* البيت المسكون - الجزء السادس

اذهب الى الأسفل

* البيت المسكون - الجزء السادس

مُساهمة  طارق فتحي في الجمعة أغسطس 03, 2018 12:25 am


البيت المسكون 6
طارق فتحي
بعد وقت غير قصير اخرج الدكتور حازم من مشفى الامراض العقلية والنفسية . بعد ان تم فحصه واستجوابه للتأكد من صحته النفسية وسلامة عقله في ثلاث جلسات استمرت نحو ثلاثة اشهر او ما يزيد عن ذلك بايام قليلة . حصل فيها على حريته التي كادوا يسلبوه اياها . اصر مدير المشفى الدكتور عصام على عمل حفل صغير له في داره بالحاح من زوجته واولاده لتعلقهم الشديد به . وكان له ما اراد , حضر الدكتور حازم بمعية المدير الحفل مساءا وتم استقباله من قبل العائلة بالترحاب والتصفيق الحاد , حيث طبعت زوجة المدير تلميذته السابقة قبلة على وجنته وكذلك فعل الاولاد واخيراً الاب .
توسط الجلسة كالطاووس وهو يشعر بالفخر والخيلاء شارحا لهم كيف تغلب على الامر جميعاً وعلى هذه المؤامرة الدنيئة التي تعرض لها واسرته الجميلة وعلى الاخص زوجته المصون . انصرف المدير لبعض شأنه فتقربت منه زوجته مستفسرة بجدية عن كيف صمد كل هذه المدة امام فحص ومحاكمات اللجنة الرئاسية الخاصة المبعوثة من قبل جهات عليا في البلد .
اجابها الدكتور حازم فيك من يكتم السر ,! قالت بلى , قال هذا ليس انا من صمد امام الجميع بكل قوة وحكمة ورصانة كل هذه المدة . من ذاً الذي فعل ذلك من فضلك .؟ قهقه بصوت منخفض غير مسموع انها جنيتي عزيزتي دكتورة نوال . هي من كانت تلقنني الاجوبة وتهمس في عقلي كيف اتصرف امامكم وامام اللجنة وامام الجميع . حقاً.؟ وهل كانت تظهر لك ايضاً .؟ نعم عزيزتي بكل تأكيد الا انكم لا تستطيعون رؤيتها .
امتقع وجه الدكتورة نوال تلميذته المميزة وابتعتد عنه رويدا رويدا وعلامات الخوف والوجل مرتسمة على محياها تعثرت ببعض المقاعد وحملت اطباق الطعام التي ما زالت ابنتها تأكل فيها . استغرب الاولاد من تصرفات امهم . ماما انه طبقي لماذا ترفعيه من امامي اني لم اكمل طعامي بعد .! نهض الدكتور بنصف قامة . هل اساعدك دكتورة نوال.؟ لا.. لا ..لا .. شكراً. كل هذا ومدير المشفى يراقب المكان عن كثب متربصا بالجميع بعيني خبير وحكيم لا يشق له غبار .
جلس المدير في مكانه المخصص لاكمال طعامه وهو يلاحظ علامات الدهشة والانبهار بادية على الاولاد وهم ينظرون صوبه بنكران لم يعهده فيهم من قبل . ولما وجه السؤال لابناءه . ماذا بكم .؟ ماذا جرى في غيابي .؟ الكل عمل نفسه يكمل طعامه وعينه لم تغادر اطراف الصحون الموضوعة امامهم . اتت الزوجة في هذه الاثناء وجلست بقرب زوجها متملقة له على غير عادتها , يا الهي .؟ لماذا يتصرف الجميع بصورة غير طبيعية اليوم .؟ ماذا جرى لكم بحق الله عليكم .؟ هل مسكم طائف من الجن .؟
هنا ابتسمت الزوجة ابتسامة صفراء ملؤها الخوف والرعب واخذت تهز براسها علامة الايجاب على جملته الاخيرة . مكثت لحظات وهي تهز براسها كالمصروعة . واخيراً نطقت بصوت خفيض باذن زوجها اتبعني الى المطبخ دون ان يشعر بك الدكتور حازم . ماذا.؟ قلت لك اتبعني وحسب . نهضت الزوجة لبعض شؤونها في المطبخ وبعد لحظات لحق بها زوجها مدير المشفى . فاخبرته بالمحاورة التي دارت بينها وبين الدكتور حازم . وان شبحه او جنيته ما زالت معه . كل هذه المدة وبمساعدتها وبمكرها استطاع التغلب عليكم جميعاً ...
انا لا اريده في منزلي بعد اليوم . لقد افسد فرحتنا واحتفائنا به انه مجنون فعلاً ولكنه من النوع العاقل , اطلق المدير ضحكة مدوية , اخذ يداعب زوجته بملامستها في المناطق الحساسة من جسدها في هستريا وحمى الضحك التي انتابته بشكل مفاجيء . وهي تنعته بالمراهق الكبير , وضحك الاثنان معاً . اصبح الاولاد على مائدة الطعام اكثر جنونا من ذي قبل , لما يجري من حولهم من امور غير طبيعية بالمرة , وما يجري امام مسامعهم من الابوين على غير عادتهم ايضاً. نهضت البنت من على مائدة الطعام وهي تعلن للجميع عن ذهابها الى غرفتها كونها لا تستطيع تحمل هذا الجنون الذي حل على الاسرة على حين غفلة
انتهى الجميع من الطعام وذهب الاولاد كل الى حال سبيله مكث الرجلان في الصالة بانتظار الشاي . قدمت الزوجة طقم الشاي وهي تقدم خطوة وتؤخر اخرى حتى تمالكت نفسها اخيرا ونظرت في عيني الدكتور حازم بابتسامه لو اجتمع اهل السماوات والارض من الانس والجن على حل رموزها وفك طلاسمها لما استطاعوا الى ذلك سبيلا وان اتوا بمثلهم ظهيرا.
كان المقرر ان يبيت الدكتور حازم عندهم هذه الليلة , الا ان المدير وتحت وطأت الحاح واصرار زوجته على مغادرته منزلها . فاجأه المدير بانه سيوصله الى داره هذ المساء وزف البشارة لعائلته التي لا تعلم من الامر شيئاً لغاية اللحظة . مد يده لينهض صاحبه من مقعده الغائر فيه , وكان له ما اراد نهضا وغادرا الصالة وكعادته في كل مرة مرق من امام باب المطبخ الداخلي ملقيا التحية على زوجة المدير مادحا اياها طعامها متأسفاً جدا على ازعاجها وارهاقها بسبب حفل الليلة .
لم تتكلم معه ودعته بالاشارة وحسب والخوف يتملكها من رأسها حتى اخمص قدميها . استوى الاثنان على مقعديهما في السيارة وانطلقا الى الشارع باتجاه مدينة المنصور . وهما يضحكان معاَ كصبيين مراهقين او بالغين قد جن جنونهما . التفت المدير تجاه الدكتور حازم وهو مازال يضحك بشدة . دكتور لقد ابرهتني بتمثيلك الرائع واقنعت زوجتي الجبانة بان بك مس من الجنون وان جنيتك ما زالت معك . بحسب المؤامرة التي حكناها معا بغية تخويفها ولقد نجحت الخطة , واستمر الاثنان بالضحك . وعلى غفلة ساد صمت عميق عندما تلفظ الدكتور حازم باخر جملة ( هل عندك شك .؟ )...

مرت الايام والسنين تباعا وعائلة الدكتور حازم على خير ما يرام تزوجت ابنته وغادر احد ابنائه لاكمال دراستة العليا في الدكتوراه خارج البلد ولم يبقى معه سوى زوجته وولده الثاني مازال في مرحلة البكالوريوس في اكاديمية الفنون الجميلة . الهدوء والسعادة القت بظلالها من جديد على البيت المسكون والكل سعيد بما اؤتي من نعم الله عز وجل .
تمت دعوة عائلة الدكتور حازم لحضور حفل زفاف لاحد اقاربه في ناحية الشيخ سعد تجهز للسفر بسيارته الخاصة مصطحبا معه زوجته وولده . وما ان اصبح خارج حدود بغداد حتى توقفت سيارته بدون سبب. ترجل الدكتور وولده منها وعبثا حاولا ايجاد العطل فلم يفلحوا . الطريق امامهم طويلة دفعا السيارة واستدار باتجاه بغداد . وما ان جلس خلف المقود حتى اخذت السيارة تعمل كأن لا شيء فيها .
عاد ثانية واستدار باتجاه منطقة الشيخ سعد قطعت سيارته مسافة قصيرة ثم توقفت ايضاً وبدون سبب تكررت العملية اكثر من مرة . حينها قرر الرجوع الى بغداد حيث دارهما بعد ان انهك التعب والجوع كل افراد العائلة اضافة الى الحر الشديد ومعرقلات الطريق الاخرى من الاتربة واكياس النفايات الفارغة التي كان يقذف بها الهواء الى داخل السيارة . مما سبب امتعاضاً شديداً لزوجته وولده .
وصل الجميع بسلام الى البيت وهم في حالة يرثى لها من التعب والنصب والوجد والجوع طلب طعام سفري من مطعم كباب الشمال الكائن في ركن الشارع الذي يقبع فيه منزله. أخذ الجميع حمامهم وتجهزوا على مائدة الطعام فكانت وجبة دسمة اختزلوا فيها الغداء والعشاء معاً . انفض الجميع كل الى حال سبيله . دخل الدكتور حازم الى مكتبه لبعض شؤونه . وبما انه كان تعباً اخذ غفوة عميقة ملقي براسه على سطح مكتبه .
بعد حلول منتصف الليل بقليل وهو غارقاً في احلامه فاذا بيد تعبث به تحاول ايقاظه من نومته غير المريحة . اجاب زوجته بان تدعه ينام دون ان يفتح عينية ورأسه لازال يلامس سطح مكتبه . شعر بهزه عنيفة نوع ما وغير مألوفة لديه اذ اعتادت زوجته ان توقظه برفق ولطف وبعناية فائقة .
فتح عينية مغاضباً مخاصماً فاذا بها هي جنيته الغير مرئية للجميع . يا الهي .؟ ما هذا .؟انه انت من جديد . ردت عليه انا لا استطيع الابتعاد عنك بسبب عشقي الكبير لك . آسفة على ازعاجك فانا لا استطيع ان اظهر لك في النهار لكثرة ضيوفك وزوارك على غير موعد منك اقتنع الدكتور بكلامها .كيف اذا حضرت حفل زفاف ابن عمي اذاً.؟ ردت عليه انا لم احضر لوحدي فكان معي اولاد عمومتي واحبائنا من بني قومنا وسبب قدومي مع قومي ليشهدوا حفل زواجنا معاً وها نحن متزوجون على طريقة ملتنا منذ 30 عاماً .
نهض الدكتور بنصف قامة مفزوعا محدقا بعينية على رزم كثيرة من المال وسفرة عامرة من الطعام . رفض المال والطعام بشدة قال لها الحمد لله انا عندي من المال ما يكفيني طوال حياتي . وما يكفي لعائلتي بعد مماتي واني رجلا عصاميا اكتفي بالقليل واقنع به وهذا هو سر سعادتي . وبعد محاولات عديدة منها لتقبله المال والطعام ابى الا ان يرفض كليهما ثم اردف قائلا اثنان لا احبهما منذ كنت صغيرا المال والطعام ارفعيهما من على سطح مكتبي من فضلك.
من اجل ذلك انا عشقتك بشكل جنوني بالرغم من وجود الافضل منك . انك رجل ذو مبادئ لم تغيرك الدنيا ابدأ, لو كان شخصاً غيرك لاخذ المال والتهم الطعام .كرر كلامه معها انا اكتفيت بما عندي فضلاً عن زهدي بكل شيء في الحياة. عندها اقتربت منه اكثر فاكثر حتى التصقت به اخذت تداعبه بتقبيله على كل مساحة وجهه المفتوحة . سأتيك بدواءاً منشطاً ليطرد عنك هذا الخمول .لا..لا .انا لم اتناول الدواء منذ سنين , اكره الادوية فهي جميعها لها اثار سلبية على جسم الانسان .
اختفت هنيئة وظهرت وهي ممسكة بكوب كبير فيه عصير ما شرب الذ منه في حياته . واستمر في الكلام معها اتعلمين انا كنت خارج بغداد في احد مشاغلي وكنت ...و ...و .. اعلم عنك كل شيء واعرف كل تحركاتك لا داعي لتخبرني ساخبرك انا . عندما اشتقت اليك كثيرا بعد غيابي هذه السنين الطوال وجدتك متجها لعرس في منطقة الشيخ سعد لحقت بك في منتصف الطريق وقمت بتعطيل سيارتك وكلما توجهتم الى بغداد تعمل سيارتك وعندما تلف وتدور للذهاب الى منطقة الشيخ سعد تعطلت ثانيةً , وكذلك عند ذهابك الى منطقة الدبوني جعلتك تغير فكرتك فقررت التوجه الى مزرعة الرسول ناحية شيخ سعد . لماذا ترفضين ذهابي لزيارة ابناء عمومتي . ؟ انا لا ارفض ذهابك اليهم ببساطه انك لن تغيب عن عيني لحظة واحدة الشيء الوحيد الذي اتأسف عليه هو اني لم اظهر لك بشكل نهائي طيلة السنوات الماضية وجدت فيك تراث القدماء ولذلك انت الافضل لم تتغير منذ 30 عاماً .
بانت تباشير الصباح واشرقت شمس الاصيل على الرجل العليل . تاهبت ونهضت من مكانها مودعة اياه غداً سالقاك يا عمري ...

استمر الحال على هذا المنوال سنين أخرى تأتيه بعد منتصف الليل وتغادره قبيل الفجر بقليل حتى حل عليه العام 2017 المشؤم . اخذت جنيته غير المرئية تطلب منه الكثير من الامور التي لا يرغب فيها . والتغير الطفيف الذي حدث في هذا العام كانت تأتيه لحالها دون ان تصطحب معها احدأ من بني قومها كما كانت تأتي خالية الوفاض ليس كمثل كل مرة . تعلق بها كثيرا وامسى لا يستطيع فراقها .
تغيرت الحال كثيراً اذ كانت ترهقه في الفراش كل ليلة مستنزفة اياه كل قواه البدنية فاضحى نحيل البدن خاملاً كسولاً . اضف الى ذلك في احيان كثيرة تسافر به وتجوب محافظات العراق الشمالية والجنوبية وتأتي به الى داره المسكونة قبيل الفجر بقليل لتغادره على امل اللقاء به قبيل منتف الليلة القادمة وهكذا دواليك استمر الحال لهذا العام مع تغيرات طفيفة حدثت على اخلاق وسلوك الدكتور حازم مما لفت انتباه اقرب الناس اليه زوجته وولده الذي مازال يسكن معه ,
في العادة كان الدكتور يعقد اجتماعات ادبية وثقافية في داره المسكونة في اول يوم جمعة من كل شهر يقدم فيه احد المحاضرين من حملة الشهادات العليا وغيرهم. للحديث عن بعض الظواهر الاجتماعية والادبية والثقافية . حيث كانت الكثير من المحاضرات تتعلق بأسهاب شديد بالنقاط المضيئة من تاريخ العراق الحديث . اذ انه له ولع جنوني وتعلق حد العشق لوطنه العراق وحبيبته بغداد التي لا يكاد يغادرها الا ما ندر . وبعد الانتهاء من الندوة يتم تكريم المحاضر بدرع نحاسي فاخر يحمل اسم مجلسه .
في الحقيقة كان الدكتور يبذل مجهودا كبيرا للتحضير لهذا اليوم من انتقاء الاشخاص الذين تتم دعوتهم كمحاضرين الذين غالباً ما يعتذرون عن الحضور لظروف شخصية او عامه مثل حالة الامن والامان في مثل هذه المناطق من بغداد التي كانت عرضة لعوامل الشغب والفتنة بعد الاحتلال الامريكي للعراق في العام 2003 وما تلاه من احداث شغب وفوضى عارمة هتك نسيج المجتمع مما ادى الى مغادرة اكثر اهل حيه الى خارج البلد . اصبحت اكثر البيوت مهجورة مع فرشها واثاثها احتلت معظمها من قبل الغوغاء ثم ظهرت الابنية العشوائية المقززة للنفس البشرية هنا وهناك في الحدائق الصغيرة والكبيرة بين الاحياء وامتد هذا الامر الى اغلب مناطق بغداد المعمورة .
لا ينكر احدا ما لهذا العام من استقرار نسبي مشوب بالحذر من بعض الاعمال الاجرامية التي تحدث هنا وهناك بأشكال متفرقه وعلى فترات زمنية غير محددة . لاحظ المجلس في احد مرات انعقاده نحولا عاما وضعف بادي للعيان وشحوب واصفرار في وجه الدكتور حازم وهو يقدم للحضور اسم احد المحاضرين من ذوي الاختصاص في تاريخ العراق الحديث وحين تم التعريف به انسحب الدكتور الى موضعه في صدر المجلس وجلس بقرب صديقة الاثيري الطبيب الشهير غسان .
رمقه الطبيب بنظرات فيها الكثير من الانكار جلبت نظراته دكتور حازم فاردفه قائلا كيف الحال عندك دكتور غسان.؟ فاردفه الاخير قائلا لا بل كيف الحال عندك دكتور حازم .؟ ارى انك في حال لا تسر الناظرين ضعف ونحول وشحوب وقتره تعلو الوجه وتقرا من ورقة بيد مرتجفة . اصبتنا جميعا بالذهول اخي وصديقي الحميم .
لا اخفيك سرا لم انم الليل طوال الاشهر القليلة الماضية بسب التأليف وتنسيق الندوات الشهرية وغير ذلك من الامور ابتسم الاثنان وانتهى الحديث على خير . انفض المجلس بتكريم الضيف المحاضر بدرع الابداع مع تصفيق الحاضرين وكامرة التصوير لاحد المتبرعين من الحضور تجوب الوجوه تصور الحدث بغية توثيقه في كتاب الدكتور حازم الجديد بخصوص هذه الندوات . ثم ذهب كل لحال سبيله .
نظر الدكتور الى وجهه في مرأة الحمام وهو ناكرا لصورته وما آلت اليه اموره الصحية وبعد ان تعرى تأكد له انه في حالة هزال وضعف شديدين فتذكر كلام صديقه الطبيب غسان فقرر بداخله ان يعاقب جنيته هذه الليلة لما احدثته من عطب في تفكيره وصحته وبدنه .
تزين على احسن ما يرام وتعطر كثيرا ودلف مكتبه بانتظار عشيقته حيث بات لا يستطيع فراقها ليلة واحدة اصبح مهوساً بها الى حد الجنون . ازفت الساعة وحضرت العروس غير المرئية من جديد . وكانت هذه المرة على غير عادتها متزينة باجمل الحلى والحلل مرتدية فستانا جميلا مفتوحا في اكثر مناطق جسدها الحساسة والمغرية للرجال اضافة الى جمال وجهها اضاف الفستان اليها جمالا أخاذا افقد به الدكتور صوابه ونسي كل التحضيرات والكلام الذي توعد نفسه به لمعاتبتها حين ظهورها وذهبت كل خططه بالانفصال عنها هذه المرة ادراج الرياح فكان الفراش الوثير يجمعهما معاً غارقين في وهم الحب بين جنسين مختلفين بالمادة والروح والعطور تعبق منهما والتحف كل منهما الآخر وغطا في نوم عميق.

البيت المسكون 30 والاخير
طارق فتحي
الدكتور حازم شخصية ذو كاريزما عالية مصاب بانفصام الشخصية المتعددة الاوجه لرؤية مناميه او كابوس ان شئت القول حدث له قبل 30 عاما تحول هذا الكابوس المتكرر الى حقيقة افتراضية تجسدت له على شكل فتاة غاية في الروعة والجمال كانت حلم صباه وشبابه في محلته القديمة . خلال هذه السنوات الطوال اصبح لا يفرق بين الحقيقة والخيال حيث كان التجسيم واضحا كلما تقدم به العمر .
الشيء الوحيد الذي برع فيه الدكتور حازم هو تمثيله باتقان لشخصيته الرزنة والمتزنة امام اهله ومجتمعه واستطاع ان يشق طريقه في الدراسة حتى نال شهادة الدكتوراه واصبح يشار له بالبنان بين اقرانه . بعد تقاعده افتتح صالونا ادبيا ثقافيا في بيته الجديد في المنصور. وتم تقديم نفسه على انه احد وجوه المجتمع العراقي المعاصر وقد نجح في ذلك الى ابعد الحدود.
الشخصيات آنفة الذكر التي مرت عليه من خلال تناول موضوعة البيت المسكون كلها حقيقية الا ان الاسماء كانت مستعارة بالتاكيد . الكبد والحرمان في مجتمع ذكوري قبلي متشدد بالتعاليم والعادات والتقاليد التي ما انزل الله بها من سلطان . جعلته شخصية دراماتيكية جاد في اقواله وافعاله حد الاقناع يحب المرح والمزح والتواضع والتطرق الى مواضيع فترة مراهقته لحد الاسفاف .
هوسه الجنسي اتاه في فترة نشوئه منذ نعومة اضفاره تشتت بين الحلال والحرام والممنوع والمسموح والاهل والعشيرة والحفاظ على الموروث القبلي . نسخ الدكتور نفسه الى اكثر من نسخة . وجعل لكل نسخه من نسخه الكثيرة دورا يؤديه في حياته الواقعية وكان طبيعيا ان يكون لخياله الخصب نسخته الخاصة فكانت حوريته الحسناء محور موضوع البيت المسكون .
الاشباع العاطفي والانجذاب الى الجنس الآخر بهوس غير معقول ومنصبه الوظيفي كاستاذ جامعي مرموق في الاوساط العلمية والثقافية على الاقل في بغداد . وصالونه الادبي والثقافي بين اقرانه ومثقفي البلد جعلا لنفسه ان يتمادى في خياله لحد التجسيم وممارسة الخيال بواقعية غريبة وعجيبة . طالما يستعمل هوسه بعيدا عن اعين الفضوليين وعن الناس بصورة عامة .
هذا الرجل الشجاع والمدهش في آن واحد جعل من الغرابة شيئاً مألوفا ومن العجيبة شيء مسلم بها ما دام ايمانه لا يخرجه عن فطرته السليمة , طرح اوراقه كالفارس المغوار , قال لمجتمعه الذي يحيط به هاكم اقرأوا كتابي . اني مزقت كل اوراقي لتظهروا من بعدي ما خفي في الصدور من امرا ليس فيه سرور لا تخشوا مجتمعكم وناسكم الاقربون بل اخشوا الذي جعل لكل شيئا سببا .
عندما تمتزج الحقيقة مع الخيال في اروع صورها يتكون الهيلوغراف اشباح مجسمة غير مرئية تدركها جميع حواسنا المادية المجسمة اصلاً . فيحصل حينئذ التجسيم لكلا العالمين فيصبح حقيقة واضحة تدركه العقول بانبهار ,قد يبدوا هذا غير مألوفا للبعض ولكنها الحقيقة العلمية المحضة التي توصل اليها العلم اخيراً عند اجتياز عتبة الالفية الثانية .
ترى كم فارسا مغوارا بينه وبين الفتح المبين لحظات ثم يتراجع عن الافصاح عن مكنونات نفسه وبالتالي تجرده عن حلمه وعن الاخرين والجلوس وحيدا منطويا على نفسه حتى يقضي الله امرا كان مفعولا . فيبقى الاولاد والاحفاد لا يعلمون من بعد علم شيئاً كانهم مسهم الخرف وهم في ريعان شبابهم .
من يمتلك الجرأة العظيمة في طرح مكنونات نفسه وما تسول له دخيلته فيكتم غيظه وغبطته عن الاخرين تمشيا مع العادات والتقاليد , علمنا من الدكتور حازم كيف انه تجرد عن اقنعته بكل شجاعة . كم قناعاً تمتلك ايها القاريء العزيز . اخلعوا اقنعتكم لتبركم السماء قبل الارض كونوا ربانيين ولا تكونوا بشريين . اولم تكن لكم قلوبا تفقهون بها ام على القلوب اقفالها .
ملاحظة : آخر ظهور لحورية الدكتور حازم كان في يوم 6-8-2017 من هذا الشهر .؟؟؟

قلنا فيما سبق ان آخر زيارة لجنية الدكتور حازم كانت في 6-8-2017 , حيث اخذت تتوالى زياراتها باستمرار , قلما تغيب عنه اسبوعاً واحداً . ازداد تعلق الدكتور بها الى حد الجنون وهو يعشقها ولا يرى غيرها في الوجود كله . وحلاً لهذا العشق والهيام بها طرحت له فكرة السفر خارج العراق الى بلاد اخرى ليتمتع الاثنان بخصوصيتهما بعيداً عن اعين الفضوليين
لم يستحسن الدكتور فكرتها بل عارضها بشدة كونه يحب بغداد الحبيبة مسقط راسة وشقى عمره واحلامه الوردية . عبثا حاولت ان تثنيه عن فكرته بعدم السفر رغم الاغراءات الكثيرة التي قدمتها له , الا انه ابى واستكبر وتعالى عنها علواً كبيراً . هنا اخذ الجدال منحى آخر اشترطت البقاء معه على ان يطلق زوجته الاولى .
فغر الدكتور حازم فاه وجحظت عيناه وهو يستمع اليها غير مصدق ما تتفوه به , اجابها بالنفي القاطع . انه يحب ويعشق زوجته وام اولاده التي تحملت الكثير خلال السنوات الاربعين المنصرمة من تاريخ زواجهم ولغاية هذا العام . مابك .؟ هذه الليلة تطرحين افكاراً مفاجئة لم يسبق لك ان فكرت فيها من ذي قبل . هناك شيئاً ما تخفينه عني اذا اجبتني بصدق وبصراحة متناهية سوف التمس لك العذر بما قلتيه سابقا ولما تقوليه الان ,
حسناً .!! انت طلبت ذلك بنفسك ومن فمك ادينك , اليوم 7-8-2017 ميلادية الموافق 14- ذي القعدة 1438 هجرية . في هذه الليلة سيكون القمر بدراً كاملا وهو في اول استدارته ويستمر يومي 15 و 16 حتى يبدأ بالتناقص . خلال هذه الايام الثلاثة 14-15-16 يكون القمر بدراً ويكون قد مر بي اربعين عاماً وانا بصبحتك . حيث من الممكن ان اتحول الى انسانة بشرية اذا ما شرقت الشمس علي دون غيابي عنك بشرط ان نكون نحن الاثنان في وضعية الملامسة مجردين من جميع ثيابنا ملتفين بعضنا على بعض في حالة علاقة حميمية كزوج وزوجة .
عندما تلامسني اشعة الشمس وانا على هذه الحال ساتحول الى بشرية انسية بنفس مواصفاتي التي رأيتني بها من قبل وسوف يتمكن الجميع من رؤيتي , اما اذا لم تلامسني سوف تحرقني اشعة الشمس واتفحم بسرعة مذهلة . من اجل ذلك عرضت عليك هذا الكلام الذي لم تسمعه مني من قبل . والخيار لك اما ان تقبل واما ان ترفض فالقرار عائداً لك .
طيب لنفرض جدلاً انك تحولت الى انسية ماذا ساقول لزوجتي وولدي .؟ الامر في غاية البساطة , سبق وان اعلنت في مجلسك الفائت عن حاجتك الى سكرتيرة تدير لك شؤون تهيئة المجلس واستقبال الضيوف واعداد لوازم الضيافة مع ترتيب وتنظيف المكان وتصميم الاثاث بشكل لائق اكثر للاستقبال الضيوف .
فكرة جيدة لم لا .! ولكن علي ان اخصص لك غرفة خاصة تقيمين فيها , وساقدمك الى زوجتي باعتبارك سكرتيرتي الجديدة ,القادمة من الريف العراقي البعيد عن العاصمة العراقية بغداد. وعلى انك احدى طالباتي المجتهدات التي نالت شهادتها العالية مؤخراً . وتقدمت لهذه الوظيفة ريثما تجدين لك عملا مناسبا وبمرتب حكومي يساعدك على مواجهة شظف العيش لك ولاسرتك .
اختمرت الفكرة براس الدكتور حازم ودرس الموضوع من كافة جوانبه بعين الخبير والمحقق ولفارق العمر بينهما استحالة ان تفكر زوجته في موضوع الخيانة لسيرة وسير سلوك زوجها الذي يشهد له القاصي والداني من الاهل والمعارف والاصدقاء والمجتمع المحيط به .
ازداد لهيب الشوق والحب والوله بقلب الدكتور حازم اخذ تارة ينظر الى ساعة يده وتارة اخرى الى الساعة الكبيرة المعلقة على جدار مكتبه منتظرا قرب حلول الفجر الصادق . الذي ما تلبث ان تشرق الشمس بعده بساعة او ما يزيد عن ذلك قليلاً . اخذ حمامه الساخن وتعطر بافخم واطيب العطور والتحف الروب الطويل المفضل لديه . القى نظرة فاحصة على هيئته امام المرآة وهو يكلم نفسه تارة ويغني تارة اخرى ويصفر بين الفينة والاخرى . استعدادا للقادم الجميل والفريد الذي لم يمر به بشراً من قبله ولا من بعده .
اخذ يكلم نفسه بعد شروق الشمس بقليل سوف اصبح اسطورة العصر بلا منازع . وكما كنت وجهاً اكاديمياً واجتماعيا يشار له بالبنان ساصبح من مشاهير العصر . ايظن الجميع ان احالتي الى التقاعد سوف تجعلني اجتر همومي حتى يوافيني الاجل نسياً منسياً . سوف اترك بصمة في هذه الحياة يتحدث بها الناس جيلاً بعد جيل .
نهض من نومته مفزوعاً يتملكه الرعب والعرق يتصبب من جميع انحاء بدنه مغرقاً وسادته على اثر سماعه طرقات قوية على باب مكتبه . نهض سريعا كمن مسه الجنون فتح الباب ليرى زوجته امامه تدعوه الى تناول الشاي معها في الصالة مع الاجبان والكعك المحمص اللذيذ . حثته ان يسرع لان وقت العصر ازف ان يزول . ظل الدكتور حازم محدقاً بعيني زوجته تحت تأثير الصدمة التي كادت ان تأخذ بعقله تماماً . حرك رأسه بالايجاب وعلم يقينا انه بحالة حلم في نهار صيف قائض ...
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2852
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى