* قصص قصيرة : ولادة تؤام من خارج رحم الارض ( 2 )

اذهب الى الأسفل

* قصص قصيرة : ولادة تؤام من خارج رحم الارض ( 2 )

مُساهمة  طارق فتحي في الإثنين نوفمبر 17, 2014 7:57 am



في الطريق الى طماشة
وفي صباح اليوم التالي تبين ان الغارة الامريكية كانت قد ضربت سد صدام القريب من قريتنا وان المدرسة المحروسة لم يصبها حتى خدش واحد . وتكرر سماع اصوات القصف في النهار ايضا . لذلك عقد مجلس شيوخ القرية اجتماعا طارءا تقرر بموجبه نقلنا الى مكان آمن وتم وقوع اختيار الشيخ على قرية بعيدة بعض الشيء عن سد صدام وهي آمنه اذ لا وجود لاثر لها على الخريطة البشرية وتقع في اقصى اطراف الارض العراقية . وكان اسم هذه القرية ( طماشة )
وافقت انا على كلام الشيخ بينما رفض اخي ذلك بسبب استدعاء مواليده للخدمة العسكرية وقرر ان يعود الى قرية الرشيدية ثانية مودعا عائلته فيها للالتحاق بوحدته التي تسرح منها في بغداد. وهكذا انفصلنا انا واخي كل في اتجاهين متعاكسين تماما . وبرزت مشكلة جديدة للانتقال الى القرية الجديدة وهي عدم توفر وقود لسيارتي وايضا عدم صلاحية الطريق المؤدي الى هذه القرية بسبب التضاريس الارضية . لذا كان القرار بالاجماع بعد التشاور ان اترك سيارتي في قرية ( مسقلاط ) .
وهنا برزت مشكلة ثانية وهي العثور على سيارة كبيرة تستوعب هذا العدد الكبير من الاشخاص . ونحن على هذه الحال اذ تم العثور على باص صغيرنوع ( كوستر) عتيقة متهرئة استجاب صاحبها لطلبنا طبعا بعد اوامر مباشرة من الشيخ وبملغ خرافي لا يصدق . فوافقت انا على ذلك . ولم يدر بخلدي اني وافقت على اغرب واعجب رحلة برية حدثت في حياتي . وعلى ان يكون السفر في صباح اليوم التالي واستبشرنا خيرا وذهبت انا وابن اختي الى الشيخ شاكرين له حسن فعاله وجميل صنايعه معنا واعطانا التعليمات وماذا نقول لشيخ القرية الجديدة حتى يهتموا بنا جيدا .
كانت انطلاقتنا الى قرية طماشة في تمام الساعة العاشرة صباحا وسلكنا طريق مرصوف بالاسفلت لمدة ساعة من الزمن ونحن نتلوى مع تضاريس الارض في ارتفاعاتها وانخفاضاتها وانحرافاتها تجاوزا للوديان الصغيرة . واخذنا بسلوك طريقا ترابيا رطبا مشبعا بندى الجو وكلما تقدمنا شمالا ازدادت الارض وعورة حتى ظهرت لنا تلال تلوح في الافق القريب منها ما سلكناها ومنها ما التفينا من حولها وبعد ثلاث ساعات على هذه المعانات ونحن نتقافز داخل الباص كاننا على ظهور حمير وحشية تجري مسرعة في البرية .
وبدأ لنا الدرب خاليا والهدوء المشوب بالحذر يلف المكان ولم نرى خلال الساعات الاخيرة من رجلتنا اي مخلوق لا من البشر ولا من الحيوان ولا من الطير فايقنت اننا اصبحنا خارج نظام الكون او لربما نسير بجاور مجرة اخرى . وحدث ما لم يكن في الحسبان اذ سمعنا صوتا مدويا مجلجلا الباص شيء اشبه بتكسر الحديد . وتوقف السائق وبعد اجراء الفحص تبين ان العتلة العمودية المحركة للاطارات الخلفية للسيارة  او ما نسميه ( الكاردن ) قد انفلت بعد ان تهشمت مساميره فهبط الرجال الى الارض ولم يبقى في الداخل سوى النساء .
عقدت الدهشة والحيرة السنتنا ونحن وسط المجهول فاقترحت انا ان نسير باتجاه اعمدة الكهرباء المنتصبة الغير بعيدة عنا وقلت لهم حتما انها ستؤدي الى قرية ما او مكان ما حينها نطلب المساعدة ونأتيكم بها . فتطوع السائق ان يرافقني وبقي ابن اختي ومساعد السائق مع العائلة خوفا عليهم مما لا يحمد عقباه . وهكذا جدينا السير مسرعين الخطى  وانا احمل عصا غليظة ( مكوار ) والسائق يحمل بيده قطعة حديدية طويلة ( تاليبر ) . وكنا على هذه الحال ساعتين من الزمن . حتى باغتنا وادي عميق وكبير يستحيل اجتيازه ذو منحدر حاد . واصبحنا لا نرى اعمدة الكهرباء ولا يمكننا تتبع الاسلاك في اي اتجاه سلكت .
ونحن على هذه الحال من ذهول وضياع وسط اللامكان .. والمجهول يلف بنا من كل حدب وصوب اذ خرج علينا ثلاثة رجال رعاة ملثمين مدججين بالسلاح . فقلت في سري . يا الهي .. ما هذا .؟ خرجوا علينا من بطن الوادي واخرون يصوبون اسلحتهم نحونا من سفح بطن الوادي العميق . اعترض الكل طريقنا وهم يكلمونا من على بعد مناسب متحفزين فعرف السائق نفسه وكان من اخواننا المسيحيين . اما انا فاخبرتهم بوجهتنا الى قرية طماشة حيث لي معرفة شخصية مع شيخهم وكبيرهم .
فتقدم احد المسلحين تجاهي وقال لي انك ضابط جبان هارب من المعركة وهذا الامر لا ينطلي علينا . لقد امسكنا ببعض الضباط الهاربين من شرف المعركة وكانوا يسلكون نفس دربكم هذا ..  فقدمت له كل مستمسكاتي الرسمية ولم يقتنع . فقلت له انتم سبعة نفر وانا لوحدي غير مسلح خذوني الى شيخكم فان كنت من الكاذبين فلكم ان تفعلوا بي ما تشائون واني استحلفكم بالله ان زوجتي على وشك الولادة وهي في الباص ويشهد على صحة كلامي هذا السائق . فاجابهم السائق نعم صحيح وانا نقلتهم من قرية مسقلاط وهم جميعا من اهل بغداد لايعرفون ( هاي الديرة ).
ورمي احد المسلحين اطلاقه في الهواء وبعد دقائق اتت ساحبة ( تركتور ) وعلى متنها شخصان مسلحان ايضا واقترب الجميع منا واعطونا شيئا من اللبن الرائب لاننا كنا منهكي القوى ومنعونا من شرب الماء فقالوا هذا يضر بكم اي شرب الماء . وسمحوا للسائق ان يعود الى سيارته ليهيء الجميع والاغراض لحين قدومنا اليهم وهكذا تم الامر وقفل السائق عائدا الى سيارته وانا اخذوني معهم بالتركتور متوجهين الى قرية طماشة ليتأكدوا من صحة اقوالي اصادق في كلامي انا.!  ام كنت من الكاذبين . وفجأةً تذكرت اني قد زرت هذه القرية ونحن كنا صغار مع زوج خالتي حيث كان يملك قطيعا من الاغنام يرعون بها لحسابه  ويمتلك ارض زراعية صغيرة في هذه القرية .
يا الهي .. تذكرت اسم الشيخ كبير قرية طماشة فقلت لهم من فوري . اليس شيخكم هو ( الشيخ طه العبشي ) فانا كنت في ما مضى صديق ابنه ( علي الصغير ) فانتفض هذا الذي كان يجادلني فقال لي الشيخ ( علي الصغير ) هو جدي وكلامك صحيح فاخبرته بالمشايخ الذين اعرفهم وهم أخوالي في النسب .. فاخذ يقبلني بشدة وبحرارة ويعتذر مني وادار التركتور قافلا من حيث اتى ليلحق بالنساء ولا حاجة لاخذ مشورة شيخ القرية لان المسافات تصبح بعيدة ونحن في فترة ما بعد الظهر . وبعد صراخ وعويل عالي يصم الاذان مع اطلاق رصاصة واحدة في الجو اتت الينا عجلة تركتور ثانية وحثينا المسير حثيثا وباقصى ما يمكن من سرعة . وسلكوا دربا مختصرة هم يعرفونها جيدا .. و بعد ساعة ونيف اصبحنا في المكان حيث الاهل والاغراض جميعا على الارض ولا وجود للباص ولا لسائقه ومساعده .
فقلت لهم ما الخبر .؟ قالوا اتى احدهم على دراجة نارية اصلح لهم العطل واخبرنا السائق بانكم قادمون نحونا وتركنا هاهنا وذهب مع مساعده وصاحب الدراجة النارية  فحمدنا الله وشكرناه على سلامة الموقف وقمنا بوضع الاغراض وبعض الاشخاص في احداها والاشخاص الاخرين في التركتور الثاني وانطلقنا مسرعين وقد امسى الوقت علينا . وبعد التي واللتية والتقافز صغارا وكبارا داخل التركتورات بحكم منعطفات الطريق الوعرة  ( والدوخة ولعبان النفس والزواع ) حيث اظهر الاطفال كل فعالياتهم الحسنة منها والقبيحة .
واخيرا وليس اخرا وصلنا الى قرية طماشة قبيل المغرب بقليل ويظهر ان اهالي القرية علموا بطريقة ما بوصولنا لاننا شاهدناهم جميعا رجالا ونساءا متجمهرين حول ما يسمى جزافا الطريق اليتيم للقرية . وتوقفت التركتورات وتجمهر الناس من حولنا فاغرين فاهم وموسعين حدقات عيونهم كانهم يشاهدون قردة معروضة في سيرك محلي . والتفت الصبايا نحو النساء والاطفال فانزلوهم بروية حيث كانت زوجتي اكثرنا تعبا ونصباً لوضعها الصحي الخطير جدا .
وتم فصلنا الرجال في اتجاه والنساء والاطفال في اتجاه آخر حتى وضعونا جميعا في بيت طيني كبير اوقدوا لنا فيه ناراً بمحفة صنعت خصيصا لاشعال النيران فيها وتم جمع بعض الحطب وبعد مرور ساعة من الزمن قدمت الينا نسوة مسنات بعض الشيء وفي ايديهن طعاما يكفي للجميع .. واستودعونا الصباح وهكذا رحل الجميع وبتنا لوحدنا وتوسدنا افرشتنا دون ان نقابل اي احد من اهل القرية .
وفي صباح اليوم التالي نهضنا غير مبكرين وسط اللامعقول نسبة الى الزمان والمكان ونحن لا نلوي على شيء بانتظار ان تتلاعب بنا الاقدار كعادتها معنا . وما ان ازحت الصخرة من باب كهفنا حتى عم المكان رائحة الابقار وارواثها . وكانت النساء يرغبن بالذهاب الى مكان لا يستأذن فيه الا ان جمهرة من الابقار السمان كن يحطن بالمكان ووقفت اثنان منهن امام باب كهفنا ولا سبيل لمروق احدنا . واخذ الاطفال يتصارخون ويتباكون وهم يرون الديناصورات الابقار وهي تحملق في وسط عيونهم وتجتر بفمها طعامها الذي نصب غير بعيد عن باب الكهف .
فقلت للاطفال اعملوا ضجيجا وتصارخوا لعل احدهم يسمعنا وينقذنا من هذه الورطة وكان ما اردت وحضرت امراءة مسنة بالكاد تستطيع ان تستطلع معالم وجهها المبعثرة بين التجاعيد والاخاديد والوديان التي حفرها الزمن مع الوشوم الزرقاء . وساقت قطيع الابقار الصغير بعيدا عنا . حينها تنفسنا الصعداء وخرجنا جميعا ونحن نتطلع الى السماء ونتمتع باشعة الشمس الساقطة فوق ام رؤوسنا . وبينما نحن على هذه الحال اذ قدمت بعض النسوة وهن يحملن اجفان فيها ما لذ وطاب من المأكولات الصباحية من الاجبان والالبان والبيض والحليب وما الى ذلك . وكانت جميع المأكولات طازجه صنعت قبل قليل من تقديمه الينا . يا الهي .. لا استطيع ان اصف لكم  نكهة ورائحة الاجبان والالبان شيء ياخذ بالعقل . وبعد لحظات قدمت احداهن مهرولة حاثة الخطى مسرعة الينا وهي تلهث متقطعة انفاسها وهي تحمل فوق راسها طبقا كبيرا من القش وما ان انزلته من فوق راسها امامنا حتى فاحت منها رائحة خبز التنور العراقي تلك الرائحة التي يعرفها جميع العراقيين في مشارق الارض ومغاربها حيث اختلطت رائحة الخبزالعراقي الحار مع رائحة التراب المرشوش بالماء لتهيئة جلوسنا . ففي مثل هذه الحال التي اصبحنا عليها نسينا كل اوجاعنا والامنا ولم يعد الهم والغم يجد طريقة الى قلوبنا وعقولنا المسلوبة برائعة هذا المكان وطبيعته الخلابة .
صدقوا او لا تصدقوا قضينا اول ليلة في هذه الجنة الارضية ونحن نتقلب في فرشنا كوننا تعودنا النوم على ازيز الطائرات وقصفها المستمر وسماع اصوات الانفجارات والاطلاقات النارية التي كانت تصدر بين الفينة والاخرى والهرج والمرج والصخب الذي كان يلف كل المكان . ومع كل هذا ترانا نغط في نوم عميق . اما هنا فانك تستيقظ على زقزقة العصافير وصياح الديكة وتغريدات الكناري وكان الليل يلفه سكون عميق الامر الذي لم نألفه منذ ايام غير قليلة .فبتنا قلقين جدا بسبب هذا الهدوء الرهيب كان بحق شيئا غير مألوف لنا جميعا .
وعندما حلت الظهيرة اخذت اتجول في اطراف قرية طماشة المتكونة اصلا من سبعة عشر بيتاً بنيت من اللبن الخالص المشوب ببعض الحجارة . حيث كانت البيوت متناثرة ومتباعدة بطريقة مبعثرة منها ما بني على ارض منبسطة ومنها ما كانت قد بنيت فوق ربوات متفاوتة الارتفاع بحسب طبيعة الارض وتضاريسها المتموجة بين السهل الفسيح والهضاب والتلال والى الشمال منها انتصبت الجبال بكل شموخ وآنفة وكيرياء . فعلمت ان قرية ( طماشة ) تمثل بحق الحلقة المفقودة التي كان يبحث عنها تشارلس دارون في نطريتة عن التطور والارتقاء ونشوء الانسان .
قرية طماشة تذكرك بكل ما درسته وعرفته عن العصور الحجرية الثلاث العصر القديم والوسيط والحديث . حيث وبعد هذه العصور ظهرت قرية طماشة للوجود في عصر تكوين دويلات المدن . هذا الاحساس الرائع في اجواء هذه القرية البديعة حيث كل شيء فيها على طبيعته الانسانية القديمة ( اي على الفطرة السليمة ) الارض والسماء والبشر والنبات والانسان والحيوان حتى الطير والسمك كلهم مجتمعون ضمن سمفونية رائعة تعزف الحان كونية تدهش العقول وتسلب الالباب .
سيد .. سيد .. فانتبهت الى نفسي فوجدت احدهم يكلمني وكان شاباً يافعاً صغيراً. حيث قال لي . سيد .. انا حفيد الشيخ ( علي الصغير ) . فنظرت له نظرة تعجب ودهشة حيث كان طوله يقارب المترين عريض المنكبين ضخم الكراسيع منتشر الابعاد ( مشرأب الابعاع .. شلولخ ) وهو مدجج بالسلاح ويحمل بندقية ( برنو ) وصفين من الرصاص رتبت على هيئة حزامين متعاكسين يلفان كتفية حتى خصره وحزام آخر متمنطق به يحمل اطلاقات طويلة نسبيا اضافة الى انه تمنطق في حزام خصره بمسدس صغير وخنجر من نوع  شبرية ومع ان الهيئة بشرية استطعت ان اتكلم معه بحرية . فقلت في سري .. يا الهي .. ما هذا .؟ ( ومدجج كره الكماة نزاله لا ممعنا هربا ولا مستسلم ) .
سيد .. سيد ..الشيخ يدعوك الى ( الدكة ) فاصطحبني معه الى حيث الدكة وهي عبارة عند دكة مرتفعة عن الارض بحواله المتر الواحد وابعادها 3×8 أمتار نصبت في وسط القرية مفروشة بالبسط والسجاد ووجدت الشيخ مع اثنان من اهل القرية جالسين معه فاعتليت سلمتين او ثلاثة فاصبحت امام الشيخ فنهض الجميع لاستقبالي والتعرف بي . وبعد ان جلسنا جميعا وهدئت الاحوال قدم الشيخ نفسه وكان اسمه       ( صالح ) ايضاً يا لغرابة الصدف العجيبة فقلت في سري ( بيها صالح ان شاء الله )  فذكرت له علاقتي بوالده الشيخ علي الصغيروعند هذه اللحظة تذكرت جده المرحوم ( طه العبشي ) . والحق اقول لكم ان طه العبشي هذا جد الشيخ صالح كان قبل اربعون عاما او ما يزيد يجلس في نفس المكان على نفس الدكة وكان وهو جالس يبلغ ارتفاعه بحواله المترين وكانت هيئته تشبه تمثال ابو الهول في مصر الفراعنة . يا للهول كان شخصاً ضخما بحق وبشكل غير مألوف بدا لي في حينها انه اضخم رجل في العالم . وكذلك الحال بالنسبة الى ولده ( علي الصغير ) ومع ان اسمه ليس على مسماه ولكن للحقيقة والتاريخ كان اقصر من والده ببضعة امتار ( نعم امتار ) لم اخطيء في كلامي . كل هذه الافكار راودتني وانا انظر الى صالح حفيد السلالة العبشية وانسانيتهم البعيدة عن الوحشية حيث كانت جل امورهم هامشية.
ياهلا .. يا هلا .. بالاجاويد والنعم منكم اهل (ابغداد ونينوى والرشيدية ومسقلاك )فانتبهت لنفسي ان الشيخ كان يحادثني طوال فترة سرحاني في اعماق التاريخ البشري وتطور الانسان من عمالقة عاد وثمود وطسم وجديس حتى ( طه العبشي واحفاده ) . فرددت له التحية باحسن منها . فقال لي معتذرا عن مكان اقامتى المؤقت قرب حضيرة الابقار وقال لي انا بنيت بيتا جديدا لزوجتي الجديدة ولم يسكنه احد لغاية الان وقد اخبرت العائلة ان يتم نقلكم للبيت الجديد وهو مفروش ومجهز بالكامل وانا اجلت عرسي من اجلكم ليكون المكان لا ئقا بكم وارجوا ان يعجبكم وترتاحون فيه باذن الله .
في الحقيقة لم ارد على الشيخ حيث ما ان انهى كلامه حتى اتاه بعض الرجال وتكلموا معه بلغة اشبه بالهيروغليفية القديمة او السنسكريتية الحديثة ونهض الجميع جادين السير وانصرفوا بعد اخذ الاذن مني . وانا في حال نفسي اشبه ( باسماعيل ياسين في الجيش او مستشفى المجانين  ) . فذهبت مسرعا الى عائلتي لازف لهم هذا الخبر الجميل والانتقال من حضيرة الابقار الى بيت جديد . فاذا بي اجد نفسي بخفي حنين لا احد في الدار ومكاننا تسرح فيه بعض الدجاجات لا غير . وبعدها علمت ان نساء الشيخ اتين لينقلن العائلة بالكامل الى البيت الجديد ( الموثث ) حديثا ؟ وكان بيتا جديدا بحق من اللبن والطين والاثاث الوحيد فيه هو عبارة عن صندوق خشبي بطول متران  وبارتفاع متر ونصف المتر رصفت فوقه فرش واغطية حتى بلغت عنان سقف البيت وكانت هيئة الصندوق تذكرك بحكايات الف ليلة وليلة .
كان اليوم الثاني لوصولنا الى قرية طماشه يوما جميلا وهادئا ونحن في بيتنا الطيني الجديد والكل يشعر بالفرح والسعادة وسرعان ما انسجمنا جميعا مع الطبيعة الخرافية للمكان وكان كل شيء جميل الهدوء القاتل  في اللامكان والطبيعة الساحرة من الاراضي الزراعية المتموجة منها والمنبسطة وعين الماء الجارية والاشجار المعمرة المنتصبة بشموخ اهل هذه القرية . يا الهي .. ان لم تكن هذه جنتك فكيف تكون جنتك هذا المكان يجعل منك قديسا او مؤمنا بعمق وتجرد لان كل شيء فيه يذكرك بعظمة الخالق وبديع صنعه وجمال وروعة طبيعته . باختصار انها جنة الله على الارض .
واثناء عودتي من تجوالي في ربوع هذه القرية الطبيعية والتمتع بجمالها الاخاذ وبعد ان اصدت بعض الاسماك الصغيرة قفلت عائدا الى البيت مع صيدي في وقت الغداء وكم كنت فخورا بما اصدت كاني ملكت الدنيا ومن عليها . سمعت لغطاً كثيرا واصوات نساء تتعالى في المكان فحثثت المسير مسرعا لاتبين الامر . فوجدت احد الابقار قد دخلت الى باحة بيتنا وهي راقدة على الارض . وبعد الاستفسار ممن وجدهم حولها من الرجال والنساء . اخبرت بان البقرة على وشك الولادة . وما هي الا لحظات حتى افسجوا المجال لامراءة كبيرة طاعنة في السن . وبيد مرتجفه وراس هزاز اخذت تتفحص البقرة وقررت انها على وشك ان تضع حملها .
تم نهر الجميع من قبل ابن الشيخ وخرجوا جميعا رجالا ونساءا من باحة البيت وتم التجهيز لعملية ولادة طبيعة للبقرة الجاثمة على وجه الارض . وانا بقيت اشاهد من بعيد واتفحص بتعجب ملامح هذه المراءة وعلمت ان اسمها ( عمشة ) من خلال مناداتها من قبل النسوة . وكانت عمشة هذه ليست لها علاقة بالملامح البشرية لا من قريب ولا من بعيد . واذا ما وقفت بجانب الجدار الطيني للدار سوف يصعب عليك التميز بينها وبين الجدار كونهما من جنس واحد في الملامح والصورة .
ولاول مرة في حياتي شاهدت عملية ولادة طبيعية لحيوان ضخم مثل هذه البقرة وكانت عمشة قابلة غير مأذونه اجادت عملها باتقان وبحرفية عالية واتضح لي في ما بعد انها القابلة الوحيدة في هذه الاصقاع وما حولها وانها مختصة بولادة البقر والبشر على حد سواء . فوقع هذا الخبر عليً كالطامة الكبرى  . وصمت صمت الحملان واخذت افكر وافكر .. وما اهتديت الى شيء ففوضت امري الى الله .
خرج العجل الصغير الى الحياة مصحوبا بخوار الام الذي صم الاذان وخرج مع العجل اكوام كثيرة من اللحم وتبين ان رحم الام خرج بالكامل مع المولود وقد تلطخ وتعفر بالتراب واسرعت النسوة بجلب المياه الساخنة وتم غسل الرحم الخارج وايلاجه بالقوة في جوف البقرة وبعد جهد جهيد استطاعت عمشة ان تنجح في مهمتها الا ان البقرة لم تنهض بعد ولادة عجلها وظلت كذلك حتى قبل غروب الشمس بقليل . حيث لفظت البقرة المسكينة انفاسها وقاموا بذبحها قبل ان تفارق الحياة بقليل . واخذوا عجلها بعيدا مع الابقار الاخرى . وحل المساء وكان الحزن يخيم على اهل القرية .
وفي صباح اليوم الثالث نهضت باكرا واخذت عدتي في صيد السمك وتوجهت شطر النهر . وكانت متعتي عظيمة جدا وصباحا جميلا وشمس وضاءة تغمر المكان بالالوان الطبيعية الخلابة في الشجر والحجر والمدر والنهر وحتى البشر . فعلمت حينها ان السعادة الحقيقة مع الطبيعة البكر سعادة ما بعدها سعادة . وانا على النهر قاذا بصالح ياتيني مهرولا حيث قال لي بانفاس متقطعة ان الشيخ يطلبك وهو جالس مع اعيان القرية على ربوة تل تحت اشعة الشمس .
السلام عليكم . ورد الجميع على تحيتي باحسن منها وجلست بجانب الشيخ واخذنا نتسامر الحديث حول بغداد وماهي وكيف هي معالمها وناسها وبيوتها وشوارعها وكل ما يخطر على بالك من الاسئلة العجيبة والغريبة , وعلمت منهم انهم  نشأوا وكبروا وشاخ البعض منهم ومنهم من توفى ولم يصل احدهم الى الموصل فكيف اذا ببغداد .
وما مضى على تسامرنا ساعة من الزمن او ساعتين حتى شاهدت ولدي الصغير يخرج من ثنايا القرية مهرولا ومسرعا نحونا ونحن لازلنا على التل وهو ينادي من بعيد .. ابي .. ابي .. وما ان اقترب منا بعد صعوده السريع الينا حتى زف الي خبر  ولادة زوجتي لطفلة قال عنها انها صغيرة جدا تشبه ( اللعابة ) فخجلت في سري واحتضن الشيخ ولدي وقبله واعطاه نقودا مقابل هذه البشارة . واخذ يطيب الشيخ خاطري بان البنت هي رزق من الله .. صحيح هي ليست كالذكر الا اننا لا نملك الاعتراض على عطايا الرب . فقلت له . مذا تقول يا شيخ .؟ انا لي ثلاثة اولاد ذكور واتمنى بل اصلي لتكون لي ابنة ويظهر ان الله استجاب لصلواتي . فعقر الشيخ نونته من كلامي العجيب والغريب بالنسبة اليه .
وبعد ما يقارب النصف ساعة تكرر علينا منظر ولدي وهو يتبعثر في ازقة القوم مهرولا نحونا بكل ما اوتي من قوة ويصرخ  .. ابي .. ابي .. لقد ولدت امي ولدا ذكرا صغيرا اشبه باختي الصغيرة . فعقدت الدهشة لساني حيث لم اكن اعلم ان زوجتي حاملاً بتؤام ولا كانت هي تعلم ذلك . وتكرر المشهد ونفس السيناريو احتضان فقبلة ونقود وانصراف . فقال لي الشيخ ممازح لي ا دعنا ننهض ونهبط الى القرية فما فضل معي من نقود ( اشارة ذكية لولادة التؤأم ويخشى ان يكون هناك المزيد ) . فهبطنا جميعا وتوجهت انا الى الدار وكل شوق لمشاهدت هذا التؤام العجيب . وما ان رفعت ستارة باب الغرفة حتى صدمت صدمة عنيفة ومروعة كدت فيها اغيب عن الوعي لولا فضل الله وتماسكت اعصابي اخيرا .
لقد شاهدت الجدة عمشة بشحمها ولحمها ( طبعا التعبيران الاخيران مجازيان ) وهي تهنئني بولادة التؤام وكانت هي القابلة المأذونه وتذكرت كل الكلام عنها في يوم امس . فودت ان اكافئها على صنيعتها معنا . واخرجت لها حافظة نقودي وانا اقف فوقها تماما وهي جالسة القرفصاء واذا بجميع النقود تنزلق من المحفظة وتقع في حجرها وكانت دولارات امريكية وليرات تركية وتومانات ايرانية ودراهم خليجية كنت قد اعتدها تحسبا لكل امر طاريء .
ما العمل اصبحت مفلسا وخجلت من هذه الجدة ان امد يدي في حجرها لاسترجاع نقودي .. فقالت لي ماهذه النقود يا ولدي .؟ فقلت لها خجلاً منها .. انها هديتي لك ايتها الجدة الرائعة . وبينما كانت زوجتي ترمقني بظرات حادة عاتبة ومستغربة فعلتي هذه .. جمعت الجدة عمشة كل النقود ورصتها في يدها جيدا ونهضت بنصف انحائه وهذه هي هيئتها اثناء النهوض تمشي بنصف قامة .. قامت من فورها واعطتني كل نقودي . وقالت بما انك شخص غريب عنا وضيفا عزيزا في دارنا لطردتك من القرية شر طردة  بعد اهانتك لي  . وخرجت مغاضبة مخاصمة ترعد وتبرق وتدمدم بكلام لم افقه جله .
فالتفت الى تؤام روحي فلم اجد لهما اثراً في المكان . فقلت لزوجتي ما هذا الهراء.؟  اين تؤام روحي .؟ فضحكت بشكل بطيء جدا ً ( سلوموشن ) واشارت بيدها الى سلة البيض الصغيرة المصنوعة من القش والتي كانت موضوعة بجانبها. وما ان امطت اللثام عن الغطاء حتى رأيت وجهين صغيرين غائرين في كومة من القطن الطبي الذي وضع خصيصا لهما في السلة كي لا تخدشهما وبالكاد تعرفت على عيونهما المفتوحة ذات الحركات الجنونية . فانحنيت لاقبلهما فما استطعت الى ذلك سبيلا . اذ كان علي ان التهمهما لصغر وجيهما وكانا بحق اشبه ما يكونا بالسلحية  ( ابو بريص ) ومن النوع الصغير ايضاً .
فالتفت الى زوجتي وقلت يا الهي انهما تؤام عجيب وغريب لم اشاهد مثلهما في حياتي . وفي هذه الاثناء دلفت علينا زوجة شيخ القرية ومعها سفرية نحاسية فيه ماء ساخن وصابون فوضعت احد التؤامين على راحة يدها اليسرى واخذت تغسله باصبع سبابتها اليمنى وهكذا قلبته على ظهره وهو ما زال على راحة يدها وغسلت له رأسه وانا احملق بالمراءة والتؤام وهكذا فعلت مع التؤام الاخر وبعد ان انتهت قمطتهما ووضعتهما في سلة البيض خاصتهما .
فقلت لزوجتي هل تصدقين انها وضعتهما الاثنان معا على راحة يدها ولم يتجاوزا راحة اليد طولا . وهنا برزت لدينا مشكلة عويصة وهوان التؤام لا يستطيع ان يلتقم ثدي الام لصغر ودقة افواههما . فكنا نطعمهم الحليب بواسطة قطارة العيون . واستمر الحال هكذا ثلاثة اياما سويا . والتفت الى زوجتي وقلت لها الم اقل لك ان لا نجهز للمولود الا ساعة ولادته . انظري بعينيك اين ملابسهما الآن .؟ اين سريرهما الان .؟ لقد تسوقنا لهم الكثير الكثير من كل شيء والان هما ملفوفان بخرقة بيضاء الله اعلم ما هي وسط كومة من القطن في سلة البيض الصغيرة . سبحان الله العظيم . سبحان الله وبحمدة . ذهبت كل تحضيراتنا لمقبل التؤام  ادراج الرياح من الملبس والاثاث والحجز عند طبيبة الولادة في مستشفى الهلال الاحمر في المنصور. وبالنتيجة تمت الولادة من خارج رحم الارض ولم نكن نعلم انهما تؤام ففضل الله علينا بواحد زيادة .
وكان هذا الحدث الذي تكلمت عنه القرية بكاملها في تاريخ 17-2-1991 اي بعد مرور شهر واحد على قصف العراق بالطائرات من قبل قوات التحالف بزعامة امريكا وما زال القصف مستمراً . وبعد ان هجع الجميع واخذتنا سنة من النوم مبكرين على غير عادتنا . سمعنا صياحا من خارج باب غرفتنا . وصوت نساء كثيرات . فنهضت فاذا بنا صباحا وقد اشرقت الشمس للتو وايقظت والدتي التي كانت معنا ولم اشأ ان اذكرها ها هنا , فقلت لها بعد ايقاظها . امي اظهري للنسوة التي في الباب واستطلعي ما الخبر .؟ وماذا يردن في هذا الصباح الباكر .؟ وما ان فتحت والدتي الباب حتى دخلن ثلاثة او اربع نسوة محملات بين ايدهن وفوق رؤسهن ما لذ وطاب من الافطار الصباحي وملابس للتؤام حتى ان بعضهن سهرن الليل في سبيل عمل ( لحاف ) للتؤام يقيهم من البرد القارص ليلا .
فعجبت كل العجب من هذا الاهتمام الذي لايوصف وهذا الكرم والنخوة التي تفوق العادة والحق اقول لكم كان كل شيء يجري بزيادة . وعند الظهيرة ذبح لنا الشيخ احد خرافه واولم عليه كل اهل القرية بمناسبة ولادة التؤام واستبشرو خيراً بهما . وهكذا استمر الحال في كل يوم عند الظهيرة ياتينا شيء من ذبائح القرية وكانت حصتنا المعلاق وفخذ واحد من كل ذبيحة فاستغربت ذلك كثيرا وعند سؤالي عن سبب فعلتهم هذه قالوا لي ان لهذه القرية ابناء في الجيش العراقي وانهم بدأوا يتوافدون على القرية بعد انسحابهم من الكويت وكل شخص يوصل للقرية يذبحون له اهلة خروفا كقربان لسلامته وسلامة وصوله . وهكذا تمتعنا بالقرابين لمدة اسبوعين من الزمان حتى اننا كنا نرفض اللحم في كثير من الاحيان لتكدسة لدينا ولعدم وجود برادات بسبب ان القرية خارجة للتو من عصر دويلات المدن وكل شيء فيها كان يعتمد على الطبيعة مباشرة .
وفي نهاية شباط على ما تحضرني الذاكرة توقف القصف الامريكي على العراق بشكل نهائي . وبعدها عاد من كان معنا ابن اختي وعائلته الى الرشيدية حيث دارهم وبقيت انا لوحدي مع عائلتي لصعوبة التنقل مع هذين التؤامين المتناهيين في الصغر . ومكثنا على هذه الحال ثلاثة اشهر وقضينا امتع الاوقات في اجمل قرية شاهدتها في العراق وتم اطلاق اسماء على التؤام بحسب مزاج من ينادي عليهم فسميوا في باديء الامر ( آدم وحواء ) وبعد شهر تقريبا تغيرت اسمائهم الى       ( صالح وعمشة ) وما مر اسبوعان  حتى استقر اسميهما الى ( طماشة ومسقلاط )و ( ابراهيم ومريم ) وهكذا لم نستقر لهما على مسمى .
وبعد ان اشتد عود التؤامين قررنا الانتقال الى قرية الرشيدية لقربها والاستراحه فيها ريثما نتهيء للعودة الى بغداد . وفعلا كان ذلك وبقينا ما يقارب الاسبوع الواحد في الرشيدية تم خلالها سحب سيارتي الخاصة من قرية مسقلاط الى قرية الرشيدية وقضينا الاسبوع الاول في صيانه وتهيئة السيارة للسفر الى بغداد . وتزودنا بالوقود الكافي وحملنا صندوق السيارة بجليكانات عسكرية عدد اثنان مملؤة بالبنزين . لعدم حاجتنا للتوقف في الطريق لان الوضع لا يحتمل مع وجود التؤام معنا .
وهكذا غادرنا بغداد كعائلة متكونة من خمسة اشخاص وعدنا اليها كعائلة متكونة من سبعة اشخاص سبحان الخالق الوهاب . فوصلت داري عصرا وعندها وجدنا باب الصالة مفتوح غير مقفل وتذكرت اني نسيت ان اقفل باب الصالة لعجالة امرنا ودلفنا الدار وتفحصت البيت  جيدا فلم اعثر على ما يريب من سرقة او غير ذلك وخرجت مسرعا نحو حديقة الدار فوجدت كل شيء فيه على ما يرام دراجات الاطفال ودراجتي الشخصية ومقاعد الحديقة .. يا الهي اكثر من ثلاثة اشهر والدار مفتوحة الباب والغرف غير مقفلة ولم يحدث شيءا قط .
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2852
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى