* تاريخ محتصر الدول : من بخري والمغول - الى الظاهر بن الناصر

اذهب الى الأسفل

* تاريخ محتصر الدول : من بخري والمغول - الى الظاهر بن الناصر

مُساهمة  طارق فتحي في السبت فبراير 05, 2011 4:45 pm


(1/139)

و في سنة تسع و ستمائة قصد ثلاثة نفر تجار من البخاريين ديار التاتار و معهم البضائع من الثياب المذهبة و الكرباس و غيرهما مما يليق بالمغول بما سمعوا أن للمتاع عندهم قيمة وافرة و أن الطرق قد أقام بها جنكزخان جماعة يسمونهم قراقجية أي مستحفظين يخفرون المترددين إليهم فقوي عزمهم على ذلك فساروا نحوهم. و لما وصلوا إلى نواحيهم وافاهم المستحفظون و وقفوا على ما معهم من السلع فرأوا قماش واحد منهم اسمه أحمد لائقا للخازن فسيروه مع صاحبيه إليه. فعرض أحمد متاعه على الحجاب و طلب في ثمن كل ثوب كان مشتراه عليه عشرة دنانير إلى عشرين دينارا ثلاثة بواليش. فغضب لذلك جنكزخان و قال: هذا الغافل كأنه يظن أننا ما رأينا ثيابا قط و أمر الخازن فأراه من الأقمشة التي هداها إليه ملوك الخطا أشياء نفيسة و تقدم أن يكتب ما معه و أنهبه لمن حضر من الحاشية و اعتقل أحمد. و طلب صاحبيه فعرضا عليه متاعهما برمته و قالا: هذا كله إنما أتينا به لنقدمه خدمة للخان لا لنبيعه عليه. فألحوا عليهما أن يثمناه فلم يفعلا. فأمر جنكزخان أن يعطيا لكل ثوب مذهب باليش من ذهب و لكل كرباسين باليش من فضة و عوض لأحمد أيضا مثل ما أعطاهما و تقدم إلى الأولاد و الخواتين و الأمراء أن ينفذوا معهم جماعة من أصحابهم و معهم بواليش الذهب و الفضة ليجلبوا لهم من ظرائف البلاد و نفائسها ما يصلح لهم فامتثلوا ما أمرهم به فاجتمع معهم مائة و خمسون تاجرا من مسلم و نصراني و تركي و أرسل معهم رسولا إلى السلطان محمد يقول له: إن التجار وصلوا إلينا و قد أعدناهم إلى مأمنهم سالمين غانمين و قد سيرنا معهم جماعة من غلماننا ليحصلوا من ظرائف تلك الأطراف فينبغي أن يعودا إلينا آمنين ليتأكد الوفاق بين الجانبين و تنحسم مواد النفاق من ذات البين. فلما وصل التجار إلى مدينة أترار طمع أميرها غاير خان فيما معهم من الأموال فطالع السلطان محمد في أمرهم و حسن له إبادتهم و اغتنام مالهم فأذن له في ذلك فقتلهم طرا إلا واحدا منهم فإنه هرب من السجن. و لما رأى ما جرى على أصحابه لحق بديار التاتار و أعلمهم بالمصيبة. فعظم ذلك جنكزخان و تأثر منه إلى الغاية و هجر النوم و صار يحدث نفسه و يفتكر فيما يفعله. و قيل أنه صعد إلى رأس تل عال و كشف رأسه و تضرع إلى الباري تعالى طالبا نصره على من باداه بالظلم و بقي هناك ثلاثة أيام بلياليها صائما. و في الليلة الثالثة رأى في منامه راهبا عليه السواد و بيده عكازة و هو قائم على بابه يقول له: لا تخف افعل ما شئت فإنك مؤيد. فانتبه مذعورا ذعرا مشوبا بالفرح و عاد إلى منزله و حكى حلمه لزوجته و هي ابنة أونك خان. فقالت له: هذا زي أسقف كان يتردد إلى أبي و يدعو له و مجيئه إليك دليل انتقال السعادة إليك. فسأل جنكزخان من كان في خدمته من نصارى الايغور. هل ههنا أحد من الأساقفة. فقيل له عن مار دنحا. فلما طلبه و دخل عليه بالبيرون الأسود قال: هذا زي من رأيت في منامي لكن شخصه ليس ذاك. فقال الأسقف: يكون الخان قد رأى بعض قديسينا. و من ذلك الوقت صار يميل إلى النصارى و يحسن الظن بهم و يكرمهم. و في سنة عشر و ستمائة قصد جنكزخان بلاد السلطان محمد و لما وصل إلى نواحي تركستان أتاه الأمير أرسلان خان من غياليغ و الأمير ايدي قوب من بيشباليغ و الأمير سفتاق من الماليغ و ساروا في عساكرهم. و لما اجتمعت العساكر جميعها بقصبة مدينة أترار سير جنكزخان ابنه الكبير فب تومانين عسكر إلى جانب خجند و توجه هو بنفسه إلى بخارا و رتب على محاصرة أترار و لديه جغاتاي و أوكتاي فدام القتال عليها مدة خمسة أشهر لأن السلطان محمدا كان قد سير إليها غاير خان في خمسة آلاف فارس و قراجا خاص حاجب في عشرة آلاف و كانوا كلهم بها. و لما ضاقت الحيلة بمن في المدينة و عجزوا عن المقاومة شاور قراجا لغاير خان في الصلح و تسليم البلد. فأبى غاير خان إلا المجاهدة حتى الموت لعلمه أن المغول لا يبقون عليه فلم ير في المصالحة مصلحة. فتوقف قراجا إلى هجوم الليل و خرج في أكثر عسكره إلى خارج من باب دروازه الصوفي. فعوقوه إلى الصبح ثم حمل إلى ابني جنكزخان فاستنطقاه و استعلما منه كنه أحوال البلد و أمرا بقتله و قتل كل من معه قائلين: إذا كنت ما أبقيت على مخدومك و ولي نعمتك فلا تبقي

(1/140)

و لا علينا. و زحف العسكر إلى المدينة فدخلوها و أخرجو أهلها جميعهم إلى ظاهرها و أغاروا على ما فيها. و بقي غاير خان في عشرين ألفا من عسكره متفرقين في دروب المدينة لم يتمكن منهم المغول و كانوا يخرجون خمسين خمسين يكاوحون و يطعنون في عسكر المغول و يقتلون ثم يقتلون. و كان هذا دأبهم شهرا إلى أن بقي غاير خان و معه نفران يجالدون في سطح دار السلطنة و كان قد برز مرسوم الخان أن لا يقتل غاير خان في الحرب لكن يحمل إليه حيا. فلذلك كثر التعب معه و قتل صاحباه و بقي وحده يقاتل بالآجر الذي كان الجواري يناولنه من الجدار. فلما عجز عن المناولة أحاطبه المغول و قبضوه و حملوه إلى جنكزخان بعد عوده من بخارا إلى سمرقند و قتل هناك في كوك سراي. و في سنة اثنتي عشرة في شعبان ملك السلطان محمد مدينة غزنة و كان استولى قبل ذلك على عامة خراسان و ملك باميان. لا علينا. و زحف العسكر إلى المدينة فدخلوها و أخرجو أهلها جميعهم إلى ظاهرها و أغاروا على ما فيها. و بقي غاير خان في عشرين ألفا من عسكره متفرقين في دروب المدينة لم يتمكن منهم المغول و كانوا يخرجون خمسين خمسين يكاوحون و يطعنون في عسكر المغول و يقتلون ثم يقتلون. و كان هذا دأبهم شهرا إلى أن بقي غاير خان و معه نفران يجالدون في سطح دار السلطنة و كان قد برز مرسوم الخان أن لا يقتل غاير خان في الحرب لكن يحمل إليه حيا. فلذلك كثر التعب معه و قتل صاحباه و بقي وحده يقاتل بالآجر الذي كان الجواري يناولنه من الجدار. فلما عجز عن المناولة أحاطبه المغول و قبضوه و حملوه إلى جنكزخان بعد عوده من بخارا إلى سمرقند و قتل هناك في كوك سراي. و في سنة اثنتي عشرة في شعبان ملك السلطان محمد مدينة غزنة و كان استولى قبل ذلك على عامة خراسان و ملك باميان.

(1/141)

و في سنة ثلاث عشرة في العشرين من جمادى الآخرة توفي الملك الظاهر غازي ابن صلاح الدين يوسف بن أيوب و هو صاحب مدينة حلب و خلف أولادا ذكورا من جملتهم الملك العزيز محمد من ابنة عمه الملك العادل و كان عمر ولده هذا سنتين و شهورا و وصى به إلى مملوكه شهاب الدين طغرل الخادم فصار أتابكه و قام بتربيته أحسن قيام. و في سنة خمس عشرة و ستمائة توفي الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه ابن مسعود بن مودود بن زنكي بن اقسنقر صاحب الموصل ليلة الاثنين لثلاث بقين من ربيع الأول و كانت ولايته سبع سنين و تسعة أشهر و أوصى بالملك لولده الأكبر نور الدين أرسلان شاه و عمره حينئذ نحو عشر سنين و جعل الوصي عليه و المدبر لدولته بدر الدين لؤلؤا. و كان عمه عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه صاحب العقر يحدث نفسه بالملك. فرقع بدر الدين ذلك الخرق و رتق ذلك الفتق و أحسن السيرة مع الخاص و العام و خلع على كافة الناس و غير ثياب الحداد عنهم فلم يخص بذلك شريفا دون مشرف و لا كبيرا دون صغير. و بعد أيام وصل التقليد من الخليفة لنور الدين بالولاية و لبدر الدين بالنظر في أمور دولته و التشريفات لهما أيضا. و كان مظفر الدين كوكبري بن زين الدين صاحب اربل قام في نصر عماد الدين زنكي فملكه قلعة العمادية و باقي قلاع الهكارية و الزوزان. فراسله بدر الدين يذكره الأيمان و العهود و يطالبه بالوفاء بها ثم نزل عن هذا و رضي منه بالسكوت لا لهم و لا عليهم. فلم يفعل و أظهر معاضدة زنكي. فأرسل بدر الدين إلى الملك الأشرف موسى بن الملك العادل و هو صاحب ديار الجزيرة و خلاط و انتمى إليه و صار في طاعته و طلب منه المعاضدة. فأجابه بالقبول و بذل له المساعدة و أرسل إلى مظفر الدين يقبح هذه الحالة و يقول له أن يرجع إلى الحق و إلا قصده هو بنفسه و عسكره. فلم تحصل الإجابة منه إلى شيء من ذلك إلى أن حضرت الرسل من الخليفة الناصر و من الملك الأشرف في الصلح فأطاعوا و اصطلحوا و تحالفوا بحضور الرسل. و لما تقرر الصلح توفي نور الدين أرسلان شاه بن الملك القاهر صاحب الموصل و رتب في الملك بعده أخوه ناصر الدين محمود و له من العمر نحو ثلاث سنين و حلف له الجند و ركبه بدر الدين فطابت نفوس الناس إذ علموا أن لهم سلطانا من البيت الأتابكي. و فيها توفي الملك العادل أبو بكر بن أيوب سابع جمادى الآخرة و كان عمره ثلاثا و سبعين سنة و كانت مدة مملكته ثماني عشرة سنة. و خلف ولده الملك الكامل صاحب مصر. و الملك المعظم صاحب دمشق. و الملك الأشرف صاحب حران و الرها و خلاط. و الملك المظفر شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين. و الملك الحافظ صاحب قلعة جعبر. و الملك العزيز صاحب بانياس. و الملك الصالح اسمعيل صاحب بصرى. و الملك الفائز يعقوب و الملك الأمجد عباس و الملك الأفضل و الملك القاهر.

(1/142)

و لما مات نور الدين الملك القاهر صاحب الموصل و ملك أخوه ناصر الدين تجدد لعماد الدين و مظفر الدين الطمع لصغر سن ناصر الدين فجمعا الرجال و تجهزا للحركة. فلما بلغ ذلك بدر الدين لؤلؤا أرسل إلة عز الدين ايبك مقدم عسكر الأشرف الذي بنصيبين يستدعيهم ليعتضد بهم فساروا إلى الموصل رابع رجب سنة خمس عشرة و استراحوا أياما ثم عبروا دجلة و نزلوا شرقيها على فرسخ من الموصل. و جمع مظفر الدين عسكره و سار إليهم و معه زنكي فعبر الزاب و سبق خبره. و عند انتصاف الليل سار ايبك و لم يصبر إلى الصبح فتقطعوا في الليل و الظلمة و التقوا هم و الخصم على ثلاثة فراسخ من الموصل. فأما عز الدين فحمل على ميسرة مظفر الدين فهزمها و بها زنكي. و ميمنة مظفر الدين حملت على ميسرة بدر الدين و هزمتها. و بقي بدر الدين في النفر الذي معه في القلب و تقدم إليه مظفر الدين في من معه في القلب إذ لم يتفرقوا فلم يمكنه الوقوف فعاد إلى الموصل هاربا و عبر دجلة إلى القلعة و تبعه مظفر الدين و أقام وراء تل حصن نينوى ثلاثة أيام و رحل ليلا من غير أن يضربوا كوسا و بوقا. ثم ملك عماد الدين قلعة الكواشي و ملك بدر الدين تل أعفر و ملك الأشرف سنجار و سار يريد الموصل ليجتاز منها إلى اربل. فقدم بين يديه عسكره ثم وصل هو في آخرهم يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الأولى سنة ست عشرة و ستمائة و كان يوم وصوله مشهودا ترجل له بدر الدين و حمل الغاشية بين يديه. و أتاه رسل الخليفة و مظفر الدين في الصلح و بذل تسليم القلاع المأخوذة جميعها إلى بدر الدين ما عدا قلعة العمادية و طال الحديث في ذلك نحو شهرين. ثم رحل الأشرف يريد مظفر الدين فوصل قرية السلامية بالقرب من الزاب و كان مظفر الدين نازلا عليه من جانب اربل فأعاد الرسل إلى الاشرف في طلب الصلح و كان عسكر الاشرف قد طال بيكاره و الناس قد ضجروا فوقعت الإجابة إلى الصلح و عاد الاشرف إلى سنجار و كان رحيله عن الموصل ثاني شهر رمضان من سنة سبع عشرة و ستمائة. و في سنة ست عشرة و ستمائة توفي السلطان عز الدين كيكاوس بن كيخسرو ابن قلج أرسلان صاحب بلاد الروم و لم يخلف ولدا يصلح للملك لصغر سنهم. و أخرج الجند أخاه علاء الدين كيقباذ من قلعة المنشار التي على الفرات بقرب ملطية و كان مسجونا بها فملكوه و حلف الناس له فأحسن تدبيره لملكه و كان شديدا على أصحابه ذا عزم و حزم و هيبة عظيمة.

(1/143)

و في سنة سبع عشرة و ستمائة في أوائل المحرم نزل جنكزخان في عساكره على مدينة بخارا و أحاط بها العساكر من جميع جوانبها. زوكان بها من عسكر السلطان محمد عشرون ألفا مقدمهم كوك خان و سونج و كشلي خان. و لما تحققوا عجزهم عن مقاومة المغول خرجوا من الحصار بعد غروب الشمس فأدركهم المحافظون من عسكر المغول على نهر جيحون فأوقعوا فيهم و قتلوهم كافة و لم يبقوا منهم أثرا. فلما فارق المقاتلون المدينة لم يبق لأهلها حيلة إلا التسليم و الخروج و طلب الأمان فخرج الايمة و الأعيان إلى خدمة جنكزخان يتضرعون إليه و يطلبون حقن دمائهم حسب. فتقدم باخراج كل من بالمدينة إلى ظاهرها فخرجوا و دخل هو و ولده تولي إلى المدينة فوقف على باب مسجد الجامع و قال: هذا دار السلطان. فقالوا: لا بل خانة يزدان أي بيت الله. فنزل و دخل الجامع و صعد إلى المنبر و قال لاكابر بخارا: إن الصحراء خالية عن العلف فأنتم أشبعوا الخيل مما عندكم في الانبار. ففتحوها و صاروا ينقلون ما فيها من الغلات و رموا ما في الصناديق من الكتب و جعلوها اواري للخيل و أحضروا الطعام و الشراب هناك و أكلوا و شربوا و طربوا. ثم خرج جنكزخان إلى منزله و جمع الايمة و المشايخ و السادات و العلماء و قال لهم: إن الله ملك الكل و ضابط الكل أرسلني لأطهر الأرض من بغي الملوك الجائرة الفسقة الفجرة و ذكر لهم ما فعله أمير اترار بإذن سلطانه بالتجار إلى غير ذلك ثم أمرهم أن يعتزلوا الأغنياء و أصحاب الثروة بمعزل عن الفقراء فعزلوهم و كانوا مائتي ألف و ثمانين ألفا. فقال لهم:إن الأموال التي فوق الأرض لا حاجة بنا إلى استعلامها منكم و إنما نريد أن تظهروا لنا الدفائن تحت الأرض. فقبلوا بالسمع و الطاعة. و وكلوا مع كل قوم باسقاقا يستخرج المال و أشار سرا إلى المستخرجين أن لا يكلفوهم ما لا يطيقونه و يرفقوا بهم و ذلك لما رأى من حسن إجابتهم إلى ما أمروا به. و لأن جماعة من عسكر السلطان كانوا مختفين بالمدينة أمر فرموا في محالها النار فاحترقت المدينة بأسرها لأن جل عمائرها من خشب فبقيت عرصة بخارا قاعا صفصفا و تفرق أهلها منتزحين إلى خراسان.

(1/144)

و فيها في ربيع الأول نزل جنكزخان على مدينة سمرقند و كان قد رتب السلطان محمد فيها مائة ألف و عشرة آلاف فارس يقومون بحراستها. فلما نازلها منع أصحابه عن المقاتلة و أنفذ سنتاي نوين و معه ثلاثون ألف محارب في أثر السلطان محمد. و غلاق نوين و بسور نوين إلى جانب طالقان. و أحاط باقي العسكر بالمدينة وقت سحر فبرز إليهم مبارزو الخوارزمية و نازعوهم القتال و جرحوا جماعة كثيرة من التاتار و أسروا جماعة و أدخلوهم المدينة فلما كان من الغد ركب جنكزخان بنفسه و دار على العسكر و حثهم على القتال فاشتد القتال ذلك اليوم بينهم و دام النهار كله من أوله إلى أول الليل و وقف الأبطال من المغول على أبواب المدينة و لم يمكنوا أحدا من المجاهدين من الخروج فحصل عند الخوارزمية فتور كثير و وقع الخلف بين أكابر المدينة و تلونت الآراء فبعض مال إلى المصالحة و التسليم و بعض لم يأمن على نفسه و إن أومن خوفا من غدر التاتار فقوي عزم القاضي و شيخ الاسلام على الخروج فخرجا إلى خدمة جنكزخان و طلبا الأمان لهما و لأهل المدينة فلم يجبهما إلا إلى أمان أنفسهما و من يلوذ بهما. فدخلا إلى المدينة و فتحا أبوابها فدخل المغول و اشتغلوا ذلك اليوم بتخريب مواضع من السور و هدم بعض الأبرجة و لم يتعرضوا إلآ احد إلى أن هجم الليل فدخلوا إلى المدينة و صاروا يخرجون من الرجال و النساء مائة مائة بالعدد إلى الصحراء و لم ينكفوا إلا عن القاضي و شيخ الاسلام و عمن التجأ إليهما فاحتمى بهما نيف و خمسون ألفا من الخلق. و لما أصبح الصباح شرع المغول في نهب المدينة و قتل كل من لحقوه مختبئا في المغائر و متواريا بالستائر و قتلوا تلك الليلة نحو ثلاثين ألف تركي و قنقلي و قسموا بالنهار ثلاثين ألفا على الأولاد و الأمراء و أطلقوا الباقي ليرجعوا إلى المدينة و يجمعوا من بينهم مائتي ألف دينار ثمن أرواحهم و كان المحصل لهذا المال ثقة الملك و الأمير عميد و هما من أكابر سمرقند و الشحنة طايفور. و من هناك توجه جنكزخان بعساكره إلى نواحي خوارزم و أنفذ الرسل إليهم يدعوهم إلى الايلية و الدخول في طاعته و شغلهم أياما بالوعد و الوعيد و التأميل و التهديد إلى أن اجتمعت العساكر و رتب آلات الحرب من منجنيق و ما يرمى بها. و لأن صقع خوارزم لم يكن فيه حجر كان المغول يقطعون من أشجار التوت قطعا كالحجارة و يرمون بها و ملأوا الخندق بالتراب و الخشب و الهشيم و أنشبوا الحرب و القتال على المدينة من جميع جوانبها حتى عجز من فيها عن المقاومة فملكوا سورها و أضرموا النار في محالها فأتت على أكثر دورها و ما فيها فأيس المغول من الانتفاع بشيء من غنائمها فأعرضوا عن الحريق و صاروا يملكون محلة محلة لأن أهلها كانوا يمتنعون فيها أشد امتناع. و لم يزالوا كذلك إلى أن ملك المغول كل المحال و أخرجوا الخلائق كافة إلى الصحراء و فرزوا الصناع و المحترفين إلى الناحية و كانوا مائة ألف و أسروا البنين و البنات و النساء اللواتي ينتفع بهن و قسموا الباقي من الرجال و النساء و العجائز على العسكر ليقتلوهم فقتل كل واحد منهم أربعا و عشرين شخصا. و في أوائل سنة ثماني عشرة و ستمائة عبر جنكزخان نهر جيحون و قصد مدينة بلخ فخرج إليه أعيانها و بذلوا له الطاعة و حملوا الهدايا و أنواعا من الترغو أي المأكل و المشرب.فلم يقبل عليهم بسبب أن السلطان جلال الدين بن السلطان محمد كان في تلك النواحي يهيئ أسباب الحرب و يستعد للقتال فأمر بخروج أهل بلخ إلى الصحراء ليعدوهم كالعادة فلما خرجوا بأسرهم رمى فيهم السيف. و من هناك توجه نحو الطالقان و قتل أكثر أهلها و أسر من صلح للأسر و أبقى البعض. و سار إلى الباميان فعصى أهلها و قاتلوا قتالا شديدا و اتفق أن أصيب بعض أولاد جغاتاي بسهم جرح فقضى نحبه و كان من أحب أحفاد جنكزخان إليه فعظمت المصيبة بذلك و اضطرمت النيران في قلوب المغول و جدوا في القتال إلى أن فتحوها و قتلوا كل من فيها حتى الدواب و البقر و الأجنة التي في بطون الحبالى أيضا و لم يأسروا منها أحدا قط و تركوها أرضا قفرا و لم يسكنها أحد إلى اليوم و سموها ماوباليغ أي قرية بؤس.

(1/145)

و لما فرغ جنكزخان من تخريب بلاد خراسان سمع أن السلطان جلال الدين قد استظهر بالعراق فسار نحوه ليلا و نهارا بحيث أن المغول لم يتمكنوا من طبخ لحم إذا نزلوا. فحين وصلوا إلى غزنة أخبروا بأن جلال الدين من خمسة عشر يوما رحل عنها و هو عازم على أن يعبر نهر السند. فلم يستقر جنكزخان و رحل في الحال و حمل على نفسه بالسير حتى لحقه في أطراف السند فطاف به العسكر من قدامه و من خلفه و داروا عليه دائرة وراء دائرة كالقوس الموتورة و نهر السند كالوتر و هو في وسط. و بالغ المغول في المكاوحة و تقدم جنكزخان أن يقبض حيا و وصل جغاتاي و أوكتاي أيضا من جانب خوارزم. فلما رأى جلال الدين أنه يوم عمل شهم و ضرغم أبطال المغول و تطلب أطلابهم و حمل عليهم حملات و شق صفوفهم مرة بعد مرة و طال الأمر بمثل ذلك لامتناع المغول عن رميه بالنشاب ليحضروه غير مؤوف بين يدي جنكزخان امتثالا لمرسومه فكانوا يتقدمون إليه قليلا قليلا. فلما عاين تضييق الحلقة عليه نزل فودع أولاده بل أكباده من نسائه و خواصه باكيا كئيبا ثم رمى عنه الجوشن و ركب جنيبه و هو كالأسد الغيور و هم بالعبور واقحم فرسه النهر فانقحم و عام و خلص إلى الساحل و جنكزخان و أصحابه ينظرون إليه و يتأملونه حيارى. و لما شاهد ذلك جنكزخان وضع يده على فمه متعجبا و التفت إلى ولديه و قال لهما: من أب مثل هذا الابن ينبغي أن يولد. إذا نجا من هذه الوقعة فوقائع كثيرة تجري على يديه. و من خطبه لا يغفل من يعقل. و أراد جماعة من البهادورية أن يتبعوه في الماء فمنعهم جنكزخان قائلا: إنكم لستم من رجاله لأنه كان يرامي المغول بالسهام و هو في وسط الشط. فلما فاتهم أخذوا أمر الخان بإحضار حرمه و أولاده و تقدم بقتل جميع الذكور حتى الرضع. و لأن جلال الدين عندما أراد الخوض في النهر ألقى جميع ما كان صحبته من آنية الذهب و الفضة و النقرة فيه أمر الغواصين فأخرجوا منها ما أمكن إخراجه. و كان هذا الأمر الذي هو من عجائب الأنام و دواهي الأيام في رجب فقيل في المثل: عش رجبا تر عجبا.
و فيها أعني سنة ثماني عشرة و ستمائة كان اجتماع الملك المعظم و الملك الأشرف مع نجدة صاحب ماردين و عسكر حلب و الملك الناصر صاحب حماة و الملك المجاهد صاحب حمص و اتصال الجميع بالملك الكامل على عزم قصد الفرنج و رد دمياط منهم. فأحاطوا بهم و ضيقوا السبيل عليهم فأجابوا إلى الصلح على تسليم دمياط و إطلاق ما بأيديهم من أسراء المسلمين و إطلاق ما بأيدي المسلمين من أسراهم و قرر الصلح عاما مع الدكادنائب البابا و ملك عكا و ملوك فرنجة و مقدمي الداوية و الاسبتارية و تسلم الكامل دمياط يوم الأربعاء تاسع عشر رجب. و كانت مدة مقام الفرنج بها سنة كاملة و أحد عشر شهرا. و في سنة إحدى و عشرين و ستمائة توفي الملك الأفضل علي بن صلاح الدين و قد نزل عن ملك مصر و الشام و قنع بسميساط كرها. و كان عنده علم و فطنة لكنه كان ضعيف الرأي قليل العزم كثير الغفلة عما يجب للدول و تدبير الممالك. و لما أخذت منه البلاد كتب إلى الخليفة الناصر كتابا ضمنه شكاية عمه العادل و أخيه العزيز حيث أخذا منه البلاد و نكثا عهد أبيه له بها. و كتب في أول الكتاب بيتين من الشعر عملهما و أحسن فيهما و هما:
مولاي إن أبا بكر و صاحبه ... عثمان قد أخذا بالسيف حق علي
فانظر إلى حرف هذا الاسم كيف لقي ... من الأواخر ما لاقى من الأول
يريد بأبي بكر عمه و بعثمان أخاه و بعلي نفسه. فأجابه الناصر عن كتابه بكتاب كتب فيه:
وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا ... بالصدق يخبر أن أصلك طاهر
غصبوا عليا حقه إن لم يكن ... بعد النبي له بيثرب ناصر
فاصبر فإن غدا عليه حسابهم ... وأبشر فناصرك الإمام الناصر
و كان الملك الأفضل قد شغله أبوه في صباه بشيء من العلم فحصل منه طرفا من العربية و الشعر و كان ينظمه و يعتني به بالنسبة إلى حاله.
و في سنة اثنتين و عشرين و ستمائة توفي الخليفة الناصر لدين الله أبو العباس أحمد في ليلة عيد الفطر و كان عمره سبعين سنة و مدة خلافته ستا و أربعين سنة و أحد عشر شهرا.

(1/146)

و كان في الأيام الامامية الناصرية الحكيم عبد السلام بن جنكي دوست الجبلي البغدادي قد قرأ علوم الأوائل و أجادها و اشتهر بهذا الشأن شهرة تامة و حصل له بتقدمه حسد من أرباب الشر فثلبه أحدهم بأنه معطل فأوقعت الحفظة عليه و على كتبه فوجد فيها الكثير من علوم الفلاسفة و برزت الأوامر الناصرية باخراجها إلى موضع ببغداد يعرف بالرحبة و أن يحرق الجم منها بحضور الجمع ففعل ذلك و أحضر لها عبيد الله التيمي المعروف بابن المارستانية و جعل له منبر و صعد عليه و خطب خطبة لعن بها الفلاسفة و من يقول بقولهم و ذكر الركن هذا بشر و كان يخرج الكتب التي له كتابا كتابا يتكلم عليه و يبالغ في ذمه و ذم مصنفه ثم يلقيه من يده لمن يلقيه في النار. قال القاضي الأكرم الوزير جمال الدين بن القفطي رحمه الله: أخبرني الحكيم يوسف السبتي الاسرائيلي قال: كنت بغداد يومئذ تاجرا و حضرت المحفل و سمعت كلام ابن المارستانية و شاهدت في يده كتاب الهيئة لابن الهيثم و هو يقول: و هذه الداهية الدهياء و النازلة الصماء و المصيبة العمياء. و بعد إتمام كلامه خرقها و ألقاها في النار. فاستدللت على جهله و تعصبه إذ لم يكن في الهيئة كفر و إنما هي طريق إلى الإيمان و معرفة قدر الله جل و عز فيما أحكمه و دبره. و استمر الركن عبد السلام في السجن معاقبة على ذلك إلى أن أفرج عنه سنة تسع و ثمانين و خمسمائة.
و في هذه السنة توفي يحيى بن سعيد بن ماري الطبيب النصراني صاحب المقامات الستين صنفها و أحسن فيها و كان فاضلا في علوم الأوائل و علم العربية و الشعر يرتزق بالطب. و من شعره في الشيب:
نفرت هند من طلائع شيبي ... و اعترتها سآمة من وجومي
هكذا عادة الشياطين ينفر ... ن إذا ما بدت نجوم الرجوم
و من أطباء الدار الامامية الناصرية صاعد بن هبة الله بن المؤمل أبو الحسن النصراني الحظيري المتطبب و أخوه أبو الخير الاركيذياقون و هما أخوا الجاثليق المعروف بابن المسيحي. أما صاعد فخدم الخليفة الناصر و تقرب قربا كثيرا و كانت له المعرفة التامة بالطب و المنطق و صنف كتابا صغير الحجم سماه الصفوة جمع فيه أجزاء الطب علميها و عمليها و ألحق في آخر الفن الأول من الجزء الثاني ثلاثة فصول في الختانة لكونها منوطة بالأطباء ببغداد و إن كان لا يسمع لأحد من المتقدمين و لا المتأخرين فيها قولا بل فيما يطول القلفة. و كان ينسخ بخطه كتب الحكمة. و مات في آخر سنة إحدى و تسعين و خمسمائة. و أما الاركيذياقون و كان أيضا فاضلا صنف كتابا مختصرا لخص فيه مباحث كتاب الكليات من القانون سماه الاقتضاب ثم اختصره و سمى المختصر انتخاب الاقتضاب. و حكى لي بعض الأطباء ببغداد أن أباه حمله و هو مترعرع إلى ابن التلميذ ليشغله فقال: هذا ابنك صغير جدا. فقال: غرضي التبرك منك. فأقرأه المسألة الأولى من مسائل حنين.
و في سنة أربع و تسعين و خمسمائة توفي محمد بن عبد السلام المقدسي ثم المارديني كان أبوه قاضي ماردين و جده قاضي دنيسر قرأ الطب على ابن التلميذ فبلغ منه الغاية حتى أن الملوك كانت تخطبه من النواحي و الأقطار و كان على علو السن يكرر على كتب كبار. و قرأ عليه الشهاب السهروردي شيئا من الحكمة. و لم يصنف كتابا مع غزارة علمه و تمكنه و حسن تصرفه فيه إلا أنه شرح أبيات ابن سينا التي أولها:هبطت إليك. و كان أبو الخير بن المسيحي يفخم أمره و يعظم شأنه.

(1/147)

و في سنة خمس و ستمائة مات موسى بن ميمون اليهودي الأندلسي و كان قد قرأ علم الأوائل بالأندلس و أحكم الرياضيات و قرأ الطب هناك فأجاده علما و لم يكن له جسارةعلى العمل.و أكره على الإسلام فأظهره و أسر اليهودية. و لما التزم بجزيات الإسلام من القراءة و الصلاة فعل ذلك إلى أن أمكنته الفرصة في الرحلة بعد ضم أطرافه فخرج عن الأندلس إلى مصر و معه أهله و نزل مدينة الفسطاط بين يهودها فأظهر دينه و ارتزق بالتجارة في الجوهر و ما يجري مجراه. و لما ملك العزيز مصر و انقضت الدولة العلوية اشتمل عليه القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني و نظر إليه و قرر له رزقا و كان يشارك الأطباء و لا ينفرد برأيه لقلة مشاركته و لم يكن وقفا في المعالجة و التدبير. و كان عالما بشريعة اليهود و صنف كتابا في مذهب اليهود سماه بالدلالة و بعضهم يستجيده وبعضهم يذمه و يسميه الضلالة. و غلب عليه النحلة الفلسفية و صنف رسالة في المعاد الجسماني و أنكر عليه مقدمو اليهود فأخفاها إلا عمن يرى رأيه.و رأيت جماعة من يهود بلاد الفرنج الغتم بإنطاكية و طرابلس يلعنونه و يسمونه كافرا. و له تصنيفات حسنة في الرياضيات و مقاربة في الطب. و ابتلي في آخر زمانه برجل من الأندلس فقيه يعرف بأبي العرب وصل إلى مصر و حاققه على إسلامه و رام أذاه فمنعه عنه القاضي الفاضل و قال له: رجل يكره لا يصح إسلامه شرعا. و لما قرب وفاته تقدم إلى مخلفيه أن يحملوه إذا انقطعت رائحته إلى بحيرة طبرية فيدفنوه هناك لما فيها من قبور صالحيهم ففعل به ذلك.
و في سنة ست و ستمائة في ذي الحجة توفي بهراة الإمام الفخر الرازي محمد بن عمر المعروف بابن الخطيب بالري. و كان من أفاضل أهل زمانه بز القدماء في الفقه و علم الأصول و الكلام و الحكمة و رد على أبي علي بن سينا و استدرك عليه. و كان يركب و حوله السيوف المجذبة و له المماليك الكثيرة و المرتبة العالية و المنزلة الرفيعة عتد السلاطين الخوارزمشاهية. و عن له أن تهوس بعمل الكيمياء و ضيع في ذلك مالا كثيرا و لم يحصل على طائل.و سارت مصنفاته في الأقطار و اشتغل بها الفقهاء. و رحل إلى ما وراء النهر لقصد بني مارة ببخارا و لم يلق منهم خيرا و كان فقيرا يومئذ لا جدة له فخرج من بخارا و قصد خراسان و اتفق اجتماعه بخوارزمشاه محمد بن تكش فقربه و أدناه و رفع محله و أسنى رزقه.و استوطن مدينة هراة و تملك بها ملكا و أولد أولادا و أقام بها حتى مات و دفن في داره.و كان يخشى أن العوام يمثلون بجثته لما كان يظن به من الانحلال. و في مسيره إلى ما وراء النهر يقصد بخارا في حدود سنة ثمانين و خمسمائة اجتاز بعبد الرحمن بن عبد الكريم السرخسي الطبيب و نزل عليه فأكرمه و قام بحقه مدة مقامه بسرخس فأراد أن يفيده مما لديه فشرع له في الكلام على كليات القانون و شرح المستغلق من ألفاظ هذا الكتاب و رسمه باسمه و ذكره في مقدمته و وصفه و أثنى عليه. و في سنة ثماني و ستمائة توفي المسيحي ابن أبي البقاء النيلي نزيل بغداد و كنيته أبو الخير و يعرف بابن العطار و كان خبيرا بالعلاج قيما به له ذكر و قرب من دار الخليفة يطب النساء و الحواظي عاش عمرا طويلا و حصل مالا جزيلا و خلف ولدا طبيبا لم يكن رشيدأ يكنى أبا علي. و لما مات أبوه اتفق أن كان على بعض مسراته إذ كبس في ليلة الجمعة حادي عشر ربيع الأول من سنة سبع عشرة و ستمائة و عنده امرأة مسلمة تعرف بست شرف. فلما قبض عليه أقر على جماعة من المسلمات كن يأتينه لأجل دنياه من جملتهن زوجة ابن البخاري صاحب المخزن اسمها اشتياق. فخرج الأمر بسجن المرأتين بسجن الطرارات و فدى أبو علي نفسه بستة آلاف دينار.

(1/148)

و في سنة تسع عشرة و ستمائة في المحرم توفي علي بن أحمد أبو الحسن الطبيب المعروف بابن هبل و كان من أهل بغداد عالما بالطب و الأدب ولد ببغداد و نشأ بها ثم جاز إلى الموصل و خرج إلى أذربيجان و أقام بخلاط عند صاحبها شاه أرمن يطبه و قرأ الناس عليه. و فارق تلك الديار لسبب و هو أن بعض الطشتدراية قال له يوما و قد نظر قارورة الملك في بعض أمراضه: يا حكيم لم لا تذوقها. فسكت عنه. فلما انفصل المجلس قال له في خلوة: قولك هذا اليوم عن أصل أم من قول غيرك أو هو شيءخطر لك. فقال: إنما خطر لي لأني سمعت أن شرط اختبار القارورة ذوقها. فقال: الأمر كذلك و لكن لا في كل الأمراض و قد أسأت إلي بهذا القول لأن الملك إذا سمع هذا ظن أنني قد أخللت بشرط واجب من شروط خدمته. ثم أنه عمل على الخروج لأجل هذه الحركة و الخوف من عاقبتها بعد أن رشا الطشت دار حتى لا يعود إلى مثلها. و خرج و عاد إلى الموصل و قد تمول فأقام بها إلى حين وفاته. و عمر حتى عجز عن الحركة و عدم بصره فلزم منزله قبل وفاته بسنتين و مات و عمره خمس و تسعون سنة. و كان الناس يترددون و يقرأون عليه. و صنف كتابا حسنا في الطب سماه المختار يجيء في أربع مجلدات.
و في سنة عشرين و ستمائة ثامن و عشرين جمادى الأولى ليلة الخميس قتل أبو الكرم صاعد بن توما النصراني الطبيب البغدادي و يلقب بأمين الدولة. كان فاضلا حسن العلاج كثير الإصابة و كان من ذوي المروآت تقدم في أيام الإمام الناصر إلى أن صار في منزلة الوزراء و استوثقه على حفظ أمواله و خواصه و كان يودعها عنده و يرسله في أمور خفية إلى الوزير و يظهر له كل وقت. و كان حسن الوساطة جميل المحضرتقضى على يده حاجات الناس. و كان الإمام الناصر في آخر أيامه قد ضعف بصره و أدركه سهو في أكثر أوقاته. و لما عجز عن النظر في القصص استحضر امرأة من النساء البغداديات تعرف بست نسيم و قربها و كانت تكتب خطا قريبا من خطه و جعلها بين يديه تكتب الأجوبة و شاركها في ذلك خادم اسمه تاج الدين رشيق فصارت المرأة تكتب في الأجوبة ما ترد فمرة تصيب و مرارا تخطئ. و اتفق أن كتب الوزير القمي المدعو بالمؤيد مطالعة و عاد جوابها و فيه إخلال بين فتوقف الوزير و أنكر ثم استدعى الحكيم صاعد بن توما و سأله عن ذلك سرا. فعرفه ما الخليفة عليه من عدم البصر و السهو الطارئ في أكثر الأوقات و ما يعتمده المرأة و الخادم من الأجوبة. فتوقف الوزير عن العمل بأكثر الأمور الواردة عليه. و تحقق الخادم و المرأة ذلك و حدسا أن الحكيم هو الذي دله على ذلك. فقرر رشيق مع رجلين من الجند أن يغتالا الحكيم و يقتلاه و هما رجلان يعرفات بولدي قمر الدين من الأجناد الواسطية. فرصدا الحكيم في بعض الليالي إلى أن خرج من دار الوزير عائدا إلى دار الخليفة فتبعاه إلى باب الغلة المظلمة و وثبا عليه بسكينيهما و جرحاه و انهزما. فبصر بهما و صاح: خذوهما. فعادا إليه و قتلاه و جرحا النفاط الذي بين يديه. و حمل الحكيم ابن توما إلى منزله و دفن بداره في ليلته. و بعد تسعة أشهر نقل إلى تربة آبائه في لبيعة بباب المحول. و بحث الخليفة و الوزير عن القاتلين فعرفا و أمر بالقبض عليهما و في بكرة تلك الليلة أخرجا إلى موضع القتل و شق بطناهما و صلبا على باب المذبح المحاذي لباب الغلة التي جرح في بابها.

(1/149)

" الظاهر بن الناصر " : و لما توفي الناصر لدين الله بويع ابنه الإمام الظاهر بأمر الله عدة الدين أبو نصر محمد في ثاني شوال من سنة اثنتين و عشرين و ستمائة. و كان والده قد بايع له بولاية العهد و كتب بها إلى الآفاق و خطب له بها مع أبيه على سائر المنابر. و مضت على ذلك مدة ثم نفر عنه بعد ذلك و خافه على نفسه فإنه كان شديدا قويا أيدا عالي الهمة فأسقط من ولاية العهد في الخطبة و اعتقله و ضيق عليه و مال إلى أخيه الصغير الأمير علي إلا أنه لم يعهد إليه. فاتفقت وفاة الأمير علي الصغير في حياة والده و خلف أولادا أطفالا فبعث بهم إلى ششتر. فعلم الإمام الناصر أنه لم يبق له ولد تصير الخلافة إليه بعده غيره فعهد إليه و بايع له الناس و هو في الحبس مضبوط عليه و كانت عامة أهل بغداد يميلون إليه. فلما توفي الناصر أخرجه أرباب الدولة و بايعوه بالخلافة. و قال لما بويع: كيف يليق أن يفتح الإنسان دكانا بعد العصر. قد نيفت على الخمسين سنة و أتقلد الخلافة. ثم أظهر من العدل و الأمن ما لم يمكن وصفه و أزال الظلم و رد على الناس أموالا جزيلة و أملاكا جليلة كانت قد أخذت منهم و أزال مكوسا كثيرة و كانت قد جددت. و ارتفع عن الناس ما كانوا ألفوه من الخوف في زمان والده فأظهروا نعمتهم و امتنع المفسدون من السعايات. و عقد لبغداد جسرا ثانيا عظيما جديداو أنفق عليه مالا كثيرا فصار في بغداد على دجلتها جسران. و ما زالت دولته كذلك عادلة آمنة منذ ولي إلى أن توفي في رابع عشر شهر رجب سنة ثلاث و عشرين و ستمائة بعد تسعة أشهر من ولايته.
و فيها مات يوسف بن يحيى بن اسحق السبتي المغربي. هذا كان طبيبا من أهل قادس و قرأ الحكمة بجلادة فشدا فيها و عانى شيئا من علوم الرياضة فأجادها و كانت حاضرة على ذهنه عند المحاضرة. و لما ألزم اليهود في تلك البلاد بالإسلام أو الجلاء كتم دينه و ارتحل إلى مصر بماله و اجتمع بموسى بن ميمون القرطبي رئيس اليهود بمصر و قرأ عليه شيئا و سأله إصلاح هيئة ابن أفلح الأندلسي فإنها صحبته من سبتة فاجتمع هو و موسى على إصلاحها و تحررها.و خرج من مصر إلى الشام و نزل حلب و أقام بها و اشترى ملكا قريبا و تزوج و خدم أطباء الخاص في الدولة الظاهرية بحلب و كان ذكيا حاد الخاطر. قال القاضي الأكرم رحمه الله: كان بيني و بين يوسف هذا مودة طالت مدتها فقلت له يوما: إن كان للنفس بقاء و تعقل به حال الموجودات من خارج بعد الموت فعاهدني على أن تأتيني إن مت قبلي و آتيك إن مت قبلك. فقال: نعم. و وصيته أن لا يغفل. و مات و أقام سنتين ثم رأيته في النوم و هو قاعد في عرصة مسجد من خارجه في حضيرة له و عليه ثياب جدد بيض من النصفي فقلت له: يا حكيم ألست قررت معك أن تأتيني لتخبرني بما ألفيت. فضحك و أدار وجهه فأمسكته بيدي و قلت: لا بد أن تقول لي كيف الحال بعد الموت. فقال لي: الكلي لحق بالكل و بقي الجزئي في الجزء. ففهمت عنه في حاله كأنه أشار إلى النفس الكلية عادت إلى عالم الكل و الجسد الجزئي بقي في الجزء و هو المركب الأرضي. فتعجبت بعد الاستيقاظ من لطيف إشارته. نسأل الله العفو عند العود إليه بعد الموت.
" المستنصر بن الظاهر " و لما توفي الإمام الظاهر بأمر الله بويع ابنه جعفر المنصور و لقب المستنصر بالله بويع يوم مات والده. و لما بويع البيعة العامة ركب للناس ركوبا ظاهرا و استمر على هذه الحالة مدة طويلة لا يختفي في ركوبه من الناس و أظهر من العدل و حسن السيرة أضعاف ما أظهره والده و أفاض من الصدقات ما أربى على من تقدمه و تقدم بإنشاء مدرسته المعروفة بالمستنصرية التي لم يعمر في الدنيا مثلها فعمرت على أعظم وصف في صورتها و آلاتها و اتساعها و زخرفها و كثرة فقهائها و وقوفها. و وقفها على المذاهب الأربعة و رتب فيها أربعة من المدرسين في كل مذهب مدرسا و ثلاثمائة فقيه. لكل مذهب خمسة و سبعون فقيها. و رتب لهم من المشاهرات والخبز و الطعام في كل يوم ما يكفي كل فقيه و يفضل عنه و بنى لهم داخل المدرسة حماما خاصا للفقهاء و طبيبا خاصا يتردد إليهم في بكرة كل يوم يفتقدهم و مخزنا فيه كل ما يحتاج إليه من أنواع ما يطبخ من الأطعمة و مخزنا آخر فيه أنواع الأشربة و الأدوية.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2863
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى