاحد طلابها وهو يرتدي اسماله البالية (
تجاوز عبد المالك العقبة الكؤود التي شغلته كثيرا وهي دخوله الى المدرسة مواجها بذلك عاصفة الاهل والاقارب متجاوزا مجتمعه الصغير. فتملكه احساس بالفخر والخيلاء لما تم انجازه وباصرار عجيب وثبات لا يتزحزح كالجبال . الا انه دخل الى عالم آخر منضبطا بعض الشيء الا انه يدور في فلك العادات والتقاليد المحيطة به التي طالما حلم بالانفلات منها نحو عالم افضل يحقق له جميع رغباته وطموحه المشروع كانسان يحيا على هذا الكوكب شأنه شأن الاخرين من اقرانه .
من خلال متابعته للراديو والتلفزيون وسماعه لما يدور في برامجه اكتسب بعض المعلومات الرهيبة التي كانت تميزه كثيرا عن اقرانه وكانت في الوقت ذاته وبالا عظيما عليه . اذ اخذت الغيرة تدب بين اقرانه في المدرسة مما زاد في سخريتهم منه حتى وصل الامر الى ان رفاقه كان يضربونه ويهربون في بعض الاحيان وهذا شيء لم يالفه من قبل اذ كان طيب القلب يحب الجميع رغم قسوتهم عليه . مما اضطره في هذه الحالة للدفاع عن نفسه واخذ يرد الصاع صاعين يضرب الاولاد مثلما هم يفعلون به .
ان لم تكن ذئبا اكلتك الذئاب من هنا كان تحوله الى القسوة وعرف قلبه الكراهية وهو تحول خطير في مسلك حياته ولكنه عندما كان يضرب الطلاب دفاعا عن نفسه يبكون من شدة الم ضرباته كان يشفق عليهم ويحن اليهم ويحتضنهم وتتم المصالحة بعدها . الا ان مضي الشهور الاولى في المدرسة اعتاد الطلاب عليه فاصبحوا جميعا من اخص اصدقائه ولا زالوا لحد الآن من اعز الاصدقاء وكضيرا ما يتواصلون فيما بينهم .اخذوا يعينوه في بعض اموره . شعر بالسعادة تغمره من جديد وانه حقق شيئا لم يكن ليحلم به سابقا.
من اروع ما حصل له حب مديرة المدرسة والتفاني في خدمته واصلاح شأنه الدراسي فهي تجلس بجانبه على الرحلة وتمسك بيده وتعلمه اشكال الحروف والاعداد , كانت تحدثه عن الاديب الدكتور طه حسين وغيره من المشاهير ذوي الاعاقات الجسدية . وكيف اصبحوا من الشخصيات العالمية في مختلف صنوف الحياة في الادب والموسيقى والتاريخ شاهد على عصره والعصور التي سبقته .
انهى العام الدراسي وظهرت النتائج واذا به الناجح الاول على اقرانه . عاد الى بيته يحمل شهادته فرحا مسرورا طربا جزلاً. لقد حقق ما لم يحققه المبصرون . تعالت صرخاته بوجه اهله وهو يبشرهم في نجاحة وانه الاول على صفه دون سماعه للرد او لكلمة مبروك النجاح كانه كان يخاطب جدارا من طين اصم , باستثناء اخته الكبيرة التي كانت تسانده في الكثير من المواقف العائلية كانها من عالم آخر .
قام اليه اخيه الكبير بعد ان سمع ورأى بام عينية الجلبة التي احدثها عبد المالك بسبب نجاحه فاخذ يضربه ويعنفه بقسوة عندها جلبته اخته معها الى بيت عمها في القرية المجاورة واحتفلا في الطريق بين القرتين بمناسبة نجاحه حيث كانا يغنيان ويرقصان معاً . انتهت العطلة الصيفية تحت الضرب والتنكيل به عوضا انه حرم حنان الاب والاخوة الا من رحم ربي ولا عرف عن شيء من هذا القبيل .
من سوء تصرفات اخيه الكبير انه في احد الايام امره ان يضرب احد اطفال اقاربه بشدة عنيفة وانه ان فعل ذلك سوف لن يعاقبه او يضربه مستقبلاً وسيتركه حينها يعيش بسلام واطمئنان بدون خوف او وجل منه . اما اذا لم يلبي طلبه هدده بسلخ جلده بخرطوم المياه الذي كان يضربه به دوماً.
الحمد لله الهمه الله الصبر على مكر وكيد اخيه الكبير فاجابه على الفور بكل شجاعة وبدون تفكير او تردد . لا افعل ما تأمرني به حتى لو قتلتني . ذهب اخيه لكي يحضر الخرطوم وصادف ان دخل أحد أهل بيته فتركه ولكن هدده بالتعذيب إن أخبر أحد . كان فخورا بنفسه وانه ان نفذ وصية اخيه الاكبر لكان لن يسامح نفسه ابداً . ابداً . والحمد لله الذي الهمه الحكمة وهو طفلا يافعاً .
طارق فتحي
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2456
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

https://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى