* السيث والسارماش ياجوجوماجوج

اذهب الى الأسفل

* السيث والسارماش ياجوجوماجوج

مُساهمة  طارق فتحي في الإثنين أغسطس 15, 2016 1:15 pm

*السيث والسارماش
يوسيفوس مؤرخ معتبر، من مؤرخي القرن الاول الميلادي، أرخ لليهود والرومان، عاشر الاغريق وعرف ثقافتهم وكتب بلغتهم. فإذا ما استندنا الى تاريخه، فإننا نستند الى مرجع موثوق، على الاقل في الاحداث التي عاصرها بنفسه، وكتب عنها من وجهة نظر طرف محايد. فمثلا اذا كتب عن اليهود، فهو منهم، والاحتمال وارد ان ينحاز لصالحهم. ولكن في الموضوع الذي بين أيدينا فإنه لا يوجد سبب في التشكيك فيما كتب. بالاضافة الى انه عاصر الحدث، ولا يرويه عن اجداده. والاهم من ذلك كله انه ليس لدينا البديل سوى الخرافات والخزعبلات.
كتب المؤرخ عن معركة حدثت في عصره، في العام 72 ميلادي، ويقول: "الان هناك أمة تدعى الـ (آلانس) (Alans) [وتسمى أيضا آلاني]، وقد سبق وكتبنا عنهم في مكان آخر انهم السييث (Scythians)، ويسكنون حول بحيرة ميوتس. هذه الامة وضعت خطة للانقضاض على ميديا، ومناطق بعدها لكي ينهبوها، وبهذه النية تعاملوا مع ملك هيركانيا، لأنه كان هو المسؤول عن الممر الذي أغلقه الملك ((الاسكندر)) ببوابات حديد. ملك هيركانيا فسح لهم الطريق ليأتوا من خلاله، فدخلوا بأعداد كبيرة، وانقضوا على ميديا بطريقة غير متوقعة، ونهبوا البلد، وقد كانت مليئة بالسكان، فأخذوا أعدادا كبيرة من الماشية، ولم يتجرأ أحد على مقاومتهم. أمّا بالنسبة لـ (بيروس)، ملك البلد، فقد هرب من الذعر الى أماكن ليس من السهل لهم ان يتبعوه اليها، وترك لهم كل شيء، ولم يأخذ منهم الا زوجته وجواريه، وكان ذلك بصعوبة بالغة، بعد ان وقعوا في الاسر، ففداهم بمائة تالينت [التالينت عملة اغريقية تزن الواحدة منها 26 كيلوجرام من الفضه]. هؤلاء الـ (آلانس) نهبوا البلد دون اي اعتراض، وبسهولة عظيمة، ثم توجهوا الى ارمينا، مخربين كل شيئ أمامهم. الان تايرايديتس ملك البلد، قابلهم وقاتلهم، وكاد ان يقع اسيرا في المعركة، لأن احد المقاتلين ألقى عليه شبك من مسافة بعيدة، وحاول ان يسحبه بسرعة نحوه، ولكن الملك قطع الشبك بسيفه وهرب، فنجا من الاسر. الآلانس أثارهم هذا الاستفزاز، فخربوا البلد، وأخذوا معهم أعداد غفيرة من البشر، وكميات كبيرة من الغنائم، من كلا المملكتين [ارمينيا وميديا]، ثم انسحبوا الى بلدهم."
(يوسيفوس، حروب اليهود، الجزء السابع، باب 7.4).
اشار المؤرخ الى ان الاسكندر المقدوني قد اغلق ممر ببوابات حديد. وكان ملك هيركانيا مسؤولا عن هذا الممر. وقال في بداية الفقرة ان قوم الـ (آلانس) قد كتب عنهم في مكان آخر انهم السيث (Scythians)، وهذا ما كتب: "ماجوج أسس هؤلاء الذين أخذوا اسمه ويُطلق عليهم الماجوجيين، ولكن الاغريق يسمونهم السيث" (يوسيفوس، آثار اليهود، الجزء الاول، باب 6).
"Magog founded those that from him were named Magogites, but who are by the Greeks called Scythians." (Josephus, Antiquities of the Jews, Vol.1, Ch.6)
يوسيفوس كاتب ومحقق تاريخ. وصله خبر عن قوم اسمهم الآلانس (Alans)، وبتحقيقه في اللقب والخبر، قال انهم نفس القوم الذين ذكرهم في مكان آخر بإسم السيث. وفي المكان الاخر، قال ان الذين يسميهم الاغريق السيث، لهم أيضا لقب آخر بإسم الماجوجيين، نسبة الى مؤسسهم ماجوج الذي حملوا اسمه. ما نجد هنا هو ان القوم هم انفسهم، والامم الاخرى تطلق عليهم اسماء وألقاب مختلفة، فمنهم من يسميهم الآلانس، والاغريق يسمونهم السيث، واليهود يسمونهم قوم ماجوج.
هذا الخبر اعطانا معلومة مهمة أخرى، وهي ان السيث، الماجوجيين، يُطلق عليهم أيضا اسم الآلانس (Alans). ولعل هذه التسمية تقودنا في المستقبل الى معلومات إضافية عنهم عند الهنود أو الصينيين أو غيرهم.
من الملاحظ في خبر يوسيفوس ان هؤلاء القوم لا يغزون بقصد احتلال الارض وفرض السيطرة والقانون عليها، ولا لأي سبب سياسي أو استراتيجي، وإنما بقصد استباحة المدن من أجل السلب والنهب والتخريب، حيث قال: "ثم توجهوا الى ارمينا مخربين كل شيئ أمامهم". وعندما حاول ملك أرمينيا مقاومتهم، اعتبروا تصرفه هذا نوع من الاستفزاز، فقاموا بتخريب البلد! ثم بعد ذلك عادوا من حيث أتوا. فإذا لم يكن ما يفعله هؤلاء هو إفساد في الارض، فماذا اذن يمكن تسميته؟ "إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الارض" (الكهف 94).
بإتفاق جميع الذين أرخوا للاسكندر المقدوني، عسكر الاسكندر في هيركانيا لمدة اسبوعين. ثم عاد لها مرة أخرى بعد عبور صحراء بلوشستان، وتكبد في هذا العبور خسائر بشرية فادحة بسبب نقص الماء والطعام.
http://www.maknews.com/html/articles/stefov/stefov24.html
وبما اننا نتحدث عن بوابة، فهذه يمكن تركيبها في يوم واحد أو جزء من يوم. ويُفهم من الايات في القرآن انه طلب من أهل البلد ان يقوموا بجمع المواد الاولية من حديد ونحاس. وهو وضع تصميم البوابة وأشرف على بنائها.
كما يُفهم أيضا من القرآن انه هو بنفسه شارك في تصنيعها، ولم يُرسل من ينوب عنه، "آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا" -- يبدو ان الاسكندر مع عدد قليل من الحرس الشخصي ذهبوا الى ذلك الموقع وشيدوا البوابة بمساعدة أهل البلده بعد ان جمعوا له ما طلب من مواد البناء. فمثلا اتاهم اليوم، وبعد ان دار بينهم حديث ونقاش، اتفق معهم ان يجمعوا له الحديد والنحاس. ثم جاء بعد عدة أيام وقام بتركيبها معهم.
وعلى هذا فإن بناء البوابة لم يكن ذلك الحدث العظيم الذي يعم خبره أنحاء الولاية ومعسكرات الجيش ليتناقله الرواة والمؤرخين. لذا فليس من المستغرب أن لا يكتب عنها احد من الاغريق الذين كتبوا تاريخ الاسكندر. ولو لم تحدث معركة بعد فتح البوابة، لما ورد لها ذكر أيضا في تاريخ يوسيفوس.
هذه الدولة التي كانت تسمى هيركانيا (Hyrcania) تطل مباشرة على بحر قزوين (Caspian Sea)، وهو البحر المغلق على الخارطه. كانت هيركانيا جزء من بارثيا، البقعة الحمراء على الخارطه، وهي فارس القديمه. وفي فترة خضوعها لمملكة فارس، بنى الفرس فيها حائط مسافته 180 كيلومتر، يعد الثاني من حيث المسافة بعد سور الصين العظيم، لحمايتها من السيث، مع تركهم بعض المنافذ المسيطر عليها لتسهيل حركة المرور والتجارة. أعاد الاغريق ترميم هذا الحائط في فترة لاحقة وأطلقوا عليه حائط الاسكندر تخليدا لذكراه. وبعد أن تلاشى قوم يأجوج ومأجوج من تلك المناطق، قام السكان وأخذوا حجارة الحائط للاستفادة منها في بناء منازل لهم.
كانت مساحة هيركانيا في السابق تشمل تقريبا المحافظات الايرانية التالية: گلستان، مازندران، گیلان، بالاضافة الى جزء من تركمانيستان
http://en.wikipedia.org/wiki/Hyrcania
استوطن السيث (Scythians) مملكة سايثيا (Scythia)، البقعة البرتقالية على الخارطه، وهي اسيا الوسطى، من القرن الثامن قبل الميلاد الى القرن الثاني الميلادي.
http://en.wikipedia.org/wiki/Scythia
وفي القرن الثاني الميلادي انقرضوا ولم يُعثر لهم على اثر، ولم يَكتب عن اختفائهم أحد من المؤرخين القدماء.
وتجد على الخارطة أعلاه أسم آخر، سارماشيا (Sarmatia)، وهذه دولة أخرى من وجهة نظر الاغريق. وفي الكتابات الحديثة عادة ما يقترن قوم سايثيا بقوم سارماشيا (Scythians and Sarmatians). وكما ترى من العنوان انهم قبيلتين (سايثيا وسارماشيا)، على وزن يأجوج ومأجوج! وفي عدم وجود أي تاريخ مكتوب عنهم، فإن ما يكتب عنهم الان مبني على بعض الرسوم والكتابات الاغريقية القليلة. بالاضافة الى بعض الاكتشافات الاثرية الحديثة. ولا يوجد عنهم تاريخ بالمعنى المعروف عن التاريخ.
الاقتباس التالي فيه لمحة "تقريبية" موجزة عن أولئك القوم:
إقتباس:
"السيث والسارماش -- هذين الشعبين من العصور القديمة، كلاهما كانوا يتكلمون لغات مستمدة من اللغة الفارسيه، وعاشوا في منطقة تقع على شمال البحر الاسود. لغات وثقافات السيث والسارماش كانت قريبة ولكنها مختلفة. وأيضا اسلوبهم في الحروب كانت مختلفه. لوحظ ان السيث كان يعتمدون على الرماة. ربما كانوا المخترعين أو على الاقل أحد المخترعين لأداة تثبيت قدم الخيال على الحصان (stirrup)، مما مكنهم من رمي السهام من على الحصان بدقة لا بأس بها والحصان يجري. تميز السيث في بداية الهجوم بإطلاق كمية هائلة من السهام على أعدائهم. فإذا تمكن أعدائهم من الصمود، يقوم السيث بالانسحاب، لاعادة تجميع جنودهم، ثم يعودون مرة أخرى بهجوم شامل بالسهام أيضا، مع تغيير الخطة. أغلب الاعداء لا يستطيعون الصمود أمام هجوم السيث. كان جيرانهم السارماش هم الوحيدين الذين ابتكروا استراتيجية ناجحة للتصدي لهجوم السيث. الجنود السارماش كانت اجسادهم محمية بدروع معدنية. كان الدرع عادة يصنع من قطع البرونز أو حديد مشبوك بالجلد. هذه الدروع مكنت السارماش من التصدي لهجوم السيث."
http://www.sjsu.edu/faculty/watkins/sarmatians.htm
يوجد كتاب بعنوان "السيث بين 700 - 300 قبل الميلاد" (The Scythians 700-300 BC)، مؤلفه باحث روسي يدعى سيرنيكو (E.V. Cernenko). والكتاب مترجم الى الانجليزية. تحدث المؤلف بقدر ما توفر له من مصادر ومكتشفات عن قوة السيث في تلك الفترة. وأنهم تمكنوا من هزيمة امبراطوريات عظيمة في اسيا والشرق الاوسط. منها امبراطورية فارس في عهد كورش مؤسس الامبراطورية الفارسية، والامبراطورية البابلية، وقبلها الاشورية، ولم تسلم من شرهم سوى مصر، وما كان ذلك ليحدث الا بعد أن أجبروا المصريين على دفع الجزية!
كان المصريين يكتبون التاريخ، ولكن مثل بقية الشعوب القديمه، أي هزيمة تتعرض لها بلدهم لا يكتبونها. وهذا الشيء حاصل حتى في هذا العصر، أغلب الدول لا تكتب انها خسرت الحرب. وأحيانا يحولون الهزيمة الى نصر ساحق! ولكن بسبب انتشار العلم والمعرفة في العصر الحديث، تجد الحقيقة طريقها للتدوين.
الملاحظ ، ومن عنوان الكتاب، ان سطوتهم على شعوب الارض توقفت عند سنة 300 قبل الميلاد. وهذا هو الزمن الذي جاء فيه الاسكندر المقدوني! بما يعني ان هناك شيء غير طبيعي قد حدث منعهم من غزو الشعوب الاخرى. ولم تعد لهم غزوات على أمم الارض إلا في الخبر الذي أورده يوسيفوس. وما كان ذلك ليحدث إلا بعد فتح بوابة الاسكندر!
وقد رأينا في الجزء الاول ان ذو القرنين لم يكن يعلم بالنتيجة التي سيؤدي اليها بناء الردم. وما كان الهدف من بناءه سوى حماية الناس الذين طلبوا منه بناء السد، وقال : "أجعل بينكم وبينهم ردما" -- كان يظن ان هذا الحاجز سوف يحمي هؤلاء الناس فقط ، "بينكم وبينهم"، ولكن يبدو انه كان المنفذ الاخير المتبقي لهم. وطبعا ليس من الضروري ان يعلم ذو القرنين بكافة الممرات والمداخل في تلك الجبال الوعرة.
صورة تخيلية لملكة السيث (قوم مأجوج) وهي تمسك برأس الملك كورش في وعاء الدم.
الملك كورش (Cyrus) مؤسس مملكة فارس دارت بينه وبين السيث عدة معارك خسرها كلها. قام الملك وبعث بهدية الى ملكة السيث وطلب الزواج منها، بحسب ما كتب هيرودوت، وكان اسمها توميري (Tomyris). رفضت الملكة عرض الزواج والهدية، وطلبت منه الحرب. ذهب كورش بجيش عظيم الى ارض المعركة. ولكن السيث فاجأوهم بخطة غير متوقعه. نزلوا لهم فجأة من على الجبال وقاموا بتقطيع الجيش الفارسي الى وحدات صغيرة. فهرب منهم من استطاع الهرب، وسقط الباقون بين قتيل واسير. كورش وقع في الاسر، ولكنه تمكن من الافلات ثم قتل نفسه. فقطع السيث رأسه وأحضروه في وعاء مملوء بالدم الى ملكتهم -- هذا ملخص ما كتبه هيرودوت والله اعلم بحقيقته. ولكن المعلومة التي لا جدال فيها هي انه قتل في معركة مع السيث. والضريح الموجود حاليا في ايران لا توجد في داخله جثة كورش، وإنما هو ضريح رمزي فقط.
ها نحن قد رأينا لمحة سريعة عن جبروت أولئك القوم وسطوتهم على شعوب الارض. السبب الذي مكنهم من الانتصار في معاركهم هو استراتيجيتهم الحربية، وليس العدد، وأيضا: القرآن لم يتحدث عن أعداد هائلة

 تاريخ حزقيال
ومع كل الاوهام التي كتبها حزقيال، فإن فيها فائدة واحده، وهي التأكيد على ان جوج وماجوج هم السيث والسارماش. حزقيال النبي عاش في القرن السادس قبل الميلاد. ورأينا فيما سبق ان السيث والسارماش استوطنوا اسيا الوسطى من القرن الثامن قبل الميلاد الى القرن الثاني الميلادي. وبناءا على هذا يمكن التعامل مع حزقيال على اساس انه مؤرخ عاصر الحدث، ولكن ليس بالطريقة التي يتم فيها التعامل مع كتابات المؤرخين، وإنما بإستنباط الاخبار من أقواله.
"يا ابن آدم، اجعل وجهك على «جوج» «أرض ماجوج»... وتنبّأ عليه" (حزقيال 38: 2) -- نجد هنا ان حزقيال ينسب الارض لماجوج، والحكومة لجوج (يأجوج). اجعل وجهك على «جوج» القائم على «أرض ماجوج» وتنبأ عليه (على جوج). ورأينا فيما سبق انه كانت حروب بين السيث والسارماش. المؤرخ يوسيفوس يهودي، ويعرف ما كتب حزقيال، ولكنه لم يتحدث عن جوج، وإنما عن ماجوج. وما كان ليكتب عنهم لولا الهجوم الذي شنوه على ميديا وأرمينيا. وعلى هذا نستنتج ان «ارض ماجوج» ليست اسم الارض كأرض، وإنما نسبة للقوم الذين يسكنونها. و أيضا رأينا فيما سبق ان الوحيدين الذين كان بمقدورهم التصدي لهجوم السيث هم جيرانهم السارماش. وبما ان السيث هم قوم ماجوج، فلم يبقى أمنا من خيار في تصنيف يأجوج سوى السارماش.
يبدو انه في الزمن الذي عاش فيه حزقيال كان قوم جوج (يأجوج) هم القوة الضاربة، فتنبأ حزقيال لهم. ولكن في زمن يوسيفوس انقلب الحال واصبج الماجوجيين هم المسيطرين على الارض.
القرآن صنف الاثنين، يأجوج ومأجوج، كمفسيدين في الارض. ولا فرق بينهما في السلب والنهب والتخريب. وبما انه كانت تدور بينهما حروب، فبالتأكيد تأثروا ببعض، ونسخ بعضهم من بعض أساليب القتال. وما سبق وقرأناه في اقتباس سابق عن ان اساليبهم القتالية تختلف هو مجرد تحليل وليس بالضروري ان يصح كل ما جاء فيه.
عملة معدنية كان يستخدمها السيث (الماجوجيين)
ولنقرأ الان بعض ما كتبه حزقيال عن جوج: "وأَضربُ قوسك من يدك اليسرى وأُسقط سهامك من يدك اليمنى" (حزقيال 39: 3). أي أن الله سوف يضرب قوس جوج ويُسقط سهامهم. وما كان حزقيال ليتحدث عن الاقواس والسهام إلا لأنها قوتهم الرئيسية. وهي نفس القوة التي يعطيها الاغريق للسيث. "و تأتي من موضعك من اقاصي الشمال انت و شعوب كثيرون معك كلهم راكبون خيلا" (38: 15). وهنا يحدد حزقيال ان المهاجمين من قوم جوج وحلفائهم سيأتون "كلهم" راكبون خيول. وأيضا رأينا في فقرة سابقة انهم دائما يحاربون على الخيول، واخترعوا آلة لتثبيت رجل الخيال، وليس لديهم كتائب مشاة، لذا يقول انهم سيأتون "كلهم" على خيول -- وكما ترى فإن الرجل كان ينظر لإمكانيات القوم من منظور ذلك الزمن، وكأن الزمن سيبقى على حاله كما عرفه حزقيال.
نبؤات حزقيال في الحقيقة لم تكن سوى اخبار من الماضي اتت بصيغة المستقبل.
وقد سبق ورأينا أن الماجوجيين لا يغزون بقصد احتلال الارض، وإنما بقصد السلب والنهب، لذا يقول حزقيال: "شبا وددان وتجار ترشيش وكل أشبالها يسألونك: هل لسلب سلب أنت جاءٍ؟ هل لغنم غنيمة جمعت جماعتك، لحمل الفضّة والذهب، لأخذ الماشية والقنية [البضائع]، لنهب نهب عظيم؟" (حزقيال 38: 13). شبا هي مملكة سبأ التي كانت في اليمن. اليهود لاينطقون حرف السين، لذا كتبها شبا. مملكة سبأ انقرضت في القرن الاول الميلادي وخلفتها مملكة حمير. ددن وترشيش (ترسوس) كانتا أيضا من تلك الممالك المنقرضه. ثم يتحدث عن سلب ونهب وجمع غنائم وماشية، وقل للزمان ارجع يا زمان!
ما نراه في النص اعلاه ان حزقيال ذكر اسماء ممالك وبلدان كانت موجودة. وعليه لابد من القول ان جوج أيضا كان موجود. وكل هذه الشعوب كانوا يعرفونه: "شبا وددان وتجار ترشيش وكل أشبالها يسألونك."
وبما أن حزقيال كان يخاطب قومه الذين هم في عصره، فلا بد من القول أيضا إنهم يعرفون عمّن يتحدث، ومن هم جوج وماجوج. هذه النبؤة ذكرت صفاتهم، وموطنهم أسيا الوسطى، أقاصي شمال فلسطين على رأي حزقيال. وبمقارنة ما جاء في كتاب حزقيال من صفات القوم، واساليبهم القتالية، وتخصصهم في السلب والنهب، مع ما جاء عنهم في كتابات الاغريق، وأبحاث المعاصرين، وقول يوسيفوس ان السيث هم قوم ماجوج، وفي معركتهم الاخيرة نهبوا ميديا وارمينيا واخذوا معهم كميات كبيرة من الغنائم والماشيه، نستنتج ان قوم ياجوج هم السارماش، وقوم ماجوج هم السيث. انتهى امرهم وانصهروا في شعوب الارض الى الابد

نهاية اسطورة
ولكن كيف تلاشت تلك القوة الاسطورية الرهيبة التي ارعبت شعوب الارض، وكأنها فص ملح وداب؟ ولماذا لم يكتب عن اختفائهم أحد من المؤرخين؟
المؤرخ يكتب عن الاحداث العظيمه، أمّا الاحداث الصغيرة فلا تجد لها طريقا في كتب التاريخ.
يوسيفوس كتب عن هجوم ساحق لا يُبقي ولا يَذر شنه الماجوجيين على ميديا وأرمينيا، ولكنه لن يكتب عن اسرة أو أسرتين من قوم مأجوج تنزح من موطنها الى دولة مجاوره.
حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (الانبياء 96
ينسلون من الحدب وليس من البوابه. ورأينا في الجزء الاول ان النسل لا يكون الا بشكل فردي أو جماعات صغيرة، كأسرة تخرج من قبيلة مثلا. ولا يمكن ان تقول عن جيش جرار انه نسل، أو جمع غفير لا يعد ولا يحصى بأنهم نسلوا. ولكن يمكن القول مثلا ان أفراد النادي تناسلوا واحد واحد (واحد تلو الآخر)، وليس جميعهم دفعة واحده. ويقال فلان من نسل علان، أي من ذريته. والذرية لا تأتي دفعة واحده، وإنما واحد واحد.
التفسير الوحيد لسر اختفائهم، من غير ان يلفت ذلك الاختفاء أنظار المؤرخين، هو تناسلهم من موطنهم بشكل فردي وجماعات صغيرة، وعلى مدى فترة من الزمن، واندماجهم في شعوب العالم.
ورأينا في اقتباس سابق: استوطن السيث مملكة سايثيا، وهي اسيا الوسطى، من القرن الثامن قبل الميلاد الى القرن الثاني الميلادي.
المعركة التي ذكرها يوسيفوس حدثت في حدود (70) ميلادي. وكان آخر تاريخ معروف عن السيث في القرن الثاني الميلادي. وهذه فترة زمنية مدتها ثلاثين الى خمسين سنة أو تزيد قليلا منذ فتح البوابة. في هذه الفترة خرج يأجوج ومأجوج من موطنهم، ومن التاريخ أيضا.
تفسير: بعد حصار استمر أكثر من أربعة قرون، سور الصين العظيم من جهة، وحائط هيركانيا من جهة ثانية، وبوابات الهند والسند من جهة أخرى، ثم جاءت بوابة ذو القرنين وزادت الخناق عليهم، فأصبحت حياتهم جحيم.
يقول يوسيفوس انهم أخذوا معهم أعداد غفيرة من البشر، بالاضافة الى الغنائم. هؤلاء البشر الذين أخذوهم اصبحوا عندهم عبيد وجواري. وهم قوم متحضرين جدا مقارنة بالهمج يأجوج ومأجوج. فغلبت عادات وتقاليد الحضر على عادات الهمج، فتأثر الهمج بعبيدهم وجواريهم. فمثلا الجارية تربي أطفالها على عاداتها التي اتت بها من بلدها. فكان جزء من النسل الجديد من سلالة الجواري. فبدأت العادات والتقاليد تختلط وتأخذ الطابع المدني بعد ذلك بدأت الاسر والعوائل "تنسل" من مجتمعاتها شيئا شيئا، وتلتحق بالمجتمعات المتحضره، لكي تعيش نفس الحياة التي كان يعيشها عبيدهم وجواريهم. وكلما نسلت اسرة من مجتمعها، تقوم اسرة أخرى بتقليدها وتتبعها. وعلى مدى ثلاثين الى خمسين سنة، أو أكثر قليلا، لم تبقى منهم اعداد تذكر في الجبال، ومن بقيَ لم يكن له تأثير أو كيان يذكر. فمنهم من ذهب الى الهند، والى فارس، والصين، وروسيا، وتركيا، وأوربا الشرقية، وأفغانستان، والشرق الاوسط، وغيرها من البلدان. وبعد ان فتحت البوابة، وبدأ يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون، نعود للآية من سورة الكهف فنجدها تقول: "وتركنا بعضهم يومئذ[يوم فتحت وبداوا ينسلون] يموج في بعض [يدخل بعضهم في الاخر] ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا"، وسيبقون مندمجين مع بقية شعوب العالم الى ان ينفخ في الصور وتقوم الساعة.
وقد رأينا في الجزء الاول قول ذو القرنين، "فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء" ان هذا وعد فتح البوابة، والاية من سورة الانبياء تنفي ان يكون هذا الوعد مرتبطا بيوم القيامة: "حتى اذا فتحت... اقترب الوعد الحق" -- "اقترب" وليس "وقع"، وقد سبق الحديث بالتفصيل عن هذه النقطة في الجزء الاول.
ما نجد هنا ان فتح البوابة لم يكن سببا مباشرا في تفريغ يأجوج ومأجوج من موطنهم، وإنما سبب غير مباشر. كما ان هؤلاء القوم لم يقوموا بهجرة جماعية، وإنما هجرة فردية، "ينسلون"، على مستوى الفرد أو الاسرة أو العائلة. فذابوا وانصهروا في المجتمعات المتحضرة التي هاجروا اليها واستقروا فيها. ولهذا السبب لم يعثر العالم على اثر لهم، ولم يكتب مؤرخ عن سر اختفائهم.
وطبعا ما نقوله هنا هو مجرد تحليل على ضوء المعلومات الشحيحة الموجودة ولا نعلم بحقيقة ما حدث. ولكن المعلومة الوحيدة الصحيحة التي تفسر سر اختفائهم، ومن غير ان يلفت ذلك الاختفاء أنظار المؤرخين، هي تناسلهم من مجتمعاتهم بأعداد قليله، على مستوى الاسرة والعائلة.
"من كل حدب ينسلون" -- هذه الجزء من الاية فيه معلومة أخرى أيضا! وهي ان أولئك القوم كانوا يقطنون الحدوب في أسيا الوسطى، وليس المناطق السهلة. لم يذكر أحد من المؤرخين القدماء عن المناطق التي كان يسكنها يأجوج ومأجوج (السيث والسارماش) في أسيا الوسطى. المستكشفين في العصر الحديث ركزوا في استكشاف المناطق السهلة. ووجدوا شيئا قليلا من تراثهم في هذه المناطق. ولكن القرآن يقول ان مساكنهم الحدوب وليس المناطق السهلة. فلو قام المستكشوفون بالبحث في الحدوب لوجدوا كمية أكبر من تراثهم

*

موقع بوابة ذو القرنين
رأينا في الاقتباس من تاريخ يوسيفوس ان البوابة التي شيدها الاسكندر كانت من حديد: "ممر أغلقه الاسكندر ببوابات حديد." وكما هو معلوم فإنه يستحيل ان يبقى الحديد على حاله لفترة (400) سنه من غير أن يتأثر بعوامل الطبيعة من رطوبة وجفاف وتآكل. لابد من القول ان هذا الحديد كان مطليا بمادة عازلة حافظت عليه من التآكل. وفي القرآن: "آتوني زبر الحديد... أفرغ عليه قطرا" هذا الكلام معقول، الحديد كان مطلي. قيل ان القطر هو النحاس. وإن كانت هذه المادة العازلة استطاعت المحافظة على البوابة من التآكل لمدة (400) سنة، فمن المفروض ان تكون قادرة على المحافظة عليها الى الابد. فهي اذن لا زالت موجودة ولكنها واقعة على الارض وتغطيها الشوائب. "فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء"، أي واقعا ومستويا بالارض.
لم يذكر يوسيفوس اين موقع هذه البوابة لأنها كانت من ضمن الخبر الذي دونه، ولم تكن خبرا مستقلا ليذكر عنها معلومات تفصيلية. كما ان الفرس لم يكونوا يسجلون التاريخ، ولا حتى يعرفون لماذا بنى اجدادهم حائط گورگان في هيكرانيا. فإذا كان حائط يمتد الى 180 كيلومتر لم يكتبوا عنه شيئ، فهل سيسجلوا معلومات عن بوابة تقع في مكان نائي بين الجبال؟
طبقا للقرآن، موقع الردم المكون من صدفين الذي بناه ذو القرنين يقع بين سدين، والسد هو الحاجز الفاصل المانع، والحاجز يمكن ان يكون طبيعي أو اصطناعي، وعادة ما يحجز ماء، ولكن يمكن ان يمنع حركة الناس أيضا. وقد طلبوا منه ان يصنع لهم سدا يقيهم شر يأجوج ومأجوج. وفي هذا الطلب مثال على سد يمنع حركة الناس. فإن كان السدين طبيعيين فيحتمل انهما جبلين.
قال يوسيفوس في خبره ان الاسكندر أغلق ممر، وفي القرآن أيضا ممر، وهذا يرجح ان السدين هما جبلين بينهما ممر.
وفي آية أخرى: "فما اسطاعوا ان يَظهروه وما استطاعوا له نقبا" -- "يَظهروه" تعني يركبوا على ظهره، يأتون من فوقه. "نقبا" تعني التنقيب من تحته أو اختراقه. «اسطاعوا» كلمة مخففة من «استطاعوا»، وفيها اشارة الى ان الاتيان من فوقه اسهل من التنقيب تحته. وعلى هذا المعنى نجد ان ارتفاع الردم لم يكن بالارتفاع الشاهق، وإلا لما حاولوا ان يظهروه.
وهنا سؤال يطرح نفسه: هل يعقل أن يأتي جيش كامل بالتسلل واحد واحد من تحت، أو واحد واحد من فوق؟
القرآن يتحدث عن محاولات، وليس عن الهدف الذي يريدون تحقيقه من هذا التسلل الفردي. فما هو الهدف إذن؟ الهدف على ما يبدو هو الوصول الى الجهة الثانية من الردم وفتحه، فتح البوابه. وما يدل على ان هذا هو الهدف المنشود، الاية من سورة الانبياء: "حتى إذا فتحت"، فتح كامل مرة واحدة، وليس التسلل الفردي واحد واحد.
لم يذكر القرآن إن كان يوجد حرس يحمي البوابة ويمنع المهاجمين من التسلل من فوقها أو من تحتها. ولكن كل شيئ وارد، وعندما نجد البوابة ان شاء الله سوف تتضح الصورة بشكل أفضل وبناءا على ما يمكن تصوره وتخيله، فإنه يحتمل ان يكون موقع البوابة في مكان ما قريب من بحر قزوين، ولكنها ليست بوابة قزوين التجارية المذكورة في بعض كتب التاريخ. هذا المكان يحتمل انه في تركمانستان أو أذربيجان، لأنهما يقعان على الجانبين من بحر قزوين، وربما في ايران. ويحتمل ان يكون المرر مثل المنظر الطبيعي الظاهر في الصور..
الختـــــــــــــــــــام
رأينا في الجزء الاول ان الاغريق يسمون مصر ايجبتوس، مع ان المصريين يسمونها مصر، والعرب يسمونها مصر، واليهود يسمونها مصريام. اختلفت التسميات، ولكن مصر واحده، بنفس الصفات التي اتفق عليها جميع هؤلاء الاقوام، اغريق وعرب ويهود. لن تجد في جميع كتابات اليهود مصطلح "ايجبتوس"، كما انك لن تجد في كتابات الاغريق مصطلح "مصر". وكذلك السيث والسارماش، اختلفت التسميات والمسمى واحد.
بما يعني:
يأجوج = السارماش (عند الاغريق)
مأجوج = السيث (عند الاغريق)
استوطنوا اسيا الوسطى وسكنوا في حدوبها. ولكن الناس الذين يسكنون أسيا الوسطى الان ليسوا هم السيث والسارماش (يأجوج ومأجوج).
أعطانا القرآن مواصفات دقيقة عن بوابة ذو القرنين، ولكنه لم يخبرنا عن موقعها. وبناءا على ما كتبه يوسيفوس، فإنها تقع في هيركانيا. ولم يتبقى لنا سوى البحث عنها واكتشافها -- البحث عن هذه البوابة والعثور عليها شيئ مهم جدا، وذلك لمحو الخرافات والاساطير التي تسيطر على عقول الغالبية العظمى من المسلمين الذين ينتظرون جوج وماجوج يوم القيامه! عندها سنقول تعالوا نحتكم للامر الواقع. أنتم تقولون سد عظيم، ولكنكم لم تجدوه. ونحن قلنا بوابة، فوجدناها تحت الارض وبهذا الجزء نكون قد أنهينا الحديث عن يأجوج ومأجوج.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2863
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى