* تاريخ مختصر الدول : من وفاة عيسى صاحب دمشق - الى وفاة توراكينا خاتون أم كيوك خان

اذهب الى الأسفل

* تاريخ مختصر الدول : من وفاة عيسى صاحب دمشق - الى وفاة توراكينا خاتون أم كيوك خان

مُساهمة  طارق فتحي في السبت فبراير 05, 2011 4:40 pm


(1/150)

و في سنة أربع و عشرين و ستمائة توفي الملك المعظم عيسى بن الملك العادل صاحب دمشق في سلخ ذي تاقعدة و كان عمره ثمانيا و أربعين سنة. و كانت همته عالية و صار ملكه بدمشق و القدس و السواحل إلى ولده الملك الناصر صلاح الدين داود فاستقر ملكه بها و حمل عمه الملك العزيز وعمه الملك الصالح الغاشية بين يديه.
و فيها قفل جنكزخان من الممالك الغربية إلى منازله القديمة الشرقية ثم رحل من هناك إلى بلاد تنكوت و هنالك عرض له مرض من عفونة ذلك الهواء الوخيم و لما قوي من مرضه استدعى أولاده جغاتاي و أوكتاي و الغ نوين و كلكان و جورختاي و أوردجار و قال لهم: إنني قد أيقنت مفارقة الدنيا لعجز قوتي عن حمل ما بي من الآلام و لا بد من شخص يقوم بحفظ المملكة على حالها و الذب عنها. و قد أعلمتكم غير مرة أن ابني أوكتاي يصلح لهذا الشأن لما رأيت من مزية رأيه المتين و عقله المبين و الآن فقد جعلته و لي عهدي و قلدته ما بيدي من جميع الممالك فما قولكم في هذا الذي استصوبته. فجثا الأولاد و النوينية المذكورون على ركبهم و قالوا: جنكزخان هو المالك للرقاب و نحن العبيد السامعون المطيعون في جميع ما يتقدم به على وفق مراده و مرسومه. و عند فراغه من الوصية اشتد وجعه و توفي لأربع مضين من شهر رمضان سنة أربع و عشرين و ستمائة و كان مدة ملكه نحو خمس و عشرين سنة. فأرسل الولدان و الأمراء الرسل إلى باقي الأولاد و الأمراء ليجتمعوا في القوريلتاي أي المجمع الكبير.
و في سنة خمس و عشرين و ستمائة ترددت الرسل بين الفرنج و الملك الكامل في طلب الصلح فاتفق على تسليم البيت المقدس إلى الفرنج فتسلموه و مواضع كثيرة أخر من بلاد الساحل. و إنما أجابهم الكامل لما رأى من كثرة عساكرهم و إمداد البحر لهم بالرجال و الأموال فخاف على بلاده أن تؤخذ منه عنوة فأرضاهم بذلك.
و في سنة ست و عشرين و ستمائة تم اجتماع الأولاد و أمراء المغول فوصل من طرف القفجاق الأولاد توشي هردو باتو سيبان تنكون بركه بركجار بغاتيمور أقناس جغاتاي. و من طرف أتميل أوكتاي. و من طرف المشرق عمهم أوتكين و بلكتاي نوين و الجتاي نوين و الغ نوين. و أما الأولاد الصغار فكانوا في أردو جنكزخان. و في زمن الربيع حضروا كلهم في عساكرهم و ثلاثة أيام متوالية فرحوا جميعا ثم شرعوا فيما تقدم به جنكزخان من الوصية و العهد بالمملكة إلى أوكتاي فامتثلوا كلهم الأوامر الجنكزخانية و اعترفوا بأهليته لذلك. فاستقالهم أوكتاي الولاية قائلا: إن أمر الوالد و إن كان لا اعتراض عليه لكن ههنا أخ أكبر مني و أعمام هم أولى مني بها. فلم يقيلوه إياها و أصروا على أنه لا بد من امتثال مرسوم الوالد و داموا على إصرارهم أربعين يوما و ما زالوا يتضرعون إليه و يلحون عليه بالمسألة حتى أجاب إلى ذلك فكشفوا رؤوسهم و رموا مناطقهم على أكتافهم و أخذ جغاتاي أخوه الكبير بيده اليمنى و أوتكين عمه بيده اليسرى فأجلساه على سرير المملكة و لقباه قاان و لزم له الغ نوين كأس شراب فسقاه و جثا كل من كان حاضرا داخل الخزكاه و خارجها على ركبتيه تسع مرات و دعوا له ثم برزوا كلهم إلى خارج و جثوا ثلاث مرات حيال الشمس. و إنما اختص ألغ نوين بلزوم الكاس لأنه أصغر أولاد جنكزخان و في عادة المغول أن الابن الصغير لا يقتسم و لا يخرج عن بيت أبيه و إذا مات الأب فهو يتولى تدبير المنزل. ففي تلك الأربعين يوما كان يقول أوكتاي: إن الغ نوين هو صاحب البيت و أكثر مواظبة لخدمته و أبلغ مني تعلما لسياسته فالمصلحة تفويض هذا الأمر إليه. فلذلك سبق الجميع بتصريح الطاعة. و أما الأمراء فانتخبوا من بناتهم الأبكار الصالحة لخدمة قاان أربعين بنتا و حملوهن مزينات بالحلي الفاخرة و الخيول الرائعة إلى خدمته. و لما فرغ من هذه الأمور صرف همته إلى ضبط الممالك و جهز جورماغون في ثلاثين ألف فارس و سيرهم إلى ناحية خراسان و أنفذ سنتاي بهادر في مثل ذلك العسكر إلى جانب قفجاق و سقسين و بلغار و جماعة أخرى إلى التبت و قصد هو بنفسه بلاد الخطا.

(1/151)

و في سنة سبع و عشرين و ستمائة في أوائلها نزل السلطان جلال الدين خوارزمشاه على خلاط و حاصرها أشد حصار و شتى عليها و نصب عليها عشرين منجنيقا على ناحية البحر و فيها أخو الملك الأشرف تقي الدين عباس و مجير الدين يعقوب و الأمير حسام الدين القيمري و عز الدين ايبك مملوك الأشرف. فدام الحصار على أهل خلاط و اشتد حتى أكلوا لحوم الكلاب و بلغ الخبز كل رطل بالشامي بدينار مصري فتسلم خوارزمشاه المدينة و القلعة و انهزم حسام الدين القيمري و أفلت على فرس وحده و مضى إلى قلعة قيمر ثم تجهز إلى خدمة الملك الأشرف إلى الرقة و أقام عز الدين ايبك و تقي الدين و مجير الدين مع خوارزمشاه يركبون معه و يلعبون بالكرة. و لما طارت الأخبار إلى الملك الأشرف بذلك انزعج و أسار جريدة إلى أبلستين. فتلقاه صاحب الروم علاء الدين كيقباذ من فراسخ و اجتمعا و لحقت الملك الأشرف عساكره و خرج علاء الدين بعساكره إلى اق شهر هو و الملك الأشرف و خرج الخوارزمي من خلاط للقائهم و كان في أربعين ألفا والتقوا اقتتلوا قتالا شديدا في يوم الجمعة و كان الغلبة فيه للملك الأشرف و الرومي و باتوا ليلة السبت على تعبيتهم إلى الفجر من يوم السبت فالتقوا و اقتتلوا فانكسر الخوارزمي كسرة عظيمة و انهزم و قتل من أصحابه خلق لا يحصي عددهم إلا الله و انهزم مثلهم و أسر مثلهم و بلغت هزيمتهم إلى جبال طرابيزون فوقع منهم في شقيف هناك ألف و خمسمائة رجل. و ساق خوارزمشاه إلى صوب خرتبرت فوصلها في يوم و ليلة و نجا بنفسه و مضى إلى بلاد العجم فأقام في خوى. و كان قد بعث تقي الدين عباس أخا الأشرف أسيرا مقيدا إلى بغداد هدية فأعاده الخليفة المستنصر مكرما إلى الأشرف فوصل الأشرف إلى خلاط و أصلح أحوالها و رممها ثم بعث رسولا إلى خوارزمشاه يسأله الإحسان إلى من معه من الأسارى فأجابه بأن عندي منكم ملوكا و عندكم منا مماليك فإن أجبتم إلى الصلح فأنا موافق عليه. فأجابه الملك الأشرف: إنك فعلت ببلادنا ما فعلته و ما أبقيت من سوء المعاملة و المقابحة شيئا إلا و قد عملته خربت البلاد و سفكت الدماء فإن أردت الصلح فانزل عن البلاد التي تغلب عليها و لم تكن لأبيك لنعمر منها ما خربت. و أما قولك بأن عندك منا ملوكا فالذي عندك أخي مجير الدين يعقوب نحن نقدر أنه مات فأخوتي عوضه و نحن بحمد الله في جماعة أهل بيت و أولاد و أقارب نزيد على ألفي فارس و أنت أبتر ما لك أحد و خلفك أعداء كثيرة. فمضى الرسول بهذا الجواب فلم يجبه الخوارزمي إلى ما طلبه و لا استقر بينهما أمر. و كان عز الدين ايبك قد سجنه خوارزمشاه في قلعة اختمار فأحضر و قتل. ثم وصله خبر عبور جورماغون نوين نهر أموية في طلبه فتوجه إلى تبريز و أرسل رسولا إلى الخليفة و آخر إلى الملك الأشرف و صحبته زوجة الأمير حسام الدين القيمري التي كان قد أسرها من خلاط و رسولا إلى السلطان علاء الدين صاحب الروم يستجيشهم و يعلمهم كثرة عساكر التاتار و حدة شوكتهم و شدة نكايتهم و أنه إذا ارتفع هو من البين يعجزون عن مقاومتهم و انه كسد الاسكندر يمنعهم عنهم فالرأي أن يساعده كل منهم بفوج من عسكره ليرتبط بذلك جأش أصحابه و يحجم بهم العدو عن البلاد فيحجم. قال من هذا النوع و أكثر و استصرخهم فلم يصرخوه و استغاثهم فلم يغيثوه فشتى بأرمية و أشتوا. و في الربيع توجه إلى نواحي ديار بكر و صار يزجي أوقاته بالتمتع و اللهو والشراب و الطرب كأنه يودع الدنيا و ملكها الفاني. و بينما هو في ذلك يسر لا بل يغر فجئه هجوم بايماس نوين في عسكره ليلا فتكلف للانتباه و عاين نيران المغول بالقرب من مكانه فتقدم إلى الأمير أورخان أن يلم به الجماعة و يشغل المغول عند الصبح بالاقدام تارة و الاحجام أخرى و فر هو مع ثلاثة نفر من مماليكه تائها في جبال ديار بكر. فلما أصبحوا ظن المغول أن جلال الدين خوارزمشاه فيهم فجدوا في طلبهم طاردين في أعقابهم و هم منهزمون بين أيديهم و لما تحققوا أنه ليس معهم رجعوا عنهم. فأما جلال الدين خوارزمشاه فأوقع به قوم من الأكراد ببعض جبال آمد و لم يعرفوه و قدروه من بعض جند الخوارزمية فقتلوه و المملوكين طمعا في ثيابهم و خيلهم و سلاحهم. استنبط ذلك من جهة أن بعد مديدة يسيرة دخل بعض أولئك الأكراد إلى آمد و عليه من سلاح جلال

(1/152)

الدين. فعرفه مملوك له كان قد لجأ إلى صاحب آمد فقبض الكردي و قرر فأقر بما افتعله هو وأصحابه فأحضرهم و قتلهم حنقا عليهم. و قال قوم أن المقتول لم يكن جلال الدين و إنما كان سلاحداره لأنه يومئذ لم يحمل سلاحا و لا كان يلبس ثياب العادة و إنما كان بزي الصوفية مع اصحابه و لذلك دائما كان يرجف الناس أن جلال الدين خوارزمشاه قد رأوه بالبلد الفلاني و بالمدينة الفلانية حتى أنه في سنة اثنتين و خمسين و ستمائة اتفق جماعة من التجار عابرين على نهر جيحون و هناك القراغول و هم مستحفظو الطرق فأنكروا على فقير كان صحبة التجار مجهول فلما قرروه أقر أنه جلال الدين خوارزمشاه فقبضوه و كرروا عليه العذاب و السؤال فلم يغير كلامه إلى أن مات تحت العقوبة. فإن لم يكن هو و اعتمد ذلك إلى هذه الغاية فلا شك أن الجنون فنون.ن. فعرفه مملوك له كان قد لجأ إلى صاحب آمد فقبض الكردي و قرر فأقر بما افتعله هو وأصحابه فأحضرهم و قتلهم حنقا عليهم. و قال قوم أن المقتول لم يكن جلال الدين و إنما كان سلاحداره لأنه يومئذ لم يحمل سلاحا و لا كان يلبس ثياب العادة و إنما كان بزي الصوفية مع اصحابه و لذلك دائما كان يرجف الناس أن جلال الدين خوارزمشاه قد رأوه بالبلد الفلاني و بالمدينة الفلانية حتى أنه في سنة اثنتين و خمسين و ستمائة اتفق جماعة من التجار عابرين على نهر جيحون و هناك القراغول و هم مستحفظو الطرق فأنكروا على فقير كان صحبة التجار مجهول فلما قرروه أقر أنه جلال الدين خوارزمشاه فقبضوه و كرروا عليه العذاب و السؤال فلم يغير كلامه إلى أن مات تحت العقوبة. فإن لم يكن هو و اعتمد ذلك إلى هذه الغاية فلا شك أن الجنون فنون.
و لما استقر قاان في الملك و انقاد له القاصي و الداني من جيوش المغول عزم على فتح بلاد الخطا و سير في مقدمته أخويه جغاتاي و الغ نوين و باقي الأولاد في عساكر عظيمة. فساروا و نازلوا أولا مدينة يقال لها حرجا بنو يقسين و هي على شط قراموران فأحاطوا بها و حصروها مدة أربعين يوما و كان فيها عشرة آلاف من فرسان الخطا فلما عاينوا العجز عن مقاومة المغول ركبوا السفن التي كانوا أعدوها هاربين. و طلب أهل البلد الأمان فأومنوا و رتب المغول عندهم الشحاني و قصدوا باقي المواضع. و جهز قاان أخاه الغ نوين و ولده كيوك و سيرهم في عشرة آلاف فارس في المقدمة و سار هو بعقبهم فتمهل و معه العسكر الكبير. فجيش التون خان ملك الخطا مائة ألف من شجعانه و قدمم عليهم أميرا من أمرائه و أنفذهم للقاء المغول. فلما وصلوا إليهم استحقروهم لقلتهم بالنسبة إليهم و تهاونوا في أمرهم و أرادوا أن يسوقوهم كما هم إلى ملكهم التون خان ليفرجوا بهم عنه غمه إذا هو ضرب عليهم حلقة و صادهم صيدا. فشغلهم المغول بفتور المكافحة و أطمعوهم إلى أ، وصلت الأفواج التي مع قاان فأوقعوا بعسكر الخطا و لم يفلت منهم إلا النزر. و كان التون خان بمدينة تسمى نامكينك فلما بلغه الخبر بما جرى على أصحابه ارتاع و آيس من حياة الدنيا و جمع أولاده و نساءه و كل من يعز عليه و دخلوا بيتا من بيوت الخشب و أمر بضرب النار فيه فاحترق هو و من معه أنفة من الوقوع في أسر المغول. و دخلت عساكر المغول إلى المدينة و نهبوا و أسروا البنين و البنات و أمنوا الباقي. و فتحوا غيرها من المدن المشهورة و رتب بها قاان الشحاني و قفل إلى مواضعه القديمة و بنى بها مدينة سماها اردوباليق و هي مدينة قراقورم و أسكنها خلفا من أهل الخطا و تركستان و الفرس و المستعربين. و بينما هم مسرورون بفتح بلاد الخطا توفي تولي خان و كان أحب الأخوة إلى قاان فاغتم لذلك كثيرا و أمر أن زوجته المسماة سرقوتنى بيكي و هي ابنة أخي اونك خان تتولى تدبير عساكره و كان لها من الأولاد أربعة بنين مونككا قوبلاي هولاكو أريغ بوكا. فأحسنت تربية الأولاد و ضبط الأصحاب و كانت لبيبة مؤمنة تدين بدين النصرانية تعظم محل المطارنة و الرهبان و تقتبس صلواتهم و بركتهم و في مثلها قال الشاعر:
فلو كان النساء كمثل هذه ... لفضلت النساء على الرجال

(1/153)

و بعد قليل مات أيضا الأخ الكبير و هو المسمى توشي و خلف سبعة بنين و هم تمسل هردو باتوا سيبقان تنكوت بركه بركجار. و من بين هؤلاء لباتوا سلم قاان البلاد الشمالية و هي بلاد الصقالبة و اللان و الروس و البلغار و جعل مخيمه على شاطىء نهر اتلو غزا هذه النواحي فقتل فيها خلائق بلغ عددهم مائتي ألف و سبعين ألفا علم ذلك من آذان القتلى التي قطعوها امتثالا لمرسوم قاان لأنه تقدم بقطع الأذن اليمنى من كل قتيل. و بعد فراغ باتوا من أمر الصقالبة تجهز للدخول إلى نواحي القسطنطينية فبلغ ذلك ملوك الفرنج فجاؤوا حافلين حاشدين و التقوا المغول في أطراف بلد البلغار و جرت بينهم حروب كثيرة انجلت عن كسرة المغول و هزيمتهم و هربهم فقفلوا من غزاتهم هذه و لم يعودوا يتعرضون إلى بلاد يونان و فرنجة إلى يومنا هذا.
و في سنة ثلاثين و ستمائة أرسل السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب الروم رسولا إلى قاان و بذل الطاعة. فقال قاان للرسول: اننا قد سمعنا برزانة عقل علاء الدين و إصابة رأيه فإذا حضر بنفسه عندنا يرى منا القبول و الإكرام و نوليه الاختاجية في حضرتنا و تكون بلاده جارية عليه. فلما عاد الرسول بهذا الكلام تعجب منه كل من سمعه و استدل على ما عليه قاان من العظمة. و فيها أخذ علاء الدين خلاط و سرمارى من الملك الأشرف و غزا الأشرف مدينة حصن منصور و أغار عليها و أخذ الكامل مدينة آمد من صاحبها و عوضه عنها قرى بالشام. و فيها توفي مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي كوجك صاحب اربل في رمضان و حمل إلى مكة فدفن بها و ولي اربل إنسان شريف يقال له أبو المعالي محمد بن نصر بن صلايا من قبل الخليفة المستنصر. و في سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة مات ناصر الدين محمود بن القاهر نور الدين صاحب الموصل و وصل التقليد من الخليفة لبدر الدين لؤلؤ بالولاية فخطب له على المنابر بالسلطنة. و في سنة اثنتين و ثلاثين حصر السلطان علاء الدين مدينة الرها و ملكها عنوة فدخلها الروميون و وضعوا السيف بها ثلاثة أيام و قتلوا النصارى و المسلمين فتكا و نهبا فأصبح الرهاويون فقراء لا يملكون شيئا و نهبت البيع و أخذ ما فيها من الكتب و الصلبان و آلات الذهب و النقرة و حمل أهل حران مفاتيح قلعتها فملكوها هدنة و ملكوا الرقة و البيرة أيضا. فلما عاد عنها عسكر الروم قصد الملك الكامل الرها و حاصرها أربعة أشهر ثم ملكها و هدم برجا كبيرا من أبرجة قلعتها و حمل من وجد بها من الروميين كل اثنين على جمل و بعث بهم إلى مصر مقيدين.
و في سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة غزا التاتار بلد اربل و عبروا إلى بلد نينوى و نزلوا على ساقية قرية ترجلى و كرمليس فهرب أهل كرمليس و دخلوا بيعتها و كان لها بابان فدخلها المغول و قعد أميران منهم كل واحد على باب و أذنوا للناس في الخروج عن البيعة فمن خرج من أحد بابيها قتلوه و من خرج من الباب الآخر اطلقه الأمير الذي على ذلك الباب و أبقاه فتعجب الناس لذلك.
و في سنة أربع و ثلاثين و ستمائة توفي السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب الروم بغتة لأنه كان قد صنع دعوة عظيمة حضر بها الأمراء الأكابر و أتباعهم و أكثر الجند.

(1/154)

فبينما هو يظهر السرور و الفرح و يتباهى بما أعطي من الملك إذ حس بوجع في أحشائه و أخذته خلفة فاختلف إلى المتوضأ فانسهل برازا دمويا صرفا كثير المقدار و سقطت قوته في الحال. و في اليوم الثاني من هذا العرض مات و كان ملكه ثماني عشرة سنة و كان عاقلا عفيفا ذا بأس شديد على حاشيته و أمرائه و كانت الدولة السلجوقية قبله محلولة بسبب الخلف الواقع بين أولاد قلج أرسلان فلما وليها علاء الدين أعاد جدتها و جدد ناموسها و ألقى الله هيبته في قلوب الخلق فأطاعوه و اتسع ملكه جدا و دان له العالم و بحق قيل له سلطان العالم و حضر عنده الملوك و أذعنوا له بالطاعة و كان قاسي القلب. و لما توفي أحضر الأمراء ولده غياث الدين كيخسرو فبايعوه و حلفوا له. و فيها توفي الملك العزيز بن الملك الظاهر بن صلاح الدين صاحب حلب و ولي بعده ابنه الملك الناصر صلاح الدين و هو آخر الملوك من بيت أيوب قتله هولاكو في سنة ثماني و خمسين و ستمائة. و فيها أعني سنة أربع و ثلاثين في شهر شوال غزا التاتار بلد اربل و هرب أهل المدينة إلى قلعتها. فحاصروها أربعين يوما ثم أعطوا مالا فرحلوا عنها. و لما ولي السلطان غياث الدين كيخسرو السلطنة ببلد الروم قبض على غاير خان أمير الخوارزمية فهرب باقي الخوارزمية و أمراؤهم و لما اجتازوا بملطية و كاختين و خرتبرت أسروا سيف الدولة السوباشي و قتلوا ببرمير سوباشي خرتبرت و أغاروا على بلد سميساط و عبروا إلى السويداء فأقطعهم الملك الناصر صاحب حلب ما بين النهرين الرها و حران و غيرهما فكفوا عن الفساد و الغارات. و في سنة خمس و ثلاثين و ستمائة توفي الملك الأشرف بن الملك العادل بن أيوب بدمشق و كان عمره ستين سنة و كان كريما سخيا مقبلا على التمتع بالدنيا و لذاتها يزجي أوقاته برفاغية من العيش. و فيها مات أيضا الملك الكامل بن الملك العادل بن أيوب صاحب مصر بدمشق و دفن بها و كان عمره سبعين سنة و كان عاقلا فاضلا حسن السياسة كثير الإصابة سديد الرأي شديد الهيبة عظيم الهمة محبا للفضائل و أهلها.
و فيها غزا التاتار العراق و وصلوا إلى تخوم بغداد إلى موضع يسمى زنكاباذ و إلى سرمرأى. فخرج إليهم مجاهد الدين الدويدار و شرف الدين إقبال الشرابي في عساكرهما فلقوا المغول و هزموهم و خافوا من عودهم فنصبوا المنجنيقات على سور بغداد. و في آخر هذه السنة عاد التاتار إلى بلد بغداد و وصلوا إلى خانقين فلقيهم جيوش بغداد فانكسروا و عادوا منهزمين إلى بغداد بعد أن قتل منهم خلق كثير و غنم المغول غنيمة عظيمة و عادوا. و فيها حدث ببغداد مد دجلتها مدا عظيما هائلا و غرق دور كثيرة و غرق سفينتان فهلك فيهما نحو خمسين نسمة. و في سنة سبع و ثلاثين و ستمائة جهز السلطان غياث الدين جيوشا إلى ارمينية فامتنع المغول من الدخول إلى بلد الروم.
و في سنة ثماني و ثلاثين و ستمائة ظهر ببلد اماسيا من أعمال الروم رجل تركماني ادعى النبوة و سمى نفسه بابا فاستغوى جماعة من الغاغة بما كان يخيل إليهم من الحيل و المخاريق. و كان له مريد اسمه اسحق يتزيا بزي المشايخ فأنفذه إلى أطراف الروم ليدعو التركمانيين إلى المصير إليه. فوافى اسحق هذا بلد سميساط و أظهر الدعوة لبابا فاتبعه خلق كثير من التركمان خصوصا و كثف جمعه و بلغ عدد من معه ستة آلاف فارس غير الرجالة فحاربوا من خالفهم و لم يقل كما يقولون لا إله إلا الله بابا رسول الله فقتلوا خلقا كثيرا من المسلمين و النصارى من أهل حصن منصور و كاخنتين و كركر و سميساط و بلد ملطية ممن لم يتبعهم و كانوا يهزمون كل من لقيهم من العسكر حتى وصلوا إلى أماسيا. فأنفذ إليهم السلطان غياث الدين جيشا فيه جماعة من الفرنج الذين في خدمته فحاربوهم و كان الجند المسلمون لم يتجرأوا عليهم و يحجموا عنهم لما توهموا منهم. فأخر الفرنج المسلمين و تولوا بأنفسهم محاربة الخوارج فكشفوهم و رموا فيهم السيف و قتلوهم طرا و أسروا الشيخين بابا و اسحق فضرب عنقاهما و كفوا الناس شرهم.

(1/155)

و في سنة تسع و ثلاثين حاصر جرماغون نوين مدينة ارزن الروم و ملكها عنوة و قتل فيها خلائق من أهلها و سبى الذراري و شن الغارة عليها و قتل سنان سوباشها. و في سنة أربعين و ستمائة سار السلطان غياث الدين كيخسرو إلى ارمينية في جمع كثيف و جهاز لم يتجهز أحد مثله في عساكره و عساكر اليونانيين و الفرنج و الكرج و الأرمن و العرب لمحاربة التاتار فالتقى العسكران بنواحي ارزنكان بموضع يسمى كوساذاغ و أوا وهلة باشر المسلمون و من معهم الجيوش النصرانية الحرب و هلوا وادبروا ولوا هاربين فانهزم السلطان مبهوتا فأخذ نساءه و أولاده من قيسارية و سار إلى مدينة انقورة فتحصن بها. و أقام المغول يومهم ذلك مكانهم و لم يقدموا على التقدم فظنوا أن هنال كمينا إذ لم يروا قتالا يوجب هزيمتهم و هم في تلك الكثرة من الأمم المختلفة. فلما تحققوا الأمر انتشروا في بلاد الروم فنازلوا أولا مدينة سيواس فملكوها بالأمان و أخذوا أموال أهلها عوضا عن أرواحهم و أحرقوا ما وجدوا بها من آلات الحرب و هدموا سورها. ثم قصدوا مدينة قيسارية فقاتل أهلها أياما ثم عجزوا ففتحوها عنوة و رموا فيها السيف و أبادوا أكابرها وأغنياءها معاقبين على اظهار الأموال و سبوا النساء و الأولاد و خربوا الأسوار و عادوا و لم يتوغلوا في باقي بلاد السلطان. و لما سمع أهل ملطية ما فعل التاتار بقيسارية هلعوا و جزعوا أفحش الجزع. فأجفل رشيد الدين الخويني أميرها و معه أصحابه طالبين حلب و كذلك من أمكنه الهرب من أماثلها. و كان من جملة من يريد الخروج بأهله والدي فأحضر الدواب و كان لنا فيها بغل للسرج فلما أرادوا شد الاكاف عليه ليحملوه شمص و تفلت. فبينما هم يتبعونه في الزقاق ليلزموه قالوا لهم: إن الفتيان من العامة وثبوا في باب المدينة و ينهبون كل من رأوه يخرج. فأمسك والدي عن الخروج و اجتمع بالمطران دينوسيوس و تشاوروا في مرابطة المدينة و جمعا المسلمين و النصارى في البيعة الكبيرة و تحالفوا أن لا يخون بعضهم بعضا و لا يخالفوا المطران في جميع ما يتقدم إليهم من مداراة التاتار و القيام بحفظ المدينة و البيتوتة على أسوارها و كف أهل الشر عن الفساد. فنظر الله إلى حسن نياتهم و دفع العدو عنهم و وصلوا بالقرب من ملطية و لم يتعرضوا إليها. و أما الذين خرجوا من المدينة مجفلين فأدركهم المغول عند قرية يقال لها باجوزة على عشر فراسخ من المدينة فقتلوا الرجال و سبوا النساء و الأولاد و من سلم منهم في المغائر و الشعاب و الأودية الغائرة من النساء و الرجال عاد إلى ملطية عريانا حافيا و كان ذلك في شهر تموز سنة الف و خمسمائة و أربع و خمسين للإسكندر. و كر المغول على مدينة ارزنكان و ملكوها عنوة و قتلوا رجالها و سبوا الذراري و نهبوها و خربوا سورها و مضوا. و لما راى السلطان العجز عن مقاومة التاتار أرسل إليهم رسلا يطلب الصلح فصالحوه على مال و خيل و أثواب و غيرها يعطيهم كل سنة مبلغا معينا مقاطعة.
و فيها توفي الإمام المستنصر بالله الخليفة ببغداد و كان عاقلا عادلا لبيبا كريما كثير الصدقات عمر المدارس و المساجد و الرباطات القديمة و كان قد تهدم معظمها و من شدة غرامه بمدرسته المعروفة بالمستنصرية اعمر لصقها بستانا خاصا له فقل ما يمضي يوم إلا و يركب في السيارة و يأتي البستان يتنزه فيه و يقرب من شباك مفتح في إيوان المدرسة ينظر إلى البستان و عليه ستر فيجلس وراء الستر و ينظر إلى المدرسة و يشاهد أحوالها و أحوال الفقهاء و يشرف عليهم و يتفقد احوالهم. و كانت مدة خلافته نحو ثماني عشرة سنة.

(1/156)

و في سنة خمس و عشرين و ستمائة توفي حسنون الطبيب الرهاوي و كان فاضلا في فنه علما و عملا ميمون المعالجة حسن المذاكرة بما شاهده من البلاد. و كان أكثر مطالعته في كتاب اللوكري في الحكمة. و كان شيخا بدينا بهيا دخل إلى مملكة قلج أرسلان و خدم أمراء دولته كأمير اخور سيف الدين و اختيار الدين حسن و اشتهر ذكره. ثم خرج لى ديار بكر و خدم من حصل هناك من بيت شاه أرمن و هزارديناري ثم الداخلين على تلك الديار من بيت ايوب و رجع إلى الرها. و لما تحقق أن طغرل الخادم تولى أتابكية حلب و له به معرفة من دار أستاذه اختيار الدين حسن في الديار الرومية جاء إليه إلى حلب و لم يجد عنده كثير خير و خاب مسعاه فإنه كان منكسرا عند اجتماعه به و انفصاله عنه. فلما عوتب الخادم على ذلك من أحد خواصه قال: أنا مقصر بحقه لأجل النصرانية. و لما عزم على الارتحال إلى بلده أدركته حمى أوجبت له إسهالا سحجيا ثم شاركت الكبد في ذلك فقضى نحبه و دفن في بيعة اليعاقبة بحلب.
و في سنة ست و عشرين و ستمائة توفي يعقوب بن صقلان الطبيب النصراني الملكي المقدسي و كان مولده بالقدس الشريف و به قرأ شيئا من الحكمة على تاذوري الفيلسوف الانطاكي و سيأتي ذكره بعد هذا التاريخ. و أقام يعقوب هذا بالقدس على حالته في مباشرة البيمارستان إلى أن ملكه الملك الأعظم بن الملك العادل بن أيوب فاختص به و لم يكن عالما و إنما كان حسن المعالجة بالتجربة البيمارستانية و لسعادة كانت له. ثم نقله الملك المعظم إلى دمشق و ارتفعت عنده حاله و كثر ماله و أدركه نقرس و وجع مفاصل أقعده عن الحركة حتى قيل أن الملك المعظم كان إذا احتاج إليه في أمراضه استدعاه بمحفة تحمل بين الرجال. و لم يزل على ذلك إلى أن مات المعظم صاحبه و مات هو بعده بقليل.
و من الأطباء المشهورين في هذا الزمان الحكيم أبو سالم النصراني اليعقوبي الملطي المعروف بابن كرابا خدم السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب الروم و تقدم عنده و كان قليل العلم بالطب إلا أنه كان أهلا لمجلسه لفصاحة لهجته في اللسان الرومي و معرفته بأيام الناس و سير السلاطين. و في سنة اثنتين و ثلاثين لما سار علاء الدين من ملطية إلى خرتبرت ليملكها تخلف عنه أبو سالم هذا و لم يسر في ركابه و كان السلطان لا يصبر عنه ساعة. و لما بات السلطان على الفرات و لم يأته الحكيم أمر الشحنة الذي على الزواريق أن نهار غد إن جاء أبو سالم قبل الزوال فليعبر و إن جاء بعده لا تمكنه من العبور. فلما كان من الغد تأخر مجيئه إلى العصر فأخبره الشحنة بمرسوم السلطان فأحس بتغير فعاد إلى منزله و شرب سما و مات. و منهم الحكيم شمعون الخرتبرتي و كان أيضا ضعيف العلم لكنه كان خيرا دينا كثير الصوم و الصلاة. و انتشى له ولد حسن محصل و أجاد الخط العربي و صار فيه طبقة و مات في حداثة سنه ففجعت مصيبته أباه.
و في هذا الزمان كان جماعة من تلامذة الإمام فخر الدين الرازي سادات فضلاء أصحاب تصانيف جليلة في المنطق و الحكمة كزين الدين الكشي و قطب الدين المصري بخراسان و أفضل الدين الخونجي بمصر و شمس الدين الخسروشاهي بدمشق و أثير الدين الأبهري بالروم و تاج الدين الارموي وسراج الدين الارموي بقونية. حكى النجيب الراهب المصري الحاسب بدمشق عن الملك الناصر داود بن الملك المعظم بن الملك العادل ابن ايوب صاحب الكرك أنه كان يتردد إلى شمس الدين الخسروشاهي يقرأ عليه كتاب عيون الحكمة للشيخ أبي علي بن سينا و كان إذا وصل إلى رأس المحلة التي بها منزل الخسروشاهي أومأ إلى من معه من الحشم و المماليك ليقفوا مكانهم و يترجل و يأخذ كتابه تحت إبطه ملتفا بمنديل و يجيء إلى باب الحكيم و يقرعه فيفتح له و يدخل و يقرأ و يسأل عما خطر له ثم يقوم و لم يمكن الشيخ من القيام له.

(1/157)

" المستعصم بن المستنصر " : و في سنة أربعين و ستمائة بويع المستعصم يوم مات أبوه المستنصر و كان صاحب لهو و قصف شغف بلعب الطيور و استولت عليه النساء و كان ضعيف الرأي قليل العزم كثير الغفلة عما يجب لتدبير الدول و كان إذا نبه على ما ينبغي أن يفعله في أمر التاتار إما المداراة و الدخول في طاعتهم و توخي مرضاتهم أو تجيش العساكر و ملتقاهم بتخوم خراسان قبل تمكنهم و استيلائهم على العراق فكان يقول: أنا بغداد تكفيني و لا يستكثرونها لي إذا نزلت لهم عن باقي البلاد و لا أيضا يهجمون علي و أنا بها و هي بيتي و دار مقامي. فهذه الخيالات الفاسدة و أمثالها عدلت به عن الصواب فأصيب بمكاره لم تخطر بباله.
و في سنة إحدى و أربعين غزا يساور نوين الشام و وصل إلى موضع يسمى حيلان على باب حلب و عاد عنها لحفي أصاب خيول المغول و اجتاز بملطية و خرب بلدها و رعى غلاتها و بساتينها و كرومها و أخذ منها أموالا عظيمة حتى خشل النساء و صلبان البيع و وجوه الأناجيل و آنية القداس المصوغة من الذهب و الفضة ثم رحل عنها. و طلب طبيبا يداويه في سحج عرض له فأخرج إليه و الدي و سار معه إلى خرتبرت فدبره حتى برأ. ثم جاء و لم يطل المقام بملطية و رحل بنا إلى إنطاكية فسكناها. و أقحطت البلاد بعد ترحال التاتار و وبئت الأرض فهلك عالم و باع الناس أولادهم باقراص الخبز.
و في سنة اثنتين و أربعين أغر التاتار على بلد بغداد و لم يتمكنوا من منازلتها. و فيها سير السلطان غياث الدين جيشا عظيما إلى مدينة طرسوس فحاصروها مدة و ضيقوا عليها و كادوا يفتحونها عنوة فاتفق أن مات السلطان غياث الدين في تلك الأيام. فلما بلغهم موت السلطان رحلوا عنها خائبين و كان الوقت خريفا و تواترت على الروميين الأمطار و توحلت خيولهم فنال منهم رجالة الأرمن و غنموا أثقالهم. و كان السلطان غياث الدين مقبلا على المجون و شرب الشراب غير مرضي الطريقة منغمسا في الشهوات الموبقة تزوج ابنة ملك الكرج فشغفه حبها و هام بها إلى حد أن أراد تصويرها على الدراهم فأشير عليه أن يصور صورة أسد عليه شمس لينسب إلى طالعه و يحصل به الغرض. و خلف غياث الدين ثلاثة بنين عز الدين و أمه رومية ابنة قسيس و ركن الدين و أمه أيضا رومية و علاء الدين و أمه الكرجية. فولي السلطنة عز الدين و هو الكبير و حلف له الأمراء و خطب له على المنابر و كان مدبره و الأتابك له الأمير جلال الدين قرطاي رجل خير دين صائم الدهر ممتنع عن أكل اللحم و مباشرة النساء لم ينم في فراش وطيء و إنما كان نومه على الصناديق في الخزانة أصله رومي و هو من مماليك السلطان علاء الدين و تربيته و كان له الحرمة الوافرة عند الخاص و العام. و في سنة ثلاث و أربعين ترددت رسل المغول في طلب السلطان عز الدين ليحضر بنفسه في خدمة قاان. فتعلل محتجا بمعاداة من يجاوره من ملوك اليونانيين و الأرمن اياه و أنه متى فارق بلاده ملكها هؤلاء و كان يرضي الرسل بالهدايا و بذل الأموال و يدافعهم من وقت إلى وقت. ثم سير أخاه ركن الدين و فوض تدبيره إلى بهاء الدين الترجمان و جعله أتابكه و أرسله صحبته و استوزر عز الدين لنفسه رجلا اصفهانيا و هو صاحب علم و فضل يلقب بشمس الدين فتمكن من الدولة إلى حد أن تهيأ له التزوج بأم السلطان عز الدين فثقل ذلك على الأمراء طرا.

(1/158)

و فيها مرض قاان و لما اشتد مرضه سير رسولا في طلب ابنه كيوك فأهرع إليه من غير توقف فلم يمهل القضاء ليجتمع بالوالد فأقام بالمكان الذي بلغه فيه وفاته و كانت والدته توراكينا خاتون ذات دهاء كافية فطنة فاتفق جغاتاي و باقي الأولاد على أنها تتصرف في تدبير الممالك إلى وقت القوريلتاي لأنها أم الأولاد الذين لهم استحقاق الخانية. و في سنة أربع و أربعين و ستمائة تم اجتماع الأولاد و الأحفاد و أمراء المغول في وقت الربيع و حضر في المجمع من غير المغول أيضا مما وراء النهر و تركستان الأمير مسعود بيك و من خراسان الأمير أرغون آغا و صحبته أكابر العراق و اللور و أذربيجان و شروان. و من الروم السلطان ركن الدين. و من الأرمن الكندسطبل اخو التكفور حاتم. و من كرجستان الداودان الكبير و الصغير. و من الشام أخو الملك الناصر صاحب حلب. و من بغداد فخر الدين قاضي القضاة و من علاء الدين صاحب الالموت محتشمو قهستان. فإذ تم هذا المجمع العظيم الذي لم يعهد مثله وقع الاتفاق على كيوك. و كان له أخوان آخران أحدهما يسمى كوبان و الآخر طفل يسمى سيرامون. و إنما اختير هو من دونهما لكونه مشهورا بالغلبة و الشطط و الاقتحام و التسلط و كان هو أكبر الأخوة فأهل للولاية و أجلس على سرير الملك و خدموه و دعوا له كالعادة و أطاعوه و كيوك خان سموه. و في سنة خمس و أربعين و ستمائة و لى كيوك خان على بلاد الروم و الموصل و الشام و الكرج نوينا اسمه ايلجيكتاي. و على ممالك الخطا الصاحب يلواج. و على ما وراء النهر و تركستان الأمير مسعود. و على بلاد خراسان و العراق و أذربيجان و شروان و اللور و كرمان و فارس و طرف الهند الأمير أرغون آغا. و قلد سلطنة بلد الروم السلطان ركن الدين. و أمر بعزل السلطان عز الدين. و جعل داود الصغير المعروف بابن قيز ملكا محكوما لداود الكبير صاحب تفليس. و أما رسول الخليفة فخاطبه خطاب واعد و موعد بل واعظ و منذر.و أما رسل الملاحدة فصرفهم مذلين مهانين. و كتب يراليغ عهد وامان للتكفور و الملك الناصر صاحب حلب.
و كان بمقام الأتابكية لكيوك خان أمير كبير اسمه قداق و كان معمدا مؤمنا بالمسيح و شاركه في ذلك أمير آخر اسمه جينقاي فهذان أحسنا النظر إلى النصارى و حسنا يقين كيوك خان و والدته و أهل بيته بالمطارنة و الأساقفة و الرهابين فصارت الدولة مسيحية و ارتفع شأن الطوائف المنتمية إلى هذا المذهب من الفرنج و الروس و السريان و الأرمن. و التزم الخاص و العام من المغول و غيرهم ممن هو بينهم أن يقولوا في السلام برخمر و هو لفظ مركب سرياني معناه بارك مالكي.
و في سنة ست و أربعين و ستمائة وصل السلطان ركن الدين و بهاء الدين الترجمان إلى بلد الروم و معهما ألفا فارس من المغول. فهم الوزير شمس الدين الأصفهاني أن يأخذ السلطان عز الدين و يصعد إلى بعض القلاع التي على البحر و يقيما هناك عاصيين إلى أن يفعل الله ما يشاء. فعلم بذلك جلال الدين قرطاي الرجل الصالح فقبض على الوزير الأصفهاني و سير فأعلم بهاء الدين الترجمان بذلك فأنفذ جماعة من أمراء المغول فأتوا إلى قونية و قرروا الوزير على الأموال و الخزائن ثم قتلوه. و اجتمع بهاء الدين الترجمان بجلال الدين قرطاي و اتفقا على أن توزع البلاد على الأخوين فتكون قونية و اقسرا و انقرة و إنطاكية و باقي الولايات الغربية لعز الدين. و قيسارية و سيواس و ملطية و ارزنكان و ارزن الروم و غيرها من الولايات الشرقية لركن الدين. و أقطعا لعلاء الدين الأخ الصغير من الأملاك الخاصة ما يكفيه و ضربوا السكة باسم الثلاثة و كتبوا السلاطين الأعاظم عز و ركن و علاء.

(1/159)

و في سنة سبع و أربعين و ستمائة توفيت توراكينا خاتون أم كيوك خان فتشاءم كيوك خان بذلك المقام و رحل عنه متوجها إلى البلاد الغربية. و لما وصل إلى ناحية قمستكي و بينها و بين مدينة بيش بالغ خمس مراحل أدركه أجله في تاسع ربيع الآخر فأرسلت زوجته المسماة اغول غانميش رسولا إلى باتوا و أعلمته بالقضية و توجهت هي إلى جانب قوتاق و إيميل و أقامت بالمكان الذي كان يقيم به كيوك خان أولا. فسيرت سرقوتني بيكي زوجة تولي خان و هي أكبر الخواتين يومئذ إليها رسولا تعزيها و حمل إليها ثيابا و بوقتاقا. و فيها سار باتوا من بلاده الشمالية متوجها إلى المشرق ليجتمع بكيوك خان لأنه كان يلج إليه بالمسير إليه فلما وصل إلى موضع يقال له الاقماق و بينه و بين مدينة قياليق ثماني مراحل بلغه وفاة كيوك خان فأقام هناك و سير رسولا إلى أغول غانميش زوجة كيوك خان و أذن لها بالتصرف في الممالك إلى أن يقع الاتفاق على من يصلح أن يلي الأمر و أرسل أيضا إلى الجوانب ليجتمع الأولاد و العشائر و الأمراء.
و فيها خرج ريدافرنس ملك فرنجة قاصدا للديار المصرية فجمع عساكره فأرسلها و راجلها جموعا عظيمة و أزاح عليهم فسار عن بلاده بأموال جزيلة و أهبة جميلة و أرسى بعكا و انبث أصحابه في جميع بلاد الساحل. فلما استراحوا جاؤوه حاشدين حافلين و ساروا في البحر إلى دمياط و ملكوها بغير تعب و لا قتال لأن أهلها لما بلغهم ما هم عليه الفرنج من القوة و الكثرة و العدة الكاملة هالهم أمرهم فرحلوا عنها مخفين. فوصل إليها الفرنج و لقوها خالية عن المقاتلين غير خاوية من الأرزاق فدخلوها و غنموا ما فيها من الأموال. و كان الملك الصالح بن الملك الكامل صاحب مصر يومئذ بالشام يحاصر مدينة حمص. فلما سمع بذلك بأن الفرنج قد ملكوا دمياط رحل عن حمص و سار مسرعا إلى الديار المصرية و مرض في الطريق و عند وصوله إلى المنصورة عرض له في فخذه الداء الذي يسمونه الأطباء غانغرانا ثم استحكم الفساد فيها حتى آل أمرها إلى سفاقلس و هو موت العضو أصلا فقطعوها و هو حي. و بينما هو يكابد الشدائد في هذه الحالة وافاه مقدمو دمياط الذين أخلوها منهزمين فلما قيل له ما صنعوا لأنهم فروا عنها من غير أن يباشروا حربا و قتالا عظم ذلك عليه فأمر بصلبهم و كانوا أربعة و خمسين أميرا فصلبوا كما هم بثيابهم و مناطقهم و خفافهم. ثم مات من غد ذلك اليوم. و تولى تدبير المملكة الأمير عز الدين المعروف بالتركماني و هو أكبر مماليك الترك. و كان مرجوعه في جميع ذلك مما يعتمده من الأمور إلى حظية الملك الصالح المتوفى المسماة شجر الدر و كانت تركية داهية الدهر لا نظير لها في النساء حسنا و في الرجال حزما. فاتفقا على تمليك الملك المعظم بن الملك الصالح. و كان يومئذ مقامه بحصن كيفا من ديار بكر فأرسلا رسولا في طلبه و حثاه على المصير إليهم. فسار إلى الديار المصرية من غير توقف فبايعوه و حلفوا له و سلموا إليه ملك أبيه.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2863
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى