* تاريخ مختصر الدول : من ابن كنزي - الى المأمون

اذهب الى الأسفل

* تاريخ مختصر الدول : من ابن كنزي - الى المأمون

مُساهمة  طارق فتحي في السبت فبراير 05, 2011 5:34 pm


(1/63)

أنا ابن كسرى وأبي مروان ... وقيصر جدي وجدي خاقان
وإنما جعل قيصر وخاقان جديه لأن أمه فيروز ابنة كسرى وأمها ابنة قيصر وأم كسرى ابنة خاقان ملك الترك.
" ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك " فلما مات يزيد بن الوليد قام بالأمر أخوه ابراهيم بعده غير أنه لم يتم له الأمر وكان يسلم عليه تارة بالخلافة وتارة بالامارة وتارة لا يسلم عليه بواحدة منهما. فمكث سبعين يوما ثم سار إليه مروان بن محمد فخلعه. ثم لم يزل حيا حتى أصيب سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
" مروان بن محمد بن مروان بن الحكم " لما مات يزيد بن الوليد بن عبد الملك سار مروان في جنود الجزيرة إلى الشام لمحاربة ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك. ولما دخل دمشق أتى بالغلامين الحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد بن عبد الملك مقتولين فدفنهما وبايعه الناس. فلما استقر له الأمر رجع إلى منزله بحران فطلب منه الأمان لابراهيم ابن الوليد وسليمان بن هشام بن عبد الملك فأمنهما. وفي هذه السنة أعني سنة سبع وعشرين ومائة حارب سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد وانهزم أصحاب سليمان وقتل منهم نحو ستة آلاف. وفيها توجه سليمان بن كثير ولا هز بن قريط وقحطبة إلى مكة فلقوا ابراهيم بن محمد الأمام بها وأوصلوا إلى مولى له عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ومسكا ومتاعا كثيرا. وكان معهم أبو مسلم. فقال سليمان لابراهيم الامام: هذا مولاك. فأمر ابراهيم أبا مسلم على خراسان. وفي سنة تسع وعشرين ومائة بعث ابراهيم الامام إلى أبي مسلم بلواء يدعى الظل وراية تدعى السحاب فعقدهما على رمحين وأظهر الدعوة العباسية بخراسان وتأول الظل والسحاب أن السحاب يطبق الأرض وكما أن الأرض لا تخلو من الظل كذلك لا تخلو من خليفة عباسي آخر الدهر. وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة حج ابراهيم بن محمد الامام ومعه أخواه أبو العباس وأبو جعفر وولده وعمه ومواليه على ثلاثين نجيبا عليهم الثياب الفاخرة والرحال والأثقال. فشهره أهل الشام وأهل البوادي والحرمين معما انتشر في الدنيا من ظهور أمرهم. وبلغ مروان خبر حجهم فكتب إلى عاملة بدمشق يأمره بتوجيه خيل إليه. وكان مروان بأرض الشام. ووجه العامل خيلا فهجموا على ابراهيم فأخذوه وحملوه إلى سجن حران فأثقلوه بالحديد وضيقوا عليه الحلقة حتى مات. ولما أحس ابراهيم بالطلب أوصى إلى أخيه أبي العباس ونعي نفسه إليه وأمره بالمسير إلى الكوفة بأهل بيته. فسار معه أخوه أبو جعفر وعمه وستة رجال حتى قدموا الكوفة مستخفين.
" أبو العباس السفاح " وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة خرج أبو العباس بن محمد الامام بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ليلة الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول من دار أبي مسلمة بالكوفة فصلى المغرب في مسجد بني أيوب ودخل منزله. فلما أصبح غدا عليه القواد في التعبية والهيئة وقد أعدوا له السواد والمركب والسيف. فخرج أبو العباس فيمن معه إلى القصر الذي للأمارة. ثم خرج إلى المقصورة وصعد المنبر وبايعه الناس. ثم وجه عمه عبد الله إلى مروان وهو نازل بالزاب. فوقاع عبد الله مروان فهزمه. فمر مروان على وجهه ومضى فعبر جسر الفرات فوق حران وجمع جمعا عظيمابنهر فطرس من أرض فلسطين. وعبر أيضا عبد الله الفرات وحاصر دمشق حتى افتتحها وقتل من بها من بني أمية وهدم سورها حجرا حجرا ونبش عن قبور بني أمية وأحرق عظامهم بالنار. ثم ارتحل نحو مروان فهزمه واستباح عسكره. وهرب مروان إلى أرض مصر فاتبعه جيش عبد الله واستدلوا عليه وهو في كنيسة في بوصير فطعنه رجل فصرعه واحتز آخر رأسه وبعث به إلى أبي العباس السفاح. وكان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وفي سنة ست وثلاثين ومائة مات السفاح بالانبار مدينته التي بناها واستوطنها لثلث عشرة سنة مضت من ذي الحجة بالجدري. وكان له يوم مات ثلث وثلاثون سنة. وكانت ولايته من لدن قتل مروان أربع سنين. وكان أبو العباس رجلا طويلا أبيض اللون حسن الوجه يكره الدماء ويحامي على أهل البيت.

(1/64)

" أبو جعفر المنصور " هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بويع له سنة سبع وثلاثين ومائة. وفي هذه السنة قتل أبو مسلم الخراساني قتله المنصور بسبب أنهما حجا معا في أيام السفاح. وكان أبو مسلم يكسو الأعراب ويصلح الآبار والطرق. وكان الذكر له. فحقد أبو جعفر ذلك عليه. ولما صدر الناس عن الموسم تقدم أبو مسلم في الطريق على أبي جعفر فأتاه خبر وفاة السفاح فكتب إلى أبي جعفر يعزيه عن أخيه ولم يهنه بالخلافة ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع إليه. فخافه أبو جعفر المنصور وأجمع الرأي وعمل المكايد وهجر النوم إلى أن اقتنصه. وكان أبو مسلم استشار رجلا من أصحابه بالري في رجوعه إلى المنصور فقال: لا أرى أن تأتيه وأرى أن تمتد إلى خراسان. فلما لم يقبل منه وسار نحو المنصور قيل له: تركت الرأي بالري فذهب مثلا. فلما دنا أبو مسلم من المنصور أمر الناس بتلقيه وأكرامه غاية الكرامة. ثم قدم فدخل على المنصور وقبل يده. فأمره أن ينصرف ويروح نفسه ليلته ويدخل الحمام. فانصرف. فلما كان من الغد أعد المنصور من أصحاب الحرس أربعة نفر وأكمنهم خلف الرواق وقال لهم: إذا أنا صفقت بيدي فشأنكم. وأرسل إلى أبي مسلم يستدعيه ودخل على المنصور فأقبل عليه يعاتبه ويذكر عثراته. فمما عد عليه أن قال: ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك. ودخلت علينا وقلت: أين بان الحارثية. ويأتيك كتابي فتقرأه استهزاء ثم تلقيه إلى مالك ابن الهيثم ويقرأه وتضحكان. فجعل أبو مسلم يعتذر إليه ويقبل الأرض بين يديه. فقال المنصور: قتلني الله إن لم أقتلك. وصفق بيديه فخرج الحراس يضربونه بسيوفهم وهو يصرخ ويستأمن ويقول: استبقني لعدوك يا أمير المؤمنين. فقال له المنصور: وأي عدو لي أعدى منك. وقيل كانت عند أبي مسلم ثلث نسوة وكان لايطأ المرأة منهم في السنة إلا مرة واحدة. وكان من أغير الناس لا يدخل قصره أحد غيره وفيه كوى يطرح منها لنسائه ما يحتجن إليه. قالوا ليلة زفت إليه امرأته أمر بالبرذون الذي ركبته فذبح وأحرق سرجه لئلا يركبه ذكر بعدها. قالوا وكان من أشد الناس طمعا وأكثرهم طعاما يخبز كل يوم في مطبخه ثلثة آلاف قرف ويطبخ مائة شاة سوى البقر والطير. وكان له ألف طباخ وآلة المطبخ تحمل على ألف ومائتي رأس من الدواب. وقيل كان أبو مسلم شجاعا ذا رأي وعقل وتدبير وحزم ومروءة. وقيل بل كان فاتكا قليل الرحمة قاسي القلب سوطه سيفه قتل ستمائة ألف ممن يعرف صبرا سوى من لايعرف ومن قتل في الحروب والهيجات. وسئل بعضهم: أبو مسلم كان خيرا أو الحجاج. قال: لا أقول أن أبا مسلم خير من أحد ولكن الحجاج كان شرا منه. وزعم قوم أن أبا مسلم كان من قرية من قرى مرو. ويقال: بل كان من العرب سمع الحديث وروى الأشعار. وقيل كان عبدا. وقد نسبه بعض الشعراء إلى الأكراد حين هجاه. وفي سنة أربعين ومائة سير المنصور عبد الوهاب ابن أخيه ابراهيم بن محمد الأمام في سبعين ألف مقاتل إلى ملطية. فنزلوا عليها وعمروا ماكان خربه الروم منها. ففرغوا من العمارة في ستة أشهر. واسكنها المنصور أربعة آلاف من الجند وأكثر فيها من السلاح والذخائر وبنى حصن قلوذية. وفي هذه السنة خرج الرواندية على المنصور بمدينة الهاشمية وهم قوم من أهل خراسان يقولون بتناسخ الأرواح ويزعمون أن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور. وجعلوا يطوفو بقصره ويقولون: هذا قصر ربنا فأنكر ذلك المنصور وخرج إليهم ماشيا إذ لم يكن في القصر دابة. ونودي في أهل السوق فاجتمعوا وحملوا عليهم وقاتلوهم فقتلوا أعني الرواندية جميعا وهم يومئذ ستمائة رجل. وفي السنة الرابعة والأربعين أخذ المنصور من أولاد الحسين بن علي بن أبي طالب اثني عشر إنسانا ورحلهم من المدينة إلى الكوفة وحبسهم في بيت ضيق لا يمكن لأحد من مقعده يبول بعضهم على بعض ويتغوط ولا يدخل عليهم روح الهواء ولا تخرج عنهم رائحة القذارة حتى ماتوا عن آخرهم. فخرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة وجمع الجموع وتسمى بالمهدي. وخرج ابراهيم أخوه بالبصرة في ثلاثين ألفا. وقتلا ولم ينجحا. وفي سنة خمس وأربعين ومائة ابتدأ المنصور في بناء عمارة مدينة بغداد. وسبب ذلك أنه كان قد ابتنى الهاشمية بنواحي الكوفة. فلما ثارت الرواندية به فيها كره سكناه لذلك ولجوار أهل الكوفة أيضا

(1/65)

فإنه كان لا يأمن أهلها على نفسه وكانوا قد أفسدوا جنده. فخرج بنفسه يرتاد موضعا يسكنه هو وجنده. فقال له أهل الحذق: إنا نرى يا أمير المؤمنين أن يكون على الصراة وبين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر فإذا قطعته لم يصل إليك. وأنت متوسط للبصرة والكوفة و واسط والموصل والسواد. ودجلة والفرات والصراة خنادق مدينتك. وتجيئك الميرة فيها من البر والبحر. فازداد المنصور حرصا على النزول في ذلك الموضع. ولما عوم على بناء بغدا أمر بنقض المدائن وايوان كسرى. فنقضه ونقله إلى بغداد. فنقضت ناحية من القصر الأبيض وحمل نقضه فنظر وكان مقدار ما يلزمهم له أكثر من ثمن الجديد فأعرض عن الهدم. وجعل المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض. وعمل له سورين للداخل أعلى من الخارج. وبنى قصره في وسطها والمسجد الجامع بجانب القصر وقبلته غير مستقيمة يحتاج المصلي أن ينحرف إلى باب البصرة. وكانت الأسواق في مدينته فجاءه رسول لملك الروم. فأمر الربيع فطاف به في المدينة. فقال: كيف رأيت. قال: رأيت بناء حسنا إلا أني رأيت أعداءك معك وهم السوقة. فلما عاد الرسول عنه أمر بأخراجهم إلى ناحية الكرخ وأمر أن يجعل في كل ربع من مدينته بقال يبيع البقل والخل حسب. في سنة خمسين ومائة مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت الأمام. وفي سنة ثماني وخمسين ومائة سار المنصور من بغداد ليحج فنزل قصر عبدويه فانقض في مقامه هنالك كوكب بعد إضاءة الفجر وبقي أثره بينا إلى طلوع الشمس. فأحضر المهدي ابنه وكان قد صحبه ليودعه فوصاه بالمال والسلطان. وقال له أيضا: أوصيك بأهل البيت أن تظهر كرامتهم فإن عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل. وانظر مواليك وأحسن إليهم واستكثر منهم فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك وما أظنك تفعل. وانظر هذه المدينة وأياك أن تبني المدينة الشرقية فإنك لاتتم بناءها وأظنك ستفعل. وإياك أن تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل. هذه وصيتي إليك والله خليفتي عليك. ثم ودعه وبكى كل منهما إلى صاحبه. ثم سار إلى الكوفة وكلما سار منزلا اشتد وجعه الذي مات به وهو القيام. فلما وصل إلى بئر ميمون مات بها مع السحر لست خلون من ذي الحجة سنة ثماني وخمسين ومائة. وحمل إلى مكة وحفروا له مائة قبر ليعموا على الناس ودفن في غيرها مكشوف الرأس لاحرامه وكان عمره ثلاثا وستين سنة وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة. وقيل في صفته وسيرته أنه كان أسمر نحيفا خفيف العارضين وكان من أحسن الناس خلقا ما لم يخرج إلى الناس وأشدهم احتمالا لما يكون من عبث الصبيان. فإذا لبس ثيابه وخرج هابه الأكابر فضلا عن الأصاغر. ولم ير في داره لهو ولا شيء من اللعب والعبث. قال حماد التركي: كنت واقفا على رأس المنصور فسمع جلبة فقال: انظر ما هذا. فذهبت فإذا خادم له قد جلس وحوله الجواري وهو يضرب لهن بالطنبور وهن يضحكن فأخبرته فقال: وأي شيء الطنبور. فوصفته له. فقال: ما يدريك أنت ما الطنبور. قلت: رأيته بخراسان. فقام ومشى إليهن. فلما رأينه تفرقن. فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور حتى تكسر الطنبور وأخرجه فباعه. ولم أفضى إليه الأمر أمر بتغيير الزي وتطويل القلانس. فجعلوا يحتالون لها بالقصب من داخل. وأمر بعد دور أهل الكوفة وقسمة خمسة دراهم على كل دار. فلما عرف عددهم جباهم أربعين درهما أربعين درهما.نه كان لا يأمن أهلها على نفسه وكانوا قد أفسدوا جنده. فخرج بنفسه يرتاد موضعا يسكنه هو وجنده. فقال له أهل الحذق: إنا نرى يا أمير المؤمنين أن يكون على الصراة وبين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر فإذا قطعته لم يصل إليك. وأنت متوسط للبصرة والكوفة و واسط والموصل والسواد. ودجلة والفرات والصراة خنادق مدينتك. وتجيئك الميرة فيها من البر والبحر. فازداد المنصور حرصا على النزول في ذلك الموضع. ولما عوم على بناء بغدا أمر بنقض المدائن وايوان كسرى. فنقضه ونقله إلى بغداد. فنقضت ناحية من القصر الأبيض وحمل نقضه فنظر وكان مقدار ما يلزمهم له أكثر من ثمن الجديد فأعرض عن الهدم. وجعل المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض. وعمل له سورين للداخل أعلى من الخارج. وبنى قصره في وسطها والمسجد الجامع بجانب القصر وقبلته غير مستقيمة يحتاج المصلي أن ينحرف إلى باب البصرة. وكانت الأسواق في مدينته فجاءه رسول لملك الروم. فأمر الربيع فطاف به في المدينة. فقال: كيف رأيت. قال: رأيت بناء حسنا إلا أني رأيت أعداءك معك وهم السوقة. فلما عاد الرسول عنه أمر بأخراجهم إلى ناحية الكرخ وأمر أن يجعل في كل ربع من مدينته بقال يبيع البقل والخل حسب. في سنة خمسين ومائة مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت الأمام. وفي سنة ثماني وخمسين ومائة سار المنصور من بغداد ليحج فنزل قصر عبدويه فانقض في مقامه هنالك كوكب بعد إضاءة الفجر وبقي أثره بينا إلى طلوع الشمس. فأحضر المهدي ابنه وكان قد صحبه ليودعه فوصاه بالمال والسلطان. وقال له أيضا: أوصيك بأهل البيت أن تظهر كرامتهم فإن عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل. وانظر مواليك وأحسن إليهم واستكثر منهم فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك وما أظنك تفعل. وانظر هذه المدينة وأياك أن تبني المدينة الشرقية فإنك لاتتم بناءها وأظنك ستفعل. وإياك أن تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل. هذه وصيتي إليك والله خليفتي عليك. ثم ودعه وبكى كل منهما إلى صاحبه. ثم سار إلى الكوفة وكلما سار منزلا اشتد وجعه الذي مات به وهو القيام. فلما وصل إلى بئر ميمون مات بها مع السحر لست خلون من ذي الحجة سنة ثماني وخمسين ومائة. وحمل إلى مكة وحفروا له مائة قبر ليعموا على الناس ودفن في غيرها مكشوف الرأس لاحرامه وكان عمره ثلاثا وستين سنة وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة. وقيل في صفته وسيرته أنه كان أسمر نحيفا خفيف العارضين وكان من أحسن الناس خلقا ما لم يخرج إلى الناس وأشدهم احتمالا لما يكون من عبث الصبيان. فإذا لبس ثيابه وخرج هابه الأكابر فضلا عن الأصاغر. ولم ير في داره لهو ولا شيء من اللعب والعبث. قال حماد التركي: كنت واقفا على رأس المنصور فسمع جلبة فقال: انظر ما هذا. فذهبت فإذا خادم له قد جلس وحوله الجواري وهو يضرب لهن بالطنبور وهن يضحكن فأخبرته فقال: وأي شيء الطنبور. فوصفته له. فقال: ما يدريك أنت ما الطنبور. قلت: رأيته بخراسان. فقام ومشى إليهن. فلما رأينه تفرقن. فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور حتى تكسر الطنبور وأخرجه فباعه. ولم أفضى إليه الأمر أمر بتغيير الزي وتطويل القلانس. فجعلوا يحتالون لها بالقصب من داخل. وأمر بعد دور أهل الكوفة وقسمة خمسة دراهم على كل دار. فلما عرف عددهم جباهم أربعين درهما أربعين درهما.


الكتاب : تاريخ مختصر الدول
المؤلف : ابن العبري
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
بحث في الصفحة الحالية
وكان المنصور في صدر أمره عندما بنى بغداد أدركه ضعف في معدته وسوء استمراء وقلة شهوة. وكلما عالجه الأطباء ازداد مرضه. فقيل له عن جيورجيس بن بختيشوع الجنديسابوري انه أفضل الأطباء. فتقدم بإحضاره. فأنفذه العامل بجنديسابور بعد ما أكرمه. فخرج ووصى ولده بختيشوع بالبيمارستان واستصحب معه تلميذه عيس ابن شهلاثا ولما وصل إلى بغداد أمر المنصور بإحضاره. فلما وصل إلى الحضرة دعا له بالفارسية والعربية. فعجب المنصور من حسن منطقه ومنظره وأمره بالجلوس وسأله عن أشياء فأجابه عنها بسكون. وخبره بمرضه. فقال له جيورجيس: أنا أدبرك بمشية الله وعونه. فأمر له في الوقت بخلعة جليلة وتقدم إلى الربيع بإنزاله في أجمل موضع من دوره وإكرامه كما يكرم أخص الأهل. ولم يزل جيورجيس يتلطف له في تدبيره حتى برئ من مرضه وفرح به فرحا شديدا. وقال له يوما: من يخدمك ههنا. قال: تلامذتي. فقال له الخليفة: سمعت أته ليست لك امرأة. فقال : لي زوجة كبيرة ضعيفة لا تقدر على النهوض من موضعها. وانصرف من الحضرة ومضى إلى البيعة. فأمر المنصور خادمه سالما أن يحمل من الجواري الروميات الحسان ثلاثا إلى جيورجيس مع ثلاثة آلاف دينار. ففعل ذلك. فلما انصرف جيورجيس إلى منزله عرفه عيسى بن شهلاثا تلميذه بما جرى وأراه الجواري. فأنكر أمرهن وقال لعيسى: يا تلميذ الشيطان لم أدخلت هؤلاء إلى منزلي. أردت أن تنجسني. امض وردهن على أصحابهن. فمضى إلى دار الخليفة وردهن على الخادم. فلما اتصل الخبر إلى المنصور أحضره وقال له: لم رددت الجواري. قال: لا يجوز لنا معشر النصارى أن نتزوج بأكثر من امرأة واحدة وما دامت المرأة حية لا نأخذ غيرها. فحسن موضع هذا من الخليفة وزاد موضعه عنده. وهذا ثمرة العفة. ولما كان في سنة اثنتين وخمسين ومائة مرض جيورجيس مرضا صعبا. ولما اشتد مرضه أمر المنصور بحمله إلى دار العامة وخرج ماشيا إليه وتعرف خبره. فخبره وقال له: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في الانصراف إلى بلدي لانظر أهلي وولدي وإن مت قبرت مع آبائي. فقال له: يا حكيم اتق الله وأسلم وأنا أضمن لك الجنة. قال جيورجيس قد رضيت حيث آبائي في الجنة أو في النار. فضحك المنصور من قوله ثم قال: إنني منذ رأيتك وجدت راحة من الأمراض التي كانت تعتادني. فقال جيورجيس: أنا أخلف بين يدي أمير المؤمنين عيس تلميذي فهو ماهر. فأمر لجيورجيس بعشرة آلاف دينار وأذن له بالانصراف وأنفذ معه خادما وقال: إن مات في الطريق فاحمله إلى منزله ليدفن هناك كما أحب. فوصل إلى بلده حيا. ثم أمر المنصور بإحضار عيسى ابن شهلاثا. فلما مثل بين يديه سأله عن أشياء فوجده ماهرا فاتخذه طبيبا. ولما استصحبه المنصور بدأ في التشاور والأذية خاصة على المطارنة والأساقفة ومطالبتهم بالرشى. ولما خرج المنصور في بعض أسفاره وصل إلى قريب نصيبين. فكتب عيسى إلى قوفريان مطران نصيبين يتهدده ويتوعده إن منع عنه ما التمسه منه. وكان عيسى قد التمس أن ينفذ له من آلات البيعة أشياء جليلة ثمينة لها قدر. وكتب في كتابه إلى المطران: ألست تعلم أن أمر الخليفة في يدي إن أردت أمرضته وإن أردت شفيته؟ فلما وقف المطران على الكتاب احتال في التوصل إلى الربيع وشرح له صورة الحال فأقرأه الكتاب وأوصله الربيع إلى الخليفة ووقفه على حقيقة الأمر. فأمر المنصور بأخذ جميع ما يملكه عيس الطبيب وتأديبه ونفيه. ففعل به ذلك ونفي أقبح نفي. وهذا ثمرة الشر. وكان نوبخت المنجم الفارسي يصحب المنصور وكان فاضلا حاذقا خبيرا باقتران الكواكب وحوادثها. ولما ضعف عن الصحة قال له المنصور: أحضر ولدك ليقوم مقامك. فسير ولده أبا سهل. قال أبو سهل: فلما دخلت على المنصور ومثلت بين يديه قيل لي: تسم لأمير المؤمنين. فقلت: اسمي خرشاذماه طيماذاه ماباذار خسرو ابهمشاذ. فقال لي المنصور: كل ما ذكرت فهو اسمك! " قال " قلت: نعم. فتبسم المنصور ثم قال: ما صنع أبوك شيئا فاختر مني إحدى خلتين إما أن اقتصر بك من كل ما ذكرت على طيماذ وإما أن تجعل لك كنية تقوم مقام الاسم وهي أبو سهل. قال أبو سهل: قد رضيت بالكنية. فبقيت كنيته وبطل اسمه.

(1/67)

" المهدي بن المنصور " لما مات المنصور ببئر ميمون لم يحضره عند وفاته إلا خدمه والربيع مولاه. فكتم الربيع موته وألبسه وسنده وجعل على وجهه كلة خفيفة يرى شخصه منها ولا يفهم أمره وأدنى أهله منه. ثم قرب منه الربيع كأنه يخاطبه. ثم رجع إليهم وأمرهم عنه بالبيعة للمهدي بن المنصور بن محمد الامام ولابن عمه عيسى بن موسى بن محمد الامام بعده. فبايعوا. ثم أخرجهم. وبعد ذلك خرج إليهم باكيا مشقوق الجيب لاطما رأسه. ثم وجه إلى المهدي بخبر وفاة المنصور وبالبيعة له ولابن عمه عيسى بن موسى بعده. فأبى عيسى بن موسى من البيعة للمهدي وامتنع بالكوفة وأراد أن يتحصن بها. فبعث المهدي أبا هريرة في ألف فارس فأخذه إلى المهدي. ولم يزل يراوضه ويراوده حتى أجاب إلى خلع نفسه. فعوضه عنها عشرة آلاف دينار وبايع للمهدي ولابنه موسى الهادي. وفي أيام المهدي خرج بخراسان رجل يقال له يوسف البرم واستغوى خلقا فبعث إليه المهدي جيوشا ففضوا جموعه وأسوره وحملوه إلى المهدي. فأمر به فصلب. وخرج المقنع وادعى النبوة وقال بتناسخ الأرواح واتبه ناس كثيرون. وكان هذا رجلا أعور من قرية بمرو يقال لها كره. وكان لايسفر عن وجهه لأصحابه فلذلك قيل له المقنع. وكان يحسن شيئا من الشعبذة وأبواب النيرنجيات فاستغوى أهل العقول الضعيفة واستمالهم، فبعث المهدي في طلبه فصار إلى مار وراء النهر وتحصن في قلعة كنس وجمع فيها من الطعام والعلوفة وبث الدعاة في الناس وأدعى إحياء الموتى وعلم الغيب. وألح المهدي في طلبه فحوصر. فلما اشتد الحصار عليه وأيقن بالهلاك جمع نساءه وأهله كلهم وسقاهم السم فماتوا عن آخرهم. وأحرق كل ما في القلعة من دابة وثوب وطعام. وألقى نفسه في النار لئلا يلقى جسده العدو. ودخل العسكر القلعة ووجدوها خالية خاوية. وكان ذلك مما زاد في افتتان من بقي من أصحابه بما وراء النهر. وكان وعدهم أن تتحول روحه إلى قالب رجل أشمط على برذون أشهب وإنه يعود إليهم بعد كذا سنة ويملكهم الأرض. فهم بعد يتنظرونه ويسمون المبيضة. وفي سنة خمس وستين ومائة سير المهدي ابنه الرشيد لغزو الروم. فسار حتى بلغ خليج القسطنطينية. وصاحب الروم يومئذ ايريني امرأة لاون الملك. وذلك أن ابنها كان صغيرا قد هلك أبوه وهو في حجرها. فجزعت المرأة من المسلمين وطلبت الصلح من الرشيد. فجرى الصلح بينهم على الفدية وأن تقيم له الادلاء والأسواق في طريقه. وذلك أنه دخل مدخلا ضيقا مخوفا من أحد جانبيه جبل وعر ومن جانبه الآخر نهر ساغريس. فأجابته إلى ذلك ومقدار الفدية سبعون ألف دينار لكل سنة ورجع عنها. واو كانت ذات همة لأمكنها منع المسلمين من الخروج والفتك بهم. وفي سنة تسع وستين ومائة عزم المهدي على خلع ابنه الموسى الهادي والبيعة للرشيد بولاية العهد. فبعث إليه وهو بجرجان في المعنى. فلم يفعل وامتنع من القدوم أيضا. فسار المهدي يريده. فلما بلغ ماسبذان. عمدت حسنة جاريته إلى كمثرى فأهدته جارية أخرى كان المهدي يتخطاها وسمت منه كمثراة هي أحسن الكمثرى. فاجتاز الخادم بالمهدي وكان يعجبه الكمثرى فأخذ تلك الكمثراة المسمومة فأكلها. فلما وصلت إلى جوفه صاح: جوفي جوفي. فسمعت حسنة بموته فجاءت تبكي وتلطم وجهها وتقول: أردت أن أنفرد بك فقتلتك. فمات من يومه وكان موته في المحرم لثمان بقين منه سنة تسع وستين ومائة وكانت خلافته عشر سنين وتوفي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ودفن تحت جوزة كان يجلس تحتها.

(1/68)

حكي إنه لما هم المهدي بالخروج إلى ماسبذان تقدم إلى حسنة حظيته أن تخرج معه. فأرسلت إلى توفيل بن توما النصراني المنجم الرهاوي وهو رئيس منجمي المهدي قائلة له: إنك أشرت على أمير المؤمنين بهذا السفر فجشمتنا سفرا لم يكن في الحساب. فعجل الله موتك وأراحنا منك. فلما بلغته رسالتها قال للجارية التي أتته بها: إرجعي إليه وقولي لها أن هذه الإشارة ليست مني. وإما دعاؤك علي بتعجيل الموت فهذا شيء قد قضى الله به وموتي سريع فلا تتوهمي أن دعوتك استجيبت. ولكن أعدي لنفسك ترابا كثيرا. فإذا أنا مت فاجعليه على رأسك. فما زالت متوقعة تأويل قوله منذ توفي حتى توفي المهدي بعد عشرين يوما. وكان توفيل هذا على مذهب الموارنة الذين في جبل لبنان من مذاهب النصارى. وله كتاب تاريخ حسن ونقا كتابي اوميروس الشاعر على فتح مدينة ايليون في قديم الدهر من اليونانية إلى السريانية بغاية ما يكون من الفصاحة.
وفي هذا الزمان اشتهر في الطب أبو قريش طبيب المهدي وهو المعروف بعيسى الصيدلاني. ولم يذكر هذا في جملة الأطباء لأنه كان ماهرا بالصناعة وإنما يذكر لظريف خبره وما فيه من العبرة وحسن الاتفاق. وهو أن هذا الرجل كان صيدلانيا ضعيف الحال جدا. فتشكت الخيزران حظية المهدي وكانت من مولدات المدينة. وتقدمت إلى جاريتها بأن تخرج القارورة إلى طبيب غريب لا يعرفها. وكان أبو قريش بالقرب من القصر الذي للمهدي. فلما وقع نظر الجارية عليه أرته القارورة. فقال لها: لمن هذا الماء؟ فقالت: لامرأة ضعيفة. فقال: بل لملكة جليلة عظيمة الشأن وهي حبلى بملك. وكان هذا القول منه على سبيل الرزق. فانصرفت الجارية من عنده وأخبرت الخيزران بما سمعت منه. ففرحت بذلك فرحا شديدا وقالت: ينبغي أن تضعي علامة على دكانه حتى إذا صح قوله اتخذناه طبيبا لنا. وبعد مدة ظهر الحبل وفرح به المهدي فرحا شديدا. فأنفذت الخيزران إلى أبي قريش خلعتين فاخرتين وثلاثمائة دينار وقالت: استعن بهذه على أمرك. فإن صح ما قلته استصحبناك. فعجب أبو قريش من ذلك وقال: هذا من عمدي ربي عز وجل لأنني ما قلته للجارية إلا وقد كان هاجسا من غير أصل. ولما ولدت الخيزران موسى الهادئ سر المهدي سرورا عظيما. وحدثته الخيزران الحديث فاستدعى أبا قريش وخاطبه. فلم يجد عنده علما بالصناعة إلا شيئا يسيرا من علم الصيدلة. إلا أنه اتخذه طبيبا لما جرى منه واستصحبه وأكرمه الإكرام التام وحظي عنده.
" الهادي بن المهدي " لما توفي المهدي كان الرشيد معه في ماسبذان. فكتب إلى الآفاق بوفاة المهدي والبيعة لموسى الهادي. وسار نصير الوصيف إلى الهادي بجرجان يعلمه بوفاة المهدي والبيعة له. فنادى بالرحيل. ولما قدم بغداد استوزر الربيع. وفي هذه السنة وهي سنة تسع وستين ومائة تتبع الهادي الزنادقة وقتل منهم جماعة كانوا إذا نظروا إلى الناس في الطواف يهزلون ويقولون: ما أشبههم ببقر تدوس البيدر. وقتل أيضا يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب.
وفي سنة سبعين ومائة توفي الهادي. وسبب وفاته إنه لما ولي الخلافة كانت أمه الخيزران تستبد بالأمور دونه. وكلمته يوما في أمر لم يجد إلى أجابتها سبيلا. فقالت: لا بد من الإجابة إليه. فغضب الهادي وقال: والله لا قضيتها لك. قالت: إذا والله لا أسألك حاجة أبدا. قال: لا أبالي. فقامت مغضبة. فقال: مكانك. والله لئن بلغني أنه وقف في بابك أحد من قوادي لأضربن عنقه. ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك. أما لم مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك! فانصرفت وهي لا تعقل. ووضعت جواريها عليه لما مرض فقتلنه بالغم وبالجلوس على وجهه. فمات ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول. وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر وكان عمره ستا وعشرين سنة.

(1/69)

" هرون الرشيد بن المهدي " لما توفي الهادي بويع الرشيد هرون بالخلافة في الليلة التي مات فيها الهادي. وكان عمره حين ولي اثنتين وعشرين سنة. وأمه الخيزران. ولما مات الهادي خرج الرشيد فصلى عليه بعيساباذ. ولما عاد الرشيد إلى بغداد وبلغ الجسر دعا الغواصين وقال: كان أبي قد وهب لي خاتما شراؤه مائة ألف دينار. فأتاني رسول الهادي أخي يطلب الخاتم وأنا ههنا فألقيته في الماء. فغاصوا عليه وأخرجوه فسر به. ولما مات الهادي هجم خزيمة بن خازم تلك الليلة على جعفر بن الهادي فأخذه من فراشه وقال له: لتخلعنها أو لأضربن عنقك. فأجاب إلى الخلع. وأشهد الناس عليه. فحظي بها خزيمة.
وقيل لما مات الهادي جاء يحيى بن خالد البرمكي إلى الرشيد فأعلمه بموته. فبينما هو يكلمه إذ أتاه رسول آخر يبشه بمولود. فسماه عبد الله وهو المأمون. فقيل: في ليلة مات خليفة وقام خليفة وولد خليفة. وفي هذه السنة ولد الأمين واسمه محمد في شوال وكان المأمون أكبر منه. ولما ولي الرشيد استوزر يحيى البرمكي.
وفي سنة اثنتين وثمانين ومائة بايع الرشيد لعبد الله المأمون بولاية العهد بعد الأمين وولاه خراسان وما يتصل بها إلى همذان ولقبه المأمون وسلمه إلى جعفر بن يحيى البرمكي. وفيها حملت بنت خاقان الخزر إلى الفضل بن يحيى البرمكي. فماتت ببرذعة فرجع من معها إلى أبيها فأخبروه أنها قتلت غيلة فتجهز إلى بلاد الإسلام. وفيها سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن لاون وأقروا أمه ايريني. وغزا المسلمون الصائفة فبلغوا أفسوس مدينة أصحاب الكهف. وفي سنة ثلاث وثمانين ومائة خرج الخزر بسبب ابنه خاقان من بابا الأبواب فأوقعوا بالمسلمين وأهل الذمة وسبوا أكثر من مائة ألف رأس وانتهكوا أمرا عظيما لم يسمع بمثله في الأرض.
وفي سنة ست وثمانين ومائة أخرج الرشيد البيعة للقاسم ابنه بولاية العهد بعد المأمون وسماه المؤتمن. وفي سنة سبع وثمانين ومائة خلعت الروم ايريني الملكة وملكت نيقيفور وهو من أولاد جبلة. فكتب إلى الرشيد: من نيقيفور ملك الروم إلى هرون ملك العرب. أما بعد فإن الملكة ايريني حملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أضعافه إليها. لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن. فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما أخذت وإلا فالسيف بيننا وبينك. فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب وكتب في ظهر الكتاب: من هرون أمير المؤمنين إلى نيقيفور زعيم الروم. قد قرأت كتابك والجواب ما تراه دون ما تسمعه. ثم سار من يومه حتى نزل على هرقلة فأحرق وخرب ورجع. وفي هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى البرمكي وحبس أخاه الفضل وأباه يحيى بالرقة حتى ماتا. وكتب إلى العمال في جميع النواحي بالقبض على البرامكة واستصفى أموالهم. وفي سنة تسعين ومائة ظهر رافع بن الليث بما وراء النهر مخالفا للرشيد بسمرقند. وفي سنة اثنتين وتسعين ومائة سار الرشيد من الرقة إلى بغداد يريد خراسان لحرب رافع. ولما صار ببعض الطريق ابتدأت به العلة. ولما بلغ جرجان في صفر اشتد مرضه. وكان معه ابنه المأمون. فسيره إلى مرو ومعه جماعة من القواد. وسار الرشيد إلى طوس. واشتد به المرض حتى ضعف عن الحركة. ووصل إليه هناك بشير بن الليث أخو رافع أسيرا فقال له الرشيد: والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت: اقتلوه. ثم دعا بقصاب فأمر به ففصل أعضاءه. فلما فرغ منه أغمي عليه ثم مات ودفن بطوس سنة ثلاث وتسعين ومائة. وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة. وكان عمره سبعا وأربعين سنة. وكان جميلا وسيما أبيض جعدا قد وخطه الشيب. وكان بعهده ثلاثة الأمين وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور ثم المأمون وأمه أم ولد اسمها مراجل ثم المؤتمن وأمه أم ولد. قيل: وكان الرشيد يصلي كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا من مرض. وكان يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم بعد زكاته.

(1/70)

قيل أن الرشيد في بدء خلافته سنة إحدى وسبعين ومائة مرض من صداع لحقه. فقال ليحيى بن خالد بن برمك: هؤلاء الأطباء ليسوا يفهمون شيئا وينبغي أن تطلب لي طبيبا ماهرا. فقال له عن بختيشوع بن جيورجيس. فأرسل البريد في طلبه إلى جنديسابور. ولما كان بعد أيام ورد ودخل على الرشيد. فأكرمه وخلع عليه خلعة سنية ووهب له مالا وافرا وجعله رئيس الأطباء. ولما كان في سنة خمس وسبعين ومائة مرض جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك. فتقدم الرشيد إلى بختيشوع أن يخدمه. ولما أفاق الجعفر من مرضه قال لبختيشوع: أريد أن تختار لي طبيبا ماهرا أكرمه وأحسن إليه. قال له بختيشوع: لست أعرف في هؤلاء الأطباء أحذق من ابني جبريل. فقال له جعفر: أحضرنيه. فلما أحضره شكا إليه مرضا كان يخفيه. فدبره في مدة ثلاثة أيام وبرئ. فأحبه جعفر مثل نفسه. وفي بعض الأيام تمطت حظية الرشيد ورفعت يدها فبقيت مبسوطة لا يمكنها ردها والأطباء يعالجونها بالتمريخ والأدهان فلا ينفع ذلك شيئا. فقال له جعفر عن جبريل ومهارته. فأحضره وشرح له حال الصبية. فقال جبريل: إن لم يسخط أمير المؤمنين علي فلها عندي حيلة. قال له الرشيد: ما هي؟ قال: تخرج الجارية إلى هاهنا بحضرة الجمع حتى أعمل ما أريد وتتمهل علي ولا تسخط عاجلا. فأمر الرشيد فخرجت وحين رآها جبريل أسرع إليها ونكس رأسها وأمسك ذيلها فانزعجت الجارية ومن شدة الحياء والانزعاج استرسلت أعضاؤها وبسطت يدها إلى أسفل وأمسكت ذيلها. فقال جبريل: لقد برئت يا أمير المؤمنين. فقال الرشيد للجارية ابسطي يدك يمنة ويسرة. ففعلت. فعجب الرشيد وكل من حضر وأمر لجبريل في الوقت بخمسمائة ألف درهم وأحبه. ولما سئل عن سبب العلة قال: هذه الصبية انصب إلى أعضائها وقت الغشيان خلط رقيق بالحركة وانتشار الحرارة ولأجل أن سكون حركة الغشيان تكون بغتة جمدت الفضلة في بطون الأعصاب وما كان يحلها إلا حركة مثلها فاحتلت حتى انبسطت حرارتها وحلت الفضلة فبرئت.

(1/71)

ومن أطباء الرشيد يوحنا بن ماسويه النصراني السرياني ولاه الرشيد ترجمة الكتب الطبية القديمة. وخدم الرشيد ومن بعده إلى أيام المتوكل وكان معظما ببغداد جليل القدر وله تصانيف جميلة. وكان يعقد مجلسا للنظر ويجري فيه من كل نوع من العلوم القديمة بأحسن عبارة. وكان يدرس ويجتمع إليه تلاميذ كثيرون. وكان في يوحنا دعابة شديدة يحضره من يحضره لأجلها في الأكثر. وكان من ضيق الصدر وشدة الحدة على أكثر مما كان عليه جبريل بن بختيشوع. وكانت الحدة تخرج من يوحنا الفاظا مضحكة. فما جفظ من نوادره أن رجلا شكا إليه علة كان شفاه منها الفصد فأشار عليه به. فقال له: لم أعتد الفصد. قال له يوحنا: ولا أحسبك اعتدت العلة من بطن أمك. وصار إليه قسيس وقال: قد فسدت علي معدتي. فقال له يوحنا: استعمل جوارشن الخوزي. فقال له: قد فعلت. قال: فاستعمل الكموني. قال: قد استعملت منه أرطالا. فأمره باستعمال البنداذيقون. فقال: قد شريت منه جرة. قال: استعمل المروسيا. فقال له: قد فعلت وأكثرت. فغضب يوحنا وقال له: إن أردت أن تبرأ فأسلم فإن الإسلام يصلح المعدة. وكان بختيشوع بن جبريل يداعب يوحنا كثيرا. فقال له في مجلس ابراهيم بن المهدي وهم في معسكر المعتصم بالمدائن سنة عشرين ومائتين: أنت أبا زكريا أخي ابن أبي. فقال يوحنا لإبراهيم: اشهد على أقراره فوالله لأقاسمنه ميراثه من أبيه. فقال له بختيشوع: إن أولاد الزنا لا يرثون. فانقطع يوحنا ولم يحر جوابا. ومن الأطباء في أيام الرشيد صالح بن بهلة الهندي. ومن عجيب ما جرى له أن الرشيد في بعض الأيام قدمت له الموائد. فطلب جبريل بن بختيشوع يحضر أكله على عادته في ذلك فلم يوجد فلعنه الرشيد. فبينما هو في لعنته إذ دخل عليه. فقال له: أين كنت وطفق يذكره بشر. فقال: إن أشتغل أمير المؤمنين بالبكاء على ابن عمه ابراهيم بن صالح وترك تناولي بالسب كان أشبه. فسأله عن خبر ابراهيم. فأعلمه أنه خلفه وبه رمق ينقضي آخره وقت صلاة العتمة. فاشتد جزع الرشيد من ذلك وأمر برفع الموائد وكثر بكاؤه. فأشار جعفر بن يحيى البرمكي أن يمضي صالح الطبيب الهندي إليه ويعاينه ويجس نبضه. فمضى وتأمله ورجع إلى جعفر قائلا: إن مات هذا من هذه العلة كل امرأة لي طالق ثلاثا بتاتا. فلما كان وقت العتمة ورد كتاب صاحب البريد بوفاة ابراهيم على الرشيد فأقبل يلعن الهند وطبهم. فحضر صالح بين يدي الرشيد فقال: الله الله أن تدفن ابن عمك حيا فوالله ما مات. قم حتى أريك عجبا. فدخل إليه الرشيد ومعه جماعة من خواصه. فأخرج صالح أبرة كانت معه وأدخلها بين ظفر ابهام يده اليسرى ولحمه. فجذب ابراهيم يده وردها إلى بدنه. فقال صالح: يا أمير المؤمنين هل يحس الميت بالوجع. ثم نفخ شيئا من الكندس في أنفه. فمكث مقدار سدس ساعة ثم اضطرب بدنه وعطس وجلس وكلم الرشيد وقبل يده. وسأله الرشيد عن قضيته. فذكر أنه كان نائما نوما لا يذكر أنه نام مثله قط طيبا إلا أنه رأى في منامه كلبا قد أهوى إليه فتوقاه بيده فعض ابهام يده اليسرى عضة انتبه بها وهو يحس بوجعها وأراه موضع الابرة. وعاش ابراهيم بعد ذلك دهرا وولي مصر وتوفي بها وهناك قبره.

(1/72)

" الأمين بن الرشيد " انتهى الامر إليه بعد أبيه باثني عشر يوما. بويع له في عسكر الرشيد وكان المأمون حينئذ بمرو. وفي سنة أربع وتسعين ومائة قدم الفضل ابن الربيع العراق من طوس ونكث عهد المأمون وسعى في إغراء الأمين وحثه على خلع المأمون والبيعة لابنه موسى بولاية العهد. فأمر الأمين بالدعاء على المنابر لابنه موسى ونهى عن الدعاء للمأمون. وأمر بأبطال ما ضرب المأمون من الدراهم والدنانير بخراسان. وندب الأمين علي بن عيسى بن ماهان للقاء المأمون. ولما عزم على المسير من بغداد ركب إلى باب زبيدة أم الأمين ليودعها. فقالت له: يا علي أعرف لعبد الله المأمون حق ولادته ولا تقتسره اقتسار العبيد إذا ظفرت به ولا تعنف عليه في السير وإن شتمك فاحتمله. ثم دفعت إليه قيدا من فضة وقالت: قيده بهذا القيد. ثم خرج علي في عشرة آلاف فارس. وبلغ الخبر المأمون فتسمى بأمير المؤمنين وانهض هرثمة بن أعين في أقل من أربعة آلاف فارس وعلى مقدمته طاهر بن الحسين. ثم خرج طاهر في أصحابه من الري على خمسة فراسخ. وسار إليه علي وزحف الناس بعضهم إلى بعض وحملت ميمنة علي وميسرته على ميسرة طاهر وميمنته فأزالتاهما عن موضعيهما. وحمل قلب طاهر على قلب علي فهزموه. ورجع المنهزمون من معسكر طاهر على من بازائهم فهزموهم. ورمى رجل اسمه داود شاه عليا بسهم فقتله. وحمل رأسه إلى طاهر وأنفذه إلى المأمون. وكان علي قليل الاحتياط من طاهر. وكان يقول لأصحابه: ما بينكم وبين أن ينقصف طاهر انقصاف الشجر من الريح إلا أن نعبر عقبة همذان. ولما قتل علي بعث المأمون إلى طاهر بالهدايا وأمره أن يمضي إلى العراق. فأخذ طاهر على طريق الاهواز وأخذ هرثمة على طريق حلوان. فشغب الجند على محمد الامين ووثبوا عليه وخلعوه وحبسوه مع أمه زبيدة وولده. ثم أخرجوه وبايعوه وكان حبسه يومين. ثم حاصر طاهر وهرثمة محمدا الامين وجعلا يحاربان أصحابه سنة ببغداد فقل أصحابه وخفت يده من المال وضعف أمره. فوجه إلى هرثمة يسأله الأمان. فأمنه وضمن له الوفاء من المأمون. فلما علم ذلك طاهر اشتد عليه وأبى أن يدعه يخرج إلى هرثمة وقال: هو في حيزي والجانب الذي أنا فيه وأنا أخرجته بالحصار حتى طلب الامان فلا أرضى أن يخرج إلى هرثمة فيكون له الفتح دوني. وكان الأمين يكره الخروج إلى طاهر لمنام رآه. فلما كان ليلة الاحد لخمس بقين من محرم سنة ثماني وتسعين ومائة خرج بعد العشاء الآخرة إلى صحن الدار ودعا بابنيه وضمهما إليه وقبلهما وقال: استودعكما الله عز وجل. ثم جاء راكبا إلى الشط. فإذا حراقة هرثمة فصعد إليها وأمر هرثمة الحراقة أن تدفع. فأدركهم أصحاب طاهر في الزواريق وحملوا على الحراقة بالنفط والحجارة فانكفأت بمن فيها وسقط هرثمة إلى الماء فتعلق الملاح بشعره فأخرجه. وأما الأمين فإنه لما سقط إلى الماء شق ثيابه وسبح حتى خرج بشط البصرة. فأخذه أصحاب طاهر وجاءوا إلى بيت وهو عريان عليه سراويل وعمامة وعلى كتفه خرقة خلقة فحبسوه هناك. فلما انتصف الليل دخل عليه قوم من العجم معهم السيوف مسلولة. فلما رآهم جعل يقول: ويحكم أنا ابن عم رسول الله أنا ابن هرون أنا أخو المأمون. الله الله في دمي. فضربه رجل منهم بالسيف في مقدمة رأسه ونخسه آخر في خاصرته وركبوه فذبحوه ذبحا وأخذوا رأسه ومضوا به إلى طاهر. فبعث به إلى المأمون. وكانت خلافة الأمين أربع سنين وثمانية أشهر وكان عمره ثمانيا وعشرين سنة. وقيل: لمل ملك الأمين وكاتبه المأمون وأعطاه بيعته طلب الخصيان وابتاعهم وغالى فيهم وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره وأمره ونهيه ووجه إلى البلدان في طلب أصحاب اللهو وضمهم إليه وأجرى عليهم الأرزاق وقسم ما في بيوت الاموال من الجواهر في خصيانه ونسائه الاحرار وعمل خمس حراقات في دجلة على صورة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس.
فقال أبو نواس في ذلك:
عجب الناس إذ رأوك على صو ... رة ليث يمر مر السحاب
سبحوا إذ رأوك سرت عليه ... كيف لو أبصروك فوق العقاب

(1/73)

واحتجب عن أخوته وأهل بيته واستخف بهم وبقواده وأمر ببناء مجالس لمنتزهاته ولهو وأحبته. وأمر قيمة جواريه أن تهيئ له مائة جارية صانعة فتصعد إليه عشر عشر بأيديهن العيدان يغنين بصوت واحد. وقيل أنه لما أتاه نعي علي بن عيسى كان يصطاد السمك. فقال للذي أخبره بذلك: دعني فإن كوثرا قد اصطاد سمكتين وأنا ما اصطدت شيئا بعد. وبالجملة لم يوجد في سيرته ما يستحسن ذكره من حكمة ومعدلة أو تجربة حتى تذكر.
" المأمون بن الرشيد " لما خلص المأمون بعث إلى علي بن موسى بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فأقدمه خراسان وجعله ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده وزوجه ابنته أم حبيبة ولقبه الرضا من آل محمد. وأمر جنده بطرح السواد ولبس ثياب الخضرة وكتب بذلك إلى الآفاق أنه نظر في بني العباس وبني علي فلم يجد أحدا أفضل ولا أروع ولا أعلم من علي بن موسى فلذلك عقد له العهد من بعده. فشق ذلك على بني هاشم وغضب بنو العباس فقالوا: لا تخرج الخلافة منا إلى أعدائنا. فخلعوا المأمون وبايعوا ابراهيم بن المهدي بن المنصور بن محمد الامام بن علي بن عبد الله بن عباس وسموه المبارك. وفي سنة ثلاث وثمانين مات علي بن موسى الرضا وكان سبب موته أنه أكل عنبا فأكثر منه فمات فجأة في آخر صفر بمدينة طوس فدفنه المأمون عند قبر أبيه الرشيد. وفي هذه السنة خلع أهل بغداد ابراهيم بن المهدي فاختفى ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة ولم يزل متواريا. وقدم المأمون بغداد وانقطعت الفتن. وفي هذه السنة وهي سنة أربع ومائتين مات الإمام محمد بن ادريس الشافعي. وفي سنة عشر ومائتين في ربيع الآخر أخذ ابراهيم بن المهدي وهو متنقب مع امرأتين وهو في زي امرأة أخذه حارس أسود ليلا فقال: من انتن وأين تردن هذا الوقت. ولما استراب بهن رفعهن إلى صاحب المسلحة. فأمرهن أن يسفرن. فامتنع ابراهيم. فجذبه فبدت لحيته فرفعه إلى بابا المأمون واحتفظ به إلى بكرة. فلما كان الغد أقعد ابراهيم في دار المأمون والمقنعة في عنقه والملحفة على صدره ليراه بنو هاشم. ثم عفا عنه وأمنه ونادمه. وفي سنة سبع عشرة ومائتين سار المأمون إلى بلد الروم فأناخ على لؤلؤة مائة يوم. ثم رحل عنها وترك لها عجيفا. فخدعه أهلها وأسروه فبقي عندهم ثمانية أيام ثم أخرجوه. وفي سنة ثماني عشرة ومائتين كتب المأمون إلى اسحق بن ابراهيم في امتحان القضاة والمحدثين بالقرآن فمن أقر أنه مخلوق محدث خلى سبيله ومن أبى أعلمه به ليأمر فيه برأيه. وفي هذه السنة مرض المأمون مرضه الذي مات به لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة. وكان سبب مرضه أنه كان جالسا على شاطئ البدندون وأخوه أبو اسحق المعتصم عن يمينه وهما قد دليا أرجلهما في الماء. فبينما هو متعجب من عذوبته وصفائه وشدة برده إذ جاءته الألطاف من العراق وكان فيها رطب ازاذ كأنما جني تلك الساعة. فأكل منه وشرب من ذلك الماء فما قام إلا وهو محموم وكانت منيته من تلك العلة. فلما أنه مرض خلع أخاه القاسم المؤتمن وأخذ البيعة لأخيه أبي اسحق المعتصم وأمر أن يكتب إلى البلاد الكتب من عبد الله المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده أبي اسحق المعتصم بن هرون الرشيد. ولما حضره الموت كان عنده ابن ماسويه الطبيب. وكان عنده من يلقنه فعرض عليه الشهادة. فأراد الكلام فعجز عنه. ثم أنه تكلم فقال: يا من لايموت أرحم من يموت. ثم توفي من ساعته. فحمله ابنه العباس وأخوه المعتصم إلى طرسوس فدفناه بدار خاقان خادم الرشيد. وكانت خلافته عشرين سنة. وكان ربعة أبيض جميلا طويل اللحية رقيقها قد وخطه الشيب وقيل كان أسمر تعلوه صفرة. وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2863
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى