* دليل المصطلحات الواردة في التنزيل الحكيم - 1

اذهب الى الأسفل

* دليل المصطلحات الواردة في التنزيل الحكيم - 1

مُساهمة  طارق فتحي في السبت نوفمبر 18, 2017 6:45 am

الكتاب: وردت مفردة كتاب في التنزيل الحكيم بمعنيين حسب منهجنا القراءاتي المعاصر، وهما:

الكتاب بمعنى مجموعة المواضيع التي جاءت إلى النبي (ص) وحياً على شكل آيات وسور، ويتضمّن كلّ ما جاء بين دفّتي المصحف من سور ابتداءً من أول سورة الفاتحة وصولاً إلى آخر سورة الناس، وهو ما نطلق عليه اسم التنزيل الحكيم لقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} (البقرة 176). ويشتمل الكتاب على كلّ من النبوّة (القرآن والسبع المثاني)، والرسالة (أمّ الكتاب وتفصيلها) وعلى تفصيل الكتاب وهي الآيات التي تمثّل فهرس الكتاب.
الكتاب بمعنى مجموعة آيات الرسالة فقط، وبهذا المعنى يشترك مع معنى الكتاب عند موسى وعيسى، فالكتاب عند موسى وعيسى هو التشريع فقط. بالنسبة إلى موسى نجده في قوله تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (البقرة 53)، وبالنسبة إلى عيسى نجده في قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} (آل عمران 48). وبهذا يشترك المؤمنون من أمّة محمّد (ص) مع اليهود والنصارى في كونهم من أهل الكتاب أيضا.
وقد جاء الكتاب بالمعنيين الأول والثاني في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ..} (آل عمران 7). فمصطلح الكتاب الوارد في المرة الأول جاء بمعنى الكتاب كله، وفي المرّة الثانية جاء بمعنى الرسالة فقط أي كتاب التشريع فقط.

الذِكر: هو الصيغة اللغوية المنطوقة والمتعبَّد بها لكل آيات الكتاب بغضّ النظر عن فهم محتواها، وهي الصيغة التي تعهّد الله بحفظها لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر 19). كما أنّ للذكر معانيَ أخرى وردت في التنزيل الحكيم.

القرآن: يمثّل القرآن نبوّة محمّد (ص) لهذا ذُكر مع كلّ من التوراة والإنجيل في قوله تعالى: {… وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ…} (التوبة 111)، ويمثّل مجموع الآيات المتشابهات (آيات النبوّة وتفصيلها) التي تتحدّث عن القوانين الكونية التي تتحكّم في الكون بما فيه من نجوم وكواكب وزلازل ورياح ومياه في الينابيع والأنهار والبحار…، وعن قوانين التاريخ والمجتمعات التي تحكم نشوء الأمم وهلاكها، وعن غيب الماضي من خلق الكون وخلق الإنسان وأنباء الأمم البائدة (القصص القرآني بما فيه القصص المحمّدي)، وعن غيب المستقبل كقيام الساعة والنفخ في الصور والحساب والجنّة والنار. والقرآن جاء من فعل قرن لأنّه قرن القانون العام للوجود مع القانون الخاصّ له مع خط تطوّر سير التاريخ الإنساني، وهو بذلك قرن بين معلومات اللوح المحفوظ ومعلومات الإمام المبين، ويُعدّ الجزء الأكبر من الكتاب ولا يوجد فيه تشريع إطلاقاً. ولأنه فرّق الله عزّ وجلّ فيه بين الحق والباطل في الوجود سمّاه “القرآن العظيم” في قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} (الحجر 87). والقرآن مضافاً إليه السبع المثاني يمثّل جزء النبوة من التنزيل الحكيم.

اللوح المحفوظ: بما أنّ القرآن المجيد هو القوانين الصارمة الناظمة للوجود، فإنّ اللوح المحفوظ هو بمثابة برنامج هذه القوانين لقوله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} (البروج 21-22). وهذا البرنامج بقوانينه الصارمة التي تسيّر الوجود هو برنامج ثابت ولا يتغير، لا هو ولا قوانينه، وبالتالي لا ينفع فيه الدعاء لأنّه لا يتغيّر من أجل أحد مهما كان.

السبع المثاني: هي جزء من نبوّة محمّد (ص) أي جزء من القرآن. وهي مقاطع صوتية وردت في فواتح السور، مثل: (ألم – ألمص – كهيعص – حم – طسم) تتألف من أحد عشر مقطعاً صوتياً تمثل القاسم المشترك في الكلام الإنساني. وقد أشار إليها النبي (ص) في قوله باسم “جوامع الكلم”، ووردت في الكتاب باسم “أحسن الحديث”: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ} (الزمر 23). وتشكّل السبع المثاني مع القرآن كتاب النبوّة، إذ بهما وقع الإعجاز والتحدّي في قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} (الحجر 87).

الحديث: هو أنباء مجموعة آيات الأحداث الكونية: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} (الغاشية 1)، والأحداث الإنسانية سواء ما غاب منها في طيّات الماضي، أو ما حصل في زمن النبي (ص) من حروب وهجرة: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ…} (يوسف 111). وهذه الآيات ليس فيها أحكام ولا تشريعات لأنها جزء من القرآن أي من نبوة محمّد (ص)، ذلك لأن القرآن كما رأينا قرن بين الأحداث الكونية والأحداث الإنسانية، وهو قابل للتصديق والتكذيب فقط: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ…} (القلم 44).

الكتاب المبين: هو مجموع آيات القصص القرآني بما فيه القصص المحمّدي، أي هو مجموع الآيات التي تتطرّق إلى أنباء غيب الماضي وإلى أخبار القصص المحمّدي، لأن آيات القصص المحمّدي بما فيها من آيات القتال كانت أخباراً بالنسبة لمن عاصر النبي (ص) لكنّها تحوّلت إلى أنباء عن الماضي لمن بعدهم من العصور. ورد الكتاب المبين في قوله تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} (يوسف 1-3).

الإمام المبين: هو أرشيف الإنسانية من يوم خلقها الله عزّ وجلّ إلى يوم الدين، أي أرشيف الأحداث التاريخية الإنسانية الفردية والجماعية إلى قيام الساعة، ومنه جاء الكتاب المبين (القصص القرآني بما فيه القصص المحمّدي). تمت فيه أرشفة الأحداث الإنسانية بعد حدوثها وتحوّلها إلى واقع لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} (يس 12).

مواقع النجوم: هي الفواصل الموجودة بين آيات الكتاب، سواء جاز الوقف عندها أو لم يجز، وليست مواقع النجوم التي في السماء. هي من مفاتيح فهم الكتاب كله خصوصاً بالنسبة للقرآن في عملية تأويله، لأن مواقع النجوم في الكتاب تجعل كلّ آية من آيات الكتاب تحمل فكرة متكاملة: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} (الواقعة 75-77).

البيان: هو عكس الكتمان ولاعلاقة له بالشرح إطلاقاً لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ} (البقرة 159)، وقوله تعالى: {.. وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل 44). وقد أعلن الرسول (ص) كل ما أنزل إليه من وحي ولم يكتم شيئاً، إذ أعلنه صوتياً بمعنى نطقه بنفسه أمام الناس، لكن دون أن يشرح شيئاً منه ومعنى ذلك أن مهمة البيان أوكلت له (ص) ونحن علينا مهمة التفكير في معانيه.

البلاغ: هو أن يصل ما يريده المتكلم إلى السامع، ومنه البلاغة التي تكون في القول لقوله تعالى: {.. وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا} (النساء 63). لا علاقة للبلاغة بالجمال اللفظي وهي على مستويات، بحيث نجد أقل مستوى لها هو لغة الصم والبكم وهي لغة الإشارة: {.. قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا..} (آل عمران 41)، ثم ترتقي مستوياتها حتى تصل إلى أعلى الأنواع الذي نجده في التنزيل الحكيم، لأنّ البلاغة فيه جاءت بحيث يصل المعنى للسامع أو القارئ بأقل عدد من الكلمات وعدم وجود الترادف والحشوية لقوله تعالى: {مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ..} (المائدة 99)، وقوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ..} (المائدة 67).

تفصيل الكتاب (فهرسة الكتاب): هو مجموع الآيات التي وجدنا أنّها تمثّل مقدمة كتاب الله عزّ وجلّ. وهذه الآيات تقدّم لنا فهرسة الكتاب كله، بحيث ترشدنا للمواضيع التي تمّ التطرّق إليها في التنزيل الحكيم. وهي ليست من الآيات المحكمات ولا تفصيلها بمعنى أنها ليست من آيات الرسالة (أي ليست من آيات أمّ الكتاب ولا من تفصيلها) لأنّه ليس فيها أيّ تشريعات. كما أنها ليست من آيات النبوّة بمعنى أنها ليست من الآيات المتشابهات ولا من تفصيلها (أي ليست من آيات القرآن وتفصيله ولا من آيات السبع المثاني) لأنّه ليس فيها أيّ قوانين كونيّة أو أحداث إنسانيّة. وآيات تفصيل الكتاب وصف تفصيلي للتنزيل الحكيم، كقوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ…} (البقرة 2)، وقوله: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} (يونس 37). وقد جاءت من عند الله مباشرة، لا من اللوح المحفوظ شأن الآيات المتشابهات ولا من الكتاب المبين شأن القصص القرآني.

الترتيل: هو جمع الآيات ذات الموضوع الواحد في رتل. مثل ترتيل الآيات التي تتعلق بموضوع آدم أو خلق الكون. والترتيل يكون لمواضيع القرآن فقط لقوله تعالى: {… وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} (المزّمّل 4). وتأتي عملية تأويل مواضيع القرآن بعد ترتيلها. أمّا مواضيع الرسالة فليس فيها ترتيل لأنّ مواضيعها مصنّفة حسب المحكم وتفصيله. فكلّ آية محكمة تؤخذ مع تفصيلها: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير} (هود 1). وتخضع آيات الرسالة لعملية الاجتهاد بعد فرز المحكم وتفصيله.

النبأ: هو المعلومة التي تحتمل الحقيقة والوهم لقوله تعالى: {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} (هود 121). وخصائص النبأ أنه إجمالي مختصر، وهو غيب سواء غيب ماضٍ أو حاضر أو مستقبل، وتنتفي الحضورية في النبأ لأنّ له منبّئاً به وليس له مخبر به. وكان النبي (ص) حاملاً لأنباء ولم يكن مخبراً لأخبار. والإنباء يأتي من مقام النبوّة لا من مقام الرسالة. والقرآن هو كتاب نبوّة محمّد (ص) وفيه القصص القرآني وهي من أنباء الماضي لقوله تعالى: {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ…} (طه 99). كما فيه أنباء المستقبل من قيام الساعة والجنّة والنار… لقوله: {وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} (القمر 4).

الخبر: هو المعلومة التي تحتمل الصدق والكذب والخطأ والصواب لأنّ للخبر مخبراً به. والخبر تفصيلي مطوَّل على عكس النبأ. ولا بدّ من أن يكون راوي الخبر حاضراً يشهد وقوعه بعينيه لقوله تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ} (النمل 7).

الفرقان: هو الوصايا العشر عند موسى ومحمّد (ص) والحكمة عند عيسى، ويمثّل الصراط المستقيم في التنزيل الحكيم. ورد في الآيتين (151-152) في سورة الأنعام بحيث ختم الله عزّ وجلّ هاتين الآيتين بعد ذكر الأمور التي تمثّل الصراط المستقيم فيهما بالآية 153 بقوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. والصراط المستقيم من الآيات المحكمات (من أمّ الكتاب).

التوراة: يمثّل نبوّة موسى، وفيه جاء ذكر الكونيّات والقصص دون أحكام، وجاء متناسباً مع مستوى وعي الناس زمن وحيه إلى موسى، لذا ما جاء فيه من معلومات بدائيّة جدّاً ولا تتناسب مع مستوى وعي الناس الحالي. وقد نزلت الأحكام لموسى مستقلة في الكتاب (شريعة موسى) وفي الألواح (الوصايا العشر)، وفصل الله عزّ وجلّ بين كتاب موسى والوصايا العشر لأنها كانت ستنتقل إلى مَن بعده من الرسل (عيسى ومحمّد) كما هي.

الإنجيل: يمثّل نبوّة عيسى، ولا توجد فيه أيّ أحكام، لأنّ كتاب الشريعة عند عيسى هو ذاته كتاب الشريعة عند موسى معدّلاً لقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} (آل عمران 48).

أهل الكتاب: هم اليهود والنصارى لقوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (آل عمران 65). والكتاب المقدّس بقسميه العهد القديم والعهد الجديد يتألف من: الكتاب (الشريعة) + الحكمة (الوصايا) + التوراة (نبوّة موسى) + الإنجيل (نبوّة عيسى). فالكتاب عند موسى وعيسى هو آيات الأحكام فقط أو ما يقال عنها الشريعة: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (البقرة 53)، وأوحي إلى محمّد (ص) منطوقاً لا مخطوطاً وخَطّه الناس. وكتاب عيسى هو أيضاً ما جاء لعيسى من شريعة لقوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} (آل عمران 47-48). فكتاب موسى يختلف عن التوراة وكتاب عيسى يختلف عن كلّ من التوراة والإنجيل لأنّ التوراة يمثّل نبوّة موسى والإنجيل يمثّل نبوّة عيسى وليس فيهما أيّ أحكام.

الإسلام: هو الإيمان تسليماً بوجود الله وباليوم الآخر وأداء العمل الصالح لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة 62). فالإيمان بالله هو التسليم بوحدانيته والتصديق بنبوّات الأنبياء ورسالات الرسل كل في زمانه. فهناك من صدّق بنبوّة نوح أو إبراهيم أو يعقوب: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة 133)، وهناك من صدّق بنبوّة موسى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (يونس 90)، وهناك من صدّق بنبوّة عيسى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران 52)، كما هناك من صدّق بنبوّة محمّد (ص): {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} (الأنبياء 108). فكلّ هؤلاء يؤمنون بالله واليوم الآخر، وقد سمّاهم التنزيل الحكيم “المسلمين” على اختلاف مللهم. ولهذا فإنّ شهادة أنْ “لا إله إلا الله” هي تذكرة الدخول إلى دين الإسلام مهما كانت ملّة الإنسان. والإسلام يُبنى على العمل الصالح بعد الإيمان تسليماً بوجود الله وباليوم الآخر، وقد جعل الله الإيمان به مسلّمة لا يمكن البرهان عليها علمياً أو دحضها علمياً، لذا فهي خيار وقناعة يتساوى فيهما أينشتاين وبائع الطعمية، وفيها تظهر عدالة ربّ العالمين، إذ يجب على المسلم أن يكون عنده ذرة شكّ في وجود الله، والملحد عنده ذرة شكّ في الإلحاد، وهذا الشكّ هو الدافع الأساسي وراء تقدّم المعارف الإنسانية قاطبة، ومبدأ الشك هذا وضعه إبراهيم عليه السلام. أمّا العمل الصالح فيرتكز على القيم الإنسانية وعلى رأسها الوصايا العشر (الفرقان) المذكورة في سورة الأنعام التي خضعت للتراكم بين الرسالات. كما يُبنى الإسلام على التشريع الذي خضع للتطوّر وانتهى بالتشريع الحنيفي المتغيّر (الحدودي)، وعلى الشعائر التي خضعت للاختلاف.

الإيمان: هو الإيمان بنبوّة محمّد (ص) بعد الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، أي إنّ الإيمان بالنبي (ص) يأتي بعد الإسلام، ويتجلّى في شهادة أنّ “محمّداً رسول الله” لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} (محمّد 2)، وقد سمّاهم الله في كتابه “المؤمنين”. وأركان الإيمان بنبوّته (ص) هي أداء الشعائر (الصلاة والزكاة، الصوم، الحج) لقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} (المؤمنون 1-3)، وهم بذلك “مسلمون مؤمنون”، فهم مسلمون لأنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر ويقومون بالعمل الصالح، ومؤمنون لأنّهم يؤمنون بنبوّة محمّد (ص) ويؤدّون الشعائر. وبذلك هم ينطقون بالشهادتين: إذ بالأولى صاروا مسلمين، وبالثانية صاروا مؤمنين. ومصطلح “مؤمنون” أصبح وقفاً على أتباع ملّة محمّد (ص) فقط في التنزيل الحكيم لأنّ مصطلح “المؤمنون” في زمن كلّ نبي يطلق على من يؤمن به حصراً. ولمّا جاء الوحي للنبي (ص) أطلق مصطلح “المؤمنون” على كل من آمن به (ص) وسمّى المؤمنين بموسى “اليهود” والمؤمنين بعيسى “النصارى”. فأصبح مصطلح “المؤمنون” لقباً خاصاً بأتباع محمّد (ص) في التنزيل.

الإجرام: هو قطع الصلة بالله وبالقيم الإنسانية. بإنكار وجود الله وإنكار اليوم الآخر، والامتناع عن القيام بالعمل الصالح لقوله تعالى: {إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} (المدّثر 39-47). فالمجرم هو الذي يقطع صلته بالله بعدم إيمانه بوجوده وباليوم الآخر ويقطع صلته بالمجتمع بعدم الالتزام بالقيم الإنسانية.

الشرك: هو الإيمان بمبدأ الثبات. ولا يلزم في الشرك أن يكون علنياً. وللشرك أنواع عديدة أسوأها شرك التجسيد الذي أشار إليه تعالى بقوله: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} (النساء 48). والشرك بالله هو أن يجعل الإنسان لله شريكاً في العبادة والدعاء. والشرك لسان حال وليس لسان مقال لأنّه لا يوجد إنسان في الأرض قال أو يقول عن نفسه إنه مشرك. فالشرك هو السكون في الفكر والتوقف عن التطوّر كما جاء في قوله تعالى على من أنكر التغيّر وآمن بالثبات: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا} (الكهف 35). والثبات على مبدأ الآبائية هو أيضاً شرك كما جاء في قوله تعالى: {… إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} (الزخرف 23).

الكفر: هو موقف علني واعٍ ضد أمر ما، والكفر لسان مقال أي تصرّف وموقف عدواني. فالكفر صفة إضافية لصفة الشرك فالكافر مشرك معلن عن شركه قولاً أو عملاً في قوله تعالى: {… وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ} (الأحقاف 3). والكفر جاء معنىً مقيّداً دائماً بالموقف المعبّر فيه عن الكفر، أي بتوضيح الكفر بماذا؟ فالكافر بالله هو المشرك به والمعلن عن ذلك بلسان مقال، والكافر بنبوّة محمّد (ص) ورسالته هو كلّ من اتّخذ موقفاً علنياً عدائياً ضدّه (ص) بتكذيبه ومعاداته والتآمر عليه ومحاربته لقوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال 30)… وفي الحروب يصبح وصف “الكافر” وصفاً يتراشق به الطرفان المتحاربان، فكلّ طرف يطلق على الطرف الآخر لقب “كافر” لأنّه أظهر العداء له، لهذا قال الله تعالى للمؤمنين من أتباع الرسول عن خصومهم الذين حاربوهم: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} (الأنفال 15). وحتّى موقعة الجمل حصلت بين فئتين كافرتين، لأنّ كلّ واحدة منهما كفرت بأحقية الأخرى في السلطة.

الرسالة (أمّ الكتاب وتفصيلها): هي الآيات التي تشتمل على آيات أمّ الكتاب (الكتاب المحكم) وعلى آيات تفصيلها لقوله تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود 1). وقد أصبح محمّد (ص) رسولاً بالكتاب المحكم (أمّ الكتاب) وتفصيله. وكتاب الرسالة بمحكمه وتفصيله يحتمل الطاعة والمعصية لقوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (آل عمران 132)، وهو الذي أطلق عليه التنزيل الحكيم مصطلح كتاب كمعنى ثانٍ للكتاب كما هو عند موسى وعيسى.

الآيات المحكمات (أمّ الكتاب): هي جزء من الرسالة، وهي آيات الكتاب المحكم وتمثّل آيات أمّ الكتاب لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ…} (آل عمران 7)، وعددها (19) آية في الكتاب حسب ما توصّلنا إليه في بحثنا، وقد جاء تفصيلها في الرسالة. وآيات أم الكتاب (19) آيات مغلقة لأنّها لا تخضع للاجتهاد. وجاءت مواضيعها حول المحرّمات والأوامر والنواهي والحدود والشعائر والقيم.

آيات تفصيل أم كتاب: هي جزء من الرسالة، وهي آيات تفصيل الآيات المحكمات أي تفصيل آيات أمّ الكتاب وعددها يزيد عن 993 آية دون تكرار كما توصّلنا إليه بعد الدراسة والبحث، ونرى أنّه عدد قابل للتعديل لأنه جاء نتيجة بحث تم القيام به لأول مرة في تاريخ الرسالة المحمّدية. جاء في آيات تفصيل أمّ الكتاب تفصيل مواضيع المحرّمات والأوامر والنواهي والحدود والشعائر والقيم لقوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف 52).

الآيات المتشابهات: هي آيات القرآن مضافاً إليها السبع المثاني، وهي الآيات الشارحة للقوانين الكونية والإنسانية، التي أصبح بها محمّد (ص) نبيّاً لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ…} (آل عمران 7)، فالقرآن من المتشابهات مضافاً إليه السبع المثاني التي هي أحسن الحديث: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ…} (الزمر 23). وهذه الآيات تحتمل التصديق والتكذيب. وجزء منها فقط قابل للتأويل من خلال آيات تفصيلها.

آيات تفصيل المتشابه: هي الآيات التي فُصّلت فيها بعض الآيات المتشابهات الموجودة في القرآن فقط لقوله تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (فصلت 3)، لأنّ السبع المثاني لا تفصيل لها. وهناك جزء من آيات القرآن لا تفصيل لها لأنّه لا يمكن تأويلها مثل قصّة خلق آدم وبداية الكون ونهايته لقوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا} (الأعراف 53). والقصص القرآني بما فيه القصص المحمّدي هو آيات تفصيل للأحداث التاريخية في القرآن.

الناسخ والمنسوخ: النسخ هو استبدال حكم ورد في رسالة سابقة بآخر أيسر منه في رسالة لاحقة. فقد ينتقل بند من بنود شريعة ما كما هو إلى شريعة تالية (الفرقان)، أو يُعدَّل كحكم الزنا بالرجم عند موسى الذي تحوّل إلى حكم الجلد كحدّ أعلى عند محمّد (ص)، أو يُلغى كحكم قتل الولد العاق في شريعة موسى، أو يضاف بند جديد كالإرث في الرسالة المحمّدية. أمّا بين آيات التنزيل الحكيم فلا ناسخ ولا منسوخ لأنّ الرسالة المحمّدية هي الرسالة الخاتم وجاءت رحمة للعالمين لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107)، خُفّفت فيها العقوبات التي كانت في الرسالات السابقة لها: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ…} (الأعراف 157). والرسالة المحمّدية هي المرحلة الانتقالية بين انتهاء الوحي الإلهي وانتهاء التشريع الإلهي وختمه بتوقف النسخ بين الرسالات الإلهية، وبداية التشريع الإنساني الحنيفي بالاجتهاد في تفصيل المحكم الذي جاء في الرسالة الإلهية الخاتمة. يتم النسخ بين التشريعات الإنسانية حسب تطوّر التاريخ وتطوّر الظروف الموضوعية للمجتمعات. والتشريع والنسخ الإنساني مهمّة البرلمانات والمجالس التشريعية. وأول تشريع إنساني واجب نسخه هو اجتهادات النبي (ص) التي قام فيها بتنظيم مجتمعه (قانون مدني) حسب ظروف التطوّر التاريخي لمجتمعه بدون أن يخالف التشريع الحنيفي الذي جاء في الرسالة الإلهية الموجودة في المصحف. واجتهاداته واجبة النسخ بعده لأنها أصبحت بعده اجتهادات متجاوزة معرفياً وتشريعياً.

جاء (المجيء): المجيء بالشيء هو إحضاره. وإحضار الشيء يكون من خارج دائرة من جاء به لقوله تعالى: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} (مريم 43). فالفرق في الآية واضح بين جاء وأتى، لأنّ العلم جاء لإبراهيم من ربّه أي من خارج دائرة إبراهيم المعرفية وهذا العلم غير موجود داخل الدائرة المعرفية لوالده. فالرسول (ص) جاءه الوحي من الله أي من خارج دائرته المعرفية وهذا الوحي مقدّس وأبدي، أمّا اجتهاداته (ص) في التشريع فقد أتى بها من داخل دائرته المعرفية وهي ظرفية مرحلية قابلة للنسخ.

آتى (إيتاء): إيتاء الشيء هو إعطاؤه. وإيتاء الشيء المعطى يكون من داخل دائرة المعطي، لأنّ إيتاء الشيء يتطلّب أولاً امتلاكه قبل إعطائه لقوله تعالى: {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة} (النساء 4)، وقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} (المزمل 20). فقوله تعالى: {… وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ…} (الحشر 7) يعني ما أعطاكم الرسول من عطاء من عنده، أي ما صدر عنه من اجتهادات إنسانية متعلقة بالتشريع لمجتمعه في حياته باعتباره قائداً أعلى له ولا علاقة للأمر بالوحي. وفي هذه الاجتهادات كانت الطاعة واجبة على أهل زمانه فقط من أفراد مجتمعه. علما أنّ فعل أتى من نفس جذر فعل آتى لكن يختلف معه في المعنى، بحيث أنّ فعل أتى من الإتيان وهو فعل مجرد يقع على الفاعل بينما فعل آتى فمن الإيتاء وهو فعل مزيد ويقع على المفعول وليس الفاعل، فآتى الإنسان شيئا بمعنى أعطاه لغيره، بينما أتى الإنسان فمعناها حضر بنفسه كما جاء في قوله تعالى: {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ* إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء 88-89).

أولو الأمر: هم ممثّلو السلطة التشريعية في المجتمع لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ..} (النساء 59). وتكون طاعتهم واجبة على أفراد مجتمعاتهم في حياتهم فقط في ما يملونه عليهم من تشريعات (قوانين) تكون سائدة في حياتهم فقط. فطاعة النبي (ص) في ما صدر عنه من تشريعات كانت لازمة على أفراد مجتمعه في حياته فقط باعتباره كان وليّ أمر مجتمعه في ما أتاهم به من تشريعات (قانون مدني). لهذا جاءت طاعته كوليّ أمر منفصلة عن طاعة الله ومتّصلة بالمقابل بطاعة أولي الأمر، لأنّ الطاعة تكون للقانون فقط. فأولو الأمر هم الذين يمثلون السلطة التشريعية في أيّ مجتمع وبالتالي فإنّ الطاعة واجبة للتشريعات التي يسنّونها لا لأشخاصهم. وتشريعاتهم تقوم على ما يُطلق عليه “تقييد المطلق وإطلاق المقيّد”، ومعناه تنظيم الحلال بالأمر والنهي وهو ما يُعرف الآن بـ “القانون المدني”؟

الحنيفيّة: هي صفة التغيّر بما في ذلك التغيّر في التفكير والتشريع والتقاليد والعادات، أي كلّ “المتغيّرات”، لقوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (الروم 30)، في ظلّ الثوابت التي لا تخضع للتحوّل “مستقيمة” والتي لا تخرج عنها المتغيّرات. هذه الثوابت هي “الصراط المستقيم” أي القيم الإنسانية بما فيها من محرّمات ونواهٍ وحدود الرسالة الإلهية. وعلى ضوء هذه الثوابت يحنف الإنسان في التشريع أي يغيّر تشريعاته بالأخذ في الاعتبار المتغيّرات. تجسّد الحنيفية خاصّية العالمية في الرسالة الإلهية بتماشيها مع المتغيّرات حسب الزمان والمكان رحمة بالناس لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107). فأوّل من اكتشف مبدأ التغيّر (الحنيفية) هو إبراهيم في قوله تعالى: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام 79)، أي اكتشف أنّ كلّ شيء متغيّر ما عدا الله. فالثابت هو الله فقط، وفي التشريع، الثابت عندنا هي المحرّمات الـ 14 التي جاءت مختومة في الرسالة المحمّدية وهي حصراً من عند الله، علماً بأنّ تشريع موسى وعيسى لم يكونا حنيفيين لذا ألغِيا الآن تماماً. وقد انتقلت الحنيفية من إبراهيم إلى محمّد (ص). الحنيفية تشجع التعددية مهما كان نوعها، لذا فإنّ الأحادية لله وحده عزّ وجلّ وهي الباقية أما التعددية في لغير الله وهي متغيرة دائما، وأي أحادية في أي مجتمع مهما كان نوعها فهي ضد الحنيفية لأنها ضد الفطرة وفرضها يتم بالإكراه والعنف، لهذا فإن أي مجتمع يقوم على الأحادية مجتمع سكوني جامد لا يمكن أن يتطور ومصيره إلى الهلاك.

avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2805
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى