* تاريخ محتصر الدول : من وفاة المستعلي بالله - الى ابو الحكم المغربي الاندلسي

اذهب الى الأسفل

* تاريخ محتصر الدول : من وفاة المستعلي بالله - الى ابو الحكم المغربي الاندلسي

مُساهمة  طارق فتحي في السبت فبراير 05, 2011 5:05 pm


(1/117)

الدامغان و خرب العسكر البلاد و عم الغلاء تلك الأصقاع حتى أكل الناس بعضهم بعضا بعد فراغهم من أكل الميتة و الكلاب. و في سنة خمس و تسعين توفي المستعلي بالله الخليفة العلوي المصري و كانت خلافته سبع سنين و ولي بعده ابنه أبو علي المنصور و عمره خمس سنين و لقب بأحكام الله و لم يقدر يركب وحده على الفرس لصغر سنه و قام بتدبير دولته الأفضل بن أمير الجيوش أحسن قيام. و في سنة سبع و تسعين وقع الصلح بين السلطانين بركيارق و أخيه محمد ابني ملكشاه و تقررت القاعدة أن بركيارق لا يعترض أخاه محمدا في الطبل و أن لا يذكر معه على منابر البلاد التي صارت له و هي ديار بكر و الجزيرة و الموصل و الشام. و في سنة ثماني و تسعين توفي السلطان بركيارق بن ملكشاه و كان قد مرض بأصفهان بالسل و البواسير فلما آيس من نفسه خلع على ولده ملكشاه و عمره حينئذ أربع سنين و ثمانية أشهر و أحضر جماعة الأمراء و أعلمهم أنه قد جعل ابنه و لي عهده في السلطنة و جعل الأمير ايز أتابكة فأجابوه كلهم بالسمع و الطاعة و خطب لملكشاه بالجوامع ببغداد. و في سنة تسع و تسعين و أربعمائة سار السلطان محمد من أذربيجان إلى الموصل ليأخذها من جكرميش صاحبها و حصرها. فقاتل أهل البلد أشد قتال و كانت الرجالة تخرج و يكثرون القتل في العسكر و دام القتال من صفر إلى جمادى الأولى. فوصل الخبر إلى جكرميش بوفاة السلطان بركيارق فأرسل إلى محمد يبذل له الطاعة. و دخل إليه الوزير محمد و قال له: المصلحة أن تحضر الساعة عند السلطان فإنه لا يخالفك في جميع ما تلتمسه منه. و أخذ بيده و قام فسار معه جكرميش فلما رآه أهل الموصل قد توجه إلى السلطان جعلوا يبكون و يحثون التراب على رؤوسهم. فلما دخل على السلطان محمد أقبل عليه و أكرمه و عانقه و لم يمكنه من الجلوس و قال: ارجع إلى رعيتك فإن قلوبهم إليك و هم متطلعون إلى عودتك. فقبل الأرض و عاد و عمل من الغد سماطا بظاهر الموصل عظيما و حمل إلى السلطان من الهدايا و التحف و لوزيره أشياء جليلة المقدار. و في سنة خمسمائة سار الجاولي سقاوو إلى الموصل محاربا في ألف فارس و خرج إليه جكرميش صاحبها في ألفي فارس. فلما اصطفوا للحرب حمل الجاولي من القلب على قلب جكرميش فانهزم من فيه و بقي جكرميش وحده لا يقدر على الهزيمة لفالج كان به فهو لا يقدر يركب و إنما يحمل في محفة فأسر و أحضر عند الجاولي فأمر بحفظه و حراسته. و لما وصل الخبر إلى الموصل اقعدوا في الأمر زنكي بن جكرميش. ثم إن الجاولي حصر الموصل و أمر أن يحمل جكرميش كل يوم على بغل و ينادى أصحابه بالموصل ليسلموا البلد و يخلصوا صاحبهم مما هو فيه و يأمرهم هو بذلك فلا يسمعون منه و كان يسجنه في جب فأخرج يوما ميتا. فكتب أصحابه إلى الملك قلج أرسلان بن سليمان بن قتلميش السلجوقي صاحب مدينة قونية و أقسرة يستدعونه إليهم ليسلموا البلد إليه. فسار في عساكره. فلما سمع جاولي بوصوله رحل عن الموصل فتوجه قلج أرسلان إلى الموصل و ملكها و نزل بالنغرقة و خرج إليه زنكي و لد جكرميش و أصحابه و خلع عليهم و جلس على التخت و أسقط خطبة السلطان محمد و خطب لنفسه و أحسن إلى العسكر و رفع الرسوم المحدثة في الظلم ثم سار عنها إلى جاولي و هو بالرحبة و التقيا على نهر الخابور فهزم أصحاب جاولي أصحاب قلج أرسلان و ألقى قلج أرسلان نفسه في الخابور و حمى نفسه من أصحاب جاولي بالنشاب فانحدر به الفرس إلى ماء عميق فغرق. و ظهر بعد أيام فدفن بالشمسانية. و سار جاولي إلى الموصل و ملكها. و في سنة اثنتين و خمسمائة استولى مودود و عسكر السلطان محمد على الموصل و أخذوها من أصحاب جاولي. و في سنة ثلاث و خمسمائة سار تنكري الفرنجي صاحب إنطاكية إلى الثغور الشامية فملك طرسوس و أذنة و نزل على حصن الأكراد فسلمه أهله إليه. و ملك الفرنج مدينة بيروت و كانت بيد نواب الخليفة العلوي. و في سنة ست في المحرم سار الأمير مودود صاحب الموصل إلى الرها فنزل عليها و رعى عسكره زروعها و رحل عنها إلى سروج و فعل بها كذلك و لم يحترز من الفرنج بل أهملهم فلم يشعر إلا و جوسلين صاحب تل باشر قد دهمهم و كبسهم و كانت دواب العسكر منتشرة في المرعى فأخذ كثيرا منها و قتل كثيرا من العسكر و عاد إلى تل باشر. و فيها مات باسيل الأرمني صاحب دروب بلاد

(1/118)

ابن لاون و هو المسمى كوع باسيل أي اللص باسيل لأنه سرق عدة قلاع من الثغور فتملكها الأرمن إلى الآن. و في سنة سبع و خمسمائة اجتمع المسلمون و فيهم الأمير مودود بن التون تكش صاحب الموصل و دخلوا بلاد الفرنج و التقوا عند طبرية و اشتد القتال و صبر الفريقان. ثم إن الفرنج انهزموا فأذن الأمير مودود للعساكر في العود و الاستراحة ثم الاجتماع في الربيع. و دخل دمشق ليقيم بها عند طغدكين صاحبها إلى الربيع فدخل الجامع ليصلي فيه فوثب عليه باطني كأنه يدعو له و يتصدق منه فضربه بسكين فجرحه أربع جراحات فمات من يومه. و قتل الباطني و أخذ رأسه فلم يعرفه أحد فأحرق. و في سنة إحدى عشرة في ذي الحجة مرض السلطان محمد بن ملكشاه ابن الب أرسلان فلما آيس من نفسه أحضر ولده محمودا و قبله و بكى كل واحد منهما و أمره أن يخرج و يجلس على تخت السلطنة و عمره إذ ذاك قد زاد على أربع عشرة سنة. فقال لوالده أنه يوم غير مبارك يعني من طريق النجوم. فقال: صدقت و لكن على أبيك و أما عليك فمبارك بالسلطنة. فخرج و جلس على التخت بالتاج و السوارين. و كان السلطان محمد عظيم الهيبة عادلا حسن السيرة شجاعا و في سنة اثنتي عشرة و خمسمائة سادس عشر ربيع الآخر توفي الإمام المستظهر بالله و كان عمره إحدى و أربعين سنة و ستة أشهر و خلافته أربعا و عشرين سنة. و مضى في أيامه ثلاثة سلاطين خطب لهم بالحضرة وهم تاج الدولة تتش بن الب أرسلان و السلطان بركيارق و السلطان محمد ابنا ملكشاه.ن و هو المسمى كوع باسيل أي اللص باسيل لأنه سرق عدة قلاع من الثغور فتملكها الأرمن إلى الآن. و في سنة سبع و خمسمائة اجتمع المسلمون و فيهم الأمير مودود بن التون تكش صاحب الموصل و دخلوا بلاد الفرنج و التقوا عند طبرية و اشتد القتال و صبر الفريقان. ثم إن الفرنج انهزموا فأذن الأمير مودود للعساكر في العود و الاستراحة ثم الاجتماع في الربيع. و دخل دمشق ليقيم بها عند طغدكين صاحبها إلى الربيع فدخل الجامع ليصلي فيه فوثب عليه باطني كأنه يدعو له و يتصدق منه فضربه بسكين فجرحه أربع جراحات فمات من يومه. و قتل الباطني و أخذ رأسه فلم يعرفه أحد فأحرق. و في سنة إحدى عشرة في ذي الحجة مرض السلطان محمد بن ملكشاه ابن الب أرسلان فلما آيس من نفسه أحضر ولده محمودا و قبله و بكى كل واحد منهما و أمره أن يخرج و يجلس على تخت السلطنة و عمره إذ ذاك قد زاد على أربع عشرة سنة. فقال لوالده أنه يوم غير مبارك يعني من طريق النجوم. فقال: صدقت و لكن على أبيك و أما عليك فمبارك بالسلطنة. فخرج و جلس على التخت بالتاج و السوارين. و كان السلطان محمد عظيم الهيبة عادلا حسن السيرة شجاعا و في سنة اثنتي عشرة و خمسمائة سادس عشر ربيع الآخر توفي الإمام المستظهر بالله و كان عمره إحدى و أربعين سنة و ستة أشهر و خلافته أربعا و عشرين سنة. و مضى في أيامه ثلاثة سلاطين خطب لهم بالحضرة وهم تاج الدولة تتش بن الب أرسلان و السلطان بركيارق و السلطان محمد ابنا ملكشاه.
قال أبو الصلت أمية المغربي: لما دخلت إلى مصر في حدود سنة عشر و خمسمائة أدركت بها طبيبا إنطاكيا يسمى جرجيس و يلقب بالفيلسوف على نحو ما قيل للغراب أبو البيضاء و للديغ سليم. و قد تفرغ للتولع بأبي الخير سلامة بن رحمون اليهودي الطبيب المصري و الإزراء عليه و كان يزور فصولا طبية و فلسفية يبرزها في معارض ألفاظ القوم و هي محال لا معنى لها فارغة لا فائدة فيها ثم ينفذها إلى من يسأله عن معانيها و يستوضحه أغراضها فيتكلم عليها و يشرحها بزعمه دون تيقظ و لا تحفظ باسترسال و استعجال و قلة اكتراث و إهمال فيوجد فيها عنه ما يضحك منه. " قال " و أنشدت لجرجيس هذا في أبي الخير سلامة بن رحمون و هو من أحسن ما سمعت في هجو طبيب مشؤوم:
إن أبا الخير على جهله ... يخف في كفته الفاضل
عليله المسكين من شؤمه ... في بحر هلك ما له ساحل
ثلاثة تدخل في دفعة ... طلعته و النعش و الغاسل

(1/119)

" قال " و كان أبو الخير هذا يهوديا مصريا قد نصب نفسه لتدريس كتب المنطق جميعها و جميع كتب الفلسفة الطبيعية و الإلهية و شرح بزعمه و فسر و لخص و لم يكن في تحصيله و تحقيقه هنالك بل كان يكثر كلامه فيضل. و يسرع جوابه فيزل. و كان مثله في عظيم ادعائه و قصوره عن أيسر ما هو متعاطيه كقول الشاعر:
يشمر للج عن ساقه ... و يغمره الموج في الساحل
" قال " و رأيت بمصر أيضا رزق الله المنجم المعروف بالنخاس و كان شيخ أكثر المنجمين بمصر و كبيرهم و كان شيخا مطبوعا متطابيا. و من حكاياته الظريفة عن نفسه قال: سألتني امرأة مصرية أن أنظر لها في مشكلة تخصها. فأخذت ارتفاع الشمس للوقت و حققت درجة الطالع و البيوت الاثني عشر و مراكز الكواكب و رسمت ذلك كله بين يدي في تخت الحساب و جعلت أتكلم على بيت بيت منها على العادة و هي ساكتة فوجمت لذلك و أدركتني فترة و كانت قد ألقت إلي درهما. " قال " فعاودت الكلام و قلت: أرى عليك قطعا في بيت المال فاتفظي و احترسي. قالت: الآن أصبت و صدقت قد كان و الله ما ذكرت. قلت: و هل ضاع لك شيء. قالت: نعم الدرهم الذي ألقيت إليك. و تركتني و انصرفت. و لما ذكر أبو الصلت منجمي مصر و عابهم قال: لا تتعلق أمثلتهم من علم النجوم بأكثر من زايجة يرسمها و مراكز يقومها و أما التبحر و معرفة الأسباب و العلل و المبادي الأول فليس منهم من يرقى إلى هذه الدرجة و يسمو إلى هذه المنزلة و يحلق في هذا الجو و يستضيء بهذا الضوء ما خلا القاضي أبا الحسن علي ابن النصير المعروف بالأديب فإنه كان من الأفاضل الأعيان المعدودين من حسنات الزمان و له في سائر أجزاء الحكمة اليد الطولى و المرتبة الأولى.

(1/120)

" المسترشد بن المستظهر " لما توفي المستظهر بالله بويع ولده المسترشد بالله أبو منصور و ذلك في سنة اثنتي عشرة و خمسمائة فكان ولي عهد قد خطب له ثلاثا و عشرين سنة. و فيها توفي بغدوين ملك القدس و كان قد سار إلى ديار مصر في جمع من الفرنج قاصدا ملكها و بلغ مقابل تنيس و سبح في النيل فانتقض جرح كان به فلما أحس بالموت عاد إلى القدس فمات به و وصى ببلاده للقمص صاحب الرها و هو الذي كان أسره جكرميش و أطلقه سقاوو جاولي. و في سنة ثلاث عشرة و خمسمائة كانت حرب شديدة بين السلطان سنجر و ابن أخيه السلطان محمود. و في سنة أربع عشرة خرج الكرج و الخزر إلى بلاد الإسلام و معهم قفجاق و غيرهم من الأمم فاجتمع الأمير ايلغازي و دبيس بن صدقة و الملك طغرل و كان له أران و نخجوان و ساروا إلى الكرج حتى قاربوا تفليس و كان المسلمون في عسكر كثير يبلغون ثلاثين ألفا فالتقوا و اصطف الطائفتان للقتال فخرج من القفجاق مائتا رجل فظن المسلمون أنهم مستأمنون فلم يحترزوا منهم. فدخلوا بينهم و رموا بالنشاب فاضطرب جيش المسلمين و ظن من وراءهم أنها هزيمة فانهزموا و لشدة الزحام صدم بعضهم بعضا فقتل منهم عالم عظيم و تبعهم الكرج عشرة فراسخ يقتلون و يأسرون فقتل أكثرهم و أسر أربعة آلاف رجل و نجا الملك طغرل و ايلغازي و دبيس. و عاد الكرج و حاصروا مدينة تفليس و اشتد قتالهم لمن بها و عظم الأمر و تفاقم الخطب على أهلها و دام الحصار إلى سنة خمس عشرة فملكوها عنوة. و في سنة خمس عشرة عصى سليمان بن ايلغازي بن ارتق على أبيه بحلب و قد جاوز عمره عشرين سنة. فسمع والده الخبر فسار إليه مجدا لوقته فلم يشعر به سليمان حتى هجم عليه فخرج إليه معتذرا فأمسك عنه و قبض على من كان أشار عليه بذلك منهم أمير كان التقطه ارتق و رباه اسمه ناصر فقلع عينيه و قطع لسانه. و منهم إنسان حموي كان قدمه ايلغازي على أهل حلب و جعل إليه الرئاسة فجازاه عن ذلك فقطع يديه و رجليه و سمل عينيه فمات. و أحضر ولده و هو سكران و أراد قتله فمنعه رقة الوالد فاستبقاه فهرب إلى دمشق. و استناب ايلغازي بحلب سليمات بن أخيه عبد الجبار بن ارتق و لقبه بدر الدولة و عاد إلى ماردين. و فيها أقطع السلطان مدينة ميافارقين للأمير ايلغازي ابن ارتق و مدينة الموصل و الجزيرة و سنجار للأمير اقسنقر الرسقي. و في سنة ست عشرة في شهر رمضان توفي الأمير ايلغازي بن ارتق بميافارقين و ملك ابنه حسام الدين تمرتاش قلعة ماردين و ملك ابنه سليمان ميافارقين. و كان بحلب ابن أخيه بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن ارتق فبقي بها إلى أن أخذها منه ابن عمه. و في سنة سبع عشرة لما رأى بلك بن بهرام بن ارتق ضعف بدر الدولة سليمان ابن عمه عن حوط بلاده من الفرنج سار إليه إلى حلب و ضيق على من بها فتسلمها بالأمان. و في سنة ثماني عشرة سار بلك بن بهرام إلى منبج و ملكها و حصر القلعة فبينما هو يقاتل من بها أتاه سهم فقتله و اضطرب عسكره و تفرقوا و ملك اقسنقر البرسقي حلب و قلعتها و ملك الفرنج مدينة صور. و في سنة عشرين و خمسمائة في ذي القعدة قتل قسيم الدولة اقسنقر البرسقي صاحب الموصل بمدينة الموصل قتله الباطنية يوم الجمعة بالجامع و ملك ابنه عز الدين مسعود الموصل و لم يختلف عليه أحد. قال المؤرخ: و من العجب أن صاحب إنطاكية أرسل إلى عز الدين مسعود يخبره بقتل والده قبل أن يصل إليه الخبر و كان قد سمعه الفرنج قبل لشدة عنايتهم بمعرفة الأحوال الإسلامية. و في سنة إحدى و عشرين تولى أتابك عماد الدين زنكي بن اقسنقر شحنكية بغداد أسندها إليه السلطان محمود. و فيها توفي عز الدين مسعود بن اقسنقر و تولى أخوه عماد الدين زنكي الموصل و أعمالها. و في سنة اثنتين و عشرين ملك عماد الدين زنكي بن اقسنقر مدينة حلب و قلعتها و بعد سنة ملك مدينة حماة. و في سنة أربع و عشرين و خمسمائة ثاني ذي القعدة قتل الآمر بأحكام الله أبو علي بن المستعلي العلوي صاحب مصر خرج إلى منتزه له فلما عاد وثب عليه الباطنية فقتلوه و لم يكن له ولد فولي بعده ابن عمه أبو الميمون عبد المجيد بن أبي القاسم ابن المستنصر العلوي صاحب مصر و لقب الحافظ لدين الله و لم يبايع له بالخلافة و إنما بويع له لينظر في الأمر نيابة حتى يكشف عن حمل إن كان للآمر فتكون له

(1/121)

الخلافة فيه و يكون هو نائبا عنه. و فيها ظهر ببغداد عقارب طيارة ذوات شوكتين فنال الناس منها خوف شديد و أذى عظيم. و في سنة خمس و عشرين في شوال توفي السلطان محمودابن السلطان محمد بهمذان و كان عمره نحو سبع و عشرين سنة و ولايته ثلاث عشرة سنة و كان حليما كريما عاقلا يسمع ما يكره و لا يعاقب عليه مع القدرة قليل الطمع في أموال الرعايا عفيفا عنها كافا لأصحابه عن التطرق إلى شيء منها. و ملك ابنه داود بعده. و في سنة ست و عشرين كاتب السلطان سنجر عماد الدين زنكي و دبيس بن صدقة و أمرهما بقصد العراق فسارا و نزلا بالمنارية من دجيل و عبر الخليفة المسترشد إلى الجانب الغربي فنزل بالعباسية و التقى العسكران بحضرا البرامكة فابتدأ زنكي فحمل على ميمنة الخليفة و بها جمال الدولة إقبال فانهزموا منه. و حمل نصر الخادم من ميسرة الخليفة على ميمنة عماد الدين و دبيس و حمل الخليفة بنفسه و اشتد القتال فانهزم دبيس و عماد الدين و قتل من عسكرهما جماعة و أسر جماعة. و في سنة سبع و عشرين أرسل المسترشد الشيخ بهاء الدين أبا الفتوح الاسفرايني الواعظ إلى عماد الدين زنكي برسالة فيها خشونة و زادها أبو الفتوح زيادة في الجبه ثقة بقوة الخليفة و ناموس الخلافة. فقبض عليه زنكي و أهانه و لقيه بما يكره. فسمع الخليفة فسار عن بغداد في ثلاثين ألف مقاتل فلما قارب الموصل فارقها أتابك زنكي في بعض عسكره و ترك الباقي بها مع نائبه نصير الدين و نازلها الخليفة في رمضان و قاتلها و ضيق عليها. فتواطأ جماعة من الجصاصين بالموصل على تسليم البلد فسعي بهم فصلبوا. و بقي الحصار على الموصل نحو ثلاثة أشهر و لم يظفر منها بشيء و لا بلغه عمن بها وهن و لا قلة ميرة و قوت فرحل عنها عائدا إلى بغداد. و في سنة ثماني و عشرين تقرر الصلح بين الخليفة المسترشد و أتابك زنكي. و في سنة تسع و عشرين و خمسمائة سار الخليفة المسترشد إلى حرب السلطان مسعود و معه جماعة من أمراء الأكابر فواقعهم السلطان مسعود عاشر رمضان فانحازت ميسرة الخليفة مخامرة عليه إلى السلطان و اقتتلت ميمنته و ميسرة السلطان قتالا ضعيفا و دار به عسكر السلطان و هو ثابت لم يتغير من مكانه و انهزم عسكره و أخذ أسيرا فأنزله السلطان مسعود في خيمة و وكل به من يحفظه و قام بما يجب من الخدمة و ترددت الرسل بينهما بالصلح و تقرير القواعد على مال يؤديه الخليفة و أن لا يعود يجمع العساكر و لا يخرج من داره و أجاب السلطان إلى ذلك و أركب الخليفة و حمل الغاشية بين يديه و لم يبق إلا أن يعود إلى بغداد فوصل الخبر بقدوم رسول من السلطان سنجر و خرج الناس و السلطان مسعود إلى لقائه و فارق الخليفة بعض من كان موكلا به و كانت خيمته منفردة عن العسكر فقصده أربعة و عشرون رجلا من الباطنية و دخلوا عليه فقتلوه و جرحوه ما يزيد على عشرين جراحة و مثلوا به و جدعوا أنفه و أذنيه و تركوه عريانا و كان قتله يوم الخميس سابع عشر ذي القعدة على باب مراغة و بقي حتى دفنه أهل مراغة و كان عمره لما قتل ثلاثا و أربعين سنة و خلافته سبع عشرة سنة و سبعة أشهر.ة فيه و يكون هو نائبا عنه. و فيها ظهر ببغداد عقارب طيارة ذوات شوكتين فنال الناس منها خوف شديد و أذى عظيم. و في سنة خمس و عشرين في شوال توفي السلطان محمودابن السلطان محمد بهمذان و كان عمره نحو سبع و عشرين سنة و ولايته ثلاث عشرة سنة و كان حليما كريما عاقلا يسمع ما يكره و لا يعاقب عليه مع القدرة قليل الطمع في أموال الرعايا عفيفا عنها كافا لأصحابه عن التطرق إلى شيء منها. و ملك ابنه داود بعده. و في سنة ست و عشرين كاتب السلطان سنجر عماد الدين زنكي و دبيس بن صدقة و أمرهما بقصد العراق فسارا و نزلا بالمنارية من دجيل و عبر الخليفة المسترشد إلى الجانب الغربي فنزل بالعباسية و التقى العسكران بحضرا البرامكة فابتدأ زنكي فحمل على ميمنة الخليفة و بها جمال الدولة إقبال فانهزموا منه. و حمل نصر الخادم من ميسرة الخليفة على ميمنة عماد الدين و دبيس و حمل الخليفة بنفسه و اشتد القتال فانهزم دبيس و عماد الدين و قتل من عسكرهما جماعة و أسر جماعة. و في سنة سبع و عشرين أرسل المسترشد الشيخ بهاء الدين أبا الفتوح الاسفرايني الواعظ إلى عماد الدين زنكي برسالة فيها خشونة و زادها أبو الفتوح زيادة في الجبه ثقة بقوة الخليفة و ناموس الخلافة. فقبض عليه زنكي و أهانه و لقيه بما يكره. فسمع الخليفة فسار عن بغداد في ثلاثين ألف مقاتل فلما قارب الموصل فارقها أتابك زنكي في بعض عسكره و ترك الباقي بها مع نائبه نصير الدين و نازلها الخليفة في رمضان و قاتلها و ضيق عليها. فتواطأ جماعة من الجصاصين بالموصل على تسليم البلد فسعي بهم فصلبوا. و بقي الحصار على الموصل نحو ثلاثة أشهر و لم يظفر منها بشيء و لا بلغه عمن بها وهن و لا قلة ميرة و قوت فرحل عنها عائدا إلى بغداد. و في سنة ثماني و عشرين تقرر الصلح بين الخليفة المسترشد و أتابك زنكي. و في سنة تسع و عشرين و خمسمائة سار الخليفة المسترشد إلى حرب السلطان مسعود و معه جماعة من أمراء الأكابر فواقعهم السلطان مسعود عاشر رمضان فانحازت ميسرة الخليفة مخامرة عليه إلى السلطان و اقتتلت ميمنته و ميسرة السلطان قتالا ضعيفا و دار به عسكر السلطان و هو ثابت لم يتغير من مكانه و انهزم عسكره و أخذ أسيرا فأنزله السلطان مسعود في خيمة و وكل به من يحفظه و قام بما يجب من الخدمة و ترددت الرسل بينهما بالصلح و تقرير القواعد على مال يؤديه الخليفة و أن لا يعود يجمع العساكر و لا يخرج من داره و أجاب السلطان إلى ذلك و أركب الخليفة و حمل الغاشية بين يديه و لم يبق إلا أن يعود إلى بغداد فوصل الخبر بقدوم رسول من السلطان سنجر و خرج الناس و السلطان مسعود إلى لقائه و فارق الخليفة بعض من كان موكلا به و كانت خيمته منفردة عن العسكر فقصده أربعة و عشرون رجلا من الباطنية و دخلوا عليه فقتلوه و جرحوه ما يزيد على عشرين جراحة و مثلوا به و جدعوا أنفه و أذنيه و تركوه عريانا و كان قتله يوم الخميس سابع عشر ذي القعدة على باب مراغة و بقي حتى دفنه أهل مراغة و كان عمره لما قتل ثلاثا و أربعين سنة و خلافته سبع عشرة سنة و سبعة أشهر.

(1/122)

" الراشد بن المسترشد " لما قتل المسترشد بويع ولده أبو جعفر المنصور و لقب الراشد بالله. و كان المسترشد بايع له بولاية العهد في حياته و جددت له البيعة بعد قتله يوم الاثنين سلخ ذي القعدة سنة تسع و عشرين و خمسمائة. و فيها قتل دبيس بن صدقة صاحب الحلة على باب سرادقه بظاهر خونج أمر السلطان غلاما أرمنيا بقتله فوقف على رأسه و هو ينكت الأرض بإصبعه فضرب رقبته و هو لا يدري. و مثل هذه الحادثة تقع كثيرا و هو قرب موت المتعادين فإن دبيسا كان يعادي المسترشد و يكره خلافته و لم يكن يعلم أن السلاطين إنما كانوا يبقون عليه ليجعلوه عدة لمقاومة المسترشد فلما زال السبب زال المسبب. و في سنة ثلاثين و خمسمائة اجتمع الملوك و أصحاب الأطراف ببغداد و خرجوا عن طاعة السلطان مسعود و سار الملك داود بن السلطان محمود في عسكر أذربيجان إلى بغداد و وصل أتابك عماد الدين زنكي بعده من الموصل و خطب للملك داود ببغداد. فلما بلغ السلطان الخبر جمع العساكر و سار إلى بغداد و حصرها نيفا و خمسين يوما فلم يظفر بهم فعزم على العود إلى همذان فوصله طرنطاي صاحب واسط و معه سفن كثيرة فعاد إليها فاختلفت كلمة الأمراء المجتمعين ببغداد فعاد الملك داود إلى بلاده و تفرق الأمراء و كان عماد الدين زنكي بالجانب الغربي فعبر إليه الخليفة الراشد و سار معه إلى الموصل في نفر يسير من أصحابه و دخل السلطان مسعود إلى بغداد و استقر بها و جمع القضاة و الشهود و الفقهاء و عرض عليهم اليمين التي حلف بها الراشد له و فيها بخط يده: إنني متى جندت أو خرجت أو لقيت أحدا من أصحاب السلطان مسعود بالسيف فقد خلعت نفسي من الأمر. فأفتوا و خلع و قطعت خطبته من بغداد و سائر البلاد و كانت خلافته أحد عشر شهرا و ثمانية عشر يوما.
و في سنة ثلاثين و خمسمائة كان أبو علي المهندس المصري موجودا بمصر قيما بعلم الهندسة و كان فاضلا فيه و في الأدب و له شعر يلوح عليه الهندسة فمن شعره:
تقسم قلبي في محبة معشر ... بكل فتى منهم هواي منوط
كأن فؤادي مركز و هم له ... محيط و أهواي لديه خطوط
و له أيضا:
إقليذس العلم الذي هو يحتوي ... ما في السماء معا و في الآفاق
هو سلم و كأنما أشكاله ... درج إلى العلياء للطراق
تزكو فوائده على إنفاقه ... يا حبذا زاك على الإنفاق
ترقى به النفس الشريفة مرتقى ... أكرم بذاك المرتقى و الراقي
" المقتفي بن المستظهر " لما قطعت خطبة الراشد بالله تقدم السلطان مسعود بعمل محضر يذكر فيه ما ارتكبه الراشد من أخذ الأموال و أشياء تقدح في الإمامة ثم كتبوا فتوى: ما تقول العلماء في من هذه صفته هل يصلح للإمامة أم لا. فأفتوا أن من هذه صفته لا يصلح أن يكون إماما. فاستشار السلطان جماعة من أعيان بغداد فيمن يصلح أن يلي الخلافة فذكر الوزير محمد بن المستظهر و دينه و عقله و لين جانبه و عفته فأحضر المذكور و أجلس في الميمنة و دخل السلطان و الوزير و تحالفا و قرر الوزير القواعد بينهما و خرج السلطان من عنده و حضر الأمراء و القضاة و الفقهاء و بايعوه ثاني عشر ذي الحجة سنة ثلاثين و خمسمائة و لقب المقتفي لأمر الله.

(1/123)

و في سنة إحدى و ثلاثين فارق الراشد المخلوع أتابك زنكي من الموصل و سار إلى همذان و بها الملك داود. و فيها رحل إلى أصفهان. فلما كان آخر رمضان وثب عليه نفر من الخراسانية الذين كانوا في خدمته فقتلوه و هو يريد القيلولة و كان في أعقاب مرض قد برأ منه و دفن بظاهر أصفهان بشهرستان و كان عمره أربعين سنة. و في سنة اثنتين و ثلاثين وصل أتابك زنكي إلى حماة و أرسل إلى شهاب الدين صاحب دمشق يخطب إليه أمه ليتزوجها و اسمها زمرد خاتون ابنة جاولي و هي التي بنت المدرسة بظاهر دمشق على نهر بردى. فتزوجها و تسلم حمص مع قلعتها و إنما حمله على التزوج بها ما رآه من تحكمها في دمشق فظن أنه يملك البلد بالاتصال إليها فلما تزوجها خاب أمله و لم يحصل على شيء فأعرض عنها. و فيها ملك حسام الدين تمرتاش بن ايلغازي صاحب ماردين قلعة الهتاخ أخذها من بعض بني مروان و هو آخر من بقي منهم له ولاية. و في سنة ثلاث و ثلاثين ملك أتابك زنكي بن اقسنقر بعلبك. و في سنة أربع ملك زنكي شهرزور و أعمالها. و في سنة سبع و ثلاثين و خمسمائة توفي محمد بن دانشمند صاحب ملطية و الثغر و استولى على بلاده الملك مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية و هو من السلجوقية.
و في سنة تسع و ثلاثين فتح أتابك عماد الدين زنكي مدينة الرها من الفرنج و حاصر قلعة البيرة و هي للفرنج بعد ملك الره و هي من أمنع الحصون و ضيق عليها و قارب أن يفتحها فجاءه خبر قتل نصير الدين نائبه بالموصل فسار عنها. فخاف من بالبيرة من الفرنج أن يعود إليها فأرسلوا إلى نجم الدين صاحب ماردين و سلموها إليه فملكها المسلمون.
و في سنة أربعين و خمسمائة لخمس مضين من ربيع الآخر قتل أتابك عماد الدين زنكي بن اقسنقر صاحب الموصل و الشام و هو يحاصر قلعة جعبر قتله جماعة من مماليكه ليلا غيلة و هربوا إلى قلعة جعبر. فصاح من بها من أهلها إلى العسكر يعلمونهم بقتله فأظهروا الفرح. فدخل أصحابه إليه فأدركوه و به رمق و فاضت نفسه لوقته و كان قد زاد عمره على ستين سنة قد وخطه الشيب و كان شديد الهيبة على عسكره و رعيته عظيم السياسة و كانت الموصل قبل أن يملكها أكثرها خراب بحيث يقف الإنسان قريب محلة الطبالين و يرى الجامع العتيق و العرصة و دار السلطان ليس بين ذلك عمارة. و كان الإنسان لا يقدر على المشي في الجامع العتيق إلا و معه من يحميه و هو الآن في وسط العمارة. و كانت الموصل من أقل بلاد الله فاكهة فصارت في أيامه و ما بعدها من أكثر البلاد فواكه و رياحين. و لما قتل أتابك زنكي أخذ نور الدين محمود ولده خاتمه من يده و كان حاضرا معه و سار إلى حلب و ملكها. و كان سيف الدين غازي أخوه بمدينة شهرزور و هي إقطاعه فأرسل إليه زين الدين علي كوجك نائب أبيه عماد الدين زنكي بالموصل يستدعيه إلى الموصل فحضر و استقر ملك سيف الدين على البلاد و بقي أخوه نور الدين بحلب و هي له.
و في سنة أربع و أربعين و خمسمائة توفي سيف الدين غازي بن أتابك زنكي صاحب الموصل بها من مرض حاد. فلما اشتد مرضه أرسل إلى بغداد و استدعى أوحد الزمان أبا البركات فحضر عنده و رأى شدة مرضه فعالجه فلم ينجع الدواء و توفي آخر جمادى الآخرة و كانت ولايته ثلاث سنين. و ولي أمر الموصل و الجزيرة بعده أخوه قطب الدين مودود. و كان أخوه الأكبر نور الدين محمود بالشام و له حلب و حماة فسار إلى سنجار و ملكها و لم يحاققه أخوه قطب الدين ثم اصطلحا و أعاد نور الدين سنجار إلى قطب الدين و تسلم هو مدينة حمص و الرحبة فبقي الشام له و ديار الجزيرة لأخيه.

(1/124)

و فيها غزا نور الدين محمود بن زنكي بلد الإفرنج من ناحية إنطاكية فاجتمعت الفرنج مع البرنس فلقيهم نور الدين و اقتتلوا قتالا عظيما فانهزم الفرنج و قتل البرنس. و ملك بعده ابنه بيمند و هو طفل فتزوجت أمه ببرنس آخر ليدبر البلد إلى أن يكبر ابنها. و فيها توفي الحافظ لدين الله عبد المجيد و ولي الخلافة بمصر ابنه الظافر بأمر الله أبو المنصور اسمعيل. و في سنة ست و أربعين جمع نور الدين محمود عسكره و سار إلى بلاد جوسلين الفرنجي و هي شمالي حلب. و كان جوسلين فارس الفرنج غير مدافع قد جمع الشجاعة و الرأي فسار في عسكره نحو نور الدين فالتقوا و اقتتلوا و انهزم المسلمون و قتل منهم و أسر جمع كثير و كان في جملتهم سلاح دار نور الدين فأخذه جوسلين و معه سلاح نور الدين فسيره إلى الملك مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية و اقصرا و قال له: هذا سلاح دار زوج ابنتك و سيأتيك بعده ما هو أعظم منه. فلما علم نور الدين الحال عظم ذلك عليه و أعمل الحيلة على جوسلين و هجر الراحة ليأخذ ثأره و أحضر جماعة من الأمراء التركمان و بذل لهم الرغائب إن هم ظفروا بجوسلين و سلموه إليه لأنه علم عجزه عنه في القتال. فجعل التركمان عليه العيون. فخرج متصيدا فظفر به طائفة منهم و حملوه إلى نور الدين أسيرا. فسار نور الدين إلى قلاع جوسلين فملكها و هي عين تاب و عزاز و قورس و الروندان و برج الرصاص و دلوك و مرعش و نهر الجوز و غير ذلك من أعماله.
و في سنة سبع و أربعين توفي السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه بهمذان و كان عهده إلى ملكشاه ابن أخيه السلطان محمود فخطب له الأمير خاصبك بالسلطنة و رتب الأمور و قررها بين يديه. ثم قبض عليه و أرسل إلى أخيه الملك محمد و هو بخوزستان يستدعيه و كان قصده أن يحضر عنده فيقبضه و يخطب لنفسه بالسلطنة. فسار إليه محمد فاجلسه على التخت و خطب له بالسلطنة. ثم شعر محمد بخبث خاصبك فثاني يوم وصوله لما دخل إليه قتله و معه زنكي الجاندار و ألقى رأسيهما و بقيا حتى أكلتهما الكلاب و استقر محمد في السلطنة. و فيها توفي حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين و ميافارقين و كانت ولايته نيفا و ثلاثين سنة و ولي بعده ابنه نجم الدين البي.
و في سنة ثمان و أربعين و خمسمائة ملك الفرنج بالشام مدينة عسقلان و كانت من جملة مملكة العلويين المصريين. و في سنة تسع و أربعين في المحرم قتل الظافر بن الحافظ العلوي صاحب مصر و ولي ابنه الفائز بنصر الله ثاني يوم قتل أبوه و له من العمر خمس سنين فحمله الوزير عباس على كتفه و أجلسه على التخت سرير الملك. و فيها في صفر ملك نور الدين محمود بن زنكي بن اقسنقر مدينة دمشق و أخذها من صاحبها مجير الدين ابق بن محمد بوري بن طغدكين أتابك. و في سنة اثنتين و خمسين و خمسمائة في رجب كان بالشام زلازل كثيرة قوية خربت كثيرا من البلاد فخرب منها حمص و حماة و شيزر و كفرطاب و المعرة و حصن الأكراد و عرقة و اللاذقية و طرابلس و إنطاكية. و أما كثرة القتلى فيكفي فيها أن معلما كان بمدينة حماة و ذكر أنه فارق المكتب لمهم عرض له فجاءت الزلزلة فخربت البلد و سقط المكتب على الصبيان جميعهم. " قال المعلم " فلم يأت أحد يسأل عن صبي كان له.
و فيها في ريع الأول توفي السلطان سنجر بن ملكشاه بن الب أرسلان أصابه قولنج ثم بعده إسهال. و في سنة أربع و خمسين ثامن ربيع الآخر كثرت الزيادة في دجلة و خرج القورج فوق بغداد فامتلأت الصحارى و خندق البلد و وقع بعض السور فغرق بعض القطيعة و باب الأزج و المأمونية و دب الماء تحت الأرض إلى أماكن فوقعت و أخذ الناس يعبرون إلى الجانب الغربي فبلغت المعبرة عدة دنانير و لم يكن يقدر عليها. ثم نقص الماء فكثر الخراب و بقيت المحال لا تعرف و إنما هي تلول فأخذ الناس حدود دورهم بالتخمين. و فيها في ذي الحجة توفي السلطان محمد بن محمود بن محمد ابن ملكشاه و ملك عمه سليمان شاه بن محمد. و في سنة خمس و خمسين و خمسمائة ثاني ربيع الأول توفي الخليفة المقتفي لأمر الله و كانت خلافته أربعا و عشرين سنة و عمره ستا و ستين سنة.و هو أول من استبد بالعراق منفردا عن سلطان و حكم على عسكره و أصحابه من حين تحكم المماليك على الخلفاء و من عهد المستنصر إلى الآن.

(1/125)

كان في وسط المائة السادسة من الأطباء المشار إليهم في اآفاق ثلاثة أفاضل معا من ثلاث ملل كل منهم هبة الله اسما و معنى من النصارى و اليهود و المسلمين هبة الله ابن صاعد بن التلميذ و هبة الله بن ملكا أبو البركات أوحد الزمان و هبة الله بن الحسين الأصفهاني. أما التلميذ الطبيب النصراني البغدادي ففاضل زمانه و عالم أوانه خدم الخلفاء من بني العباس و تقدم في خدمتهم و ارتفعت مكانته لديهم و كان موفقا في المباشرة و المعالجة عالما بقوانين هذه الصناعة عمر طويلا و عاش نبيلا جليلا و كان شيخا بهي المنظر حسن الرواء عذب المجتنى و المجتبى لطيف الروح ظريف الشخص بعيد الهم عالي الهمة ذكي الخاطر مصيب الفكر حازم الرأي. و له في نظم الشعر كلمات راقية رائفة شافية شائقة تعرب عن لطافة طبعه. و من شعره:
كانت بلهنية الشبيبة سكرة ... فصحوت و استأنفت سيرة مجمل
و قعدت أرتقب الفناء كراكب ... عرف المحل فبات دون المنزل
و كان أبو الحسن بن التلميذ يحضر عند المقتفي كل أسبوع مرة فيجلسه لكبر سنه. و توفي في صفر سنة ستين و خمسمائة و قد قارب المائة و ذهنه بحاله. و سأله ابنه قبل أن يموت بساعة: ما تشتهي. قال: أن أشتهي. و أما هبة الله بن ملكا أبو البركات اليهودي في أكثر عمره المسلم في آخر أمره فكان طبيبا فاضلا عالما بعلوم الأوائل و كان حسن العبارة لطيف الإشارة صنف كتابا سماه المعتبر أخلاه من النوع الرياضي و أتى فيه بالمنطق الطبيعي و الإلهي فجاءت عبارته فصيحة و مقاصده في ذلك الطريق صحيحة. و لما مرض أحد السلاطين السلجوقية استدعاه من بغداد فتوجه نحوه و لاطفه إلى أن برأ و أعطاه العطايا الجمة من الأموال و المراكب و الملابس و التحف و عاد إلى العراق على غاية ما يكون من التجمل والغنى. و سمع أن ابن أفلح قد هجاه بقوله:
لنا طبيب يهودي حماقته ... إذا تكلم تبدو فيه من فيه
يتيه و الكلب أعلى منه منزلة ... كأنه بعد لم يخرج من التيه
و لما سمع ذلك علم أنه لا يبجل بالنعمة التي أنعمت عليه إلا بالإسلام فقوي عزمه على ذلك. و تحقق أن له بنات كبارا و أنهن لا يدخلن معه في الإسلام و أنه متى مات لا يرثنه فتضرع إلى الخليفة في الإنعام عليهن من مال يخلفه و إن كن على دينهن فوقع له بذلك. و لما تحققه أظهر إسلامه و جلس للتعليم و المعالجة و لم يزل سعيدا إلى أن قلب له الدهر ظهر المجن. و وضع من شأنه بعد أن أسن. فأدركته إعلال قصر عن معاناتها طبه. و استولت عليه الآلام مما لم يطق حملها جسمه و لا قلبه. و ذلك أنه عمي و طرش و جذم. فنعوذ بالله من استحالة الأحوال و ضيق المحال و سوء المآل. و لما أحس بالموت أوصى إلى من يتولاه أن يكتب على قبره ما مثاله: هذا قبر أوحد الزمان أبي البركات ذي العبر صاحب المعتبر. و في كبر أبي البركات أوحد الزمان فتواضع أمين الدولة بن التلميذ يقول البديع هبة الله الاصطرلابي.
أبو الحسن الطبيب و مقتفيه ... أبو البركات في طرفي نقيض
فذاك من التواضع في الثريا ... و هذا بالتكبر في الحضيض
و أما هبة الله بن الحسين بن علي الحكيم الطبيب الأصفهاني فكان من محاسن الدهر و أفاضل العصر و فيه قيل أن عند طبه لا يشترى بقراط بقيراط و لا يستقيم سقراط على الصراط و لحق حق ابن بطلان بالبطلان. و توفي سنة نيف و ثلاثين و خمسمائة بسكتة أصابته و دفن في سرداب داره و هو مسكت فلما فتح بابه بعد أشهر لينقل وجد جالسا عند الدرجة و هو ميت. و له شعر حلو منه ما قاله يصف حماما في دار صديق له:
و دخلت جنته و زرت جحيمه ... و شكرت رضوانا و رأفة مالك
و البشر في وجه الغلام نتيجة ... لقد مات ضياء وجه المالك

(1/126)

و في الأيام المقتفية دخل أبو الحكم المغربي الأندلسي الحكيم المرسي العراق و هو مجهول لا يعرف و رأى في بعض تطوافه بأزقة بغداد رجلا جالسا على باب دار يشعر بالرئاسة لسامنها و بين يديه شاب يقرأ عليه شيئا من كتاب أوقليذس فقرب منهما أبو الحكم ليسمع فإذا المعلم يهذي ما لا يعلم فرد عليه خطأه و بين غلطه. و علم الشاب الحقيقة في الرد فاستوقف أبا الحكم إلى أن يعود و دخل الدار و خرج يستدعي أبا الحكم دون المعلم فدخل إلى دار سرية فلقي والد الشاب و هو أحد أمراء الدولة فأحسن ملتقاه ثم سأله ملازمة ولده فأجاب. فاشتهر ذكر أبي الحكم فتطلبه الطلبة و ارتفع قدره. و كان كثير الهزل و المزاح. شديد المجون و الارتياح. ثم كره العراق و فارق على نية قصد المغرب. فلما حل بظاهر دمشق سير غلاما له ليبتاع منها ما يأكلانه في يومهما و أصحبه نزرا يكفي رجلين. فعاد الغلام و معه شواء و فاكهة و حلواء و فقاع و ثلج. فنظر أبو الحكم إلى ما جاء به و قال عند استكثاره: أوجدت أحدا من معارفنا. فقال: لا و إنما ابتعت هذا بما كان معي و بقيت منه هذه البقية. فقال أبو الحكم: هذا بلد لا يحل لذي عقل أن يتعداه. و دخل و ارتاد منزلا و سكنه و فتح دكان عطار يبيع به العطر و يطب و أقام على ذلك إلى أن أتى أجله.
" المستنجد بن المقتفي " لما اشتد مرض المقتفي و كان ولي عهده ابنه يوسف و كانت للمقتفي حظية هي أم ولده أبي علي فأرادت الخلافة لابنها و أحضرت عدة من الجواري و أعطتهن السكاكين و أمرتهن بقتل و لي العهد يوسف إذا دخل على والده. و كان ليوسف خصي صغير يرسله كل وقت يتعرف أخبار والده فرأى الجواري بأيديهن السكاكين فعاد إلى يوسف و أخبره فاستدعى أستاذ الدار و أخذه معه و جماعة من الفراشين و دخل الدار و قد لبس الدرع و أخذ بيده السيف. فلما دخل ثار به الجواري فضرب واحدة منهن فجرحها و كذلك أخرى و صاح فدخل أستاذ الدار و معه الفراشون فهرب الجواري و أخذ أخاه أباه علي و أمه فسجنهما و أخذ الجواري و قتل منهن و غرق منهن. فلما توفي المقتفي جلس يوسف ابنه للبيعة فبويع له و لقب المستنجد بالله و خطب له في ربيع الأول سنة خمس و خمسين و خمسمائة.
و في سنة ست و خمسين في صفر توفي الفائز عيسى بن الظافر اسمعيل صاحب مصر و كانت خلافته ست سنين و ولي الأمر بعده بمصر عبد الله بن يوسف بن الحافظ و لقب العاضد لدين الله و هو آخر الخلفاء العلويين بالديار المصرية. و في سنة تسع و خمسين و خمسمائة هرب شاور وزير العاضد صاحب مصر من ضرغام الذي نازعه في الوزارة إلى الشام ملتجئا إلى نور الدين و مستجيرا به و طلب منه إرسال العساكر معه إلى مصر ليعود إلى منصبه و يكون له ثلث دخل البلاد. فتقدم نور الدين بتجهيز الجيوش و قدم عليه أسد الدين شيركوه فتجهز و ساروا جميعا و شاور في صحبتهم و وصل أسد الدين و العساكر إلى مدينة بلبيس. فخرج إليهم أخو ضرغام بعسكر المصريين و لفيهم فانهزم. و خرج ضرغام من القاهرة فقتل و قتل أخوه أيضا. و خلع على شاور و أعيد إلى الوزارة. و أقام أسد الدين بظاهر القاهرة فغدر به شاور و عاد عما كان قرره لنور الدين و أرسل إلى الفرنج يستمدهم فسارعوا إلى تلبية دعوته و نصرته و تجهزوا و ساروا. فلما قارب الفرنج مصر فارقها أسد الدين و قصد مدينة بلبيس و جعلها ظهرا يتحصن به فحصره بها العساكر المصرية و الفرنج ثلاثة أشهر و هو يغاديهم القتال و يراوحهم فلم يبلغوا منه غرضا. فراسل الفرنج أسد الدين في الصلح و العود إلى الشام فأجابهم إلى ذلك و صار إلى الشام.
و في سنة ثلاث و ستين و خمسمائة فارق زين الدين علي بن سبكتكين النائب عن قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل خدمة صاحبه بالموصل و سار إلى إربل و كان هو الحاكم في الدولة و أكثر البلاد بيده. فلما عزم على مفارقة الموصل إلى بيته بإربل سلم جميع ما كان بيده من البلاد إلى قطب الدين مودود و بقي معه إربل حسب. و كان شجاعا عادلا حسن السيرة سليم القلب كثير العطاء للجند و غيرهم مدحه الحيص بيص بقصيدة فلما أراد أن ينشده قال: أنا لا أعرف ما تقول و لكني أعلم أنك تريد شيئا. و أمر له بخمسمائة دينار و فرس و خلعة سنية و ثياب مجموع ذلك ألف دينار و لم يزل بإربل إلى أن مات بها هذه السنة.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2852
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى