* تاريخ مختصر الدول : من قسطنطينوس - الى الفراعنة

اذهب الى الأسفل

* تاريخ مختصر الدول : من قسطنطينوس - الى الفراعنة

مُساهمة  طارق فتحي في الخميس أغسطس 11, 2011 12:01 pm

(1/39)

وبنى قسطنطينوس بيعة عظيمة بالقسطنطينية وسماها أجيا سوفيا أي حكمة القدوس. وبيعة أخرى على اسم السليحين. وبنى بيعة بمدينة بعلبك وكان أهلها يتشاركون في النساء ولم يخلص لأحدهم نسب فكفهم عن ذلك فكفوا. وبنى بإنطاكية هيكلا ذا ثماني زوايا على اسم السيدة. وفي أيامه حاصر سابور ملك الفرس مدينة نصيبين ثلاثين يوما. وبدعاء مار يعقوب أسقفها ومار افريم تلميذه رحل عنها خائبا. وفي عودته غزا ما بين النهرين. فنهض قسطنطينوس لمحاربته وعند وصوله إلى نيقوموذيا أدركته المنية سنة اثنتين وأربعين وستمائة للاسكندر وذلك يوم الأحد لثمان بقين من أيار وكان عمره خمسا وستين سنة. وفي مرضه قسم الملك على أولاده الثلاثة وملك الكبير المسمى باسمه قسطنطينوس على قسطنطينية. ورتب الآخر المسمى قسطنطيس على مصر والشام وما بين النهرين وأرمينية. ورتب الصغير المسمى قوسطوس على رومية واسفانيا وما يليها من ناحية المغرب.
وفي هذا الزمان ظهر آريوس المبتدع. هذا كان قسيسا خطيبا بالإسكندرية. فعلا ذات يوم مشهود المنبر ليخطب كعادته وابتدأ بخطبته من كلام سليمان بن داود وهو قوله: الرب خلقني في أول خلائقه. وأخذ يقرر أنه عنى بذلك كلمة الله فهي مخلوقة مبينة بالجوهر لذات الله لأنها عبارة عن العقل الذي هو المعلول الأول وهو أول ما خلق الله. فكتب الملك كتابا إلى جميع الأساقفة وقال فيه: إنه لاشيء آثر عندي ولا أزين في عيني من خشية الله ومراقبته. وقد رأيت الآن أن تعزموا على القدوم إلى مدينة نيقيا من غير وني لكي تفحصوا عن أمر ديني دعت الحاجة إلى تحقيقه. فاجتمع ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا ونظروا فيما تفوه به آريوس فوجدوه مخالفا لأصل المذهب فزيفوا علمه الفاسد ورتبوا الأمانة المشهورة واجتمعت الفرق المسيحية كلها على صحتها إلى يومنا هذا. وكان اجتماعهم سنة ستمائة وست وثلاثين للاسكندر. وكان في هذا المجمع أسقف يرى رأي ناباطيس. فقال له الملك: لم لا توافق الجمهور في قبول من تاب عن معاصيه منيبا إلى الله. فأجابه الأسقف: إنه لا مغفرة لمن فرطت منه كبيرة بعد الإيمان والعماد بدليل قول فولوس الرسول حيث يقول: لا يستطيع الذين ذاقوا كلمة الله أن يدنسوا بالخطيئة ليطهروا بالتوبة ثانية. فقال له الملك هازئا به: إن كان الأمر كما تزعم فانصب لك سلما لترق فيه وحدك إلى السماء. ونهض بعض الأساقفة فرفع إلى الملك كتابا فيه سعاية ببعض الأساقفة. فلما قرأه الملك أمر أن يحرق الكتاب بالنار وقال: لو وجدت أحدا من الكهنة في ريبة لسترته بأرجوانيتي.
" قسطنطينوس وقسطوس وقسطنطيس " بنو القاهر ملكوا خمسا وثلاثين سنة. ثم أن قسطنطينوس صار إلى نيقوموذيا فأخذ جسد أبيه فحنطه ووضعه في صندوق ذهب وحمله إلى قسطنطينية ووضعه في هيكل السليحين. وفي هذه السنة صعد سابور ملك الفرس فغزا نصيبين لما بلغه وفاة قسطنطينوس القاهر فحاصرها ثلاثين يوما ورجع عنها إلى مملكته خائبا وذلك بدعاء القديس مار افريم. فإن الله استجاب دعاءه وأرسل على جيش الفرس بقا وهمجا هزم فيلتهم وخيلهم. ثم إن سابور اضطهد النصارى الذين في سلطانه جدا. وفي هذه السنة مات مار يعقوب أسقف نصيبين وقام مكانه بأبويه.
وفي هذا الزمان عرف الحكيم الفارسي ووضع كتبا كثيرة في تشييد مذهب النصارى ونقض مذهب المجوس. وفي السنة السادسة لملك هؤلاء عرض بأنطاكية رجفات وزلازل كثيرة ولم تزل الأرض ترتج عامة السنة مع سلامة من الفساد. ثم أن قسطنطينوس صاحب القسطنطينية وهو الأخ الكبير قتل في حرب وقعت بينه وبين أخيه الصغير وهو قسطوس صاحب رومية. وخلف ابنين غالوس ويوليانوس. ثم إن قسطنطيس وهو الأخ الأوسط صاحب مصر والشام نصب غالوس ملكا على القسطنطينية مكان أبيه. فعصى على عمه الذي نصبه. فسير عمه عليه جيشا وقتله ونصب أخاه يوليانوس مكانه. وبعد قليل قتل قسطوس صاحب رومية. ومات أيضا قسطنطيس صاحب مصر والشام. واستقل يوليانوس بجميع الممالك.

(1/40)

" يوليانوس قيصر " ملك سنتين بعد موت عميه وسمي بارابطيس أي المارق لأنه خلع ربقة النصرانية من عنقه وعبد الأصنام. ولذلك وثب الوثنيون على النصارى ووقع بينهم بلاء عظيم بالإسكندرية وقتل من الجانبين خلق كثير. ثم أن يوليانوس الملك منع النصارى من الاشتغال في شيء من كتب الفلسفة وسلب آنية الكنائس والديورة واستصفى مال من لم يطعه من النصارى في أكل ذبائح الأصنام وأهلك كثيرين منهم. ثم إنه عزم على غزو الفرس ودخل على أفولون الحبر الخادم للصنم ليستعلم منه هل ينجح في غزوه أم لا. فحكم له أنه يقهر أعداءه على نهر دجلة. فاستكبر لذلك يوليانوس وصال جدا وجمع جيوشه وغزا الفرس. فلما وصل إلى حران وأراد الخروج منها نكس رأسه ساجدا لآلهة الحرانيين. فسقط تاجه عن رأسه وصرع فرسه الذي كان تحته. فقال له خادم الصنم: إن النصارى الذين معك هم جلبوا عليك هذه البلايا. فأسقط منهم يومئذ زهاء عشرين ألف رجل. وسار حتى وافى المدائن. ولما نشب الحرب بينه وبين الفرس على دجلة صار يسير في صفوف مقاتليه وينشطهم للحرب. فرماه بعض الفرس بسهم فأصاب جنبه فسقط عن دابته. وبينما هو يتعذب إذ أخذ ملء حفنته دما من دمه فرشه في الجو نحو السماء وقال: إنك غلبتني يا ابن مريم فرث مع ملك السماء ملك الأرض أيضا. فمات وحمل إلى مدينته طرسوس ودفن بها.
وكان ليوليانوس هذا كاتب اسمه ثامسطيوس فيلسوف مشهور في زمانه فسر أكثر كتب ارسطوطاليس وصنف كتابا ليوليانوس في التدبير وسياسة الممالك ورسالة له أيضا تتضمن الكف عن اضطهاد النصارى وذكر فيها أن الله عز وجل يحب أن يعبد بوجوه مختلفة فإن الفلاسفة أيضا متشعبة إلى ثلاثمائة مذهب. فأقنعه كلامه فيها وكفه عن أذيتهم فانكف. ومن الفلاسفة القريبة العهد من هذا الزمان نيقولاوس قد تقدم في معرفة الحكمة. وله من التصانيف كتاب من حمل فلسفة ارسطوطاليس ولنا نسخته بالسرياني نقل حنين بن اسحق. وكتاب النبات. وكتاب الرد على جاعل العقل والمعقولات شيئا واحدا. قال ابن بطلان: أن أصله من اللاذقية وبها ولد. ومنهم دورثيوس وهو رياضي له اليد الطولى في علم الفلك والأحكام النجومية. وتصانيفه مشهورة عند أهل هذا العلم في المواليد والأدوار. ومنهم ديوفنطس وكتابه أب اسمه في الجبر والمقابلة مشهور وإذا تبحر فيه الناظر رأى بحرا من هذا النوع.
" يوينيانس قيصر " لما قتل يوليانوس المارق بقي عسكر الروم بغير ملك. فاختاروا صاحب جيشه وهو يوينيانس المؤمن بمشورة سابور ملك الفرس. فامتنع وقال: أنني نصراني لا أرضى أن أكون ملكا للوثنيين. فأعلموه أنهم أيضا نصارى ومن خوفهم من المارق لم يظهروا أديانهم. فأخرج لهم صليبا من الخزانة ونصبه لهم في المعسكر. وجرى الصلح بينهم وبين الفرس فشيعه سابور إلى نصيبين ووهبها له. ونقل من كان بها من الروم إلى آمد. ومن هذا اليوم صارت نصيبين للفرس. ثم أن يوينيانس توفي بعد أن ملك سنة واحدة.
" اولنطيانس قيصر " ملك ثلاث عشرة سنة. وولى واليس أخاه على المشرق. وخرج على واليس رجل خارجي بقسطنطينية يسمى فروقرينوس. فلزمه واليس وأمر بشد رجليه بشجرتين أدنيت إحداهما من الأخرى فانفسخ بينهما. وسقط برد بقسطنطينية كالحجارة وعرضت رجفات وزلازل وخسف في مواضع كثيرة وانخسفت مدينة نيقيا أيضا. وظهر قوم يعرفون بالمصلين وكانوا يقولون: كل من صلى وصام اثنتي عشرة سنة يأمر الجبل أن ينتقل من مكانه فينتقل كما جاء في الإنجيل المقدس. فكان إذا تعبد أحدهم هذه المدة خرج فقال للجبل: إياك آمر انتقل عن مكانك. فإذا لم يكن ذلك يئس من قبول عبادته وأخذ في الأكل والشراب والفساد. وفي السنة الثالثة عشرة لاولنطيانس تجاوز الناموس وتزوج بامرأة حسنة الصورة في حال حياة زوجته الناموسية وأطلق للناس أن يجمعوا بين زوجتين إن أرادوا الجمع بينهما. وفي تلك السنة مات.
" واليس قيصر " لما مات أخوه اولنطيانس استقل هو وحده بالملك واستعد لغزو الفرس. فبينا هو يحاربهم إذ دخل إلى قرية كانت إلى جانبه مع نفر من أصحابه. فأخبر الأعداء أنه هناك فأحاطوا بالقرية والقوا فيها نارا. فاحترق واليس ومن كان معه من أصحابه بعد أن ملك سنتين بعد أخيه.

(1/41)

" غراطيانس قيصر " هو ابن اولنطيانس. ملك سنة واحدة. وفي هذه السنة مات سابور ملك الفرس بعد أن ملك سبعين سنة. وقام بعده اردشير أخوه أربع سنين. ثم غراطيانس أشرك معه في ملكه رجلا يقال له ثاوذوسيوس وكان وثنيا وآمن بالمسيح واعتمد. وتوفي غراطيانس.
" ثاوذوسيوس قيصر الكبير " ملك سبع عشرة سنة وأمر أن يلزم كل أحد دينه. وفي السنة الخامسة خرج برومية خارجي يسمى مكسيموس. فوجه إليه ثاوذوسيوس جيوشا فقتل. وفي السنة السادسة ولد له ولد فسماه انوريس. وفي هذه السنة ظهرت في السماء آية كعمود من نار ولبثت شهرا. وفيها عرضت ظلمة شديدة نصف النهار في شهر آذار. ثم أن ثاوذوسيوس مرض فوجه في طلب انوريس ابنه وبايع له ووجهه إلى المغرب. وبايع لارقاذيوس ابنه الآخر ووجهه إلى المشرق. وتوفي وعمره ستون سنة.
" ارقاذيوس قيصر " ملك ثلث عشرة سنة. وفي هذه السنة قام يوحنا فم الذهب بطركا على قسطنطينية ووضع تفسير الإنجيل وهو ابن ثماني وعشرين سنة. ومنع الكهنة من أمور كثيرة من الفساد. فحسدوه وجعلوا يطلبون عليه عثرة. ونهى الملكة اودكسيا امرأة ارقاذيوس عن اختلاسها كرم امرأة أرملة. ولأنها أبت رشقها في بعض خطبه ذات يوم وشبهها بازبيل امرأة أحاب ملك يهوذا التي أخذت كرما أيضا من أرملة. فركبت يوما من الأيام وأخذت معها تسعة وعشرين أسقفا ممن عادى يوحنا فم الذهب واجتمعوا بمدينة خلقيذونيا وحرموه أسقطوه من مرتبته بحجة أنه لم يدع النظر في كتب اوريغانيس المخالف. فاضطرب أهل القسطنطينية لذلك وهموا بإحراق دار الملك. فخافهم الملك وبعث إلى فم الذهب ورده إلى مرتبته. فلما رجع رفع تمثالا كان للملكة بالقرب من الكنيسة. وخطب ذات يوم وسمى الملكة الملكة هيروذيا أي الملكة التي قتلت يحيى بن زكريا المعمدان. فغضبت غضبا شديدا ووجهت إلى افيفانوس أسقف جزيرة قبرص وسائر الأساقفة فجمعتهم كلهم إلى قسطنطينية. فحرموه ثانية ونفوه وكان ذلك في السنة الثامنة لارقاذيوس. فنفي إلى جزيرة في بحر نيطوس وتوفي هناك. وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة. وثارت الفتن بين الروم والمصريين بسبب عظام يوحنا فم الذهب حتى أتوا بها بعد ثلث وثلاثين سنة لموته فدفنوها بقسطنطينية وأثبتوا اسمه في سفر الحياة مع باقي الآباء القديسين. وفي السنة الخامسة لارقاذيوس ملك على الفرس يزدجرد ابن سابور إحدى وعشرين سنة. ثم أن ارقاذيوس مات وهو ابن ثلاثين سنة وخلف ابنه ثاوذوسيوس ابن ثماني سنين.
" ثاوذوسيوس قيصر الصغير " ملك اثنتين وأربعين سنة. وفي هذا الزمان كثر النصارى في سلطان الفرس وظهرت النصرانية جدا على يدي مروثا أسقف ميافارقين الذي أرسله ثاوذوسيوس الصغير إلى الفرس. ثم إن يزدجرد ملك الفرس مات. وملك بعده ورهران ابنه وتشدد على النصارى. وتواقع الروم والفرس وقتل من الفريقين خلق كثير وكانت الهزيمة على الفرس. وزال التشديد عن النصارى. وفي السنة العاشرة لثاوذوسيوس الصغير عرف شمعون صاحب العمود بإنطاكية وكان يظهر الآيات والعجائب وكان في هذا الزمن من العلماء قوريلوس بطريرك الإسكندرية ونسطوريوس بطريرك القسطنطينية القائل باتحاد المشيئة دون نفس الكلمة. فاسقط لذلك. ومار اسحق تلميذ مار افريم صاحب الميامر المنظومة.
وفي هذا الزمان انبعث أصحاب الكهف من رقدتهم التي رقدوا على عهد ذاقيوس الملك بعد مائتين وأربعين سنة بالتقريب. فخرج ثاوذوسيوس الملك مع أساقفة وقسيسين وبطاركة فنظروا إليهم وكلموهم. فلما انصرفوا من عندهم ماتوا في مواضعهم. وكانت في هذه السنة زلزلة عظيمة بقسطنطينية فهرب عامة الناس إلى خارج المدينة وسقطت بها مواضع كثيرة. وفي سنة ثلث وثلاثين لثاوذوسيوس مات ورهران ملك الفرس وملك بعده يزدجرد ثماني سنين. وفي هذا الزمان خطب يهيبا أسقف الرها ذات يوم خطبة وقال فيها: إني لست أحسد المسيح على تألهه لأن كل ما صار فيه فأنا مثله. فحرم ونفي من كرسيه. وفي سنة إحدى وأربعين لثلوذوسيوس وجد رأس يوحنا المعمدان بحمص. وتوفي ثاوذوسيوس وعمره خمسون سنة.

(1/42)

" مرقيانوس قيصر " ملك سبع سنين وتزوج فوليخريا أخت ثاوذوسيوس الصغير التي كانت راهبة لأن جماعة من الأساقفة المرائين أفتوها في أمر الزواج وقد كانت قبل ذلك متهمة بالزناء معه. وفي السنة الثانية لمرقيانوس اجتمع ستمائة وثلاثون أسقفا بمدينة خلقيذونيا وحرموا ديوسقوروس بطرك الإسكندرية وقالوا بالطبيعتين والاقنوم الواحد على ما هم عليه الروم والإفرنج. ولما ملك مرقيانوس سبع سنين مات وعمره خمس وستون سنة.
" لاون قيصر " : ملك ثماني عشرة سنة. وفي أول ملكه ملك على الفرس فيروز ابن يزدجرد سبعا وعشرين سنة. وفي هذه السنة التي ملك فيها لاون وهي سنة تسع وسبعين وثمانمائة للاسكندر صارت زلزلة قوية بمدينة إنطاكية وخسف فيها مواضع كثيرة. وفي السنة التاسعة له انكسفت الشمس وظهرت النجوم نهارا. وبعد ذلك بسنة غزا الفرس آمد وخربوها بعد ما حاصروها. ولما مرض لاون بايع لاونطيوس ابن ابنته وعمره ست سنين.
" لاونطيوس قيصر " ملك سنة واحدة. هذا لكونه صبيا خدعته أمه قائلة له: إذا حضر زينون أبوك في الخدمة يجب عليك أن تكرمه وتجلسه معك على السرير وتضع تاجك على رأسه. فلما عمل الصبي بقول أمه صار يجلس زينون معه على السرير. وبعد أيام قلائل مرض الصبي ومات. واستراب الناس بأبويه أنهما قتلاه مستبدين بالمملكة.
" زينون قيصر " ملك خمس عشرة سنة. وفي آخر أيامه عصى السمرة بنابلس ونصبوا لهم ملكا قتل جمعا كثيرا من النصارى. فسير عليه زينون جيشا وقتل الخارجي السامري. ثم مرض زينون ومات وعمره إحدى وستون سنة.
" انسطس قيصر " ملك سبعا وعشرين سنة. وفي أول ملكه قتل كثيرين من صبيان المكتب لأنهم هجوه. وفي السنة الثالثة له بنيت دارا التي فوق نصيبين. ثم إن انسطس الملك أراد أن يوضع في البيعة قول المؤمنين في صلواتهم إنك صلبت من أجلنا. فاضطرب أهل القسطنطينية كلهم وأخذوا الحجارة ليرجموه بها. فهاله أمرهم وجبن عنهم فوضع تاجه عن رأسه قائلا: إني أنتهي إلى أمركم فيما تريدون. فكف الشعب عنه. وفي السنة الحادية عشرة له عرض في بلاد الروم جوع شديد وظهر جراد كثير وأفسد عامة غلاتهم. ووضع يعقوب السروجي ميامر على ذلك.
وفي هذا الزمان عرف ساويروس بطرك إنطاكية ووضع كتبا كثيرة في تصحيح القول بالطبيعة الواحدة من طبيعتي اللاهوت والناسوت بغير امتزاج ولا اختلاط بل وفساد بل مع بقائهما على ما كانتا عليه ككون طبيعة الإنسان من طبيعتي النفس والبدن وطبيعة الجسم من طبيعتي الهيولي والصورة من غير انقلاب النفس بدنا ولا الهيولي صورة وبالعكس.
" يوسطينيانس قيصر " ملك تسع سنين. وكان أصله من رومية. هذا أصلح جميع البيع ورد كل من نفاه الملوك قبله. وفي السنة السابعة لملكه اقتتل الروم والفرس إلى شاطئ الفرات وغرق من الروم خلق كثير. وفي هذه السنة سقط ثلج كثير وجليد وأفسد عامة الأشجار مع الكروم. وبعد سنة قلت الأمطار وعزت الغلات ونقص الماء في الينابيع ثم تبع ذلك حر قوي ووباء شديد ودام ست سنين. وفي هذه السنة وجه يوسطينيانس وفدا إلى المنذر ملك العرب ليصالحه لأنه كان غزا الروم وخرب وسبى. وكان سبب الفتنة بين العرب والروم اضطهاد الملك يوسطينيانس الآباء القائلين بالطبيعة الواحدة لأن النصارى العرب يومئذ إنما كانوا يعتقدون اعتقاد اليعقوبية لا غير. وفي هذا الوقت غزا كسرى ملك الفرس مدينة الرها وقتل فيها خلقا كثيرا. فظهر نجم ذو ذؤابة وثبت أربعين ليلة. وفي السنة التاسعة لملكه أشرك معه في الملك يوسطينيانس الصغير وكان ابن أخته. وبعد ثلاثة أشهر مات.

(1/43)

" يوسطينيانس قيصر الصغير " ملك ثماني وثلاثين سنة وأمر أن يجتمع جميع أساقفة أصحاب ساويروس القائلين بالطبيعة الواحدة إلى قسطنطينية. فلما اجتمعوا وعظهم وعظا كثيرا وسألهم أن يوافقوا مجمع خلقيذونيا بالقول بالطبيعتين والاقنوم الواحد. فلما لم يقبلوا قوله صرفهم إلى مواضعهم. وفي السنة التاسعة له انكسفت الشمس وثبت كسوفها السنة كلها وزيادة شهرين ولم يكن يظهر من نورها إلا شيء يسير. وكان الناس يقولون أنه قد دخل عليها عرض لا يزول عنها أبدا. وفي هذه السنة ظهر جراد كثير في عامة الأرض وكان الشتاء صعب البرد غزير الثلج ومات فيه خلق كثير. وبعد سنة ظهرت في السماء آية عجيبة بردت حرارة الشمس السنة بأسرها ولم تنضج الثمار في تلك السنة. وفي هذا الزمان عرف سرجيس الرأس عيني الفيلسوف المترجم الكتب من اليوناني إلى السرياني ومصنفها. وكان على مذهب ساوري. وفي السنة الرابعة عشرة ليوسطينيانس غزا كسرى ابن قباذ إنطاكية وافتتحها وسبى أهلها وحدرهم إلى بابل وبنى لهم مدينة وسماها إنطاكية وتعرف اليوم بالماحوزى الجديدة. وفتح أيضا فامية والرقة ودارا وحلب.
وكان الروم مشتغلين مع الصقالبة المتاخمين لرومية. فلما فرغوا من مجاهدتهم عطفوا على الفرس وبقيت الحرب بينهم سنتين. وعرض في المشرق جوع شديد ووباء عظيم في الناس والبقر حتى صار الناس يحرثون أرضهم بالحمير والخيل. وفي السنة الثامنة والعشرين ليوسطينيانس اصطلح الروم والفرس. وفي السنة الخامسة والثلاثين له كتب إلى جميع الأساقفة أن يعملوا عيد الميلاد في الخامس والعشرين من كانون الأول. والدنح لستة أيام من كانون الأخير.فامتثلوا أمره خلا الأرمن فإنهم داموا على العادة الأولى في تعييد العيدين في يوم واحد. وفي هذا الوقت ظهر يولياني القائل أن جسد المسيح غير مخلوق وهو جوهر لطيف روحاني لم يصلب بالحقيقة ولم يمت وإنما كان ذلك كله خيالا. ومع هذا كان يقول بالطبيعة الواحدة.
" يوسطينيانس قيصر الثالث " ملك ثلث عشرة سنة. وهو ابن أخت الذي قبله. وفي السنة الثانية لملكه ظهر في السماء نار تضطرم من ناحية القطب الشمالي وثبتت السنة كلها. وكانت الظلمة تغشي العالم من تسع ساعات من النهار إلى الليل حتى لم يكن أحد يبصر شيئا. وكان ينزل من الجو شبه الهشيم والرماد. وفي السنة الثالثة له قلت الأمطار وصار الشتاء كالصيف وصار زلزلة شديدة ووباء عظيم. وفي السنة الرابعة له غزا كسرى دارا وأقام عليها ستة أشهر وافتتحها. واستعد يوسطينيانس لغزو الفرس فمرض مرضا اختلط به عقله فبطل الغزو. ثم تعالج فبرئ وبايع رجلا يونانيا يسمى طيباريوس وكان من خاصته وجعله قيصرا بعده.
الدولة الثامنة
المنتقلة إلى ملوك اليونانيين المتنصرين
من عهد أغسطوس قيصر إلى أن أقام طيباريوس قيصر والمدة قريبة من ستمائة سنة. كان الملوك على القسطنطينية والبطارقة وجل الجند روميين أعني إفرنجا. غير أن الوزراء والكتاب والرعايا كافة كانوا يونانيين. ثم صارت المملكة أيضا يونانية. والسبب في ذلك أن يوسطينيانس الأخير لما ابتلي بالمرض الشديد ويئس من حياته لم ير في أهل بيته وخاصته من يفي بسياسة الملك غير وزيره طيباريوس وهو رجل يوناني فبايعه ووضع له التاج بيده. ومن حينئذ صارت مملكة القسطنطينية يونانية. إلى أن استعادها الإفرنج في سنة ألف وخمسمائة وخمس عشرة للاسكندر وهي سنة ستمائة للهجرة. ثم فتحها اليونانيون في أيامنا سنة ألف وخمسمائة وثماني وستين للاسكندر وهي سنة خمس وخمسون وستمائة للهجرة.
" طيباريوس قيصر " ملك أربع سنين. وغزت الفرس رأس العين فوجه إليهم طيباريوس كبير بطارقته المسمى موريقي. فلقيهم هناك فهزمهم. ثم لحق طيباريوس مع موريقي أجناده فغزا الفرس وسبى منهم زهاء ألف نفس ومضى بهم فأسكنهم جزيرة قبرس. وعرضت في هذه السنة زلزلة عظيمة. وعرض في الصيف أمطار كثيرة وبرد شديد وأظلم الجو وظهر جراد كثير فأكل عامة الزروع والعنب والبقول. وفيها عرض وباء شديد. ووجد الناس يعبدون الأوثان فقتلوا. وفي السنة الرابعة لطيباريوس زوج ابنته لموريقي عظيم قواده وبايع له بالعهد وملكه وتوفي.

(1/44)

" موريقي قيصر " ملك عشرين سنة. وكان حسن السيرة سهل المعاملة كثير الصدقة. وكان في كل سنة يهيئ طعاما للفقراء والمساكين ستين مرة ويقوم هو وزوجته من ملكهما فيتوليان خدمتهم وإطعامهم واسقاءهم. وفي السنة الرابعة لموريقي عرض وباء شديد بقسطنطينية ومات من أهلها زهاء أربعمائة ألف نفس. وفي السنة الثامنة لموريقي وثب الفرس على هرمز ملكهم فسملوا عينيه ثم قتلوه وملكوا عليهم بهرام المرزبان. وكان لهرمز ابن حدث اسمه كسرى وهو المعروف بأنوشروان العادل فتنكر كأنه سائل وشق سلطان الفرس حتى جاء نصيبين وصار إلى الرها ومنها إلى منبج وكتب إلى موريقي كتابا نسخته: للأب المبارك والسيد المقدم موريقي ملك الروم من كسرى بن هرمز ابنه السلام. أما بعد فأني أعلم الملك أن بهرام ومن معه من عبيد أبي جهلوا قدرهم ونسوا أنهم عبيد وأنا مولاهم وكفروا نعم آبائي لديهم فاعتدوا علي وأرادوا قتلي. فهممت أن أفزع إلى مثلك فأعتصم بفضلك وأكون خاضعا لك لأن الخضوع لملك مثلك وإن كان عدوا أيسر من الوقوع في أيدي العبيد المردة ولأن يكون موتي على أيدي الملوك أفضل وأقل عارا من أن يجري على أيدي العبيد. ففزعت إليك ثقة بفضلك ورجاء أن تترأف على مثلي وتمدني بجيوشك لأقوى بهم على محاربة العدو وأصير لك ولدا سامعا ومطيعا إن شاء الله تعالى. فلما قرأ موريقي كتاب كسرى بن هرمز عزم على إجابة مسألته لأنه لجأ إليه وأنجده بعشرين ألفا وسير له من الأموال أربعين قنطارا ذهبا. وكتب إليه كتابا نسخته: من موريقي عبد ايشوع المسيح إلى كسرى ملك الفرس ولدي وأخي السلام. أما بعد فقرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من أمر العبيد الذين تمردوا عليك وكونهم غمطوا أنعم آبائك وأسلافك غمطا وخروجهم عليك ودحضهم إياك عن ملكك. فداخلني من ذلك أمر حركني على الترأف بك وعليك وإمدادك بما سألت. فأما ما ذكرت من أن الاستتار تحت جناح ملك عدو والاستظلال بكنفه آثر من الوقوع في أيدي العبيد المردة والموت على أيدي الملوك أفضل من الموت على أيدي العبيد. فإنك اخترت أفضل الخصال ورغبت إلينا في ذلك. فقد صدقنا قولك وقبلنا كلامك وحققنا أملك وأتممنا بغيتك وقضينا حاجتك وحمدنا سعيك وشكرنا حسن ظنك بنا ووجهنا إليك بما سألت من الجيوش والأموال وصيرتك لي ولدا وكنت لك أبا. فاقبض الأموال مباركا لك فيها وقد الجيوش وسر على بركة الله وعونه. ولا يعترينك الضجر والهلع بل تشمر لعدوك ولا تقصر فيما يجب لك إذا تطأطأت من درجتك وانحططت عن مرتبتك. فإني أرجو أن يظفرك الله بعدوك ويكبه تحت موطئ قدميك ويرد كيده في نحره ويعيدك إلى مرتبتك برجاء الله تعالى. فلما وردت الجيوش على كسرى وقبض الأموال وتشجع بقراءة كتاب موريقي سار مع جيوش الروم نحو بهرام فلقيه بين المدائن وواسط فصارت الهزيمة على بهرام وقتل أصحابه كلهم واستباح كسرى عساكر بهرام ورجع إلى مملكته فجلس فيها وبايعه الناس كلهم. ودعا بالروم فأحسن جائزتهم وصرفهم إلى صاحبهم. وبعث إلى موريقي من الألطاف والأموال أضعاف ما كان أخذ منه. ورد دارا وميافارقين إلى الروم وبنى هيكلين للنصارى بالمدائن وجعل أحدهما باسم السيدة والآخر باسم مار سرجيس الشهيد.
وفي السنة السادسة عشرة لموريقي كان مطر شديد غرقت به مدن كثيرة مع أهلها ودوابها ومواشيها. ولأن موريقي بعد مصلحته للفرس قطع أرزاق جنوده فاجتمع عظماء الروم إلى مدينة هرقلة وأرادوا تمليك فطري أخي موريقي. فهرب منهم ومضى إلى قسطنطينية. وهرب أيضا موريقي إلى خلقيذونية. فلحقته الروم فألفوه وعليه خلقان في ذي الفقراء والسؤال فقتلوه وملكوا عليهم رجلا من بطارقتهم يقال له فوقا.
" فوقا قيصر " ملك ثماني سنين. ولم يكن من بيت الملك. فلما بلغ كسرى بن هرمز قتل موريقي نقض العهد وغزا دارا فافتتحها وافتتح أيضا آمد وحلب. ثم عطف على قنسرين ورجع إلى الرها. وفي السنة الثامنة لفوقا خرج عليه خارجيان أحدهما هرقل والآخر غريغور بإفريقية ووجها جيوشا مع ابنيهما وهما هرقل بن هرقل ونقيطا بن غريغور وتقدما إليهما بقتل فوقا وتعاقدا بينهما أن الملك للسابق إلى القسطنطينية إذا قتل فوقا. فركب هرقل البحر وسار نقيطا في البر وألفى هرقل البحر هادئا ساكنا فسبق ودخل المدينة وقتل فوقا وملك.

(1/45)

" هرقل قيصر " ملك إحدى وثلاثين سنة وخمسة أشهر. وفي أول سنة من ملكه أرسل وفدا إلى ملك الفرس ليصالحه. فلم يجبه إلى ذلك بل غزا إنطاكية وفامية وحمص وقيسارية وافتتحها. وفي هذه السنة عرض بالروم جوع شديد حتى أكل الناس الجيف وجلود البهائم. وقصد نقيطا بن غريغور مدينة الإسكندرية فاستولى عليها. وفي السنة الرابعة لهرقل ملكت العرب وهي سنة تسعمائة وخمس وثلاثين للاسكندر. وفي السنة الخامسة لهرقل افتتح الفرس البيت المقدس. وبعد ثلاث سنين افتتحوا الإسكندرية ومصر ووصلوا إلى النوبة وغزوا فلقيذونيا فافتتحوها. وفي السنة العاشرة لهرقل تحركت العرب بيثرب. وفي السنة الخامسة عشرة لهرقل غزا الفرس جزيرة رودس فافتتحوها. وأمر كسرى أن يؤخذ رخام الكنائس التي في جميع المدن التي فتحها وتحدر إلى المدائن. ولقي فيه الناس جهدا جهيدا. وفي هذه السنة غزا أهل هرقل الفرس فافتتحوا مدينة كسرى وسبوا منها خلقا كثيرا وانصرفوا. وفي السنة السابعة عشر لهرقل أنكسف نصف جرم الشمس وثبت كسوفها من تشرين الأول إلى حزيران ولم يكن يظهر من نورها إلا شيء يسير.
وفي هذا الزمان كان الحرث بن كلدة طبيب العرب أصله من ثقيف من أهل الطائف رحل إلى أرض فارس وأخذ الطب عن أهل جنديسابور وغيرها في الجاهلية قبل الإسلام وطبب بأرض فارس وحصل مالا. ثم أن نفسه اشتاقت إلى بلاده فرجع إلى الطائف واشتهر وأدرك الإسلام. وكان النبي عليه السلام يأمر من كان به علة أن يأتيه فيستوصفه. وكان الحرث يقول: من سره البقاء ولا بقاء فليباكر الغذاء وليخفف الرداء وليقل من غشيان النساء. يريد بخفة الرداء أن لا يكون عليه دين وقيل مات الحرث في أول الإسلام ولم يصح إسلامه. وفي هذا الزمان كان يعرف اهرون القس الإسكندري. وكناشه في الطب موجود عندنا بالسريانية وهو ثلاثون مقالة. وزاد عليها مقالتين أخريين.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟الدولة التاسعة
المنتقلة إلى ملوك العرب المسلمين
قال القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي صاحب قضاء مدينة طليطلة: إن العرب فرقتان فرقة بائدة وفرقة باقية. أما الفرقة البائدة فكانت أمما ضخمة كعاد وثمود وطسم وجديس. ولتقادم انقراضهم ذهبت عنا حقيقة أخبارهم وانقطعت عنا أسباب العلم بآثارهم. وأما الفرقة الباقية فهي متفرعة من جذمين قحطان وعدنان. ويضمها حالان حال الجاهلية وحال الإسلام. فأما حال العرب في الجاهلية فحال مشهور عند الأمم من العز والمنعة وكان ملكهم في قبائل قحطان وكان بيت الملك الأعظم في بني حمير وكان منهم الملوك الجبابرة التبابعة. وأما سائر عرب الجاهلية بعد الملوك فكانوا طبقتين أهل مدر وأهل وبر. فأما أهل المدر فهم الحواضر وسكان القرى. وكانوا يحاولون المعيشة من الزرع والنخل والماشية والضرب في الأرض للتجارة. وأما أهل الوبر فهم قطان الصحارى. وكانوا يعيشون من ألبان الإبل ولحومها منتجعين بمنابت الكلأ مرتادين لمواقع القطر فيخيمون هنالك ما ساعدهم الخصب وأمكنهم الرعي ثم يتوجهون لطلب العشب وابتغاء المياه فلا يزالون في حل وترحال كما قال بعضهم عن ناقته: ؟؟؟؟تقول إذا درأت لها وضيني أهذا دينه أبدا وديني
أكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقي علي ولا يقيني

(1/46)

وكان ذلك دأبهم زمان الصيف والربيع. فإذا جاء الشتاء واقشعرت الأرض انكمشوا إلى أرياف العراق وأطراف الشام. فشتوا هناك مقاسين جهد الزمان ومصطبرين على بؤس العيش. وكانت أديانهم مختلفة. فكانت حمير تعبد الشمس. وكنانة القمر. وميسم الدبران. ولخم وجذام المشتري. وطيء سهيلا. وقيس الشعري العبور. وأسد عطارد. وثقيف بيتا بأعلى نخلة يقال لها اللات. وكان فيهم من يقول بالمعاد ويعتقد أن من نحرت ناقته على قبره حشر راكبا ومن لم يفعل ذلك حشر ماشيا. فأما علم العرب الذين كانوا يفاخرون به فعلم لسانهم وأحكام لغتهم ونظم الأشعار وتأليف الخطب. وكان لهم مع هذا معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغاربها وعلم بأنواء الكواكب وأمطارها على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول التجربة لاحتياجهم إلى معرفة ذلك في أسباب المعيشة لا على طريق تعلم الحقائق. وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله شيئا منه ولا هيأ طبائعهم للعناية به. فهذه كانت حالهم في الجاهلية. وأما حالهم في الإسلام فعلى ما نذكره بأوجز ما يمكننا وأقصر إن شاء الله.

(1/47)

" محمد بن عبد الله عليه السلام " ذكر النسابون أن نسبته ترتقي إلى إسماعيل ابن إبراهيم الخليل الذي ولدت له هاجر أمة سارة زوجته. وكان ولادته بمكة سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة للاسكندر. ولما مضى من عمره سنتان بالتقريب مات عبد الله أبوه وكان مع أمه آمنة بنت وهب ست سنين. فلما توفيت أخذه إليه جده عبد المطلب وحنا عليه. فلما حضرته الوفاة أوصى ابنه أبا طالب بحياطته فضمه إليه وكفله. ثم خرج به وهو ابن تسع سنين إلى الشام. فلما نزلوا بصرى خرج إليهم راهب عارف اسمه بحيرا من صومعته وجعل يتخلل القوم حتى انتهى إليه فأخذه بيده وقال: سيكون من هذا الصبي أمر عظيم ينتشر ذكره في مشارق الأرض ومغاربها فإنه حيث أشرف أقبل وعليه غمامة تظلله. ولما كمل له من العمر خمس وعشرون سنة عرضت عليه امرأة ذات شرف ويسار اسمها خديجة أن يخرج بمالها تاجرا إلى الشام وتعطيه أفضل ما تعطي غيره. فأجابها إلى ذلك وخرج. ثم رغبت فيه وعرضت نفسها عليه فتزوجها وعمرها يومئذ أربعون سنة. وأقامت معه إلى أن توفيت بمكة اثنتين وعشرين سنة. ولما كمل له أربعون سنة أظهر الدعوة. ولما مات أبو طالب عمه وماتت أيضا خديجة زوجته أصابته قريش بعظيم أذى. فهاجر عنهم إلى المدينة وهي يثرب. وفي السنة الأولى من هجرته احتفل الناس اليه ونصروه على المكيين أعدائه. وفي السنة الثانية من هجرته إلى المدينة خرج بنفسه إلى غزاة بدر وهي البطشة الكبرى وهزم بثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من المسلمين ألفا من أهل مكة المشركين. وفي هذه السنة صرفت القبلة عن جهة البيت المقدس إلى جهة الكعبة. وفيها فرض صيام شهر رمضان. وفي السنة الثالثة خرج إلى غزاة أحد. وفيها هزم المشركون المسلمين وشج في وجهه وكسرت رباعيته. وفي السنة الرابعة غزا بني النضير اليهود وأجلاهم عن الشام. وفيها اجتمع أحزاب شتى من قبائل العرب مع أهل مكة وساروا جميعا إلى المدينة فخرج إليهم. ولأنه هال المسلمين أمرهم أمر بحفر خندق وبقوا بضعة وعشرين يوما لم يكن بينهم حرب. ثم جعل واحد من المشركين يدعو إلى البراز. فسعى نحوه علي بن أبي طالب وقتله وقتل بعده صاحبا له. وكان قتلهما سبب هزيمة الأحزاب على كثرة عددهم ووفرة عددهم. وفي السنة الخامسة كانت غزاة دومة الجندل وغزاة بني لحيان. وفي السنة السادسة خرج بنفسه إلى غزاة بني المصطلق وأصاب منهم سبيا كثيرا. وفي السنة السابعة خرج إلى غزاة خيبر مدينة اليهود. وينقل عن علي بن أبي طالب أنه عالج باب خيبر واقتلعه وجعله مجنا وقاتلهم. وفي الثامنة كانت غزاة الفتح فتح مكة وعهد إلى المسلمين أن لا يقتلوا فيها إلا من قاتلهم وأمن من دخل المسجد ومن أغلق على نفسه بابه وكف يده ومن تعلق بأستار الكعبة سوى قوم كانوا يؤذونه. ولما أسلم أبو سفيان وهو عظيم مكة من تحت السيف ورأى جيوش المسلمين قال للعباس يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. فقال له: ويحك إنها النبوة. قال نعم إذن. وفي السنة التاسعة خرج إلى غزاة تبوك من بلاد الروم ولم يحتج فيها إلى حرب. وفي السنة العاشرة حج حجة الوداع. وفيها تنبأ باليمامة مسيلمة الكذاب وجعل يسجع مضاهيا للقرآن فيقول: لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشا. وفي هذه السنة وعك عليه السلام ومرض وتوفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر. وكان عمره بجملته ثلاثا وستين سنة منها أربعون سنة قبل دعوة النبوة ومنها بعدها ثلث عشرة سنة مقيما بمكة ومنها بعد الهجرة عشر سنين مقيما بالمدينة. ولما توفي أراد أهل مكة من المهاجرين رده إليها لأنها مسقط رأسه. وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته ومدار نصرته. وأرادت جماعة نقله إلى بيت المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء. ثم اتفقوا على دفنه بالمدينة فدفنوه بحجرته حيث قبض. واختلفوا بعدد أزواجه. وأكثر ما قالوا سبع عشرة امرأة سوى السراري. وولد له سبعة أولاد ثلاثة بنين وأربع بنات كلهم من خديجة إلا إبراهيم ابنه فإنه من ماريا القبطية التي بعث بها المقوقس إلى الإسكندرية مع أختها شيرين. ولم يمت من نسائه قبله إلا اثنتان. ولم يعش من أولاده بعده إلا ابنة واحدة وهي فاطمة زوجة علي بن أبي طالب وتوفيت بعد أبيها بثلاثة أشهر.

(1/48)

وقد وقع في الإسلام اختلافات شتى كما وقع في غيره من الأديان بعضها في الأصول وهي موضوع علم الكلام وبعضها في الفروع وهي موضوع علم الفقه. والخلاف في الأصول فينحصر في أربع قواعد الأولى الصفات والتوحيد. الثانية القضاء والقدر. الثالثة الوعد والوعيد. الرابعة النبوة والإمامة.
وكبار فرق الأصوليين ست. المعتزلة ثم الصفائية وهما متقابلتان تقابل التضاد. وكذلك القدرية تضاد الجبرية. والمرجئة الوعيدية. والشيعية الخوارج. ويتشعب عن كل فرقة أصناف فتصل إلى ثلث وسبعين فرقة. وأما المعتزلة فالذي يعممهم من الاعتقاد القول بنفي الصفات القديمة عن ذات الباري تعالى هربا من أقانيم النصارى.
فمنهم من قال أنه تعالى عالم لذاته لا بعلم وكذلك قادر وحي. ومنهم من قال أنه عالم بعلم وهو ذاته وكذلك قادر وحي فالأول نفى الصفة رأسا والثاني أثبت صفة هي بعينها ذات.واتفقوا على إن كلامه تعالى محدث بخلقه في محل وهو حرف وصوت وكتب مثاله في المصاحف. وبالجملة نفي الصفات مقتبس من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذات الله تعالى واحدة لا كثرة فيها بوجه. وبازاء المعتزلة الصفاتية وهم يثبتون الله صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة وغيرها. وبلغ بعضهم في إثبات الصفات كالسمع والبصر والكلام إلى حد التجسيم فقال: لا بد من إجراء الآيات الدالة عليها كالاستواء على العرش والخلق باليد وغيرهما على ظاهرها من غير تعرض للتأويل. إلا أن قوما منهم كأبي الحسن الاشعري وغيره لما بشروا علم الكلام منعوا التشبيه وصار ذلك مذهبا لأهل السنة والجماعة وانتقلت سنة الصفاتية إلى الاشعرية.
وأما القدرية فهم معتزلة أيضا وإنما لقبوا بالقدرية لنفيهم القدر لا لإثباتهم إياه فإنهم يقولون أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها مستحق على ما يفعله ثوابا وعقابا. فالرب تعالى منزه عن أن يضاف إليه شر وظلم. وسموا هذا النمط عدلا. وحدوه بأنه إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة لمقتضى العقل من الحكمة. وبازاء القدرية الجبرية الذين ينفون الفعل والقدرة على الفعل عن العبد ويقولون أن الله تعالى يخلق الفعل ويخلق في الإنسان قدرة متعلقة بذلك الفعل ولا تأثير لتلك القدرة على ذلك الفعل. ومنهم من يثبت للعبد قدرة ذات أثر ما في الفعل ويقولون أن الله مالك في خلقه يفعل فيهم ما يشاء و لا يسأل عما يفعل. فلو أدخلوا الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفا. ولو أدخلهم بأجمعهم النار لم يكن جورا بل هو في كل ذلك عادل لأن العدل على رأيهم هو التصرف فيما يملكه المتصرف.
وأما المرجئة فهم يقولون بإرجاء حكم صاحب الكبيرة من المؤمنين إلى القيامة أي بتأخيره إليها. فلا يقضون عليه بحكم ما في الدنيا من كونه ناجيا أو هالكا ويقولون أيضا أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وبازاء المرجئة الوعيدية القائلون بتكفير صاحب الكبيرة وتخليده في النار وإن كان مؤمنا لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار. وأما الشيعة فهم الذين شايعوا علي بن أبي طالب وقالوا بإمامته بعد النبي. وإن الإمامة لا تخرج من أولاده إلا بظلم. ويجمعهم القول بثبوت عصمة الأيمة وجوبا عن الكبائر والصغائر. فإن الإمامة ركن من أركان الدين لا يجوز للنبي إغفاله ولا تفويضه إلى العامة. ومن غلاة الشيعة النصيرية القائلون بأن الله تعالى ظهر بصورة علي ونطق بلسانه مخبرا عما يتعلق بباطن الأسرار. وقوم منهم غلوا في حق أيمتهم حتى أخرجوهم من حدود الخليقة وحكموا فيهم بأحكام إلاهية. وبازاء الشيعة الخوارج فمنهم من خطأ علي بن أبي طالب فيما تصرف فيه ومنهم من تخطى عن تخطئته إلى تكفيره ومنهم من جوز أن لا يكون في العالم إمام أصلا وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبدا أو حرا أو نبطيا أو قرشيا إذا كان عادلا. فإن عدل عن الحق وجب عزله وقتله. فهذا اقتصاص مذهب الأصوليين على سبيل الاختصار.

(1/49)

وأما مذاهب الفروعيين المختلفين في الأحكام الشرعية والمسائل الاجتهادية فالمشهورة منها أربعة: مذهب مالك بن أنس. ومذهب أحمد بن إدريس الشافعي. ومذهب محمد بن حنبل. ومذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت. وأركان الاجتهاد أيضا أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وذلك لأنه إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال وحرام فزعوا إلى الاجتهاد وابتدأوا بكتاب الله تعالى. فإن وجدوا فيه نصا تمسكوا به وإلا فزعوا إلى سنة النبي فإن رأوا لهم في ذلك خبرا نزلوا إلى حكمه وإلا فزعوا إلى إجماع الصحابة لأنهم راشدون حتى لا يجتمعون على ضلال. فإن عثروا بما يناسب مطلوبهم أجروا حكم الحادثة على مقتضاه وإلا فزعوا إلى القياس لأن الحوادث والوقائع غير متناهية والنصوص متناهية فلا يتطابقان فعلم قطعا أن القياس واجب الاعتبار ليكون بصدد كل حادثة شرعية اجتهاد قياسي. ومن الأيمة داود الأصفهاني نفى القياس أصلا. وأبو حنيفة شديد العناية به وربما يقدم القياس الجلي على آحاد الأخبار. ومالك والشافعي وابن حنبل لا يرجعون إلى القياس الجلي ولا الخفي ما وجدوا خبرا أو أمرا. وبينهم اختلاف في الأحكام ولهم فيها تصانيف وعليها مناظرات ولا يلزم بذلك تكفير ولا تضليل. وبالجملة أصول شريعة الإسلام الطهارة في حواشي الإنسان وأطرافه لإرسالها وملاقاتها النجاسات. والصلاة وهي خضوع وتواضع لرب العزة. والزكاة وهي مؤاساة ومعونة وافضال. والصيام وهو رياضة وتذليل وقمع الشهوة تحصل به رقة القلب وصفاء النفس. والحج وهو مثال الخروج عن الدنيا والإقبال على الآخرة وأكثر ما فيه من المناسك امتحان وابتلاء العبد بامتثاله ما شرع له وذلك كالسعي والهرولة في الطواف ورمي الجمار. وأما الجمعة والأعياد فجعلت مجمعا للأمة يتلاقون فيها ويتزاورون ويستريحون فيها عن كد الكدح. وأما الختان فهو سنة فيه ابتلاء وامتحان وتسليم. وأما تحريم الميتة والدم ففي كراهية النفس ونفر الطبع ما يوجب الامتناع منها.
" أبو بكر الصديق " أعظم خلاف بين الأيمة الإسلامية خلاف الإمامة وعليه سل السيوف. وقد اتفق ذلك في الصدر الأول فاختلف المهاجرون والأنصار فيها. فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. فاستدركهم أبو بكر وعمر في الحال. وقبل أن يشتغلوا بالكلام مد عمر يده إلى أبي بكر فبايعه وبايعه الناس وسكنت الثائرة. وبويع له في شهر ربيع الأول في أول سنة إحدى عشرة يوم توفي النبي عليه السلام في سقيفة بني ساعدة. وقيل لما بلغ ذلك علي بن أبي طالب لم ينكره. وأكثر ما روي انه قال: ما شاورتني. فقال له أبو بكر: ما اتسع الوقت للمشورة وانا خفنا أن يخرج الأمر منا. ثم صعد المنبر فقال: أقيلوني من هذا الأمر فلست بخيركم. فقال علي: لا نقيلك ولا نستقيلك. فأجمع المهاجرون والأنصار على خلافته. ولما ذاع خبر وفاة النبي عليه السلام ارتد خلق كثير من العرب ومنعوا الزكاة واشتد رعب المسلمين بالمدينة لإطباقهم على الردة. فأووا الذراري والعيال إلى الشعاب. فأمر أبو بكر خالد بن الوليد على الناس وبعثه في أربعة آلاف وخمسمائة. فسار حتى وافى المرتدة وناوشهم القتال وسبى
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2863
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى