* تاريخ مختصر الدول : من ابو علي بن زرعة النصراني - الى المستظهر ابن المقتدي

اذهب الى الأسفل

* تاريخ مختصر الدول : من ابو علي بن زرعة النصراني - الى المستظهر ابن المقتدي

مُساهمة  طارق فتحي في السبت فبراير 05, 2011 5:07 pm


(1/107)

و في سنة ثماني و تسعين و ثلاثمائة توفي أبو علي عيسى بن زرعة النصراني اليعقوبي المنطقي ببغداد و هو أحد المتقدمين في علم المنطق و الفلسفة و أحد النقلة المجودين و له تصانيف مذكورة و نقول من السرياني إلى العربي.
و من الأطباء المتقدمين بالديار المصرية منصور بن مقشر أبو الفتح المصري النصراني و له منزلة سامية من أصحاب القصر و لا سيما في أيام العزيز منهم. و اعتل منصور هذا في أيام العزيز في سنة خمس و ثمانين و ثلاثمائة و تأخر عن الركوب فلما تماثل منصور ابن مقشر كتب إليه العزيز بخطه: بسم الله الرحمن الرحيم طبيبنا سلمه الله سلام الله الطيب و أتم النعمة عليه. و صلت إلينا البشارة بما وهبه الله من عافية الطبيب و برئه. و الله العظيم لقد عدل عندنا ما رزقناه نحن من الصحة في جسمنا. أقالك الله العثرة و أعادك إلى أفضل ما عودك من صحة الجسم و طيبة النفس و خفض العيش بحوله و قوته. و خدم منصور هذا بعد العزيز الحاكم ابنه أيضا. و اتفق أن عرض لرجل الحاكم عقد زمن و لم يبرأ. فكان ابن مقشر و غيره من أطباء الخاص المشاركين له يتولون علاجه فلا يؤثر ذلك إلا شرا في العقد. فأحضر له جرائحي يهودي كان يرتزق بصناعة مداواة الجراح في غاية الخمول. فلما رأى العقد طرح عليه دواء يابسا فشقه و شفاه في ثلاثة أيام. فأطلق له الحاكم ألف دينار و خلع عليه و لقبه بالحقير النافع و جعله من أطباء الخاص. و لما ولي الحاكم الأمر بمصر و كان يميل إلى الحكمة بلغه خبر أبي علي بن الحسين بن الهيثم المهندس البصري أنه صاحب تصانيف في علم الهندسة عالم بهذا الشأن متقن له متفنن فيه قائم بغوامضه و معانيه. فتاقت نفسه إلى رؤيته. ثم نقل له عنه أنه قال: لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة و نقص. فازداد الحاكم إليه شوقا و سير إليه سرا جملة من مال فأرغبه في الحضور. فسار نحو مصر و لما وصلها خرج الحاكم للقائه و التقيا بقرية على باب القاهرة المعزية تعرف بالخندق و أمر بإنزاله و إكرامه و أقام ريثما استراح و طالبه بما وعد به من أمر النيل فسار معه جماعة من الصناع ليستعين بهم على هندسة كانت خطرت له. و لما سار إلى الإقليم بطوله و رأى آثار من تقدم من ساكنيه من الأمم الخالية و هي على غاية من إحكام الصنعة و جودة الهندسة و ما اشتملت عليه من أشكال سماوية و مثالات هندسية و تصوير معجز تحقق أن الذي يقصده ليس بممكن فإن من تقدمه لم يعزب عنهم علم ما علمه و لو أمكن لفعلوا. فانكسرت همته و وقف خاطره. و وصل إلى الموضع المعروف بالجنادل قبلي مدينة أسوان و هو موضع مرتفع ينحدر فيه ماء النيل فعاينه و باشره و اختبره من جانبيه فوجد أمره لا يمشي على موافقة مراده و تحقق الخطأ عما وعد به و عاد منخجلا منخذلا و اعتذر بما قبل الحاكم ظاهره و وافقه عليه. ثم إن الحاكم ولاه بعض الدواوين فتولاها رهبة لا رغبة. و تحقق الغلط في الولاية لكثرة استحالة الحاكم و إراقته الدماء بغير سبب أو بأضعف سبب من خيال مخيلة. فأجال أبو الحسن بن الهيثم فكرته في أمر يتخلص به فلم يجد طريقا إلى ذلك إلا إظهار الجنون و الخيال فاعتمد ذلك و شاع. فأحيط على موجوده بيد الحاكم و نوابه. و جعل برسمه من يخدمه و يقوم بمصالحه و قيد و ترك في موضع من منزله. و لم يزل على ذلك إلى أن مات الحاكم. و بعد ذلك بيسير أظهر العقل و عاد إلى ما كان عليه و أقام متنسكا منقبعا و اشتغل بالتصنيف و النسخ و الإفادة و كان له خط قاعد في غاية الصحة. و حكي عنه أنه كان ينسخ فيمدة سنة ثلاثة كتب في ضمن أشغاله و هي إقليذس و المتوسطات و المجسطي و يشكلها فإذا شرع في نسخها جاءه من يعطيه فيها مائة و خمسين دينارا مصرية. و صار ذلك كالرسم الذي لا يحتاج إلى مواكسة و لا معاودة قول فيجعلها مؤنته لسنته. و لم يزل على ذلك إلى أن مات بالقاهرة بعد سنة ثلاثين و أربعمائة. و أما تصانيفه فهي كثيرة مشهورة.

(1/108)

" القائم بن القادر " و لما توفي القادر بالله جددت البيعة لابنه القائم بأمر الله سنة اثنتين و عشرين و أربعمائة و كان أبوه قد بايع له بولاية العهد سنة إحدى و عشرين. و فيها أعني سنة اثنتين و عشرين ملك الروم مدينة الرها و كانت بيد نصير الدولة بن مروان. و فيها سارت عساكر السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب خراسان إلى كرمان فملكوها. و في سنة خمس و عشرين و أربعمائة كانت حرب شديدة بين نور الدولة و دبيس و أخيه أبي قوام ثابت ثم اصطلحا و تحالفا. و سار البساسيري نجدة لثابت فلما سمع بصلحهم عاد إلى بغداد. و هؤلاء أمراء عرب من بني أسد و خفاجة. و فيها توفي رومانوس ملك الروم و ملك بعده رجل صيرفي ليس من بيت الملك و إنما ابنة قسطنطين اختارته و تزوجته. و في سنة سبع و عشرين و أربعمائة توفي الظاهر لإعزاز دين الله الخليفة العلوي بمصر و كان له مصر و الشام و الخطبة له بافريقية. و ولي بعده ابنه أبو تميم و لقب المستنصر بالله. و في سنة تسع و عشرين و أربعمائة دخل ركن الدين أبو طالب طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجوق مدينة نيسابور مالكا لها. و في سنة ثلاثين و أربعمائة وصل الملك مسعود من غزنة إلى بلخ و أجلى السلجوقية عن خراسان. و فيها خطب شبيب بن وثاب النميري صاحب حران و الرقة للإمام القائم بأمر الله و قطع خطبة المستنصر بالله العلوي المصري. و في سنة اثنتين و ثلاثين و أربعمائة اتفق أنوستكين الخصي البلخي في جماعة من الغلمان الدارية و ثاروا بالملك مسعود و قبضوا عليه و أقاموا أخاه محمدا و سلموا عليه بالإمارة. فأحضر أخاه الملك مسعودا و قال له: لا قابلتك على فعلك بي. و ذلك لأنه كان سمله و أعماه. فانظر أين تريد أن تقيم حتى أحملك إليه ومعك أولادك و حرمك. فاختار قلعة كرى فأنفذه إليها. ثم إن أحمد ابن محمد دخل إلى أبيه فطلب خاتمه ليختم به بعض الخزائن فأعطاه. فسار به غلمانه إلى القلعة و أعطوا الخاتم لمستحفظيها و قالوا: معنا رسالة إلى مسعود فأدخلوهم إليه فقتلوه. فلما وصل الخبر إلى مودود بن مسعود و هو بخراسان عاد مجدا بعساكره إلى غزنة فتصاف هو وعمه محمد و قبض عليه و على ولده أحمد و أنوستكين الخصي البلخي فقتلهم و قتل أولاد عمه جميعهم و قتل كل من كان له في القبض على والده صنع. و في سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة ملك السلطان طغرلبك جرجان و طبرستان. و فيها توفي ميخائيل ملك الروم و ملك بعده ابن أخيه ميخائيل أيضا. و في سنة خمس و ثلاثين توفي الملك جلال الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه ببغداد و ملك أبو كاليجار ابن سلطان الدولة بن بهاء الدولة. و في سنة تسع و ثلاثين وقع الصلح بين الملك كاليجار و السلطان طغرلبك. و في سنة أربعين و أربعمائة مات الملك أبو كاليجار ببغداد و ملك ابنه الملك الرحيم. و في سنة إحدى و أربعين ملك البساسيري الأنبار و دخلها أصحابه و فيها مات مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة و ملك عمه عبد الرشيد. و في سنة اثنتين و أربعين ملك السلطان طغرلبك أصفهان. و في سنة ست و أربعين استولى طغرلبك على إذربيجان. و في سنة سبع و أربعين وصل طغرلبك إلى بغداد و خطب له بها. و في سنة خمسين و أربعمائة سار طغرلبك في أثر البساسيري ودبيس و معهما أهلهما فأوقع بهم الأتراك و قتلوا البساسيري و دخلوا في الظعن فساقوه جميعه. و كان البساسيري مملوكا تركيا من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة و هو منسوب إلى بساسير مدينته. و في سنة إحدى و خمسين أصلح دبيس بن مزيد و أحضر إلى خدمة السلطان طغرلبك فأحسن إليه. و في سنة خمس و خمسين سار السلطان طغرلبك من بغداد إلى بلد الجبل فوصل إلى الري فمرض بها و توفي و كان عمره سبعين سنة تقريبا و كان عقيما لم يلد ولدا. و ملك بعده الب أرسلان بن داود جغرى أخي السلطان طغرلبك. و في سنة ثمان و خمسين ولدت صبية بباب الازج ولدا برأسين و رقبتين و وجهين و أربع أيد على بدن واحد. و في سنة إحدى و ستين احترق جامع دمشق فدثرت محاسنه و زال ما كان فيه من الأعمال النفيسة. و كان سبب ذلك حرب وقعت بين المغاربة أحاب المصريين و المشارقة فضربوا دارا مجاورة للجامع بالنار فاحترقت و اتصلت النار بالجامع. و في سنة ثلاث و ستين و أربعمائة خرج رومانوس ملك الروم الملقب

(1/109)

ديوجانيس و هو اسم من أسماء الحكماء في مائة ألف و وافى بتجمل كثير و زي عظيم فوصل إلى ملازكرد من أعمال خلاط و كان السلطان الب أرسلان بمدينة خونج من أذربيجان فسار إليه في خمسة عشر ألف فارس إذ لم يتمكن من جمع العساكر لبعدها و قرب العدو. فجد في السير فلما قرب العسكران أرسل السلطان إلى رومانوس الملك يطلب منه المهادنة. فقال: لا أهادنه إلا بالري. فانزعج السلطان لذلك. فلما كان يوم الجمعة بعد الزوال صلى و بكى فبكى الناس لبكائه. و قال لهم: من أراد الانصراف فلينصرف فما هنا سلطان يأمر و ينهى. و ألقى القوس و النشاب و أخذ السيف و الدبوس و عقد ذنب فرسه بيده و فعل عسكره مثله و لبس البياض و تحنط و قال: إن قتلت فهذا كفني.و زحف إلى الروم و زحفوا إليه و اشتد القتال فانهزم الروم و قتل منهم خلق و أسر الملك أسره بعض المماليك اسمه شادي و كان قد ح ضر عنده مع رسول فعرفه فلما رآه نزل و سجد له و قصد به السلطان. فضربه ثلاث مقارع بيده و قال له: ألم أرسل إليك في المهادنة فأبيت. فقال: دعني من التوبيخ و افعل ما تريد. فقال السلطان: ما عزمت أن تفعل بي إن أسرتني. فقال: القبيح. قال له: فما تظن أنني أفعل بك. قال: إما أن تقتلني و إما أن تشهرني في بلادك. و الأخرى بعيدة و هي العفو و قبول الأموال و اصطناعي نائبا عنك. قال: ما عزمت على غير هذا. ففداه بألف ألف دينار و أن يطلق كل أسيرعنده من المسلمين. و استقر الأمر على ذلك و أجلسه معه على سريره و أنزله في خيمة و أرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها و أطلق جماعة من البطارقة و خلع عليه و عليهم و سير معه عسكرا يوصلوه إلى مأمنه و شيعه فرسخا. و أما الروم فلما بلغهم خبر الوقعة وثب ميخائيل على المملكة فملك البلاد. فلما وصل رومانوس الملك إلى قلعة دوقية بلغه الخبر فلبس الصوف و أظهر الزهد و أرسل إلى ميخائيل يعرفه ما تقرر مع السلطان. و جمع رومانوس ما عنده من المال و كان مائتي ألف دينار فأرسله إلى السلطان و حلف له أنه لا يقدر على غير ذلك. و في سنة خمس و ستين و أربعمائة قصد السلطان الب أرسلان محمد بن داود جغري بك ما وراء النهر فعقد على جيحون جسرا و عبر عليه في نيف و عشرين يوما و عسكره يزيد على مائتي ألف فارس فأتاه أصحابه بمستحفظ قلعة اسمه يوسف الخوارزمي و حمل إلى قرب سريره مع غلامين. فتقدم أن يضرب له أربعة أوتاد و يشد أطرافه إليها. فقال له يوسف: يا مخنث مثلي يقتل هذه القتلة. فغضب السلطان و أخذ القوس و النشاب و قال للغلامين: خلياه. فخلياه. و رماه السلطان بسهم فأخطأه. فوثب يوسف يريده. فقام السلطان عن السرير و نزل عنه فعثر فوقع على وجهه. فبرك عليه يوسف و ضربه بسكين كانت معه في خاصرته. و نهض السلطان فدخل إلى خيمة أخرى. و ضرب بعض الفراشين يوسف بمرزبة على رأسه فقتله. و لما جرح السلطان الب أرسلان أوصى بالسلطنة لابنه ملكشاه و قام بوزارته نظام الملك.نيس و هو اسم من أسماء الحكماء في مائة ألف و وافى بتجمل كثير و زي عظيم فوصل إلى ملازكرد من أعمال خلاط و كان السلطان الب أرسلان بمدينة خونج من أذربيجان فسار إليه في خمسة عشر ألف فارس إذ لم يتمكن من جمع العساكر لبعدها و قرب العدو. فجد في السير فلما قرب العسكران أرسل السلطان إلى رومانوس الملك يطلب منه المهادنة. فقال: لا أهادنه إلا بالري. فانزعج السلطان لذلك. فلما كان يوم الجمعة بعد الزوال صلى و بكى فبكى الناس لبكائه. و قال لهم: من أراد الانصراف فلينصرف فما هنا سلطان يأمر و ينهى. و ألقى القوس و النشاب و أخذ السيف و الدبوس و عقد ذنب فرسه بيده و فعل عسكره مثله و لبس البياض و تحنط و قال: إن قتلت فهذا كفني.و زحف إلى الروم و زحفوا إليه و اشتد القتال فانهزم الروم و قتل منهم خلق و أسر الملك أسره بعض المماليك اسمه شادي و كان قد ح ضر عنده مع رسول فعرفه فلما رآه نزل و سجد له و قصد به السلطان. فضربه ثلاث مقارع بيده و قال له: ألم أرسل إليك في المهادنة فأبيت. فقال: دعني من التوبيخ و افعل ما تريد. فقال السلطان: ما عزمت أن تفعل بي إن أسرتني. فقال: القبيح. قال له: فما تظن أنني أفعل بك. قال: إما أن تقتلني و إما أن تشهرني في بلادك. و الأخرى بعيدة و هي العفو و قبول الأموال و اصطناعي نائبا عنك. قال: ما عزمت على غير هذا. ففداه بألف ألف دينار و أن يطلق كل أسيرعنده من المسلمين. و استقر الأمر على ذلك و أجلسه معه على سريره و أنزله في خيمة و أرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها و أطلق جماعة من البطارقة و خلع عليه و عليهم و سير معه عسكرا يوصلوه إلى مأمنه و شيعه فرسخا. و أما الروم فلما بلغهم خبر الوقعة وثب ميخائيل على المملكة فملك البلاد. فلما وصل رومانوس الملك إلى قلعة دوقية بلغه الخبر فلبس الصوف و أظهر الزهد و أرسل إلى ميخائيل يعرفه ما تقرر مع السلطان. و جمع رومانوس ما عنده من المال و كان مائتي ألف دينار فأرسله إلى السلطان و حلف له أنه لا يقدر على غير ذلك. و في سنة خمس و ستين و أربعمائة قصد السلطان الب أرسلان محمد بن داود جغري بك ما وراء النهر فعقد على جيحون جسرا و عبر عليه في نيف و عشرين يوما و عسكره يزيد على مائتي ألف فارس فأتاه أصحابه بمستحفظ قلعة اسمه يوسف الخوارزمي و حمل إلى قرب سريره مع غلامين. فتقدم أن يضرب له أربعة أوتاد و يشد أطرافه إليها. فقال له يوسف: يا مخنث مثلي يقتل هذه القتلة. فغضب السلطان و أخذ القوس و النشاب و قال للغلامين: خلياه. فخلياه. و رماه السلطان بسهم فأخطأه. فوثب يوسف يريده. فقام السلطان عن السرير و نزل عنه فعثر فوقع على وجهه. فبرك عليه يوسف و ضربه بسكين كانت معه في خاصرته. و نهض السلطان فدخل إلى خيمة أخرى. و ضرب بعض الفراشين يوسف بمرزبة على رأسه فقتله. و لما جرح السلطان الب أرسلان أوصى بالسلطنة لابنه ملكشاه و قام بوزارته نظام الملك.

(1/110)

و في سنة سبع و ستين و أربعمائة ليلة الخميس ثالث عشر شعبان توفي القائم بأمر الله.و لما أيقن بالموت أحضر النقيبين و قاضي القضاة و الوزير ابن جهير و أشهدهم على نفسه أنه جعل ابن ابنه أبا القاسم عبد الله بن محمد بن القائم ولي عهده. و كان عمر القائم ستا و سبعين سنة و ثلاثة أشهر و خلافته أربعا و أربعين سنة و تسعة أشهر.
و في هذه السنين اشتهر بعلوم الأوائل أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني مبحر في فنون الحكمة اليونانية و الهندية و تخصص بأنواع الرياضيات و صنف فيها الكتب الجليلة و دخل إلى بلاد الهند و أقام بها عدة سنين و تعلم من حكمائها فنونهم و علمهم طرق اليونانيين في فلسفتهم. و مصنفاته كثيرة متقنة محكمة غاية الإحكام. و بالجملة لم يكن في نظرائه في زمانه و بعده إلى هذه الغاية أحذق منه بعلم الفلك و لا اعرف بدقيقه و جليله. و عرف أيضا بالعلوم الحكمية أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا الشيخ الرئيس. و حكى عن نفسه قال: إن أبي كان رجلا من أهل بلخ و انتقل منها إلى بخارا في أيام نوح بن منصور و اشتغل بالتصرف بقرية خرميثن و تزوج أمي من قرية يقال لها أفشنة و ولدت منها و ولد أخي ثم انتقلنا إلى بخارا و أحضرت معلم القرآن و الأدب و كملت العشر من العمر و قد أتيت على القرآن و على كثير من الأدب. حتى كان يقضى مني العجب. و أخذ والدي يوجهني إلى رجل كان يبيع البقل و يقوم بحساب الهند حتى أتعلمه منه. ثم جاء إلى بخارأ أبو عبد الله الناتلي و كان يدعي الفلسفة و أنزله أبي دارنا رجاء تعلمي منه. فقرأت ظواهر المنطق عليه و أما دقائقه فلم يكن عنده منها خبرة. ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي و أطالع الشروح و كذلك كتاب إقليذس فقرأت من أوله خمسة أشكال أو ستة عليه ثم توليت حل الكتاب بأسره. ثم انتقلت إلى المجسطي. و فارقني الناتلي. ثم رغبت في علم الطب و صرت أقرأ الكتب المصنفة فيه و تعهدت المرضى فانفتح علي من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف و أنا في هذا الوقت من أبناء ست عشرة سنة. ثم توفرت على القراءة سنة و نصفا و كلما كنت أتحير في مسألة و لم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الجامع و صليت و ابتهلت إلى مبدع الكل حتى فتح لي المغلق منه و المتعسر. و كنت أرجع بالليل إلى داري و أضع السراج بين يدي و أشتغل بالقراءة و الكتابة فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف عدلت إلى شرب قدح من الشراب ريثما تعود إلي قوتي ثم أرجع إلى القراءة و متى أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها حتى أن كثيرا منها انفتح لي وجوهها في المنام. و لم أزل كذلك حتى أحكمت علم المنطق و الطبيعي و الرياضي. ثم عدلت إلى العلم الإلهي و قرأت كتاب ما بعد الطبيعة فما كنت أفهم ما فيه و التبس علي غرض واضعه حتى أعدت قراءته أربعين مرة و صار لي محفوظا و أنا مع ذلك لا أفهمه و أيست من نفسي و قلت: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه. و إذا أنا يوما حضرت وقت العصر في الوراقين و بيد دلال مجلد ينادي عليه فعرضه علي فرددته رد متبرم معتقد أن لا فائدة في هذا العلم. فقال لي: اشتر مني هذا فإنه رخيص أبيعكه بثلاثة دراهم و صاحبه محتاج إلى ثمنه. فاشتريته فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة. فرجعت إلى بيتي و أسرعت قراءته فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب بسبب أنه قد صار لي على ظهر القلب و فرحت بذلك و تصدقت بشي على الفقراء شكرا لله تعالى. فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري فرغت من هذه العلوم كلها و كنت إذ ذاك للعلم أحفظ و لكنه اليوم معي أنضج و إلا فالعلم واحد لم يتجدد لي بعده شيء. ثم مات والدي و تصرفت بي الأحوال و تقلدت شيئا من أعمال السلطان. و دعتني الضرورة إلى الارتحال من بخارا و الانتقال عنها إلى جرجان و كان قصدي الأمير قابوس فاتفق في أثناء هذا أخذ قابوس و حبسه و موته. ثم مضيت إلى دهستان و مرضت بها مرضا صعبا و عدت إلى جرجان و أنشأت في حالي قصيدة فيها بيت القائل:
لما عظمت فليس مصر واسعي ... لما غلا ثمني عدمت المشتري

(1/111)

قال أبو عبيدة الجوزجاني: إلى ههنا انتهى ما حكاه الشيخ عن نفسه. و في هذا الموضع أذكر أنا بعض ما شاهدت من أحواله في حال صحبتي له و إلى حين انقضاء مدته. قال: في مدة مقامه بجرجان صنف أول القانون و مختصر المجسطي و غير ذلك. ثم انتقل إلى الري و اتصل بخدمة السيدة و ابنها مجد الدولة. ثم خرج إلى قزوين و منها إلى همذان فاتصل بخدمة كدبانويه و تولى النظر في أسبابها. ثم سألوه تقلد الوزارةفتقلدها. ثم اتفق تشويش العسكر عليه و إشفاقهم منه على أنفسهم فكبسوا داره و أخذوه إلى الحبس و أخذوا جميع ما كان يملكه و ساموا الأمير شمس الدولة قتله فامتنع منه و عدل إلى نفيه عن الدولة طلبا لمرضاتهم. فتوارى الشيخ في دار بعض أصدقائه أربعين يوما. فعاد الأمير و قلده الوزارة ثانيا. و لما توفي شمس الدولة و بويع ابنه طلبوا أن يستوزر الشيخ فأبى عليهم و توارى في دار أبي غالب العطار و هناك أتى على جميع الطبيعيات و الإلهيات ما خلا كتابي الحيوان و النبات من كتاب الشفاء. و كاتب علاء الدولة سرا يطلب المسير إليه فاتهمه تاج الملك بمكاتبته وأنكر عليه ذلك و حث في طلبه. فدل عليه بعض أعدائه فأخذوه و أدوه إلى قلعة يقال لها بردجان و أنشأ هناك قصيدة فيها:
دخولي باليقين كما تراه ... و كل الشك في أمر الخروج
و بقي فيها أربعة أشهر. ثم أخرجوه و حملوه إلى همذان ثم خرج منها متنكرا و أنا و أخوه و غلامان معه في زي الصوفية إلى أن وصلنا إلى أصفهان فصادف في مجلس علاء الدولة الإكرام و الإعزاز الذي يستحقه مثله. و صنف هناك كتبا كثيرة. " قال " و كان الشيخ قوي القوى كلها و كانت قوة المجامعة من قواه الشهوانية أقوى و أغلب و كان كثيرا ما يشتغل به فأثر في مزاجه. و كان سبب موته قولنج عرض له و لحرصه على برئه حقن نفسه في يوم واحد ثماني مرات فتقرح بعض أمعائه و ظهر به سحج و عرض له الصرع الذي قد يتبع القولنج و صار من الضعف بحيث لا يقدر على القيام. فلم يزل يعالج نفسه حتى قدر على المشي لكنه مع ذلك لا يتحفظ و يكثر التخليط في أمر المعالجة و لم يبرأ من العلة كل البرء و كان ينتكس و يبرأ كل وقت. ثم قصد علاء الدولة همذان و سار معه الشيخ فعاودته في الطريق تلك العلة إلى أن وصل إلى همذان و علم أن قوته قد سقطت و أنها لا تفي بدفع المرض فأهمل مداواة نفسه و أخذ يقول: المدبر الذي كان يدبرني قد عجز عن التدبير و الآن فلا تنفع المعالجة. و بقي على هذا أياما ثم انتقل إلى جوار ربه و دفن بهمذان و كان عمره ثمانيا و خمسين سنة و كان موته في سنة ثمان و عشرين و أربعمائة. و فيه قال بعضهم:
ما نفع الرئيس من حكمه الطب ... و لا حكمه على النيرات
ما شفاه الشفاء من ألم الموت ... و لا نجاه كتاب النجاة
و قيل أول حكيم توسم بخدمة الملوك أرسطوطاليس و كان الحكماء قبله مثل فيثاغوروس و سقراطيس و أفلاطون يترفعون عن ذلك و لا يقربون أبواب السلاطين. و الدليل على ذلك أن بعض ملوك اليونانيين كان مجتازا بمكان كان فيه سقراطيس جالسا فلما دنا بقربه و هو لم ينهض و لم يتحرك من مكانه و لا يلتفت فأقبل إليه بعض الغلمان فركله برجله. فقال له: لم تركلني. قال له: أما تبصر الملك كيف لا تنهض و تقوم له. أجابه سقراطيس قائلا: كيف أقوم لعبد عبدي. فالتفت الملك إلى مشاجرتهما فاستدعى به فحمل إليه فقال له: أي شيء قلت. قال: قلت لا أقوم لعبد عبدي. قال الملك: و أنا عبد عبدك. قال: نعم أيها الملك أنت استعبدتك الدنيا و أنت خادمها و أنا زهدتها و استعبدتها فهي عبدي و أنت عبدها. فالملك استحسن له ذلك و تقدم بالإحسان إليه فلم يقبل. قيل و أول حكيم شغف بشرب الخمر و استفراغ القوى الشهوانية الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا. ثم اقتدى به في الانهماك من كان بعده فهذان غيرا السنة الفلسفية. و قيل أن شيخ الشيخ أبي علي في الطب أبو سهل المسيحي و كان طبيبا فاضلا منطقيا عالما بعلوم الأوائل مذكورا في بلد خراسان له كناش يعرف بالمائة كتاب مشهور. مات و عمره أربعون سنة.

(1/112)

و في سنة خمس و ثلاثين و أربعمائة توفي أبو الفرج عبد الله بن الطيب و هو عراقي فيلسوف فاضل مطلع على كتب الأوائل و أقاويلهم و عني بشروح الكتب القديمة في المنطق و أنواع الحكمة من تآليف أرسطوطاليس و من الطب كتب جالينوس و بسط القول في الشروح بسطا شافيا قصد به التعليم و التفهيم. قال القاضي الأكرم جمال الدين القفطي رحمه الله: لقد رأيت بعض من ينتحل هذه الصناعة يذم أبا الفرج بن الطيب بالتطويل و كان هذا العائب يهوديا ضيق الفطن قد وقف مع عبارة ابن سينا. فاما أنا و كل مصنف فلا يقول إلا أن أبا الفرج بن الطيب قد أحيا من هذه العلوم ما دثرو أبان منها ما خفي. و قد تلمذ له جماعة سادوا و أفادوا منهم المختار بن الحسن بن عبدون المعروف بابن بطلان. قال ابن بطلان: إن شيخنا ابو الفرج ابن الطيب بقي عشرين سنة في تفسير ما بعد الطبيعة و مرض من الفكر فيه مرضة كان تلفظ نفسه فيها و هذا يدلك على شدة حرصه و اجتهاده و طلب العلم لعينه. و ابن بطلان هذا فهو طبيب نصراني بغدادي و كان مشوه الخلقة غير صبيحها كما شاء الله منه و فضل في علم الأوائل و كان يرتزق بصناعة الطب و خرج عن بغداد إلى الموصل و ديار بكر و دخل حلب و أقام بها مدة و ما حمدها و خرج عنها إلى مصر فأقام بها مدة قريبة و اجتمع بابن رضوان المصري الفيلسوف في وقته و جرت بينهما منافرة أحدثتها المغالبة في المنظرة. و خرج ابن بطلان عن مصر مغضبا على ابن رضوان و ورد إنطاكية و أقام بها و قد سئم كثرة الأسفار و ضاق عطنه عن معاشرة الأغمار فغلب على خاطره الانقطاع فنزل بعض الأديرة بإنطاكية و ترهب و انقطع إلى العبادة إلى أن توفي سنة أربع و أربعين و أربعمائة. و من مشاهير تصانيف ابن بطلان كتاب تقويم الصحة مجدول و كتاب دعوة الأطباء مقامة ظريفة. و رسالة اشتراء الرقيق. و لما جرى لابن بطلان بمصر مع ابن رضوان ما جرى كتب إليه ابن بطلان رسالة يقطعه فيها و يذكر معايبه و يشير إلى جهله بما يدعيه من علم الأوائل و رتبها على سبعة فصول الأول فضل من لقي الرجال على من درس في الكتب. الثاني في أن الذي علم المطالب من الكتب علما رديئا شكوكه بحسب علمه يعسر حلها. الثالث في أن إثبات الحق في عقل لم يثبت فيه المحال أسهل من إثباته عند من ثبت في عقله المحال. الرابع في أن من عادات الفضلاء عند قراءاتهم كتب القدماء أن لا يقطعوا في مصنفها بطعن إذا رأوا في المطالب تباينا و تناقضا لكن يخلدوا إلى البحث و التطلب. الخامس في مسائل مختلفة صادرة عن براهين صحيحة من مقدمات صادقة يلتمس أجوبتها بالطريقة البرهانية. السادس في تصفح مقالته في المباهلة التي ضمن فيها: انني أسأله ألف مسألة و يسألني مسألة واحدة. السابع في تتبع مقالته في النقطة الطبيعية و التعيين على موضع الشبهة في هذه التسمية. و ختم الرسالة بقوله: و ليتحقق أن اللذة بمضغ الكلام لا تفي بغصة الجواب. فإن لنا موقف حساب. و مجمع ثواب و عقاب. يتظلم فيه المرضى إلى خالقهم. و يطالبون الأطباء بالأغلاط القاضية في هلاكهم. و انهم لا يسامحون الشيخ كما سامحته بسبي و لا يغضون عنه كما أغضيت عن ثلب عرضي. فليكن من لقائهم على يقين. و يتحقق أنهم لا يرضون منه إلا بالحق المبين. و الله يوفقنا و إياه للعمل بطاعته و التقرب إليه بابتغاء مرضاته و هو حسبي و نعم الوكيل. و ذكر ابن بطلان في الفصل الرابع من رسالته إلى ابن رضوان حكاية ظريفة وجب إيرادها ههنا قال: إنني حضرت مع تلميذ من تلامذة الشيخ يعني الشيخ ابن رضوان ظاهر التجمل بادي الذكاء إن صدقت الفراسة فيه بحضرة الأمير أبي علي ابن جلالة الدولة بن عضد الدولة فناخسرو في حمى نائبة أخذت أربعة أيام و لا تبدو ببرد و تقشع بنداوة و قد سقاه ذلك الطبيب دواء مسهلا و هو عازم على فصده من بعد على عادة المصريين في تأخير الفصد بعد الدواء و إطعام المريض القطائف بجلاب في نوب الحمى. فسألت الطبيب مستخبرا عن الحمى. فقال بلفظة المصريين: نعم سيدي حمى يوم مركبة من دم و صفراء نائبة أربعة أيام فلما سقيناه الدواء تحلل الدم و بقيت الصفراء و نحن على فصده لنأمن الصفراء بمشيئة الله. فذهبت لا أعلم مما أعجب أمن كون حمى يوم تنوب في أربعة أيام بعلامات الموظبة أم من كونها من أخلاط مركبة أم من الدواء الذي

(1/113)

حلل الدم الغليظ و ترك الصفراء اللطيفة. و ما أشبه ذلك من حكايته إلا بما سمعت بإنطاكية أن طبيبا روميا شارطمريضه به غب خالصة على برئه دراهم معلومة و أخذ في تدبيره بما غلظ المادة فصارت شطر غب بعد ما كانت خالصة. فأنكروا ذلك عليه و راموا صرفه فقال: إنني أستحق نصف الكراء لأن الحمى ذهب نصفها. و ظن من جهة التسمية أن الشطر قد ذهب من الحمى. و ما زال يسألهم عما كانت فيقولون غبا. و عما هي الآن فيقولون شطرا فيتظلم و يقول: فلم منعتموني نصف القبالة. و حكي أن ابن رضوان هذا كان في أول أمره منجما يقعد على الطريق و يرتزق ثم قرأ شيئا من الطب و المنطق و كان من المفلفلين لا المحققين و لم يكن حسن المنظر و لا الهيئة و مع هذا تتلمذ له جماعة من الطلبة بمصر و أخذوا عنه و سار ذكره و صنف كتبا مختطفة ملتقطة مستنبطة من غيره و كان تلاميذه ينقلون عنه من التعاليل الطبية و الألفاظ المنطقية ما يضحك منه إن صدق النقلة. و لم يزل ابن رضوان بمصر متصدرا للإفادة إلى أن مات في حدود سنة ستين و أربعمائة. و كان من مشاهير الأطباء في هذه الأيام طبيب نصراني من أهل بغداد يقال له كتيفات خدم البساسيري معروف بالعمل غير موصوف بعلم ارتفع بصائب معالجته.لل الدم الغليظ و ترك الصفراء اللطيفة. و ما أشبه ذلك من حكايته إلا بما سمعت بإنطاكية أن طبيبا روميا شارطمريضه به غب خالصة على برئه دراهم معلومة و أخذ في تدبيره بما غلظ المادة فصارت شطر غب بعد ما كانت خالصة. فأنكروا ذلك عليه و راموا صرفه فقال: إنني أستحق نصف الكراء لأن الحمى ذهب نصفها. و ظن من جهة التسمية أن الشطر قد ذهب من الحمى. و ما زال يسألهم عما كانت فيقولون غبا. و عما هي الآن فيقولون شطرا فيتظلم و يقول: فلم منعتموني نصف القبالة. و حكي أن ابن رضوان هذا كان في أول أمره منجما يقعد على الطريق و يرتزق ثم قرأ شيئا من الطب و المنطق و كان من المفلفلين لا المحققين و لم يكن حسن المنظر و لا الهيئة و مع هذا تتلمذ له جماعة من الطلبة بمصر و أخذوا عنه و سار ذكره و صنف كتبا مختطفة ملتقطة مستنبطة من غيره و كان تلاميذه ينقلون عنه من التعاليل الطبية و الألفاظ المنطقية ما يضحك منه إن صدق النقلة. و لم يزل ابن رضوان بمصر متصدرا للإفادة إلى أن مات في حدود سنة ستين و أربعمائة. و كان من مشاهير الأطباء في هذه الأيام طبيب نصراني من أهل بغداد يقال له كتيفات خدم البساسيري معروف بالعمل غير موصوف بعلم ارتفع بصائب معالجته.

(1/114)

" المقتدي بن محمد بن القائم " لما توفي القائم بأمر الله بويع عبد الله بن محمد ابن القائم بالخلافة و لقب المقتدي بأمر الله سنة سبع و ستين و أربعمائة. و لم يكن للقائم من أعقابه ذكر سواه فإن الذخيرة أبا العباس محمد بن القائم توفي في أيام أبيه و لم يكن له غيره و كان المقتدي حملا في بطن أمه فولد بعد موت أبيه محمد بستة أشهر. و في سنة ثماني و ستين سار اقسيس الخوارزمي و هو أحد الأمراء من عسكر السلطان ملكشاه إلى دمشق فحصرها فغلت الأسعار فبيعت الغرارة بأكثر من عشرين دينارا فسلموها إليه بالأمان و خطب بها للمقتدي الخليفة العباسي و كان آخر ما خطب فيها للعلويين المصريين. و تغلب اقسيس على أكثر الشام. و في سنة أربع و سبعين توفي نور الدولة دبيس الأسدي و كان عمره ثمانين سنة و إمارته سبعا و خمسين سنة و كان مذكورا بالفضل و الإحسان. و ولي بعده ما كان إليه ابنه منصور و لقب بهاء الدولة فأحسن السيرة و سار إلى السلطان ملكشاه فاستقر له الأمر و خلع الخليفة أيضا عليه ثم مات في سنة تسع و سبعين و ولي الحلة و النيل و جميع ما كان له ابنه سيف الدولة صدقة. و في سنة خمس و ثمانين قتل نظام الملك الوزير بالقرب من نهاوند قتله صبي ديلمي من الباطنية أتاه في صورة مستمنح أو مستغيث فضربه بسكين كانت معه فقضي عليه. و بقي نظام الملك وزيرا للسلاطين ثلاثين سنة سوى ما وزر لالب أرسلان و هو صاحب خراسان أيام عمه طغرلبك قبل أن يتولى السلطنة. و كان عمره سبعا و سبعين سنة. و كان سبب قتله أن عثمان ابن جمال الملك بن نظام الملك كان قد ولاه جده رئاسة مرو و أرسل السلطان إليها شحنة اسمه قودن و هو من خواصه فنازع عثمان في شيء فحملت عثمان حداثة ينه و طمعه بجده على أن قبض عليه و أخرق به ثم أطلقه فقصد السلطان مستغيثا شاكيا فأرسل السلطان إلى نظام الملك رسالة يقول له: إن كنت شريكي في الملك فلذلك حكم. و إن كنت نائبي فيجب أن تلزم حد التبعية و النيابة و هؤلاء أولادك قد جاوزا حد أمر السياسة و طمعوا إلى أن فعلوا كذا و كذا. فحضر المرسلون عند نظام الملك و أوردوا عليه الرسالة فقال: قولوا للسلطان إن كنت ما علمت إني شريكك في الملك فاعلم. فإنك ما نلت هذا الأمر إلا بتدبيري و رأيي أما تذكر حين قتل أبوك فقمت بتدبير أمرك و قمعت الخوارج عليك من أهلك و غيرهم. و أنت ذلك الوقت كنت تتمسك بي فلما قدت الأمور إليك و أطاعك القاصي و الداني أقبلت تتجنى لي الذنوب و تسمع في السعايات. و قولوا له عني إن ثبات تلك القلنسوة معذوق بهذه الدواة و إن اتفاقهما سبب كل غنيمة و متى أطبقت هذه الدواة زالت تلك. و أطال فيما هذا سبيله. ثم قال: قولوا للسلطان عني مهما أردتم فقد أهمني ما لحقني من توبيخه و فت في عضدي. فلما خرجوا من عنده اتفقوا على كتمان ما جرى عن السلطان فقالوا له ما مضمونه العبودية و الاعتذار. ثم أن واحدا منهم أعلم السلطان بما جرى فوقع التدبير عليه حتى قتل و مات السلطان بعده بخمس و ثلاثين يوما و انحلت الدولة و وقع السيف و كان قول نظام الملك شبه الكرامة له. و قيل أن ابتداء أمر نظام الملك أنه كان من أبناء الدهاقين بطوس و تعلم العربية و كان كاتبا للأمير تاجر صاحب بلخ و كان الأمير يصادره في رأس كل سنة و يأخذ ما معه و يقول له: قد سمنت يا حسن. و هرب إلى جغري بك داود و هو بمرو فدخل إليه فلما رآه أخذ بيده و سلمه إلى ولده الب أرسلان و قال له: هذا حسن الطوسي فتسلمه و اتخذه والدا و لا تخالفه. و كان نظام الملك إذا دخل عليه الأئمة الأكابر يقوم لهم و يجلس في مسنده و كان له شيخ فقير إذا دخل إليه يقوم له و يجلسه في مكانه و يجلس بين يديه. فقيل له في ذلك فقال: إن أولئك إذا دخلوا علي يثنون علي بما ليس في فيزيدني كلامهم عجبا و تيها. و هذا يذكرني عيوب نفسي و ما أنا فيه من الظلم فتنكسر نفسي لذلك فأرجع عن كثير مما أنا فيه. و كان مجلسه عامرا بالعلماء و أهل الخير و الصلاح. و أكثر الشعراء مراثيه فمن جيد ما قيل قول شبل الدولة:
كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ... يتيمة صاغها الرحمن من شرف
بدت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردها غيرة منه إلى الصدف

(1/115)

ثم سار السلطان ملكشاه بعد قتل نظام الملك إلى بغداد و دخلها في الرابع و العشرين من شهر رمضان. و اتفق أن خرج إلى الصيد و عاد ثالث شوال مريضا و كان سبب مرضه أنه أكل لحم صيد فحم فافتصد و لم يستوف إخراج الدم فثقل في مرضه و كانتحمى محرقة فتوفي ليللة الجمعة النصف من شوال فسترت زوجته تركان خاتون موته و كتمته و سارت من بغداد و السلطان معها محمولا و بذلت الأموال للأمراء و استحلفتهم لابنها محمود و كان تاج الملك وزيرها يتولى ذلك لها و أرسلت إلى الخليفة المقتدي في الخطبة فأجابها و خطب لمحمود و عمره أربع سنين. و سارت تركان خاتون من بغداد إلى أصفهان و بها بركيارق و هو أكبر أولاد السلطان فخرج منها هو و من معه من الأمراء النظامية و ساروا نحو الري. فسيرت خاتون العساكر إلى قتال بركيارق فانحاز جماعة منهم إلى بركيارق فقوي بهم و عاد إلى أصفهان و حاصرها. و كان تاج الملك مع عسكر خاتون فأخذ و حمل إلى بركيارق فهجم النظامية عليه فقتلوه. و كان كثير الفضائل جم المناقب و إنما غطى محاسنه ممالأته على قتل نظام الملك. و في سنة سبع و ثمانين قدم بركيارق بغداد و خطب له بالسلطنة و لقب ركن الدين. و في سنة سبع و ثمانين و أربعمائة خامس عشر محرم توفي الإمام المقتدي بالله فجأة و كان قد أحضر عنده تقليد السلطان بركيارق ليعلم فيه فقرأه و تدبره و علم فيه. ثم قدم إليه طعام فأكل منه و غسل يديه و عنده قهرمانته شمس النهار. فقال لها: ما هذه الأشخاص التي دخلت علي بغير إذن. " قالت " فالتفت فلم أر شيئا و رأيته قد تغيرت حالته و انحلت قوته و سقط إلى الأرض ميتا. و قلت لجارية عندي: إن صحت قتلتك. و أحضرت الوزير فأعلمته الحال. فشرعوا في البيعة لولي العهد و جهزوا المقتدي و دفنوه و كان عمره ثمانيا و ثلاثين سنة و ثمانية أشهر و كانت خلافته تسع عشرة سنة و ثمانية أشهر و أمه أم ولد أرمنية تسمى أرجوان أدركت خلافته و خلافة ابنه المستظهر و خلافة ابن ابنه المسترشد.
و في سنة ثلاث و سبعين و أربعمائة مات يحيى بن عيسى بن جزلة الطبيب البغدادي و كان رجلا نصرانيا قد قرأ الطب على نصارى الكرخ الذين كانوا في زمانه و أراد قراءة المنطق فلم يكن في النصارى المذكورين في ذلك الوقت من يقوم بهذا الشأن و ذكر له أبو علي بن الوليد شيخ المعتزلة في ذلك الوقت و وصف بأنه عالم بعلم الكلام و معرفة الألفاظ المنطقية فلازمه لقراءة المنطق. فلم يزل ابن الوليد يحسن له الإسلام حتى استجاب و أسلم فسر بإسلامه أبو عبد الله الدامغاني قاضي القضاة يومئذ و قربه و أدناه و رفع محله بأن استخدمه في كتابة السجلات بين يديه و كان مع اشتغاله بذلك يطب أهل محلته و سائر معارفه بغير أجرة و لا جعالة بل احتسابا و مروءة و يحمل إليهم الأدوية بغير عوض. و لما مرض مرض موته وقف كتبه لمشهد الإمام أبي حنيفة. و من مشاهير تصانيفه كتاب المنهاج و كتاب تقويم الأبدان مجدول.

(1/116)

" المستظهر بن المقتدي " لما توفي المقتدي بأمر الله أحضر ولده أبو العباس أحمد فبويع له و لقب المستظهر بالله و ذلك في سنة سبع و ثمانين و أربعمائة. " و فيها قتل السلطان بركيارق عمه تكش و غرقه و قتل ولده معه " . و في سنة ثمان و ثمانين قتل تتش ابن الب أرسلان و استقام الأمر و السلطنة لبركيارق. و فيها في ذي الحجة توفي المستنصر بالله بن الظاهر لإعزاز دين الله العلوي صاحب مصر و الشام و كانت خلافته ستين سنة و عمره سبعا و ستين سنة و ولي بعده ابنه أبو القاسم أحمد و لقب المستعلي بالله. و في سنة تسع و ثمانين حكم المنجمون بطوفان يكون في الناس يقارب طوفا نوح. فأحضر الخليفة ابن عيسون المنجم فسأله. فقال: إن في طوفان نوح اجتمعت الكواكب السبعة في برج الحوت و الآن فقد اجتمع ستة منها و ليس فيها زحل فلو كان معها لكان مثل طوفان نوح و لكن أقول إن مدينة أو بقعة من الأرض يجتمع فيها عالم كثير من بلاد كثيرة فيغرقون. فخافوا على بغداد لكثرة من يجتمع فيها من البلاد فأحكمت المسنيات و المواضع التي يخشى منها الانفجار. فاتفق أن الحجاج نزلوا في وادي المناقب فأتاهم سيل عظيم فأغرق أكثرهم و نجا من تعلق بالجبال و ذهب المال و الدواب و الازواد. فخلع الخليفة على المنجم. و في سنة تسعين و أربعمائة قتل ملك خراسان أرسلان أرغون بن الب أرسلان أخو السلطان ملكشاه قتله غلام له. فقيل له: لم فعلت هذا. فقال: لأريح الناس من ظلمه. ثم ملك بركيارق خراسان و سلمها إلى أخيه الملك سنجر. و في سنة إحدى و تسعين جمع بردويل ملك الإفرنج جمعا كثيرا و خرج إلى بلاد الشام و ملك إنطاكية. و كان الإفرنج قبل هذا قد ملكوا مدينة طليطلة من بلاد الأندلس و غيرها ثم قصدوا جزيرة سقلية فملكوها و تطرقوا إلى أطراف إفريقية فملكوا منها شيئا. فلما سمع قوام الدولة كربوقا بحال الإفرنج و ملكهم إنطاكية جمع العساكر و سار إلى الشام و نزل على إنطاكية و حاصرها و فيها من الملوك بردويل و سنجال و كندفري و القومص صاحب الرها و بيموند صاحب إنطاكية. و قلت الأقوات عندهم فأرسلوا إلى كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من البلد فلم يعطهم و قال: لا تخرجون إلا بالسيف. و كان مع الإفرنج راهب مطاع فيهم و كان داهية من الرجال فقال لهم: إن فطروس السليح كان له عكازة ذات زج مدفونة بكنيسة القسيان فإن وجدتموها فإنكم تظفرون و إلا فالهلاك متحقق. و أمرهم بالصوم و التوبة ففعلوا ذلك ثلاثة أيام. فلما كان اليوم الرابع أدخلهم الموضع جميعهم و معهم عامتهم و حفروا عليها في جميع الأماكن فوجدوها كما ذكر. فقال لهم: أبشروا بالظفر. فقويت عزيمتهم و خرجوا اليوم الخامس من الباب متفرقين من خمسة و ستة و نحو ذلك. فقال المسلمون لكربوقا: ينبغي أن تقف على الباب فتقتل كل من خرج. فقال: لا تفعلوا لكن أمهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم. فلما تكاملوا و لم يبق بإنطاكية أحد منهم ضربوا مصافا عظيما فولى المسلمون منهزمون و آخر من انهزم سقمان بن ارتق فقتل الإفرنج منهم ألوفا و غنموا ما في العسكر من الأقوات و الأموال و الدواب و الأسلحة فصلحت حالهم و عادت إليهم قوتهم و ساروا إلى معرة النعمان فملكوها. و في سنة اثنتين و تسعين و أربعمائة لما رأى المصريون ضعف الأتراك صاروا إلى البيت المقدس و حصروه و به الأمير سقمان و ايلغازي ابنا ارتق التركماني و ابن عمهما سونج و نصبوا عليه نيفا و أربعين منجنيقا و ملكوه بالأمان و خرج عنه سقمان و أصحابه و استناب المصريون فيه رجلا يعرف بافتخار الدولة. فقصده الإفرنج و نصبوا عليه برجين و ملكوه من الجانب الشمالي و ركب الناس السيف و لبث الإفرنج في البلد أسبوعا يقتلون فيه المسلمين. و قتل بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا و غنموا منه ما لا يقع عليه الإحصاء. و في سنة ثلاث و تسعين جرى حرب بين السلطان بركيارق و بين أخيه السلطان محمد و انهزم بركيارق و تنقل في البلاد إلى أصفهان. و لم يدخلها و سار إلى خوزستان. و في سنة أربع و تسعين كان المصاف الثاني بينهما و كان مع بركيارق خمسون ألفا و مع أخيه محمد خمسة عشر ألفا فالتقوا و اقتتلوا فانهزم السلطان محمد و سار طالبا خراسان إلى أخيه الملك سنجر و هما لأم واحدة فأقام بجرجان و أتاه الملك سنجر في عساكره إلى
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2809
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى