* البيت المسكون - الجزء الثالث

اذهب الى الأسفل

* البيت المسكون - الجزء الثالث

مُساهمة  طارق فتحي في الخميس أغسطس 02, 2018 11:40 pm

البيت المسكون  3
طارق فتحي

هرع بكل ما يمتلك من قوة وطاقة كبيرة للامساك بالشبح الذي رأى سطوع نوره من على صحن السلم العلوي وهو يصرخ امسكت بك.. امسكت بك . فاذا بالنور يتوهج ثانيةً بسطوع حاد كاد ان يعمي بصره متجهاً صوب احد الغرف العلوية فتبعه الدكتور حازم دخل الغرفة خلفه مباشرةً وهو يسحب انفاسه بتثاقل ويجتر لهاثه بصعوبة . فاذا به لم يرى شيئا البتة . خرج من فوره بعد ان اطفأ مصباح الغرفة . عندها انارت مصابيح جميع الغرف العلوية .
جلس القرفصاء بين بابين من غرف النوم ليرتاح قليلاً , ماذا عساه ان يفعل الان .؟ ما ان استراح هنيئة حتى اخذ يطفيء  مصابيح الغرف الواحدة تلوه الاخرى , جلب انتباهه ان احد الغرف قد تم العبث بها بشكل جنوني لا يصدق . الملابس منتشرة على الارضية بشكل عشوائي والكرسي مع المكتب الصغير قد انقلب جانباً والاثاث مبعثر كأنها معركة حامية الوطيس حدثت قبل قليل .
استغرب الامر , لم لم يسمع اصوات تبعثر الاثاث بهذا الشكل الجنوني .؟ من انار مصابيح الغرف العلوية .؟ هل حقا اصبح يهلوس من جديد .؟ وما السبب .؟ اتكون الوحدة القاتلة .؟ ام حكايات جدتي التي ما برحت تغادر عقله .؟ وغيرها من قصص سبق له ان سمعها ، و ربطها مع ما يُحكى و يقال عن هذه الدار و ما فيها من أرواح و جن و ملائكة ، و رؤية ابنته للشبح ، و ما سبق ذلك من توالي موت الحيوانات . لابد ان يكون مَلَكاً صالحاً لِما سبق ان بدرت منه كرائحة البخور و الشاي و النسمة الباردة و الرائحة الزكيّة ، إذن لابد من حصول حالة من الاتصال بهذه الروح الخيّرة ، وما ان هبط بعض الدرجات حتى عاد وصعد ثانية  الى الاعلى بين  التوجّس والخوف مرة ، و رغبة في مصاحبة هذه الروح الخيّرة أخرى. مرة
سمع همسا خفيفاً يطرق سمعه لم يتبين ماهيته  جيداً , ما لبت ان سمع صراخاً عنيفا  بلغة لم يفهمها , كأن اشخاصاً كثيرين في حالة من الصراع والهرج والمرج , بعدها اعقبتها قهقهات عالية ثم نواح وبكاء وعويل يصم الآذان . كأن الطابق العلوي اصبح مرتعا خصباً وسوق رائجة للاشباح او الجن او حتى الشياطين .

قدم خطوة وأخر أخرى خوفاً و رهبة  ورغبة في حصول حالة من المعرفة الخارجة عن المألوف ، تقدّم ، فوجد الغرف العلوية مضاءة من جديد وبفعل فاعل بعد ان كانت مظلمة ، فتح باب الغرفة فلم يرى شيئاً ، لكن وجد الفوضى و الارتباك في تنظيم هذه الغرف  على غير المألوف  بأسثناء  رائحة غريبة تعبق في الغرف، كالرائحة الزكية التي دخلت الصالة قبل حين من الزمن .
دخل الى الغرفة المبعثر اثاثها وهو يقول في سره يجب ان انتهز هذه الصدفة لاكلم اشباحي او الارواح التي اخذت تطاردني منذ ثلاث ليالي مضت . فاستدعاها بقوله ( ايتها الارواح الطاهره العلوية المشعشعة النورانية اقسمت عليكم بالحضور , احضروا .. احضروا.. احضروا.. وان كنتم من الارواح الشريرة , فانصرفوا .. انصرفو.. انصرفوا ..) . فتح عينيه عند انتهائه من الاقسام وعزيمة حضور وطرد الارواح فاذا به يفاجأ ان جميع اثاث الغرفة رتبت بعناية كان شيئا لم يكن .
توسل الدكتور حازم كثيراً بالارواح كي تكلمه حتى يتمكن من رفع تلك اللعنة عن بيته المسكون دون جوى وعلى مر ساعات الليل الطويلة وهو يقسم عليهم تارة ويعزم بايات قرآنية تارة اخرى ويوكل بالاملاك الصالحة دون جدوى. وبعد ان احتدم الامر عنده اخذ يخاطب اشباحه بتوتر وعصبيه بادية للعيان واخذ يزجرهم زجرا عنيفا ويهددهم وتوعدهم بحرقه جميع من يسكن منهم في هذه الدار الملعونة , وهو في سره خائفاً وجلاً مرتعباً بشكل رهيب لم يسبق له ان مر بهكذا موقف مخيف ومرعب في نفس الوقت . كل ما كان يخشاه ان تلبى دعوته وان يظهر له احدهم ترى كيف ستكون هيئته .؟ وكيف سيتشكل له باي صورة يا ترى.
ولما استنفذ كل قوته وطاقته بعد ان غلبه النعاس هبط درجات السلم بتثاقل غريب وتوجه نحو الصالة وكالعادة رأى التلفاز في حالة التشغيل والعين السحرية مطفأة . ومصابيح المطبخ تنور وتنطفي من تلقاء نفسها وهمسات تعلوا تارة وتخفت تارة اخرى مع صراخ وعويل ودربكة عظيمة تحدث في الاعلى . سار على قدمية المتثاقلتين وهو لا يبالي بكل هذه الخوارق والعجائب تلك التي تعود على حدوثها آلفته وأأتلف معها . مطرق الرأٍس  باتجاه غرفه نومه وهو يهز راسه يميناً وشمالاً مصفقا كفيه على بعضهما وابتسامة عريضة ترتسم على محياه , وضع رأسه على الوسادة فانتقل الى عالم آخر , عالم ما وراء الطبيعة بشيء من الفنتازيا الرائعة والصور البوهيمية الغامضة . آخر ما وقعت عيناه قبل اغماضهما على عبارة مكتوبة في ورقة صغيرة خطت بقلم عريض وجدها فوق التلفاز مذكور فيها ( سأعود مرة أخرى ) .؟
هذا ما توقفنا عنده في سرد حكاية الدكتور حازم في جزئها الاول, انتظرونا للمزيد من حكاياته في الجزء الثاني . علما ان الدكتور مازال يعيش بين ظهرانينا حياً يرزق ولم يغادر بيته المسكون منذ ثلاثين عاماً مضت .
بينما نحن والقراء منغمسون في قراءة الجزء الاول من قصة الدكتور حازم . بعث الينا الجزء الثاني من قصته التي اسماها ( حلم لم يتحقق ) اترككم احبتي لمتابعته من لسانه  حيث يقول :
حلم لم يتحقق  
بما اني أعيش لوحدي بسبب زواج بناتي و ولدي الكبير و سفر ابني الصغير خارج العراق و ذهاب زوجتي لتعيش مع إبنها المتزوج لمدة غير محددة ، فلابد ان أتخيل الكثير من الامور الخارجة عن المألوف ، و أغلبها تدور حول الجن او الملائكة . من هذه الامور هي اني كنت لم أصدق ما أسمع من حركات و أصوات رقيقة ،
اليوم بدا  لي الصوت واضحاً ، ان هناك من تناديني باسمي الصريح لكن بصوت خافت ، عندها تحققت إني المَعْنِي ، فذهبت حيث مصدر الصوت ، فلم أجد شيئاً ، بل صرت ألُوم نفسي بأني كبرت بالعمر و صرت أخرّف في كثير من الامور وهذه الحالة قد بدأت الان . فلم أعِرْ الامر أهمية .
تكرر الصوت بدعوتي للقائها بصوت رقيق ، ذهبت مرة أخرى ، فلم أجد شيئاً حينها  عدت الى مكاني السابق ، تكرر الصوت بإلحاح ، صدرت عني كلمات غاضبة مفتعله  مع الخوف الشديد من المجهول (إني سوف لم ألبي دعوتكِ مهما كنت) ، فإذا رغبتي باللقاء  تعالي انت الى حيث أنا ، فانقطع الصوت لتصوري انه خيال ، ثم توجهت الى فراش نومي لتأخري لساعة متأخرة من تلك الليلة الرهيبة.
هناك وجدت الفراش منتظماً ومرتباً فخلدت الى النوم ، ثم أحسست أن هناك من يعمل على إيقاضي ، رغم عدم وجود أحد معي في الدار ، اصبحت أخاطب نفسي ، في اني قد اشتريت هذه الدار الملعونة رغم اني سمعت عنها انها مسكونة منذ أكثر من 30 ثلاثين سنة ، و لم يحصل أي شيء سوى بعض الوفيات للبلبل و الدجاجات و الخروف و أخيراً الوالدة ، فانقطع كل شيء بعد ذلك ،

هل حصل الحنين من قبل هذه الارواح بعد مرور هذه السنوات الطِوال ؟ نعم ربما ما يحصل هو حقيقة لم أكن أهتم لها طيلة هذه السنوات – ربما – كانت موجودة لكن لم أهتم لها لكثرة انشغالاتي ، قلت بصوت عالٍ أخاطب الهواء او لمن أعتقده سيفهم ما أقول : إذهب عني بعيداً فلست كما تظن او تظنين ، فهل انتَ او انتي او مهما كنتم ، لا أرغب بكم .
كان صوتاً انثوياً رقيقاً ينساب قريباً مني ، فعرفت انها انثى ، إنزوت خوفاً و رعباً مني في طرف السرير ، سمعت ضحكة دافئة تخترق آذني  ، قلت : لم أستجب مهما كنت . فَعَلَت الضحكة رنيناً بصوت هامس ( لا تخف فانا إخترت ان أكون معك طيلة الحياة )  انا لا أرغب بمن لا أعرفها مهما تكونين ، ربما غداً ستتغيرين و تنقلبين عليَّ ، صدرت الضحكة  مع ذاتها(انت واهم ، و خائف ، لأنك لم تراني )  نعم هو كذلك انا لا أريد التواصل مع من لا أعرفها او أراها ، فظهرت لي غزالة رائعة ،
استدركت نفسي فخاطبتها : كفاكَ يا دكتور تخريفاً ، انها لا تعدو خيالات من مخرِّف . فلقد كانت الضحكة الرقيقة قد عادت من الغزالة ، ( ألَم ترى غزالة بحياتك ؟ ) قلت حتى لو رأيتُ غيركِ لم أستجب . فتحولت الغزالة الى فتاة لا يزيد عمرها عن ال 30 عاماً ، و للحقيقة أقول : بأني قد هويتها رغم رعبي الذي أعيشه حينها ، لكن لم أرتاح لهذه المخلوقة من غير البشر ، قلت : هل لي ان أعرف اسمك و من هو أبوكِ و أهلكِ ، و لماذا أنتي معي الان ؟ أتمنى ان تبتعدي عني ، فلست أهواكِ . فكان الصوت الرخيم قد عاود مع صوت الضحكة التي أرغبها حقاً .

قالت انا لست من البشر فأنا من غير قومك ، لماذا أنت مُتعب و تشعر بانك لوحدك ، انا معك منذ أكثر من 30 ثلاثين عاما أخاطبك لكن لم تهتم لي و لم ترد ؟ الحقيقة تحيَّرت بالجواب ، لخوفي الشديد الذي إعتراني . فضلاً عن اني لم أفكر بها و لم أشعر بها أبداً ،  اليوم أراها و أسمعها و أعرف انها ليست من البشر فكيف سأتصرف معها ؟ لم تتركني أتمادى فيما أشعر ، بل وصلني صوتها و هي تقول (ما بالك انا صحيح لست من البشر لكني أعرف لغتك و أعرف أهلك كلهم).
اليوم أنتَ لوحدك ، و لأول مرة في حياتك ، لذلك اخذت أتحدث معك ، فهل ترغب ان نذهب من هنا الى حيثُ أسكن ؟ قلت : لا ... كيف لي ان أترك بيتي الى مكان لا أعرفه و لم أزوره سابقاً ؟ كيف سألتقي أقواماً لم يسبق لي ان رأيتهم ؟ فأنتم مخيفون لي مهما تكونوا . ثم كيف لي أن أصاحبك فأنتي لست لي زوجة ؟ قالت : ليس صعباً ما تقول فكل شيء قد رتبته من مدة طويلة . و اليوم سيكون . و لست أدري لماذا
هذا التَّمَنّع قد صدر مني تجاه هذه الفتاة غير البشرية ؟
قالت : لعلك تخافني و تخاف قومي ، لكن لا تهتم لكل شيء ، و لك الحق الان فقط ، لكن بعد اللقاء سارتاح صرفتها بعد ان عرفت منها الكيفية ، و لم أعرف كيفية استدعائها ثانية ،رغم من خوفي الذي ما زال مسيطراً عليَّ لكني صرت أهواها ان تكون قربي دائماً بدل الوحدة التي انا أعيشها .
لكنها بَدَّدَت كل ما فكرت به بقولها : سأعود مرة اخرى
مرت الاسابيع والشهور بطيئة نسي فيها امر اشباحه . مارس خلالها حياة طبيعية لا يكتنفها الغموض او التكلم مع الارواح , باستثناء طيف روح هذه الفتاة الهائمة التي تجسدت له لبضع ثواني بصورتها البشرية . تمنى من كل قلبه ان تعود الى محاورته مرة اخرى  لما شعر به من  متعة كبيرة في الامر ومن انه متميزاً كثيرا عن اقرانه من الاصدقاء والخلان.
بينما هو على هذا الحال من التفكر والتدبر سمع صوتها بوضوح فابتسم في سره وهو جالس في مكتبه اطفأ الانارة القوية  وابقى على مصباح صغير فوق منضدته الفاخرة المطعمة بالفسيفساء والمزينة بقطع العاج الجميلة .
شعر بخوف شديد وهو يتمتم في سره ان يكون ظهورها بهيئة بشرية لانه يخاف الاشكال المجهولة ويعدها مخيفة لا يطيق استيعاب  وجودها او رؤيتها. فلما ظهرت له كطيف بشري هدأ باله واستوى جيدا في جلسته . اخذ يحاورها ليتعرف عليها اكثر فاكثر . كلمها بادب مبالغاً به, من انت من فضلك .؟ لماذا اخترتني انا بالذات دوناً عن العالمين؟ فكان الرد صاعقاً ومخيفاً , انا زوجتك منذ ثلاثين عاما . الم تذكر. . لعبنا..مرحنا.. حبنا العفوي الطفولي منذ ان كنت شاباً يافعاً. اليوم بعد ان انجبت منك خمسة اولاد ثلاثة ذكور واثنان بنات من اجمل ما خلق الله .تسألني هذه الاسئلة الباهته.
انا لا اتذكر كل هذا الذي تقولينه باستثناء الاولاد فانهم كما وصفت تماما بالهيئة والاسماء. ايكون اولادي اشباحاً متجسدين في الهيئات البشرية , مع انهم لا يملكون اية قوة خارقة تميزهم عن الاخرين, اجابته بلى تتذكر وانا الان اقراء افكارك عندما كنت مراهقا نزقاً اغتصبتني برضا وقبول مني لاني كنت اهيم بك بشكل جنوني في مقبرة وادي السلام تحت احد اقبية القبور قبيل المغرب بقليل , حينها اقسمت لي ان تتزوجني لاصلاح خطأك الشنيع وفعلا تم القران في دار ابيك , شخصت له المكان والزمان وسماء المدعوين من الرجال والنساء.
اطرق الدكتور حازم مليا متذكرا ايام عرسه وكل ما قالته له صحيح باستثناء حادثة الاغتصاب كونه كان على خلق وتربية حسنة مما يستحيل معها قيامه بهذا العمل الفظيع, نعم كل ما تفوهت به صحيح الا ان ذاك كان زواجه الحقيقي من زوجته الحقيقية  اخذته حالة  من التلبس لم يعهدها سابقا في نفسه . تصلبت اعضاء جسده وتخشب على مقعده .
كيف علمت بما افكر ؟ انك تجيبين على اسئلتي دون سؤالك, الم اقل لك سابقاً اني اقرأ افكارك واعلم بما تفكر به . انت الان تفكر بي وترغب بالاجتماع معي ولكنك خائف من ان اتركك ثانية كما فعلت خلال السنين الثلاثين الماضية, ها انا الان امامك وقد قرر قومي الاتصال بك وكذلك عائلتي فقرروا جميعاً انك تناسبني وهذا سبب حضوري هذه الليلة .
لا تنسى انك ابديت رغبتك بي من سنين طويلة امام المجلس المحلي للقوم . بعدها اخذت على عاتقي حمايتك من كل ما يوذيك في صباك وشبابك والى الآن . اتذكر.؟  الحادثة الفلانية تلك التي اخذت تتذرع بها الى الله ان ينجيك منها ويخرجك بسلام او باقل الاضرار على اكثر تقدير . نعم اقسم بالله اتذكر هذا الامر وقد زال ببركة دعائي وتذرعي الى الله .
دعائك وتذرعك الى الله.. قهقه خفيفة .؟ ما علينا , المهم انا وقومي انقذناك وباعترافك انت الان, اخذت بعدها تسرد له المواقف المحرجة والمشاكل التي وقع فيها , منها ما كاد يفقد حياته بسببها . فاستعرضت له شريط حياته لثلاثين عاما خلت. كان الدكتور مستمع جيد ولم يكذب أي حادثة ذكرتها وهو في حالة ذهول وتعجب رهيبين. يا الهي : ان كل ما ذكرته صحيح , يا الهي من تكون هذه. على الاخص اجتماعه في المجلس المحلي الذي اخذ يتوعدهم بظهور الحق وكانوا غير راضين عنه بالمرة فقرروا الانتقام منه وتخويفه بوضع قنبلة صوتية في فناء منزله مع مضروف ابيض يحوي بقايا اطلاقة نارية فقط دون كلمات وكان المقرر ان تمر من فوق القنبلة بحسب الخطة الا اني قمت بتعطيل سيارتك ,
قبل الوصول الى المنزل بمدة مناسبة كي تنفجر القنبلة دون احداث اضرارا لا بالمنزل ولا بعائلتك التي هي اصلا عائلتي . كان هذا آخر الكلام التي تفوهت بها شبح او روح او قرين الدكتور حازم . الحق اقول لكم انه كان مستمعاً جيداً, بعدها وقبل ظهور الفجر الصادق ودعته بطبع قبلة على جبينه وهو جاثم في مقعده لا يحسن الحركة مكفهر الوجه شديد القسمات تائه الفكر غائر العينين . سمع قهقه خفيفة اعقبتها عبارتها المعهودة ( ساعود مرة اخرى )
مرت الايام ثقيلة والدكتور حازم يهنأ في بيته المسكون بعيشة راضية والهدوء الذي يسبق العاصفة ضاربا بجناحيه على الزوجة والاولاد . تمنى فيها عودة اشباحه للتحدث معهم مع انه كثيرا ما كان يستدعيهم بعد منتصف الليل دون جدوى . ان العوالم الخفية والكائنات المجهولة تستهويه لحد النخاع . التقط خرطوم المياه ليسقي وروده وازهاره قبل مغيب الشمس بقليل . فاذا به يرى تشكلات بشرية تخرج من رذاذ الماء المتطاير  في المكان .
طرق سمعه قهقهة خفيفة بالكاد التقطها فعلم انها هي عادت مرة اخرى . رفع يديه لتحية رذاذا الماء وبدأ الحديث معها وزوجته تراقبه من نافذة المطبخ  المطلة على الحديقة  لم تنبهه زوجته بل اخذت تراقبه بحذر بعد ما  ان تركت ما في ايديها من اعمال منزلية . مع من يتكلم الدكتور ؟ القت نظرها قدر المستطاع من جميع الزوايا لترى مساحة اكبر من الحديقة عل شيئاً  ما جاثم في ركن قصي لا تتمكن من رؤيته من خلال النافذة .
ها قد عدت ثانية . اذهبي الان ولنلتقي بعد منتف الليل اشتقت اليك كثيراً , لماذا هذا الغياب الطويل اصبحت امقت هذه اللعبة مع انني  اخذت اشعر بالارتياح لكلامك الصادق والمعسول . لم اعد اخافك مطلقاً,  فقط ادعائك بانك تحمينني ,هذا ما انا ضجر منه ولا يعجبني البتة , تنسبين كل ما اقوم به اليك . قهقهة عالية وصراخ دون مبرر مما جعلت الدكتور يتلفت يمينا وشمالا لعل احد لم يسمعها او يراها مثله وعلى الاخص زوجته , لظهورها غير العادي هذه المرة.
هل تنكر انك ابلغت اعمامك .؟ فعددت له اسماء الاعمام وعناوينهم واحدا تلوه الاخر؟ فاصبحت محميا من قبل ابناء عمومتك وعشيرتك . عندها اصبحت اتابع حياتك لحين تقديم استقالتك والتفرغ للعمل في الجامعة . حينها شعرت بالراحة لابتعادك عن المجلس المحلي ولم تعد تشارك هولاء القتلة اهوائهم وفتنهم واجرامهم . حاولت كثيرا ان اجعل منك انسان غير مرئي تختفي وقت ما تشاء وتظهر نفسك وقت ما تشاء الا اني لم افلح في ذلك وهذا محال طبعا في بني جنسكم انتم البشر المرئيين . ان دهشتكم واستغرابك بالماورائيات مما تعدوه انتم البشر من المسلمات التي لم يجد لها العلم الحديث تفسيرا هي امور عادية تجري لنا يوميا نحن الجنس الغير مرئي من قبلكم .
لانكم  تؤمنون بما تلمسونه فقط . فقد فاتكم الكثير للانتفاع به وان اعتمادكم على حواسكم الخمسة ما ظهر منها وما بطن لن يكفي لتفسير الامور الجسام التي تحدث في العالمين . خذ مثلا حضرتك الدكتور حازم رجل جامعي مرموق مثقف بشكل لائق متفوق على اقرانه وجلسائه متزوج وله اولاد منذ اكثر من ثلاثين عاما مضت . علاقته الزوجية ناجحة يحب اولاده ويحبوه يتودد له اهل عشيرته وعشيرة اهل زوجته وجه اجتماعي مرموق في منطقته يشار اليه بالبنان .
قاطعها الدكتور بقوله , ما الحل .؟ ماذا تريدين مني الان .؟  ردت عليه ليس لي الا ما تريده انت , انا طوع امرك في كل حين , ولك ان تفكر بما تريد , وانا بانتظار قرارك الاخير او على الاقل ما تتوصل اليه , ارتعب الدكتور كثيرا اذ انه راى بعقله وبصيرته امرا جلل سيحدث بعد هذه المحاورة بينه وبين جنونه العقلي المؤقت , وبينما هو متفكر بالامر وبماذا يرد اذ سمعها تقول ( ساعود مرة اخرى )
حصل للدكتور حالة من الوجد والخوف المشوب برعب كبير قادم لا محاله . ولكنه لم يستطيع استنباط هذا الشيء او معرفة ماهيته . وبينما هو مستغرق بالكلية في شعب الافكار العقلية لا النقلية . فاذا به يسمع قهقهاتها من بعيد وكلما اقترب صوت ضحكاتها كلما ازداد رعبا على غير عادته معها عندما يحاورها . هل فكرت بما تريد ؟ اني اقرأ افكارك انك ترغب بالاقتران بي . وانا لا مانع لدي بشرط ان تكون حفلة زفافي في هذا البيت السعيد .
صرخ بها الدكتور بانفعال وعصبية شديدة  , البيت السعيد .! انها اجمل نكته سمعتها في حياتي . اقسم بانك لا تفكر بي ولا تحبني ولا تريد الاقتران بي . فساتركك والى الابد ولن اؤذيك او احد افراد عائلتك . فقط اقسم لي اني مخطئة .  حاول الرد عليها فورا حال اكمال جملتها الاخيرة , ولكن تلعثم وتغيرت سحنة وجهه مع ان شفاهه تتحرك كمن يلقي خطابا الا ان صوته المكتوم لم يصل حتى لسماع اذنيه .
عندها احس بفشله في الرد وصواب قولها بما كان يتمنى في قرارة نفسه واعترف لها بكل حرف قالته انه صحيح ولا يستطيع ان يكذب عليها لانها تقرأ افكاره بكل بساطة . تم الاتفاق بينهما على الزواج من بعضهما ليتخلص الدكتور حازم من كوابيسه التي تؤرقه ليلاً . اشترطت عليه ان يجد اللحظة المناسبة لاستدعاء قومه وعشيرته المقربين وهي كذلك سوف تخبر قبيلتها وتستدعيهم .
اقنعته ان لا احد يرى شيئا سواه وسيكون الحفل عاديا ولن يعرف الحاضرون من  الانس ما يحصل بينهما وعليه ان يتحمل رؤية قبيلتها بدون ان تبدوا عليه علامات الخوف والرعب لئلا يكتشف امره من قبل اهله  فيصبح منبوذا من كلا الطرفين . ربما هذه المرة سيصاب بنوع من الجنون او الوسواس القسري وهذا ما لا يحمد عقباه لشخصية محترمة مثل شخصية الدكتور حازم .
مرت الايام سريعا لحقتها الاسابيع وما من مناسبة لعمل حفل كبير في بيته الفاره . حتى قدم ابن عم له يعمل حديثا في بغداد . اخبره انه يروم الزواج قريبا ويا حبذا لو يكون الحفل في بيته , بالرغم من اصطناع الدكتور التفكير مع بعض الممانعة  البسيطة امام توسلات ابن عمه الذي يصغره بعشر سنوات وافق على الامر وتم تحديد يوم معين لحضور الاحتفال الذي سوف يقتصر على اولاد العمومة والاهل حصراً  وعلى هذا  اتفق الطرفان. امتلات الصالتين الكبيرة والصغيرة بالمدعوين والزينة تعج بالمكان والموسيقى تصدح باعذب الالحان وتوسط صدر الصالة كرسيين نصبا على منصة مرتفعة بعض الشيء. احدهما للعروس والاخر للعريس .
عم الصخب المكان والناس مختلطين مع بعض وصحون الطعام تجري على قدم وساق بين المطبخ والصالة والموسيقى تصدح كان حفلا بهيجا الكل فيه بين مبتسم وبين من يطلق العنان لقهقهاته حتى يسمعها الجميع والفرحة بادية على العروسين . الشخص الوحيد الذي لم يتكلم او يبتسم او يتحدث مع الاخرين هو الدكتور حازم شارد الفكر باحثا بعينه الفاحصة الحضور واحدا تلوه الاخر مما جلب انتباهه زوجته التي كانت تراقبه عن كثب .
ما بك عزيزي الدكتور ارى انك مرتبكا جدا على غير عادتك هل تشكو من علة او مرض , نادى عليه العريس لالتقاط بعض الصور التذكارية باعتباره ( سردوج) العريس . فانقذه من هذا الموقف المحرج اذ استطاع ان يتملص من زوجته ام اولاده باتجاه العروسين ليقف  خلفهما حتى تمكن الجميع من التقاط صور تذكارية مع العروسين . انتهت الحفلة بسلام في ساعة متاخرة من الليل . واتجه كل من المدعوين الى سياراتهم المركونة على الرصيف المجاور والمقابل للبيت المسكون .
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2852
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى