*قصص قصيرة : هيام هيام - الجزء الثاني

اذهب الى الأسفل

*قصص قصيرة : هيام هيام - الجزء الثاني

مُساهمة  طارق فتحي في الخميس أغسطس 02, 2018 10:40 pm

هيام هيام - الجزء الثاني
بعد ان قضى خالد منها وطره ارتدى ملابسه على عجل  وغادر غرفته الى خارج الدار . في صباح اليوم التالي اوصلها عمها الى بيت ابيها  لزيارتهم بسبب اشتياقها لابويها  كان في نية هيام ان لا تعود لزوجها مرة ثانية لاسباب كثيرة ولكن المشكلة هنا هي كيف تتخلص من جبروته وجنونه وطغيانه باقل الخسائر الممكنة . مر شهر واثنان وثلاثة . لم يأتي احدا لاعادتها  الى دار الزوجية . عندها نالها مرض مفاجيء جعل حالتها النفسية والجسدية غير مستقرة.
في صباح احد الايام ذهبوا بها الى المركز الصحي القريب من قريتها . وهنا كانت المفاجئة هيام حامل في شهرها الثاني . اطمأن الاهل على ان مرضها المفاجيء لم يكن سوى حملها بجنين في احشائها  وحمدوا  الله وشكروه على نعمه التي لا تنقطع . هيام هي الشخص الوحيد التي لم تسر للخبر كما الجميع . ولا تريد ان يعلم زوجها بخبر حملها للتخلص من الجنين في اقرب فرصة ممكنة . ومن اين يتاتى لها ذلك وهم يعيشون في قرية صغيرة يعرف بعضهم البعض جيدا .
انتشر خبر حمل هيام في القرية كانتشار النار في الهشيم , فشلت خطط هيام للتخلص من الجنين خوفا من بطش زوجها بها ان علم ذلك , حيث ان من المؤكد وصلت اخبار الحمل اليه بصورة او باخرى بواسطة عيونه وجواسيسه المبثوثة  في كل مكان ليس في قريتها وحسب بل في القرى المجاورة ايضاً .
مرت الاشهر التسعة بسلام وهيام لازالت عند ابويها . ولم يزورها خلال هذه الفترة الطويلة سوى عمها , زارها مرتين او ثلاثة . وضعت مولودا ذكرا غاية في الحسن والجمال , مكثت عند اهلها حتى بلغ جنينها عامه الثاني . تم سماع اصوات دربكة في الخارج وابوا ب سيارات تفتح وتغلق واصوات منبهات مبعثرة من هنا وهناك وطرق خفيف ومتسارع على باب دار هيام .
قفز الاب كالارنب المذعور ليتبين الامر فاذا برئيسة اتحاد النساء شقيقة الرفيق خالد حضرت وبرفقتها ثلاث سيارات اخرى محملة بهدايا عبارة عن ملابس ولوازم للطفل . رحب والد هيام  بالضيفة ادخلها على جناح السرعة مع ضيوفها الصالة . اعلموا هيام بامر الضيوف كانت ترفض مقابلتهم بشدة وتحت وطأة توسلات ابيها وامها المسكينة التي ارتمت على يدي ابنتها تقبلهما وتوسلها بمعسول الكلام .
اشار اخويها الى ضرورة مقابلتهم واطاعة امر شقيقة زوجها تجنباً  لامر قد لا يحمد عقباها  واخيرا رضخت تحت توسلات عائلتها وقابلت الجميع في غرفة الضيوف ببرود باد للعيان وانتهى الامر باصطحابها الى بيتها كانها  تزف من جديد .
مكثت ما يقارب السنتان عند اهل زوجها حتى فاجئها الرفيق خالد زوجها بالانتهاء من اللمسات الاخيرة  من بناء  دار لها في منطقة الدورة في العاصمة العراقية بغداد . مع ان مثل هذه الاخبار حلم لدى كثير من الزوجات في ذلك الزمان الا ان الخبر لم يهز شعره واحدة من راس هيام . وقالت له مبروك بكل برود تجنباً لسماع الالفاظ  النابية فيما لو لم تعبر عن مشاعرها وتتملقه  بشكل جيد .
انتقلت الى دارها الجديدة والحزن باد على محياها  فهي بعيدة كل البعد عن قريتها مسقط راسها وعن ذويها امها وابيها واخوتها . اخذ خالد يتردد على الدار بشكل شبه يومي بحسب وظيفته الجديدة في العاصمة بغداد . مكث معها في بادي الامر احد اخوتها وكان يعمل سائق شاحنة على خط  بغداد – عمان لنقل البضائع والمواد الغذائية . واحيانا كثيرة كان يسافر الى الشام بشاحنته لنفس الغرض .
كانت هيام مدلله من قبل اخيها فهو يوفر لها جميع متطلباتها من الطعام والملبس وغير ذلك, مرت سنتان وهم على هذه الحال الا ان الرفيق خالد كان ممتعضا بعض الشيء من اخيها بسبب جلبه للطعام والملابس لاخته دون مشورته . تلقى شقيقها الاشارة وفهم منها العبارة فانقطع عن جلب الاشياء لاخته واصبحت زيارته متقطعة بعض الشيء اي اصبحت بالاشهر
تم زف خبر حمل هيام بجنينها الثاني وهي على وشك الوضع والولادة الى اهلها بواسطة اخيها . اتي ابويها ليمكثا معها حينا من الزمن حتى تضع هيام حملها وتتعدى ايام النفاس الاربعين . وضعت هيام جنينها الثاني وكان ذكرا جميلا  كاخي الاكبر . عم الفرح والسرور ابويها الا ان زوجها  لم يكترث للامر كثيراً ولما شكت هيام ذلك لابيها قال لها يا ابنتي ان زوجك من علىِ القوم واكابرهم  ووظيفته الجديدة تاخذ منه كل وقته  لم يلتفت الى هذه الامور العاطفية الا ما ندر . اقتنعت هيام بكلام ابيها والتزمت الصمت .
اصبح الجنين في شهره الثالث حين غادرها ابويها الى قريتهم في محافظة ديالى . اجترت همومها بحسرات واهات مؤلمة مع انها غارقة في العز من الجاه والمال والذهب والفضة الا انها كانت تبحث عبثا عن الكلمة الطيبة حنان الحب الدافيء في احصان زوجها . بل كانت كالاسيرة وهي مرتمية في احضانه لا تنبس ببنت شفة خوفا ورعبا ان ينقلب عليها فجأةً كمارد جبار ويكيل لها سيل من السباب والشتائم والضرب في اكثر الاحيان .
رومانسية هيام جعلتها تعيش في مأساة  واقعية هي من رسمت اكثر خطوطه  ولانها  كانت دائما تبحث عن احلامها الضائعة وجدت نفسها تعيش على هامش الحياة  في كل امورها حتى بادت كتمثال من الشمع اللطيف ليس فيه اي احساس او حركة تدل على معنى معين . هذا الجمود جعلها تعيش في عالم آخر يتسم بالخيال والقفز على ماورائيات الطبيعة تغذيها الاحلام الجميلة العذبة في ليلة صيف قائض .
مرت عشر سنوات بالتمام والكمال على زواج هيام  من الرفيق خالد انجبت له اربع اولاد ذكور لا يقلون وسامة عن ابيهم  ولا جمالا عن والدتهم , كان الصغير بعمر عامين فقط, احس خالد من وطأة الامر عليه . الاولاد اصبحت  متطلباتهم كثيرة اضافة الا انهم غير مهتمين بدراستهم اضف الى ذلك جمود وبرود الام في علاقتها معه , مع تقدمه في السن اصبح اكثر قسوة ولا مبالات تجاه عائلته التي اخذت تكبر يوما بعد يوم عاما بعد عام .
تقلد خالد مناصب رفيعة  في الحزب والدولة وكبرت في راسه المجنون ان ينافس رئيس البلاد ورئيس وزرائه  فانخرط  مع شلة من الاصحاب في مؤامرة لقلب نظام الحكم والاستيلاء على السلطة . وضع كمين محكم للمتأمرين وتم القاء القبض عليهم واعدموا جميعاً بلا رأفة او رحمة بتهمة العبث بامن الدولة وسيادتها بموجب  قانون الطواري المعمول به في البلد آنذاك.
اخذت السلطات الامنية تطارد من له علاقة بالمتآمرين من ذويهم حتى الدرجة الرابعة او ربما  السابعة ولم يكتفوا بذلك حتى  اخذوا يترقبون بعيون بوليسية تحركات عشائرهم وغيرها من المضايقات الرسمية وشبه الرسمية . وتأليب بعض العشائر على بعض من ذوي المعدومين , وكانت التهمة هي التجسس على مصالح البلد لصالح دولة اجنبية عدوة في حالة حرب مع العراق ونقل اسرار البلد  للعدو القريب جدا من الحدود .
بقيت هيام قابعة في منزلها لم يتعرض لها احد لا من السلطة الحاكمة ولا من رجال الحزب  المنبثين في كل مكان . استقر الامر عندها ان زوجها  لم يخبر احدا بزواجه منها ولا ببيته الجديد حيث تسكن عائلته . الا ان ذلك يبقى غير مطمأناً  لقلبها . ما ان زارها اخيها في احد زياراته حتى اخبرته بالقصة الكاملة لما جرى لزوجها واصحابه . قالت بالحرف الواحد هذا ما اخبرني به عمي والد زوجي ولا احد يعلم بالامر حتى بعد القضاء على رجال المؤامرة واعدامهم سراً وخلسة .
طمأنها شقيقها قال لها سأدبر لك امر خروجك من البلاد الى عمان تهريبا في شاحنتي . لاني لن اتمكن من استخراج جواز عراقي لكم خشية من افتضاح امركم وحصول ما اخشاه عليكم جميعا . جلب لها بعض الاشياء من الطعام . قال لها انتظريني الاسبوع القادم عند عودتي من عمان لارى ما يمكنني عمله لك . وهناك احتمال كبير اني مراقب في الحدود ايضا سوف ارسل لك احد سواق الشاحنات من عاصمة المملكة الاردنية الهاشمية عمان .
القى عليها تحية الوداع مع بعض النصائح المهمة في الوقت الحرج لسلامتها وسلامة اطفالها. انصرف عنها وملاْ شاحنته بالمواد الغذائية من التمور العراقية الطازجة بحسب المنافيست المعمول به بين العاصمتين بغداد – عمان وبشكل رسمي واصولي . وصل الى الحدود العراقية الاردنية والرعب يتملكه من راسه حتى اخمص قدمية . اتى بعض حرس الحدود ليخبروه  ان عليه ان يترجل من الشاحنة  لمقابلة السيد المدير ضابط الحدود  لامر يجهلونه.
لملم اوراقه الرسمية على عجل ليضعها في حقيبة صغيرة مرمية امامه على (الدشبول) واستخرج كل اوراق المنافيست التي بحوزته خشية ان يطلبها ضابط الحدود . ترجل من سيارته ونفض عنه بعض الغبار العالق عليه من الطريق الصحرواي الذي اجتازه من ساعات قليلة .
عندما احس ان هيئته قد رتبت نوع ما قدم الى  الدائرة مجتازا رصيف الشحن تاركا شاحنته فوق القبان لوزن حمولته والتأكد من المعلومات المدرجة في المنافيست ومطابقتها مع البضاعة الموجودة في داخل الشاحنة كانت عبارة عن صناديق من التمور العراقية الطازجة . استقبله في ممر الدائرة ضابط  برتبة ملازم ثاني وسأله عن وجهته ولما علم منه ان مدير الدائرة طلبه لامر ما . قال له الملازم انتظر هنا فالسيد المدير يؤدي صلاة العصر الان وعند الفراغ من الصلاة ساعلمه ان كان يريد مقابلتك فعلا ام لا . بالمناسبة من الذي اخبرك بهذا الكلام رد عليه السائق احد حرس الحدود سيدي . لم يرد اكتفى بهز رأسه , قال سنرى ذلك بعد قليل .
ارتعدت اوصال السائق لهذا الموقف الغريب والعجيب الذي يحدث معه لاول مرة فهو خلال سني الحرب قاطعا المسافة ذاتها رواحا ومجيئا عشرات المرات لم يوقفه احد مثلما يفعلون الان . ومر من امامة شريط  حديث شقيقته هيام بالصوت والصورة . مما زاد عنده حدة الخوف والتوتر  والوجل لما ستؤل اليه الدقائق القليلة القادمة . جف حلقه ونشف ريقه تقدم خطوات قليلة استوقفه ذات الضابط  الملازم . ما خطبك ماذا تريد .؟ اني عطشان اريد شربة ماء , ممنوع عليك الدخول انتظر قليل وسنلبي لك طلبك .
احس بالغصة تخنقه ولام نفسه كثيرا بسبب عطشه وتمنى لو لم يكلم الملازم لسماعه ما لا يسره . مصطفى  سالم  جواد ..نعم .. نعم.. انه انا , تفضل السيد المدير يطلبك , تقدم الملازم من سكرتير المدير وطلب منه الافصاح عن سبب طلب المدير للسائق الا ان الاخير لم يعره اهتماما واكتفى بقوله لا اعلم لم يخبرني سيدي بشيء . دفع الفضول بالملازم اخذ يتفحص الاوراق الخاصة بمصطفى شقيق هيام بفضول عجيب وبكبرياء واضحة جدا رمى الاوراق على صدر مصطفى واشار بيده للدخول على السيد المدير .
سمع مصطفى صوت ضرب حذاء بقوة على الارض اهتزت لها اركان الغرفة مع عبارة نعم سيدي حضر السائق وهو واقف ببابكم سيدي .  طيب ادخله الان . في هذه اللحظات المحرجة نسي مصطفى عطشه وجوعه وانهياره النفسي والافكار السوداء تتقاذفه كريشة طائر في مهب الريح . دخل يقدم رجل ويؤخر اخرى . اصبح وجها لوجه امام السيد مدير الحدود وقف كالصنم لا يتحرك لا يتكلم بينما المدير منغمسا في توقيع بعض الاوراق التي امامه مرت دقيقة او اثنتان ببطيء حسبها مصطفى الدهر كله . اخيرا رفع السيد المدير رأسه مخترقا بنظراته  السائق من قمة راسه حتى اخمص قديمة . صرخ به عالياً انت مصطفى سالم جواد .
انت مصطفى سالم جواد صرخ به عاليا مدير مخفر الوليد الحدودي . نعم سيدي انا هو . هل بضاعتك في الشاحنة  مطابقة  للمواصفات التي اقراها امامي في المنافيست , وقبل ان يجيب اردفه قائلاً لا تكذب علي لاني سوف افتش شاحنتك . هز راسه بالقبول , نعم سيدي مطابقة للمواصفات ولا مانع عندي من تفتيش الشاحنة . اطرق النقيب راسه مليا ليستعرض فقرات المواد المذكورة امامه واذا بالسيد الرائد يدخل عليهما من غرفة داخليه ,
آه مصطفى مرة اخرى مابك اليوم حاضراً في الادارة .؟ رد عليه النقيب سيدي , قاطعه الرائد لا عليك هذا مصطفى العراقي  من مدمني طريق بغداد – عمان منذ اكثر من عشر سنوات , اعرفه جيدا لحسن سيرته وسلوكه مع الجميع . تناول السيد الرائد المنافيست من يد النقيب  والقى عليه نظرة سريعة ثم اردف السائق قائلا . هل جلبت لنا تمور عراقية فاخرة وطازجة , نعم سيدي بالتاكيد انها موضوعة بجانبي في قمرة القيادة .
ما كميتها .؟ سيدي انهما صندوقان صغيران كل صندوق يحتوي على خمسة وعشرون كيلوا غرام من افضل انواع التمور , طيب سناخذ صندوقا ونترك الاخر لك اذا كنت لا تمانع , فرح السائق كثيرا بطلب السيد الرائد , ارسل معه اثنان من حرس الحدود اخذا الصندوق من قمرة القيادة وانصرف الجميع كل الى حال سبيله .
نفس السيناريو تكرر عند مخفر الحدود الاردنية سلمهم الصندوق الثاني وانصرف الى وجهته منطقة الزرقاء  قرب العاصمة عمان . بعد ساعات وصل وجهته . سجل حمولته وتناول عشائه وخلد الى النوم مبكرا بعد اخذ منه التعب والنصب مأخذه اضافة الى الهواجس التي انتابته طوال الطريق حين قدومه من بغداد الى عمان . وبالتالي استسلم لنوم عميق لم يوقظه الا صياح الديكة معلنة بزوغ فجر يوم جديد .
عاد ثانية الى شاحنته ليجد ان الحمولة فرغت بالكامل في برادات متحركة وجدت خصيصا لهذا الغرض , تسامر قليلا مع من يعرفهم من سواق الطريق , اكمل فطوره معهم وقفل عائدا مع احدهم الى العاصمة عمان حيث مقر بيت صديقة المخلص ابو عاطف . رحب به الاخير وحمد له سلامة الوصول اذ كان هذا الخط يعتبر من اخطر خطوط النقل ابان الحرب العراقية – الايرانية . لما تقع فيه من حوادث السلب والنهب في غفلة عن اعين الحكومة والدول وعلى الاخص في الكيلو 160 من الطريق الصحراوي .
تناول غدائه في دار صديقه الوفي وخرج الاثنان الى احد المقاهي الموجودة في وسط البلد لامر طاريء كما اخبره مصطفى . شرح له لاحقاً في المقهى موضوع شقيقته هيام بالتفصيل الممل , في الحقيقة كان ابو عاطف مستمعاً جيدا , انتظر الى حين اكمل رفيقه الكلام وبعد الانتهاء من سرد حكاية هيام واولادها الاربعة . اجابه ابو عاطف بان لا عليه ان يحزن وان الامر بسيط جداً . سوف اذهب انا مع شاحنتي الى بغداد واجلبهما لك , ولكن علينا ان نتدبر الامر بشكل جيد.
كلي اذان صاغية ابو عاطف اامرني وساكون طوع بنانك ان شاء الله . علينا ان نعمل خزان وقود اضافي تحت الشاحنة ويكون كبير نسبيا ليستوعب المرأة واطفالها بعد ان يتم فرشه بفرش بسيطة , وبعد الانتهاء من عمل الخزان سوف يكون لنا حديث آخر, نهضوا من المقهى مروا باحد الاسواق اشترى مصطفى بعض الهدايا للاطفال معتذرا من صديقه عدم جلبها من بغداد للظروف الامنية التي كانت تحيط  بالعاصمة بغداد .
عاد الاثنان قبل غروب الشمس بقليل وبعد ان اديا صلاة المغرب تقدموا الى سفرة موضوعة على ارض مفروشة في صالة الشقة الصغيرة حيت تناول الجميع العشاء وبات شقيق هيام عندهم هذه الليلة للذهاب معا في صباح اليوم التالي لانجاز ما فكروا فيه في المقهى . وما ان حل صباح اليوم التالي حتى اخذ الاثنان وجهتهما الى المنطقة الصناعية الخاصة بالشاحنات , بعد مرور ثلاثة ايام تم اكمال الخزان وتم ربطه باحكام تحت شاحنة ابو عاطف الكبيرة .
ارى ان المهمة قد انجزت لنضع خطة محكمة لاخراج  المرأة واولادها ,هذا ما قاله ابو عاطف لصديقه الذي كان منحنيا بقوة مطأطاً راسه لتفحص الخزان الجديد , اجابه من تحت الشاحنة ..نعم .. نعم . ان الخزان مصنوع بصورة جيدة يستطيع ان يصمد مع الاولاد طول الطريق .
ما هذا الذي تقوله يا صديقي .؟ اني سوف اخبئهم قبل الحدود بقليل انسيت ان الخزان يكون ساخنا بعض الشيء لقربه من (شاصي) الشاحنة السفلي  ملاصقا لعادم الوقود الذي هو اصلا ينفذ حرارة عالية اثناء سير الشاحنة . انتظر الجميع اسبوعا كاملا ريثما وصل تسلسل نقل الحمولات والبضائع الى ابو عاطف . استلم تفاصيل دقيقة عن عنوان هيام  في منطقة الدورة واعطاه ما يثبت انه هو الشخص المعني  لتتأكد هيام انه هو نفسه الشخص الذي  وعدها اخيها به لاخراجهم بآمان من بغداد .
انطلق عاطف ببضاعته على بركة الله وما ان وصل الى الحدود الاردنية بعد ساعات قلائل من انطلاقته حتى تم ايقافه في مخفر الحدود بين البلدين بسبب زيادة الوزن , اخبرهم انه عمل خزان اضافي لوقود الديزل التي تعمل به الشاحنة  , اذ ان شاحنته هي الوحيدة  التي لم يتلاعب بها باضافة خزان للوقود من بين جميع الشاحنات , ادرج الوزن الاضافي في المنافيست وسلم له جواز المرور بشكل نظامي واصولي . في اقل من ساعة واحدة كان يقف على قبان الامان لوزن حمولته وبما انها جاءت مطابقة للمواصفات بعد التاكد من نوع الحمولة ووجهتها , تم التوقيع على اوراقه بشكل نظامي واصولي ايضا.
تنفس ابو عاطف الصعداء وهو يخترق الصحراء الحدودية فرحا جذلا كانه حقق انتصارا عظيما باتجاه العاصمة العراقية بغداد , تمنى ان يحدث له هذا عند عودته ثانية الى عمان بصحبة وديعته الغالية شقيقة صديقه واولادها الاربعة .
وصل ابو عاطف الى بغداد بسلام  اودع شاحنته  في كراجات اسواق (جميلة) لتفريغ بضاعته بينما قفل عائدا على جناح السرعة  الى منطقة الدورة حيث عنوان هيام . طرق الباب بكل تؤدة حتى سمع صوتها من الداخل . علم انها لا زالت موجودة ولم تتعرض لسوء طيلة فترة غياب اخيها مصطفى . اجلسته في الصالة قدمت له افطارا خفيفاً . بعد ان وضع كوبه الثاني من الشاي تحدث لها عن خطته باخراجها هي واولادها من بغداد الى عمان وضرب لها موعدا تجهز نفسها فيه .
اطمأنت هيام للرجل وعلمت انه هو المقصود لا رجال مخابرات النظام على الاخص بعد ان اعطاها  كلمة السر المتفق عليها مع اخيها . مرت خمسة ايام واعقبها يومان حان موعد اللقاء الثاني , حضر ابو عاطف في الموعد المحدد . وتم الاتفاق على الخروج  قبل المغرب بقليل وكان لهما ما ارادا . اردف ابو عاطف الجميع خلفة في قمرة الشاحنة الخلفية المخصصة للمنام وابلغهم الا يحدثوا ضجيجا او اي صوت مسموع عند مروره بنقاط  التفتيش المنتشرة  بكثرة على الطريق .
تم ايقافه في نقطة تفتيش (ابي غريب) للتأكد من زيادة الوزن وتم تلافي الامر بصعوبة بالغة بعد ان انقذه احد الضباط بتعاطفه معه ومر الامر بسلام . توقف في منتصف الطريق لتناول الطعام ولاخذ قسطاً من الراحة  لسهره الليلة الفائتة متفكرا بخطته في اخراج هيام واولاها مرت ساعة  او ربما ساعتان . ايقظته هيام . قاد شاحنته بسرعة  ليعوض التاخير فاجتاز الكليو 160 وهو اخطر جزء من الطريق لتفادي بعض قطاع الطرق الذين نادرا ما يغيرون على الشاحنات وسرقة حمولتها واذا ما قاومهم السائق يقتلونه بكل برود  وياخذون شاحنته الى جهة مجهولة ليتم تفكيكها ومن ثم بيعها اجزاء منفردة .
اقترب من منفذ طريبيل الحدودي اخذ مكانه في انتظار دوره للتفتيش امامه ما لا يقل عن عشرون شاحنه  صفت على رصيف الشارع الايمن بانتظار دورها ايضا. تقدم نصف المسافة. فتح الستارة عن غرفة منامه  في القمرة الخلفية وامر الجميع بالنزول واحدا بعد الاخر , ليخبئهم في خزان الوقود الجديد الذي عمل خصيصاً لايوائهم. حشر الاولاد واحدا بعد الاخر في الخزان وبالتالي نزلت هيام واخذت مكانها مع اولادها الاربعة . اقفل عليهم الخزان من الخارج وامرهم الا يحدثوا ضجيجاً خلال الساعة القادمة حتى يعلمهم  بأن الطريق سالكة وأمنة .
اوقفه بعض الحرس وامره بالترجل من الشاحنة اخذ يشرح فقرات بضاعته للضابط والاثنان منهمكان بالنظر الى قائمة المنافيست . تم فتح باب الشاحنة الخلفية ,صعد اثنان من الحرس للتأكد من البضاعة وبعد مرور نصف ساعة تقريبا . تاكد الجميع ان البضاعة مطابقة تماما لما موجود في المنافيست . اعطاه اوراقه وامره بالخروج من ممر التفتيش . الا ان احد حرس الحدود تكلم مع الضابط , سيدي لم يتم وزن الشاحنة بعد وانت اعطيته اشارة المغادرة , التفت الضابط الى هذا الحرس الفضولي , قال لا عليك دعه يرحل .
تسلق ابو عاطف سلم شاحنته  الصغير واخذ مكانه  خلف مقود القيادة وهو غير مصدق مروره بهذه السهولة وحمد الله وشكره في سره كثيراً . ما ان تقدم بضعة امتار حتى وقف اثنان من الحرس عند بوابة الخروج من المنفذ شاهرين سلاحهما بوجهه . توقف ظناً منه انهم سيطلعون على تاشيرة  الخروج والتاكد من تواقيع الضباط وغيرها من الامور .
احد الحراس اخذ يرسم دائرة  في الهواء بيده من بعيد كعلامة على اللف والدوران والرجوع من حيث اتى . عمل ابو عاطف نفسه انه لم يشاهد الاشارة او لم يفهما فاستمر بالتقدم الى الامام . هنا وقف الحرس مباشرة امام الشاحنة وكادوا يلمسوها . عليك ان تعود ادراجك الى نقطة التفتيش الاولى . لماذا الم تكن اوراقي سليمة ؟ لا نعلم الضابط اتصل ويريد عودتك اليه مع الشاحنة .لا تسأل كثيرا وامتثل لما تؤمر به .
عاد بشاحنته من جديد وجد الضباط في انتظاره  يحف بهم حرس الحدود, عليك ان تمر فوق قبان الامان لوزن حمولة البضاعة مع الشاحنة وهذه اوامر السيد العقيد مدير المنفذ   الحدودي. تاكد لابو عاطف ان هذا الحرس الفضولي هو من مرر الامر للعقيد مدير المنفذ . تجادل معهم قليلاً  ووجه توسلاته للسيد العقيد دون جدوى , بينما هم على هذه الحال . اذ تقدم الحرس الفضولي للعقيد ادى له التحية بحرارة , سيدي  اني سمعت صوت اطفال يأتي من تحت الشاحنة , امر العقيد الجميع الالتزام بالهدوء التام بعد ان اقترب كثيرا من الشاحنة فاذا به يسمع هو الآخر صراخ الاطفال بكل وضوح ,ابتسم ابتسامة المنتصر , التفت الى السائق , ما هذا الذي اسمع.؟ اعترف السائق بالامر وشرح للعقيد ملابسات الموضوع امره ان يفتح الصندوق ففعل واذا بهيام واولادها الاربعة منتصبين امامه وهم في حالة يرثى لها كانهم الاحياء الاموات . تم القاء القبض على ابو عاطف سائق الشاحنة ,امر الحرس باقتياد هيام واولادها الى مكتبه .
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2852
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى