* قصص قصيرة : هيام هيام - الجزء الرابع

اذهب الى الأسفل

* قصص قصيرة : هيام هيام - الجزء الرابع

مُساهمة  طارق فتحي في الخميس أغسطس 02, 2018 10:47 pm

هَيام .. هِيام
طارق فتحي
نهضت هيام باكرا على اثر مشاحنات كلامية بين الزوجات تعالت فيها الاصوات وصم الضجيج الذي احدثوه الاذان واصوات تكسر الصحون مذعورة خائفة مستفسرة ما السبب ؟ ما كل هذا الهرج والمرج والاقتتال والتشابك بالايدي ؟ صرخت بهما الوالدة وفكت الاشتباك وسألت اين زوجيكما فردا عليها انهما خرجا فجراً للذهاب الى المسلخ لجلب اللحوم الطازجة .
قامت الام بغسل الصحون البائته من الليلة الفائتة بعدها اخذت تنظف الشقة من الاتربة والاوساخ ووضع الغسيل في غسالة الملابس وادارتها. والبنتين لم تبرحا غرفتيهما . بعد ساعة او ربما اقل طرقت بابهم جارتها مستفسرة من الوالدة عن سبب الضجيج والصراخ عسى ما شر حدث او سمعتم خبر حزين او حدث مكروه لاحدكم , لف الصمت والسكون الام ولم تحري جوابا غير انها قامت بضيافة جارتها , لا شيء حصل والحمد لله نحن بخير قالتها الام والغصة في حلقها وهي تودع جارتها عند عتبة باب شقتها .
في مساء نفس اليوم اتى اولادها من العمل وبعد تناول طعامهم اخذت الام تشرح لهم ما حدث والبنتين لازالتا في غرفتيهما تلقيان السمع لعمتهم تجاذب الاخوة اطراف الحديث دون ان يتجاوز احدهما على الاخر . وانتهت الجلسة بالاتفاق على ان يؤجر حكمت وزوجته شقة اخرى ويخرج هو وعروسه من الدار. لانها لا تثق كثيرا بزوجة نشأت الابن البكر لغموضها وغرابة بعض تصرفاتها.
انفصل حكمت عن عمله مع اخيه نشأت ووجد عملاً مماثلاً قرب شقته الجديدة في حي التضامن, مرت الايام والشهور والكل على وئام وصفاء, ارسل حكمت زوجته الى دار والدته بسبب حملها في شهورها الاخيرة . مارست زوجة نشأت دور العمة مع امرأة حماها , استخدمت معها كل المقالب الشيطانية والكلام المعيب , وتظاهرت بالحمل ايضا وسخرت لها العمة والزوجة الثانية يخدمونها وما عليها الا التأفف .
اخذ نشأت زوجته بصحبة والدته الى طبيبة نسائية مختصة بالتوليد في مجمع طبي قريب . اثر المشاكل التي كانت تثيرها في البيت بحجة ان الآم شديدة تنتابها والطفل يتحرك في احشائها بصورة جنونية مما يثير فيها الغثيان مسببا لها الآم مبرحة وصلت الى حد البكاء او التباكي وادلهم الخطب على العائلة حينها . عبثا حاولت العمة افهامها ان الطفل الذي في احشائها لا يمكن ان يتحرك وهو في شهره الثاني او الثالث الا ان الزوجة كانت لا تجيد الاصغاء , مما اضطرت العائلة الى حسم الموقف والذهاب بها الى طبيبة النسائية والتوليد . تم فحص الزوجة الحامل بكل السبل فلم تجد طبيبة التوليد اي اثر للجنين وعندما اعلمت المريضة بان لا يوجد جنين او اي شيء آخر في رحمها اخذت تصرخ بشدة وتبكي وهي تتلعثم في كلامها اين ذهب جنيني ؟ اريد جنيني ماذا فعلتم به ؟
ما كان من الطبيبة الا ان تتصل بزوجها الطبيب ايضاً في عيادته المجاورة لها في نفس المجمع وعندما حضر هدد الجميع باخبار الشرطة لانه شكك ان امر المريضة مريب وتصرفاتها غريبة ولا بد انهم يخفون شيئا للاضرار بسمعة زوجته الطبيبة او في الامر شيء آخر غريب يجهله هو . تهافتت علية الوالدة تتوسله وحكت له حقيقة الامر . وضع الطبيب سماعة الهاتف جانباً واصغى لبرهة ثم قام بطرد الجميع من عيادة زوجته بفضيحة جلبت انتباه جميع الحاضرين في النظارة في الدور الثاني من المجمع الطبي .
في عصر يوم جميل سمعت هيام طرقا متوالياً على باب شقتها , تركت ما في بديها واسرعت نحو الباب لتفتحه فاذا بها تفاجأت من حضور اخ زوجة نشأت من حلب وبصحبته ابن عمه خطيب الزوجة السابق . فدهشت للامر, رحبت بهما واجلستهم في الصالة . غابت عنهم لحظات بعد ان ضيفتهما واتصلت باحد اولاد الجيران ليبعث خبرأ الى نشأت للحضور الى الدار بسرعة لامر مهم .
ارتابت من حضورهم كثيرا وتذكرت انها حكت لجارتها قصة زواج نشأت وكيف عثر عليها في احد الحدائق باكية فارة من اهلها , تذكرت حينها ارشادات ونصائح هذه الجارة بان امر مماثلا حصل لعائلة زوج الجارة وكيف اعتبروا الامر خطف وزواج بالاكراه وبعد ان تم الصلح بين الفتاة المخطوفة واهلها استضافوها وعفوا عنها وبعد اشهر جاءوا ليباركوا للعريس حيث تمت دعوته للاحتفال في مكان نائي عن المدينة وعلى الشاطيء البعيد عن حواضرها وهناك تم ذبحه وزوجته التي هي ابنتهم بالسكين كذبح الخراف وولوا مدبرين ولم تكتشف الجثتين الا بعد اسبوع او ما يزيد قليلاً .
عادت هيام من افكارها وخيالاتها الى الواقع بعد ان قطع صمتها الاخ الاكبر للزوجة المشاغبة قائلا اين الطفلة الصغيرة حتما انها تجاوزت السنتين من العمر الان . ذهلت هيام من سؤاله , قامت بتحضير الشاي والكعك من فورها لئلا يلاحظ احدا ارتباكها ويعلموا انها كذبت عليهم في هذا الامر. وعندما وضعت الاشياء امامهم تمالكت نفسها واخبرتهم ان المولودة اجهضت في الشهر الثامن من الحمل ولم يكتب لها الحياة فتوفيت وتم دفنها بمقبرة قريبة من حي السيدة زينب .
لم يعقبوا على الخبر بل تأسفوا لهيام ما حصل وانهم شباب سوف يعوضهم الله خيراً . بعدها اطلعها على خبر وفاة والده الذي كان اصلا مريض بمرض خطير جدا منذ ثلاثة اشهر . واردنا معرفة اخبار اختنا وحالها معكم ونحن مشتاقون لرؤيتها . طبعا الاخت كانت مستمعة جيدة وهي جالسة في غرفتها, اعترضت هيام مقاطعة كلام الاخ بان اختهم مريضة بسبب حملها الثاني وانه قبل ايام قلائل اتوا بها من طبيبة النسائية والتوليد فاخبرتهم الطبيبة بان لا تتحرك من مكانها وتقضي معظم الوقت في السرير مستلقية على ظهرها للحفاظ على الجنين من السقط , وهذه كذبة اخرى سببتها الكذبة الاولى قبل عام .
ما ان انهت هيام كلامها مع الضيوف حتى دخل عليهم ولدها البكر نشأت فاخذهم بالاحضان والقبل والترحيب بهم بشكل مبالغاً فيه فاجأ به الضيوف , استأذنت هيام من ضيوفها لاعداد الطعام لهم , خاصةً وانهم قطعوا مسافة كبيرة من ريف حلب الى الشام وحتماً انهم الان يتضورون جوعاً . الا ان الاخ الاكبر اعتذر منها باسلوب لبق وانهم على عجلة من امرهم والحوا عليها ان تجلس معهم .
قال الاخ الاكبر ان ما حصل قد حصل من افعال اختنا وهروبها من الدار والحمد لله سترها نشأت بزواجه منها ورفع رؤوسنا بين العشيرة وان ابانا قد توفي من قريب فقررنا نحن الاخوة واولاد العم . ان نبارك هذا الزواج بشكل رسمي بين اقاربنا واولاد عشيرتنا برهانا على نسيان ما حصل وتوطيدا للعلاقة بين عائلتينا . وهنا نظر الاخ الى نشأت بابتسامة صفراء فيها كل الؤوم والحقد والكراهية بعد ان ربت على كتفيه اشارة منه للحميمية التي يكنه تجاهه على الاقل هذا ما فسرته الوالدة التي كانت متربصة لكل حرف لا بل لكل كلمة ينطق بها الاخ الاكبر.
خرج الرجال الثلاثة قبيل المغرب بقليل للاحتفاء بنشأت وتوطيد علاقتهم به باعتباره اصبح نسيب اذ يعد والحالة هذه من الاقارب . عبثا حاولت الوالدة ان تمنع ولدها من الذهاب معهم فاختلقت الحجة تلو الاخرى . الا انهم طمأنوها بعودتهم جميعا للمبيت عندها والذهاب غدا الى حلب .
عادوا مساءا بسلام وتبخرت افكار الوالدة السوداوية , حينها رحبت بهم ثانية بشكل فاجأ ولدها الذي لم يكن يعلم ما سرته والدته في دواخلها . بكر الضيوف في المغادرة صباحا وهم يتهامسون اثناء الفطور واعتذروا من هيام لازعاجهم لها واشترطوا ان يأتي نشأت وزوجته لزيارتهم في حلب فوعدهم الاخير خيراً.
التفت نشأت الى والدته وهو يبحث عن تصرفاتها الغريبة معهم بعينية التقطت الوالدة الاشارة وافهمت نشأت بما يدور في عقلها وحكت له قصة اقارب زوج جارتها . واخيراً طمأنها ولدها بانه سوف لم يذهب الى حلب هو وزوجته . لا تقلقي يا اماه انتهى الموضوع , دعيني اذهب الى عملي .
وما ان حل عصر نفس اليوم حتى دخل نشأت الى دارهم وبصحبته رأفت اخية الاصغر والاثنان لا تفارق الابتسامة محياهم وسقطوا في احضان امهم ضماً وتقبيلاً . والام مرتعبة حيث لم تألف هذا المنظر من قبل الا لامر جسيم يودون طرحه . دفعتهم عنها بعيون فيها اكثر من علامة استفهام, اشارت بيدها ما الخبر ؟ ماذا جرى لكما ؟ ضحك نشأت وقال لوالدته مبروك عليك يا اماه رأفت يحب فتاة عراقية يلتقيها منذ ايام قليلة ولم يصبر عليها ويريد الزواج بها . بعد مناورات من الجانبين تم الاتفاق على خطبتها وما ان عقدوا قرانها حتى اولمت هيام في شقتها للمختار واكابر المحلة مع امام الجامع ومن يصحبونهم من خواصهم حيث تم عمل حفل زفاف بسيط نظرا لظروفهم المالية الصعبة حيث تحمل الخال غالبية النفقات والمصاريف .
وما ان مر عام كامل حتى تزوج الابن الرابع من فتاة سورية شابة جميلة عندما عشقها كالمجنون وزلزل الارض تحت الجميع باصراره على الزواج بها وتم له ما اراد تحت هذه الضغوط الهائلة . في البداية سكن رأفت واسعد مع زوجتيهما عند والدتهم . استعادة زوجة نشأت نشاطها التخريبي بين الجميع حيث مالت مع زوجة اسعد ضد زوجة رأفت العراقية. ولكم ان تتخيلوا كم المشاكل التي حدثت وحالة الفوضى والارتباك الذين عانه منها الجميع .
للتخلص من نشأت وزوجته استدانت هيام من اخيها مبلغا لا يستهان به من المال وساعدت على تهريب نشأت الى تركيا ومنها الى بلغاريا . والاستقرار هناك ريثما يرسل بطلب زوجته . وكان لها ما ارادت وبعد شهرين تقريبا وصل نشأت الى صوفيا عاصمة بلغاريا وطلب اللجوء السياسي حاكيا لهم ملابسات اعدام والده الا انهم بعد اشهر قليلة منحوه صفة اللجوء الانساني .
بدت هيام كمحارب الكنفو بين كناتها اللائي ما انفكن يخلقن لها المشاكل لاتفه الاسباب تم استدعاء الخال لفض نزاع كبير بين زوجة رأفت وزوجة نشأت . وكان عراكا عنيفا بالايادي وحين بدأ الخال يحقق في اسباب الامر سقطت زوجة نشأت ارضاً ولم تحرك ساكنا . اخذها الخال مع العمة الى اقرب مشفى للطواري وتبين انها حامل في شهرها الثالث فتغيرت الامور حين عودتهم الى الشقة , اخذ الخال معه رأفت وزوجته ليمكثا معه بعض الوقت لحين تدبير شقة مؤجرة لهما .
بعد اشهر طويلة انفصل رأفت عن خاله وسكن في شقة هو وزوجته واستقل عن جميع افراد العائلة رافق فيها اصدقاء السوء ذوي الكسب السريع والاتجار بالممنوعات , انكشف امره فقرر اصدقائه تهريبه مع بعض المواد الممنوعة الى شمال العراق . وكان له ما اراد وظن للوهلة الاولى انه نجا من المسائلة القانونية , حيث تم ادراج اسمه في قائمة المطلوبين لدى السلطات السورية ,
ما ان وطأة اقدام رأفت الاراضي العراقية مجتازا منطقة ابراهيم الخليل حتى قبضت عليه السلطات الحدودية لحيازته سلاح بدون ترخيص كان قد خبأها في جيب خاص في حقيبة سفره في مدينة ماردين الحدودية في تركيا بحسب اتفاق مسبق بينه وشلة السوء.
تمت محاكمة رأفت في محاكم كردستان العراق في اربيل واعترف بجرمه المشهود وبعد تقديم الادلة العينية حكمت عليه المحكمة بالسجن لمدة ثلاث سنوات . انتهى الامر بعودة زوجته من سوريا الى اهلها في جنوب العراق . واسدل الستار على رأفت وعائلته خصوصا انه انجب طفلتان رائعتان غاية في الجمال , ذهبت الطفلتان مع امهما الى العراق.
رزقت هيام بحفيد من ولدها البكر نشأت وعمره الان سنتان تقريبا كان طفلا جميلا بحق ومدللاً من قبل الجدة هيام بشكل لا يوصف ولا يصدق, عانت هيام خلال هذه السنتين المر من الامور الحياتية الصعبة والضائقة المالية تعصف بها مما اضطرها للعمل في صالون لحلاقة النساء يدر عليها موردا لابأس به وفرت من خلال مدخراتها لسداد دين اخيها وادخرت بعض المال لتهريب زوجة نشأت وطفلها الى صوفيا حيث يقيم ابنها نشأت بعد ان تحسنت احواله ومارس مهنة الجزارة عن جدارة .
وصلت اوراق ( لم الشمل ) لزوجة نشأت وولدها بعد ان تمت الموافقات الاصولية الرسمية , تنفست هيام الصعداء لسفر كنتها وولدها بشكل قانوني واصولي حيث كانت تخشى على حفيدها من نوائب الدهر اذا ما هاجرا بصورة غير مشروعة . تم السفر من سوريا الى لبنان ومن السفارة البلغارية في لبنان استلمت اوراقها الخاصة بفيزة لم الشمل واتجهت الى مطار بيروت ثم الى مطار صوفيا مباشرةً, حيث التقت بزوجها بعد فراق ما يقارب الثلاث سنوات , اتصل نشأت بوالدته وبارك لها على سلامة وصول زوجته وانه جاد فعلاً في جلب الجميع الى صوفيا بلغاريا .
ازدهر عمل هيام في الصالون واصبح لها معارف كثيرة من علي القوم واكابرهم من النساء فكانوا يضاعفون لها الاجر عندما علموا بكفاحها المرير من اجل حياة كريمة, وعلموا اخيراً انها عزيز قوم ذل . تمكنت من ادخار مبلغاً لا بأس به خلال سنة تقريباً , بحثت مع ولدها اسعد بخصوص هجرته للالتحاق باخيه الا ان زوجة اسعد الفتاة الشابة السورية رفضت الهجرة وكذلك كان حال اهلها .
اسعد وخاله استطاعا ان يقنعا هيام بترتيب امورها لسفرها الى صوفيا وتم التفاهم مع نشأت لعمل فيزة لم الشمل لوالدته فوافق من فوره وطار فرحا بهذا الخبر السار لتعلقه الشديد بوالدته التي يحبها حباً جما.
قدم نشأت اوراق الفيزة وبعد انتظار ثلاثة اشهر كانت النتيجة الرفض, فلم يبقى امام هيام خيار آخر غير اختيار السفر بتهريبها من تركيا الى بلغاريا حيث انهما دولتان حدوديتان لا تفصلهما سوى غابة صغيرة ممكن ان تقطعها هيام سيراً على الاقدام لمدة قد تصل من 4 – 6 ساعات على اكثر تقدير.
سوت هيام امورها وودعت ولدها وخاله , سافرت الى تركيا عن طريق شمال سوريا ( تهريب ) مكثت ليلة في احد القرى التركية الكردية المتاخمة للحدود السورية , اتصل بها جماعة من المهربين بحسب اتفاق مسبق فاخذوها الى استانبول مكثت ثلاثة ايام في احد ضواحيها حتى يكتمل العدد اللازم لتهريبهم معاً الى صوفيا , وقامت جماعة اخرى باصطحاب الجميع بعد ان اكتمل العدد اللازم وسفروهم الى ادرنة الحدودية . ومن هناك تم استلامهم من قبل جماعة اخرى مختصين بطرق الغابة الحدودية الكثيفة وشعابها.
كان توقيت الوصول الى الغابة ليلا منعا من مشاهدتهم من قبل حرس الحدود بدورياتهم السيارة التي تمخر الحدود ذهابا وايابا بحثا عن المهربين ومجتازي الحدود بصورة غير شرعية . تم اجتياز الغابة من الطرف التركي بسلام وعبروا الاسلاك الشائكة المكثفة بواسطة نفق ترابي معمول سرا مسبقا لهذا الغرض فاصبح الجميع وعددهم 13 شخصا فيهم النساء والصبايا والصبيان في الطرف البلغاري من الغابة , تم حث الجميع المسير بملابسهم الداكنة وعندما يسمعون صوت ما ينبطحون ارضا ولا يبالون اين يرمون اجسادهم من شدة الظلام الحالك .
كان من الطبيعي ان يأخذ الخوف منهم مأخذه وهم في حالة رعب ورهبة شديدين لعلمهم ان الغابة مليئة بالحيوانات المفترسة والدواب الزاحفة مثل الافاعي وغيرها, فجأة نال الذهول الجميع حين وطأت اقدامهم طريقا معبدا بالاسفلت فتنفسوا الصعداء لقرب وصولهم بسلام وآمان , ولم تحدث لهم اية مشاكل في رحلة الرعب والخوف ولربما الموت .
ساروا بضعة عشرات من الامتار فاذا باضواء كشافة تفاجئهم من الامام فهرب الرجال بسرعة البرق باتجاهات مختلفة والمهربين هربوا عائدين الى الحدود التركية عبر الغابة , وما ان اقتربت سيارة دورية الحدود وعلى متنها اربعة افراد من البوليس حتى وجدوا النساء فقط والصبايا ورجل كبير في السن نسبيا.
نادوا على زملائهم في المخفر وبعد وقت قصير اتت سيارة كبيرة نوع باص فاقتادت الجميع الى المخفر ومن الطبيعي ان تكون هيام من ضمن النساء اللائي تم توقيفهن , قضت هيام اربعة اشهر في المخفر الحدودي وهي الفترة التي استغرقتها اوراقهم التبليغية وتقرر نقلهم الى دائرة الهجرة والجوازات حيث الحقوا الجميع في معسكر للمهاجرين في ضواحي العاصمة صوفيا.
تم ابلاغ الجميع في المجمع السكني (الكمب) من له عنوان قريب له ان يخلي المجمع او يتم تسفيره الى بلده نظرا للزخم الحاصل في المجمع السكني الخاص باللاجئين . عندها انتهز نشأت هذه الفرصة الذهبية وقدم عن طريق البلدية عنوان لوالدته باعتبارها امه تسكن معه وعلى ضوء هذه المستجدات تم قبول طلب اللجوء الانساني لهيام في حين سفروا جماعتها من العراقيين الى العراق حيث تم منحها الاقامة الدائمية , فالتحقت بولدها نشأت .
في ذات عصر يوم جميل تلقيت اتصالاً من صديقي الحميم ابو سيف يدعوني فيه وزوجتي لتناول طعام الغداء في مطعمه الصغير الكائن في شارع العرب في وسط العاصمة البلغارية صوفيا . تم تلبية النداء الهاتفي وحضرنا الى المطعم في موعد الغداء المحدد . بعد الترحيب الحار من قبل صديقي ابو سيف وزوجته المصون اللذان يديران مطعهما بنفسيهما .
كان المطعم صغيراً جداً يتكون من ثلاث طوابق السرداب استعمل لخزن مواد واثاث تخص المطعم والطابق الارضي وضعت فيه اربع مناضد كل منضدة تحتوي على اربعة كراسي . اما الطابق الثاني خصص كمطبخ , يوجد محجر صغير في المطبخ يطل منه الطباخ لتلبية متطلبات الزبائن
بينما نحن جلوس اطلت علينا صاحبة المطعم وهي تحفزنا على الانتظار حتى ناكل جميعاً معاً سمكاً مشوياً عمل خصيصاً لنا لكوني من هواة اكل السمك المسكوف وهم يعلمون ذلك جيدا . بينما كنت اتحاور مع زوجتي في شؤون عائلية خاصة . تقدمت نحونا امراءة اربعينية غاية في الروعة والجمال بيدها صحن كبير من السًلطة وضعته امامنا بعد ان حيتنا بتحية فيها الكثير من الحب والامان والاطمئنان حتى انستنا موضوعنا الذي كنا نناقشه انا وزوجتي .
قلت لزوجتي هذه هي مساعدة الطباخ الجديدة على ما يبدوا , هل شاهدت مثل هذا الجمال من قبل .؟ من المؤسف تعمل هذه المراءة كنادلة وتقديم الطعام للزبائن .! يالجمالها الاخاذ , انتبهت لنفسي اني احادث زوجتي وهي انثى كباقي الاناث قد يجرحها كلامي نوع ما , لم تحر زوجتي جواباً ولم تعقب على بلاهتي وفقدان اتزاني حين رأيت هذه المراءة الرائعة ,
اتت بالملاعق والشوك ودست بعض المقبلات الاخرى في اماكنها المخصصة والابتسامة لا تفارق محياها , دفعني الفضول لسؤالها من انت .؟ وما اسمك .؟ احابت انا اسمي هيام وينادوا عليً ام نشأت . شكرت حسن تصرفي معها وانصرفت . في لقاءات اخرى وفي ذات المطعم الصغير بقلب صاحبه الكبير توطت علاقتي مع هيام واصبحنا نتبادل ادوار الاحترام والاعجاب خصوصاً بعد ان ذكرت لها باني مدير نادي للقصة القصيرة على احد مراكز التواصل الاجتماعي الفيسبوك . اخذت تسرد على مسامعي قصتها وانا ادونها لكم يوما بيوم مثلما تقرؤنها الآن .
استطاعت هيام ان تعمل باحد المطاعم العربية في العاصمة صوفيا بصفة طباخة باجر مقبول يكفل لها عيشة كريمة واستمرت في هذا العمل سنتين بعدها استطاعت شراء مطعم صغير للاكلات السريعة في ضواحي صوفيا و, اخذت تدير المطعم مع ولدها نشأت , تحسنت الاحوال اشتروا سيارة صالون لاغراض التسوق للمطعم ولاغراضهم الشخصية ايضاً,
تم جلب الاخ الاصغر الى صوفيا بلغاريا عن طريق التهريب ومنح اخيرا الاقامة بموجب عنوان امه واخيه فاستقر في بلغاريا كل من هيام وعائلة نشأت والاخ الاصغر . وهنا بدأت صفحة جديدة بعد نجاح عملهم فاشتروا مطعما كبيرا ذو مقاعد ومناضد للزبائن واعطوا الكافتيرا ( المطعم الصغير ) للولد الآخر واشترى هو ايضا سيارة واستقل باعماله . ابتسمت الحياة من جديد لهيام ولكن غصة سجن ابنها في العراق لا يزال يورقها ونكد ومشاغبات زوجة نشأت لم تنقطع عنها يوماً .
الفت هيام هذه الحياة وكل قوي للزمان يلين , تم اكتشاف امر جلل زلزل الارض تحت اقدامها بزواج نشأت من موظفته المحاسبة في المطعم وهي بلغارية الجنسية فوضع نشأت بكل بلادة امره بيد القانون البلغاري الذي يميل مع المرأة ويعطيها نصف حقوق الملكية من المال المدخر في البنوك والبيت والسيارة واي شيء آخر تتناصفه معه بموجب القانون .
دفعت الزوجة الاولى ثمن غطرستها ومشاكساتها وعدم اهتمامها بزوجها الثمن غالياً . فاصبح نشأت بين شرين اهونهما مر, اراد التخلص وتلقين زوجته الاولى درسا في الاخلاق والعلاقة الزوجية الحميمة فاسقط نفسه في وحل القانون البلغاري الصارم تجاه حقوق الزوجية . والادهى من هذا وذاك تزوج الولد الاصغر من فتاة بلغارية تعرف عليها اثناء التسوق لمطعمه واقترن بها بزواج مدني فقط لا غير دون تصديق من المحكمة مثلما فعل اخية الاكبر نشأت . وهو مالم ترضاه الام لولدها .
ادت هذه المفارقات خلال الشهور المنصرمة الى خروج الاخ الاصغر من البيت والاستقلال بنفسه مع زوجته الجديدة طبعا باصرار شديد من الزوجة البلغارية الشابة , وهجر نشأت زوجته واستقل مع الثانية في شقة قريبة من مقر عمله في ضواحي صوفيا . حينها قررت هيام العودة مع زوجة نشأت والحفيد الى صوفيا حيث استأجرت شقة صغيرة تحت الارض ( بدروم) بايجار زهيد . كانت ما تجنيه من المال يساعدها على سداد ايجارها ومصاريف الكهرباء الغالية مع الماء والانترنيت وقوائم الهواتف . وتدخر نصف اجرها في البنك تودعه في كل اسبوع. استمرت في العمل لمدة عام كامل واشتهرت في الحي العربي من صوفيا كافضل طباخة عرفوها يوماً . واكتسبت سريعا سمعة مهنية ممتازة وسمعة اخلاقية لا غبار عليها فاحبها الجميع واحبتهم ايضا .
استقلت هيام في عملها عن ولديها وحولت شقة البدروم الى مطعم يتسع لتسع مناضد طعام زجاجية يحيط بكل منها اربعة كراسي من الجلد الفاخر وتم عمل قواطع وحواجز وسقوف ثانوية وفق احدث التصاميم العصرية حيث استخدمت شركة ضليعة بتجميل المباني والفنادق والمطعام . وضعت فيه جميع ما ادخرته خلال عام مضي من العمل .
نظرا لسلوكها المحبب لدى الجميع واتقانها عدت لغات شرقية وثلاث لهجات قومية عراقية صرفة اضافة الى العربية , مما جعل زبائنها متنوعي الثقافات وباتقانها اللغة البلغارية بشكل جيد وشهرة اسمها في عالم الطبخ الشرقي كل هذه الامور جعلت من هيام ان ترتقي سلم الشهرة المحلية في صوفيا من قبل جميع الطوائف والمذاهب والاديان .
استمرت هيام في نجاحها واستقرار حالها وصفاء ذهنها فابدعت بعبقريتها وساعدت في نجاح اولادها رغم ظروف الحياة الصعبة حيث استقر كل منهم في عمله متسيد عائلته حامدا شاكرا الله مما رزقه واسدل الستار على واحدة من رائعات الشعب العراقي التي تجاوزت المعقول في صبرها وتقلبات حياتها واخيرا الوقوف على اقدامها بعد كبوات وكبوات لا يتحملها اعتى الرجال , تحية خاصة لك سيدتي الفاضلة ولكل انسانه رائعة استطاعت الصمود تجاه دوامات الحياة العكسية واستطاعت ان تعطي للانسانية معاني كثيرة قولا وعملا عجزت عنه الحكماء .
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2852
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى