* قصص قصيرة : عمل قيد نفوس مترجمة ومصدقة

اذهب الى الأسفل

* قصص قصيرة : عمل قيد نفوس مترجمة ومصدقة

مُساهمة  طارق فتحي في الثلاثاء أبريل 08, 2014 6:27 am

عمل قيد نفوس مترجمة ومصدقة
بقلم : طارق فتحي
لقد سنحت لي فرصة السفر الى خارج العراق وكنت قد استبشرت خيرا سيما وخطر على بالي رؤية اولادي بعد فراق دام طويلا لم ارهم فيها
ومن متطلبات السفر ومنح الاقامة في بلدان اوربا عمل صورة قيد مترجمة ومصدقة من الخارجية العراقية وهكذا بدأت جولتي وكنت حينها في تركيا - اسطنبول وما ادراك ما اسطنبول كل شيء فيها زاهي.. السماء والارض تتباهي باشجار ونخيل بواسق وزهور تنتشر على الشاطي والجو الربيعي يجعل منك شابا في عمر الزهور وتشعر بانك شفيت من جميع الامراض العضوية منها والنفسية واصبحت امام صورة لا يمكن ان تغفل عنها حيث الجمال المبثوث هنا وهناك في الطرقات والساحات والمتنزهات وجمال الوان الناس ورقي تصرفاتهم وانسانيتهم العالية ينسونك حتى اسمك .
كل هذا الجمال تركته وراء ظهري .. ما العمل ؟ توجب علي العودة الى بغداد فقفلت عائدا الى العراق بسفرة برية دامت 36 ساعة منها سبع ساعات على الحدود العراقية التركية ( ابراهيم الخليل ) بدواعي امنية ؟
ولك ان تتخيل قضاء سبع ساعات في برية موحشة وظلام حالك ولا يسمح لك بمغادرة الباص بدواعي امنية وعند انتشار اول تباشير النهار تحرك الباص اللعين وليس له من معين.. وما ان عبرنا المضيق حتى تلقتنا هفوف رياح السموم وقبل ان نقبل نحن تراب العراق كعراقيين مخلصيين له الحب في الوجدان .. قبلتنا اتربة العراق الجميل وكانت بادرة حسن نية منها مشكورة عليه.
وصلت اربيل في ساعات النهار المتأخرة وكانت مدينة جميلة تنهض من جديد بحلتها العصرية وشوارعها الدائرية وبحرارة غير عادية ارتبطت معها بعلاقات ودية حيث بت ليلتي فيها .. وفي الصباح المتأخر ايضاً قمت انا ومضيفي في جولة سياحية بدواعي ترفيهية .. وبعد زيارة خاطفة للاماكن السياحية قفلنا عائدين الى البيت وبدت لي ان المدينة جميلة من نواحي عدة ولكن شتان بينها وبين ما خبرت في اسطنبول من جمال طبيعي رائع وأخآذ ..غادرت مضيفي مودعا اياه لاتمام جولتي الى بغداد فانطلقت من الكراج البري باتجاه كركوك فوجدتها مدينة محيرة حيث اعمال البناء واكساء الشوارع والجسور لم تنتهي والكل في حركة دؤوب كانهم خلية نحل ومع ارتفاع درجات الحرارة وازدياد كثافة الغبار الكوني المسلط على العراق وحسب , تناولت طعامي في مطعم سياحي صاحبه رجل عصامي وما ان التهمت كالوحش الجائع نفرا من الكباب حتى تناولت الباب هروبا منه الى كراج بغداد
وما ان دلفت بوابة الكراج الوهمية حتى تجمع حولي البوهيمية بشرا قد اختلطت روائحهم بغبار العراق المقدس وانفاسهم تلهث بروائح غير زكية واشكالهم الغريبة كانهم مصاصوا دماء نهضوا لتوهم من الاموات . كل شيء فيهم يعلوه التراب من اخمص اقدامهم حتى فوق رموش اعينهم وكانت الهيئات تبدوا متوحشة للوهلة الاولى . وبعد معركة حامية الوطيس استطعت ان ارد حقيبتي من احدهم بعدما تمسك بها ليعلن فوزه على اقرانه من السواق المساكين . جلست متهالكا على مقعدي والحيرة تلفني والدهشة تاخذني من كل شيء .
وفي الطريق توقف السائق بعد ان سبقتنا سيارة للشرطة المحلية .. واخبروا الجميع بسلوك درب وجيع .. بين تلول عالية شامخة من مقلع للحصى والحجارة وكانت البشارة .. قد اتت على عجل وغرست السيارة في الوحل بالعجل . وبعد كفاح ما يزيد عن الساعة طرق سمعنا ما كنا نخشى سماعه .. اصوات اطلاقات نارية صمت لها الاذان وخفقت لها قلوب اعتى الرجال وتبدلت احوالنا اوحالا . فاطبق الصمت الرهيب علينا من كل جوانبه ولم نسمع فيها سوى خفقات القلب الوجيف
ولمحت قومي ورمقتهم بنظرة عين حائرة فكانت بحق صورة مؤلمة الحرارة شديدة والعرق يتصبب على وجوه الجميع والغبار يتباهى بمروره فوق اجسادنا ولا نملك حق الرد بابعاده عنا والملابس متسخة تعلوها الاتربة والاوحال وبادت الاشكال اشبه بتماثيل نحتت بيد خبير بحيث لو سقط احدهم ارضا لداس عليه صاحبه دون ان يشعر به كونه اصبح شبحا من جنس الطبيعة المحيطة به . وترى الناس سكارى وما هم بسكارى والخوف والهلع والرعب والجهد والتعب والنصب والهيئة شبه البشرية والملابس الموحلة كل ذلك جعل من عوامل الطبيعة ان تكون هي الفائزة بالضربة القاضية
وعادت السكينة الى النفوس الحزينة , واستمرت الرحلة ونحن جلوس , منهم من انطلق بحريته ومنهم من كان محبوس , فهتف السائق هيا اجمعوا الفلوس , ها نحن قد وصلنا بغداد فاستقبلنا الناموس , بقرصاته التي كانت كحد الموس, والالم والجوع ينخر فينا كحشرة السوس , فهذا وسواسه موسوس , وذاك ذو وجه عبوس , وهذا كانه رجل ممسوس , وكانت هيئاتنا تنفر منها الطباع والنفوس , فهذا هو الناموس .
وما ان وصلت بغداد حتى شاهدت العجب العجاب مستنقعات من المياه الثقيلة روائحها تزكم العقول قبل الانوف . اهوار ومستنقعات مترامية الاطراف تحيط بمنفذ بغداد - كركوك الشمالي , وحتى حدود بغداد الداخلية , وهيئة وشكل ومكان المنفذ كانها منطقة خرجت للتو من حرب كونية , الارض هرمة خربة تعلوها تلول من الازبال تارة وتلول من الانقاض تارة اخرى . وابخرة بجميع الوان الطيف الشمسي تتصاعد من هنا وهناك ودخان اسود كثيف يلف المكان من جراء حرق الاطارات المطاطية لدفع غائلة البعوض وتجنب قرصاته الحادة والمحرقة والروائح التي تذكرك بروائح الموتى والهيئة تدل على انك عل مشارف نهاية العالم .

وحللت ضيفا في دار اخي والالم يعتصرني مما رايت وكانت الصدمة قوية جدا واخذتني البهته طويلا. وبعد الاستحمام والراحة البدنية . ما شعرت الا ان احدهم قام بعملية المساج والتدليك لقدماي المتورمتان من جراء السفر . وصدمت منهم لانهم كانوا اناس طبيعيين جداً في تصرفاتهم نحوي ولا يهمهم الحر والبق والغبار والروائح الكريهة والاصوات المزعجة وهدير الرصاص بين الفينة والاخرى .
وبت ليلة لم اشعر بها بشيء بسبب المفارقات بين بلدي ومارأيت . ثم تهيأت في صباح اليوم التالي لمراجعة دائرة الجنسية في شارع (52) في بغداد . ودلفت الى الدائرة وكانت صدمتي ودهشتي رهيبتين واليكم السبب .
البناء عبارة عن بيت ثلاثي الابعاد متكون من ثلاثة طوابق بسلم ضيق لا يتجاوز عرضة 70 سم , وكل طابق فية يمثل دائرة نفوس منطقة معينة , من مناطق بغداد نفوس الرصافة , والكرادة , وبغداد الجديدة , كل دائرة نفوس في طابق معين . وهذا البناء يحشر فيه الناس يوميا , عشرات المراجعين يتجاوزون المئات عددا وانهم جميعا ينتشرون بددا , وسلسلة لا منتهية من الاجراءات التعسفية من المتابعات المرهقة اليومية ( صاعد نازل ) وانت ترى بام عينيك عشرات الناس قد حشروا حشرا كعلبة سمك سردين حيث انك تنتظر وقوفا في الممرات ولا تحسن الحركة اطلاقا كي لا تزاحم اخيك الواقف فوق اقدامك اوتحتك او فوقك , الله اعلم بالهيئات التي يتخذها الناس من اجل موطيء قدم لهم وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب عمل صورة قيد نفوس مترجمة لشديد.

وتم العد التنازلي 123456789 صفر انطلق
كانت دائرة نفوسي في الطابق الثاني والسلم اللولبي لا يسع اثنان احدهما صاعدا والاخر نازلا الا ان يصفح احدهما او كليهما ليستطيعا تجاوز بعضهما عكسيا . وحشرت نفسي مع قومي وحشر مع الناس عيد . عيد باي حال عدت يا عيد . في السلالم الخمسة الاولى ركلني اثنان واستقبلت اربع عكسيات مقصودات وغير مقصودات من الامام وساهمت امراء عجوز في سحبي الى الخلف لكي تتجاوزني وهنا لا تخشى السقوط من السلم لان الاجساد البشرية عاملة كجهاز الترامبولين ما ان تقع حتى تعود الى وضعك تلقائيا واوتوماتيكا لان الكل سيدفعك ويعيدك الى مكانك ليس احسانا منهم بل لمحاولة التخلص منك .
يقول علماء البيولوجيا البشرية ان الانسان يملك اكثر من عشر فتحات في جسده وملائين الخلايا الجلدية التي تطرح الفضلات السامة خارج بدنه , ما عدا الفتحات المنظورة كنت قد اعتبرت ان كلام العلماء محض افتراض ومبالغة . ولكن واقعة صعودي سلم دائرة النفوس في بغداد اثبتت بالدليل القاطع صحة نظرية العلماء وخطأي , ففي اثناء تسلقك سلم المجد لتنال الجنسية كانك من سكان كوكب آخر , لابد لك ان تصطدم بمؤخرة الرجل الذي سبقك بسلمة واحدة وبتطبيق قانوني الفيزياء في الشد والجذب سوف تلصق انفك رغما عنك بموخرة من امامك ولك ان تتصور كيف ستتوقف جميع حواسك الظاهرة منها والباطنة عن العمل وتحلق بعيدا مع الملائكة تارة ومع الشياطين تارة اخرى
وقبل ان انال الشهادة افقت وانا في الطابق الاول ولا تسألني كيف وصلت الى هذا الطابق والظاهر اني حملت على الاكتاف ورميت من بين الارداف في هيئة لا تترجمها الاوصاف . وبعد سكون الهيئة واخذ نفس عميق خالي من الاوكسجين لممت شتاتي وقوَيت عزيمتي للدخول في معركة تسلق سلم الطابق الثاني وما ادراك ما الطابق الثاني , وبعد اللتي واللتية لامست قدماي ارضية الطابق الثاني وانا غير مصدق نفسي بهذا الفوز العظيم واني لا زلت اتنفس من تحت ... الماء .

كل علامات الاخرة الكبرى منها والصغرى ونهاية العالم وجدتها في هذا الطابق , واذا الوحوش حشرت نعم هنا نمسخ كوحوش ضارية احدنا يكون باخع نفسه ممزق ملابسه وعيناه جاحظتان غير مصدق الوصول الى الحبيب الموصول الجنسية العراقية المصون , فالتقطت انفاسي وشبكت يدي على رأسي من هول ما شاهدت . الناس قد حشروا في الممرات حشرا ووجوههم شاخصة للاعلى فتذكرت قوله تعالى وجوه يومئذ نضرة الى ربها ناظرة . ولكن الحق يقال كانت وجوه جماعتنا لا هي نضرة ولا هي الى ربها ناظرة كانها عيون احولت من هول ما رأت وبعد ان علمت السبب بطل مني العجب . ان عيون القوم شاخصة الى المنادي باسماء من اكتملت معاملته في شعبة من شعب الدائرة اذ والحالة هذه عليه ان يتابع اكمال معاملتة في شعب الدائرة الاخرى التي لا تعد ولا تحصى !!!!

فاقبلت كالابله اسأل هذا وذاك من اين ابتدي والى اين انتهي واخذت اقبل ذا الجدار وذاك الجدار حتى الهم الله لي احد موظفي الدائرة مارقا من امامي فامسكت بتلابيبه استفسر منه واكتفى بالرد علي بالاشارة ففهمت العبارة . وقفلت عائدا في ممر ضيق كانه نفق دودي فضائي شق منذ زمن بعيد . ودلفت الى الاستعلامات التي لم اشاهدها كونها مغطاة بالكامل من الخارج ومن الداخل بالبشر واختلط الحابل بالنابل فلا تفرق بين الموظف والمراجع .
يا ويلتاه عقلي تاه , من اسأل ؟ وكل ما امسكت بشخص قال لي انا مراجع مثلك . وبعد تفتيش دقيق باستخدام التدافع تارة والمزاحمة تارة اخرى . وقفت امام منضدة عليها تسعة عشر كان رؤوسهم المجان المطرقة يتنفسون كوحوش بشرية في وجه الموظفة المسكينة الرقيقة التي لم تبلغ الحلم بعد.
وتكلمت معها بلغة الاشارة فلا مجال لسماع صوتي من شدة الضوضاء واصوات الصراخ تتعالى من هنا ومن هناك كانه يوم المحشر والناس في عذاب مهين . ودون ان تنظر الي ناولتني ورقتان علمت فيما بعد هي للمعلومات المطلوبة لاستخراج السيدة المصونة الجنسية العراقية قدس الله سرها المكنون . وبعد ان تم املائها من قبلي هرولت مسرعا الى الموظفة فاشارت لي الى غرفة المدير وقفلت عائدا وانا اموج في موج من فوقه موج ومن تحته موج في ظلمات عمي صم بكم
فكانت المفاجئة في غرفة الادارة اذ زعق بي المدير واخذ اوراقي وذهب الى الموظفة المسكينة .
نعم ذهب الى الموظفة بشحمه ولحمه . لماذا لا تصدقون ؟ نعم هذا ما حدث معي بلحمي وشحمي .
ونهرها قائلا لماذا لم تخبرية بالذهاب الى العرضحالجي . وهنا نزل علي كلامة كالصاعقة المحرقة والطامة الكبرى , واظلمت الدنيا في عيناي . كاني لم افعل شيئا منذ الصباح الباكر ولغاية منتصف النهار . اذ كان لزاما علي ان ابدأ من جديد واتسلق اسوار سلم الطابق الاول ثم سلم الطابق الثاني وان وصلت حياً ممكن ان اتشرف بزيارة غرفة السيد المدير!!!!!!
همست في سري ان لا مستقر . اين المفر ؟ . وتسلحت بالايمان الكامل وتحزمت باليقين وكان يقيني بالله يقيني . وخضت خضم غمار الهبوط الى الطابق الاول ولا مست ارضيته قدماي وباقل الاضرارا الممكنة . تمزقت احد الاستمارتين وفقدان احد ( دكم ) قميصي . والعرق يتصبب من جبيني على كل انحاء جسدي كالطوفان ورائحتي اصبحت تشمئز منها نفسي . عندها والحق يقال كرهت نفسي كرها شديداً . وبعد استراحة قصيرة وقوفاً طبعاً واخذ نفس عميق مع بعض التمارين السويدية توكلت على الله وهبطت سلالم الطابق الارضي وما ادراك ما الطابق الارضي . سواءا اكنت تدري او كنت لا تدري .
التضاريس الارضية فيه تذكرك بكوكب المريخ . حيث لا استواء في أي شيء وقد ساد الهرج والمرج في كل شيء واليكم الصورة . نساء يفترشن الارض ومنهن من افترشن الطبقات العلوية منه . كانهن مسوخ شواهن الحر وفت في عضدهن التعب حالهن حال كل مارأيت رجال وليسوا برجال ورجال اشباه الرجال وهكذا صور نمطية تتكرر على ناظريك كل لحظة كأنهم حمرُ مستنفرة فرت من قسورة .
ومع ان الطابق الارضي ( مجازاً) هو عبارة عن ممر ضيق بطول 20 متر وعرض !!!! لايمكن وصف عرض الطابق الارضي ...؟ وانه يتراوح بين 5 الى متران واحيانا المتر الواحد . وهو من اغرب واعجب عروض المساحة التي شاهدتها في حياتي . ويقبع في هذا الممر ثلاثة تنانين عملاقة ( مولدات كهرباء ) الواحدة منها بحجم غرفة والاخر بحجم صالة الجلوس . تنفث هذه التنانين النار على المراجعين المساكين فتساهم في عملية الشواء المار ذكرها سابقا اضافة الى حر الصيف ولهيب وقهر المعاملات تجعل من الواحد منهم ( ان يلعن اليوم الذي ولد فيه ) . ولولا رحمة الله والاجساد المتعرقة دوما لتحولوا الى مومياءات مع مرور الوقت . ولوضعوا في المتاحف العالمية وتحتهم لافتة تقول (مومياءات دائرة احوال بغداد) من العصر الحجري الحديث .
هذه الهيئة والناس محشورون لا يلون على شيء سوى انتظار ان تعلن اسمائهم لينالوا هوية الاحوال المدنية يا لسخرية القدر هوية الاحوال المدنية باساليب واحوال العصور الحجرية .ياللمفارقة !! يتوسط هذه التنانين العملاقة كشك متهريء قديم سقط بعض من سقفة وافترش الارض مزاحما المراجعين صاحب هذا الكشك يبيع كل شيء من الماكولات الساخنة وحتى المشروبات الباردة . طبعا عندما اقول ماكولات ومشروبات !! سوف تتقبلون كلامي لانكم جميعا لا يمكن لكم ان تعيشوا بدون طعاما و ماء .
اخواني كل الكلام الذي اذكره لكم هو بالتعبير المجاز يعني لفة الهمبركر لونها ( برتقالي ) ومحشوة بمواد تشبه الى حد كبير جدا البصل المقلي والطماطم وبعض الحباشات لايعلم عنها اكثر علماء البيولوجيا الغذائية رسوخاً في العالم . واصناف من المشروبات الغازية المصنوعة بيوتياً أي ( صنعت خصيصاً في البيت ) ولتجنب التلوث بالاصباغ تتم صناعتها في الحمامات أوالمرافق الصحية ,, للعلم رحاءاً ..!!
وترى البائع يمسك بمقلاته بيد ويدخن سيكارته باليد الاخرى والعرق يتصبب من منخريه سقوطا الى الهاوية وما ادراك ما هيه نارا حامية ....... ومن شدة الحر يحك البائع جلده مارا بجميع فتحات جسده التي تكلمنا عنها سابقاً ويعرك ابطيه ويزيح العرق والمواد اللزجة الاخرى من منخريه ويقذف بهما بعيدا عن ناظرية حيث اصطدمت بالعتبة العليا للباب ومنها ما خرج ومنها ما بقي يتدلى شاهدا على العصر .
واغرب ما في الامر هي الطنجرة المملوئة ..!!!! يله بالدهن لا تزعلون هذه الطنجرة النحاسية تذكرك بعصر البرونز احد العصور الحجرية لاسلافنا من البشر يلفها السواد ( الصخام ) بانتظار من يكتشفها من الاثاريين العظماء ..
فغلبت نفسي وطمت وعزفت عن الاكل برغم جوعي الشديد وتذكرت العرضحالجي فور افاقتي من صدمتي مما رأيت في الطابق الارضي . ومن فوري اخذت ارقص الفالس تارة والبوب تارة اخرى حالي حال زملائي من المراجعين رجالا ونساءا , باتجاه الباب الخارجي وقد افلتت باعجوبة من نفث التناني والمياه الساخنة التي حولت الارضية الى مستنقعات وانهر وبحيرات منها ماهو صالح للابحار ومنها ماهو ماء آسن يستحيل العيش فيه وقد نجونا وملابسنا الممزقة الرثة من كل هذه المتهات وفزنا بالقرب من الحبيب الباب الخرجي لدائرة الاحوال المدنية في بغداد . واكرر في بغداد ( وصلت الفكرة .... ؟؟؟ ) .
وساد صمت عميق وترقب العرضحالجية واين مكانهم واذا بي اجد عشرات المكاتب منتشرة امام الدائرة من الطرف الاخر من الشارع . وما ان مرقت نحو الرصيف الوسطي حتى تم اكتساحي في هجوم مفاجيء ظننت للوهلة الاولى هو تحذيري من مفخخة او ما شابه ذلك . وماهي الا لحظات غبت فيها عن الوعي لكثرت اللكزات والغمزات والشد والجذب واحيانا الدفرات طبعا الغير مقصودة . ارخيت رحلي امام احدهم وقد استخدم ميز سفري قلاب وآله استنساخ قديمة . واستمارتين جديدتين لعدم صلاحية التي بحوزتي وامرني ان استريح على علبة دهن ( تنكة ) ولفت انتباهي انها علبة دهن علامة ( الراعي ) وسرح خيالي بعيدا ... بعيدا .. بعيدا جداً ولم افق الا على يد العرضحال وهي تهزني وقال لي بالحرف الواحد
(حجي كملت معاملتك وهسه الدوام خلص بعد الساعة 12 ما يستلمون معاملات
( روح تعال باجر ) ..
انتوا هم روحوا وتعالوا باجر وتابعوني في المشهد الخامس من
نهضت باكرأعلى غير عادتي وكلمات العرضحال تتردد صداها في عقلي ( روح تعال باجر ) ورشفت فنجان الشاي الذي وضع امامي دون الاحساس بطعمه حلوه من مره فكل حواسي اصبحت مرة بالمرة .
( 52 ) صرخت باعلى صوتي لسيارة اجرة مرقت من امامي مسرعة حيث توقف غير بعيد عني وبدأت الرياضات السويدية الاجبارية بالهرولة تجاه سيارة الاجرة لندرة وجودها صباحا وعلى الاخص اثناء الدوام الرسمي . فاصطنعت له ضحكة صفراء حاولت جاهدا ان اجعلها بريئة فما افلحت بذلك .
( صباح الخير اخوية احوال بغداد بـ 52 ) .
( العفو حجي رايح للدوام وانت مو على طريقي ) هكذا كان رد السائق وبكل عنفوان الرجولة وآباء وشموخ العراقي . ورشقني ببعض من الاتربة والازبال اثناء انطلاقته مسرعا . فحمدت الله وقلت في سري هذا اول الغيث .
المهم استويت في جلستي جيدا ونظفت نفسي على قدر السعة والطاقة ونظرت الى السائق فابتسم لي وقال ( حجي لازم عندك معاملة ) ولم اصدق تفسي انه طرح علي هذا السؤال فانهمرت عليه كالمطر الغزير وسردت له احداث كل الاجزاء بالتفصيل الممل . فرد علي ( حجي انت لحالك مدوخ نفسك بـ 50 دولار افض الشغلة )
الحجي : يبين عليك انسان مثقف
السائق : نعم اني خريج كلية العلوم فرع الكيمياء
الحجي: عمو تدري هاي الـ50 دولار مالتك خلت (50 % ) من العراقيين مثل الطيور الموسمية المهاجرة ( وتيتي تيتي مثل مارحتي اجيتي ) ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا .
الحجي : تدري هاي ( 50 دولار ) هي اللي خلتك تشتغل سائق اجرة بدلا من ان تحتل مكانتك الطبيعية كشاب خريج ومثقف وتساهم في تطوير بلدك نحو الافضل . مع ان العمل الشريف النظيف شرف بغض النظر عن ماهيته .
السائق : حجي لازم انت مو بالعراق اكيد جاي من الخارج مبين عليك .
و بعد ان وصلنا الى الدائرة الدايخة بنفسها وبمراجعيها صرخت بصوت عالٍ ليش 5000 دينار احنه مو اتفقنه 3000 دينار .
السائق : حجي مو تعرف الطريق طويل والازداحامات وهاي استفتاحية من وجهك الحلو . والله نص الاجرة ندفعها غرامات والمرور تنصب لنا كمائن على الطريق بعيدا عن اعين المسؤلين . والبانزين من صفحة . واستهلاك السيارة . وعندك الحساب .
الحجي : ميخالف راح انطيك 4000 دينار فقط تذكرني جيدا. كل هاي المصايب من وره الـ 50 دولار مالتك .
واخيرا امام الدائرة وجها لوجه ولكن هذه المرة تسلحت بجميع الاسلحة النفسية والمعنوية وتقدمت للاستعلامات كالفارس المغوار ودلفت ممر الدائرة الارضي بكل زهو وعنفوان حتى وصلت الكشك العتديد واذا بغيمة دهماء سوداء تعلوها صراخ الناس وموجة بشرية عاتية ولا توسانامي ولا حتى اعصار كاترينا نساء ورجال واطفال اختلطت الوجوه واسودت فدعوت الله ربي ان لم يكن بك غضبا علي نجنا مما نحن فيه . وبعد انقشاع غبار المعركة عفوا اقصد الموجة الهائلة تبين ان احد التنانين ينفذ دخانه بمختلف الوان الطيف الشمسي بصوت مدمدم مدمر تصم له الاذان وظن الناس انه سينفجر بين لحظة واخرى . وهدأ التنين من روعه وساد الصمت وعم المكان .
االاحذية منتشرة في كل مكان وتسلق احدهم جدار الكشك المتهري اصلا ليجلب ( نعاله ) واثناء محاولته الامساك به سقط المسكين سقطة مروعة مما حدى ( بالنعال ) ان يصفع وجه احد المراجعين . ولولا فضل الله ورضوانه لكانت هناك جلسة عشائرية وفصل بملائيين الدنانير . واختلطت اوراق المعاملات بالازبال وبلفات الطعام والاحذية والنعل في مشهد مروع على ارضية الممر التي هي اصلا عبارة عن مستنقعات ومياه آسنة . وفقدت بذلك المشهد بريقي وخف زهوي . ولم الوي على شيء . حينها تذكرت الـ 50 دولار وندمت على كلامي مع السائق ..
ما علينا المهم تسلقت السلالم لطابقين وباقل الدفرات الممكنة التي حالفني الحظ فيها منها ما تخلصت منها بسهولة وبحركات جسدية انسيابية كراقص باليه محترف ومنها ما لم يحالفني الحظ للتخلص منها . ( انها مسألة حظ ) ليس الا ..
وبعد ان رتبت نفسي وبالكاد اعطيتها صفة الادمية وملست على شعري وتنحنحت لجهورة صوتي وتهيأت نفسيا وجسديا واخلاقيا للدخول الى غرفة المدير . واذا بكف عريضة غليظة وضعت على صدري بقوة دافعة اياي الى الخلف وجمهور من المراجعين يدفعونني الى الامام وبقوة هائلة ايضاً فاصبحت بين قوتي جذب وشد رهيبتين ولعنت ساعتها كل قوانين الفيزياء الحركية وغير الحركية . وتذكرت عمار بن ياسر اذ وضع المشركون الصخرة على صدره وهو ينادي ( احدُ.. احد ..) والحق اقول لكم لو ان عمارا هذا مر بموقفي هذا لاصبح حتما من المشركين ولا فخر ,,
وحانت ساعة الحقيقة واذا بي وجها لوجه امام السيد المدير وهو يتأمل معاملتي وانا انظر الى وجهه واقرأ عليه المعوذات وادعية قضاء الحاجة والرزق والمحبة تلك الخاصة بمقابلة الحكام والملوك والامراء والسلاطين وكل شيء تذكرته ..
وجاء الرد الصاعقة من السيد المدير (حجي هاي شنو معاملتك مو يمي ) اذهب الى غرفة ست سناء لتأيد المعلومات المدونة في الاستمارة واستجمعت كل قواي البدنية وابتسمت له ابتسامة لا يعلمها الا الله والراسخون في العلم . وقلت له وبكل شجاعة وجرأة متناهيتين متعكزا على كبر سني وكهولتي قلت له وبالحرف الواحد اين اجد غرفة ست سناء . فاشار اليً بالجهة المقابلة من الممر . فخرجت منه فرحا مسرورا لرده الجميل بالاشارة فهلا فهمتم اعزائي القراء العبارة !!!!!!
ومثلما دخلت وانا اقول ( احد.. احد ) خرجت كذلك وانا اقول ايضا ( احد,, احد ) وبصراع مرير وبعد الطواف حول المدير ورمي الجمرات السبعة وقفت اما غرفة ست سناء مذهولاً مشدوداً متسمراً في مكاني جاحظاً عيناي ...

في غرفة ست سناء
ابعاد الغرفة 4×5 متر لا يعرف طولها من عرضها تبعثرت فيها دواليب خشبية متهرئه مكشوفة لا وجه لها ومنها ما تهشمت رفوفه ومنها من ينتظر التهشيم واعتقد انها من مخلفات عصر النهضة . الغرفة طاقتها الاستيعابية من 15-25 شخص بالكاد فاحصيت من فيها تخمينا فاذا بي اجدهم يزيدون عن السبعين عددا مختلطين نساءا ورجالا ومنتشرين بددا .
عفوا اعزائي القراء . كل كلمة ( نساء ) ترد في هذا المقالة هو تعبير مجازي ( للانثى ) وهذه اللفظة بدورها ايضا تعبير مجازي عن مخلوقات بشرية شبه آدمية لا هي اتثوية ولا هي ذكرية بل الذي اعتقده جازما انها مخلوقات الهية .
ووجدت الرجال رافعين ايدهم للاعلى مستسلمين لقضاء الله وقدره ومعاملاتهم تلوح بايدهم . وعلمت لاحقا انهم رفعوا ايديهم الشريفة بغية عدم ملامسة النساء من الاسفل حيث انه من كثرة الزحام لا يستطيعون خفض ايديهم فلا مجال لوضعها الا على النساء وبما ان متوسط طول الانسان العراقي يتراوح بين المتر ونصف المتر الى اقل من مترين . فانك سوف لا تعلم ماذا يحدث في الاسفل حين تخفض الايادي .
كل هذا المشهد وانا اقف عند عتبة غرفة الست سناء كيف السبيل الى الدخول هذا ما شغل تفكيري واين اجد الست سناء بين هذه الغابة البشرية واي اتجاه اسلك . فاستعنت بالله الواحد الاحد وحرصت على اوراقي حرصا شديدا . وكانت الخطوة الاولى باتجاه هذه المتاهة البشرية وتذكرت حينها مثلا صينيا قديما يقول ( مسيرة الالف ميل تبدأ بخطوة واحدة ) فكانت هذه خطوتي الاولى وبالكاد خطوت الثانية
حتى عم المكان صمت مخيف سوى طنين اذناي والوحيف ورايت الناس قد هبطوا الى الدرك الاسفل مفترشين الارض ومنهم من افترش السقف وفضاء واسع وخالي تماما من البشر في وسط المكان . ما هذا المكان .؟
(هااا حجي خير خوما بيك شي ) فانتبهت لنفسي فاذا بي مرميا خارج الغرفة ومشتبك مع السياج امام الباب فقلت لهم (خير شنو اللي صار ) فرد احدهم رافعا يدة بالاشارة الى انسان يشبه الى حد كبير اسلافنا من البشر ضخم الجثة عريض المنكبين مشرأب الابعاد شلولخ . قد اكمل معاملته وخرج مسرعا معتمدا على قوته البدنية وضخامة جسده الغير بشرية وكان الحجي ضحية هذا الخروج المريع .
وعند اعتدال الهيئة وسكونها وجدت نفسي نصفي متدلي من السياج والناس في الطابق الارضي ينظرون الي ورفعت راسي فوجد الناس في الطابق الثالث ينظرون الي ايضا . علمت حينها ان الناس في الغرفة لم يفترشوا الارض ولا السقف . بل انا من كنت افترش الموت لولا ان الله نجاني باعجوبة بالغة .
( ليش يجوز الحجي ويبطل ) قررت كالمخبول الدخول ثانية فاخفيت اوراقي في ملابسي الداخلية وقمت بهجوم صاعق حتى وصلت الى منتصف الغرفة بالتمام . ويا ليتني لم اصل . جميع الروائح النتنة النفاذة الطياره احاطت بي من كل حدب وصوب .. يا الهي هذا رائحة ابطه تشبة رائحة القبور وذاك يبخر من فمه ولا اسلحة الدمار الشامل . وهذه المخلوقة المعجوقة العجوز المعقوفة المعتوقة هي مذخر للاسلحلة الكيمياوية . فامسى الفضاء الذي يكاد ان يرى خليطا عجيبا من الروائح البايولوجية اجودها الحوامض الامينية . في حين البعض منهم استغل الزحام والاختلاط باطلاق الغازات السامة من جماعة اهل القولون والانتفاخ البطني والبواسير وحلقات اخرى مفقودة
وبعد تلوث البيئة هذا . رايت اروع واجمل مشهد في حياتي احدهم ينادي ست سناء وكنت انا واقفا امامها تماما يا الهي شكرا لك على هذه النعمة غير مصدق حظي الجميل . ماذا افعل لها لاتقاذها من هذه الوحوش الضارية فراودتني فكرة جهنمية اخذت من يدها سجلات القيد الضخمة والثقيلة كانهما بابين لدولاب خزانة الملابس وسرت معها حيث مكانها . فعلمت حينها اني بارع جدا في الرقص الشرقي على انغام هذه ليلتي لام كلثوم . حيث الناس يتدافعون ويتزاحمون (والحجي المسكين طايح بالنص ) يتلوى بحركات راقصة كمن اشتهى العذاب المهين .
وجلست والخوف في عينيها ودسست لها اوراقي بالمقلوب فوق السجلات ورمقتني بنظرة لا تنتمي الى المكان وبراءة الاطفال في عينيها . وهي اول انثى حقيقية تقع عليها عيناي منذ الصباح الباكر .
فقلت لها ست سناء قالت لي (اني اسمي اسماء) قلت لها الله ( طرقت الباب حتى كل متني , ولما كل متني كلمتني , فقلت لها أيا اسما كل متني وعيل صبري ) وبعد تدبر وتروي قالت لي ( حجي ) السجلات القديمة من سنة 1949 فما دون موجودة في الجنسية العامة بشارع الرشيد بجانب المصرف الزراعي وبعد تهميشها على اوراقي غادرت الغرفة غير نادما ولا اسفا .
وكانت الممرات شبه فارغة والناس تجمهروا في الطابق الارضي ينتظرون المنادات على اسمائهم وهم من اجناس والوان شتى . وخرجت خائبا مدحورا كمن خسر نزاله في المصارعة الحرة للتو . ودعوت ربي يا الهي ان لم يكن بك غضبا علي فالهمني الخلاص مما انا فيه . وقفلت عائدا الى دار اخي بخفي حنين ...
انطلقت باكرا من الكرادة الى شارع الرشيد وبعد السؤال . علمت في الحال , اني غير بعيد عن هدفي . ومررت من امامه ولم انتبه له . وذلك لانشغالي بحزني على شارعي المفضل اذ وجدته خاويا مهجورا . دخلت بيتا فارها عتيقا يقطر التاريخ منه تقطيرا . كل شيء يعود بك الى مائة عام من الماضي . الارضية بطابوقها الفرشي الاصفر المربع . وطابوق الجدران تفوح منه عبق الماضي السعيد . والسلم ذو الاتجاهين المتعاكسين . شعرت حينها اني من سلالة الملوك او السلاطين .
وكان المكان فسيحاً وهادئاً والغرف فيه كانها صالونات لاجتماع اكابر القوم .
طلبت من احدهم امراً فسهل لي امراً . وتسألت باستغراب عن ماهية هذا المكان المريح ولماذا لايوجد فيه زحام كبقية دوائر الجنسية . فرد الموظف علي بهدوء رصين وقال استاذ هذه الدائرة توجد فيها سجلات مركزية من عهد الدولة العثمانية لغاية يومنا هذا ومختصة بامرين هما :
1 – جميع حالات الولادة والوفاة تجدها في هذه السجلات
2 – جميع حالات الزواج والطلاق تجدها ايضا في هذه السجلات
فقلت : لماذا ارسلوني اليكم اذا ..؟
قال : لكي نؤيد لك صحة تولدك باليوم والشهر والسنة .
لان احدهم فيما مضى يظهر والله اعلم كان يشرب الشاي وسكبه على صفحتك في السجل الكبير واثناء معالجته للامر تم مسح تاريخ يوم ولادتك وهذا يعتبر عندنا تزوير في اوراق رسمية من جهة ومن جهة اخرى ان هوية احوالك الشخصية قديمة وليس فيها ذكر ليوم الولادة .
قلت : طيب وماذا بشأن الشهر والسنة الم يكونا صحيحين .!
قال : نعم هما كذلك ولكن ذكر اليوم ضروري وهذه هي الاوامر عندنا .
قلت : طيب وما العمل , انا طالب قيد نفوس مترجمة ومصدقة . ما شأن تاريخ اليوم بالامر . ثم اني بلغت من العمر 65 عاما ولم الحظ الامر بعد .
قال : استاذ يظهر انك ليس في العراق ومع هذا سوف اساعدك واؤيد صحة ما جاء في استمارتك التي امامي . لتنهي معاملتك بدون عراقيل , فشكرته كثيرا .
وانصرفت منه الى غرفة الطابعة وعملوا لي كتاب موجه الى دائرة نفوس الكرادة وما ان انتهى طبع الكتاب حتى توجهت من فوري الى غرفة المدير . وانا اتمم بعبارات وادعية ولم اكن افهم ما اقول . الموضوع خطير تزوير في اوراق رسمية وهوية مزورة ويوم الولادة سادة كالعادة . وكنت في اشد حالات النفس انقباضاً .. ياناس يا عالم انا ابن العراق ابن بغداد ياناس ماذا جرى ..
اهلا استاذ تفضل بالجلوس فالتفت خلفي فلم اجد احدا غيري فتبسمت له بكل الوان الطيف الشمسي واتضح لي اني دخلت على السيد المدير اثناء مناقشاتنا الحادة انا وعقلي ( مدمرني هذا العقل يفكر على طول في الصغيرة والكبيرة من الامور ) في الحقيقة لم اجلس لانه خلال ثواني وقع الكتاب وقال لي اذهب الى الصادرة وشكرته بحرارة منقطعة النظير واحببته اكثر من والدي ولولا الحياء لقبلته من كل مكان .
ومن غرفة الصادرة الى باب الدائرة الى شارع الرشيد الى سيارة الاجرة الى 52 الى نفوس الكرادة !!!!! هااااا !!! وصلنا الى وجع الرأس !!! لا بأس !!! كان الزحام خفيفا ونحن مقبلين على نهاية الدوام وقفزت كل سلمتين برجل واحدة !!! هااا شنو الموضوع !!! ( نعم برجل وحدة شنو عصفور اصعد برجلين اثنين ) وانتهى بي الامر امام اسماء وجهة لوجه مع الحقيقة الصارخة وبكل فخر واعتزاز قدمت لها الكتاب مشفوعا بالاستمارات . وكان المكان هادي وشبه فارغ . وجاءت الصفعة غير متوقعة من اسماء هذه المخلوقة الملائكية اللطيفة . ( حجي انتظرني بره خلي اكمل اكل وبعدين اني اصيحك ) .
انتظرت نصف ساعة ( لا صاحتني ولا هم يحزنون ) دخلت عليها مخاصما معاتبا اياها ولافتا نظرها الى كبر سني وجاء الرد ( اوووه العفو حجي نسيتك ) !!!! وعبثا حاولت ان تجد اوراقي فما افلحت واحمر وازرق واصفر واخضوضر وافرنقع واجلوذ وجهها حتى كادت ان تبكي . ونهضت رئيسة القسم مستفسره من حالها الذي جلب لها انظار زميلاتها وقالت لي (اخوية ممكن تنتظرنا بره فد شوية)
أوهم انتظرت نصف ساعة وانا اراقب الحالة من خلال نافذة الشباك التي امامي رواح ومجيء والكل يفتش عن اوراقي واخيرا خرجت رئيسة القسم وذهبت الى مدير الدائرة وعادت بصحبتها مجموعة من المعاملات وكانت معاملتني من بينها وسلمته لي في الممر قائلة لي ( يجب عمل هوية احوال جديدة فيها اليوم والشهر والسنة ) لكي نعمل لك قيد نفوس مترجمة ومصدقة . وانا سوف احتفظ بالمعاملة لحين عمل هوية الاحوال الجديدة .
وبعد ان تم اعلامي بعمل هوية احوال جديدة غير منقوصة المعلومات توجهت من فوري الى دار اخي وانا مهموم مغموم وفي جعبتي التي تتدلى على جنبي هويات تعريف تفوق العشرون مستمسكا حتى اني كنت احمل هوية احوال صادرة ابان العهد الملكي الماضي . وقلت في سري ايعقل اني احمل كل هذه المستمسكات والوثائق ولم استطع اثبات عراقيتي لغاية اللحظة . في هذا البلد الذي يسيطر عليه غول التخلف والجهل في جميع مناحي الحياة العامة منها والخاصة .
وما ان القيت التحية حتى بادرني اخي ( اهااا اليوم من وكت لازم خلصت المعاملة) فسردت له كل مشاهداتي وما ان انتهيت من الكلام معه حتى بادرني اخي بالقول تفضل اغسل يديك بالحمام . فدهشت منه وبالتالي دهشت من نفسي حيث اتضح اني غيرت ملابسي وتناولت طعامي وانا مستغرق بالكلية في شعب الاخبار النقلية لا العقلية . وبعد ان ارتشفنا كوبان من الشاي قال لي اخي ولا يهمك غدا لا عمل لدي وسوف آتي معك لانجاز معاملتك وتدلل اغاتي .
في الحقيقة ضحكت في سري من كلام اخي , حرب كونية تجري على قدم وساق في احوال بغداد وهذا اخي يرتشف الشاي وكانه من سكان جزر الواق واق . ولم احر جوابا في الرد عليه واكتفيت بابتسامة لو اجتمعت الجن والانس على فك رموزها ومعرفة طلاسمها وتفسير الغازها لما استطاعوا الى ذلك سبيلا .
وفي صباح اليوم التالي ذهبنا معا حيث تم استقبال اخي من الاستعلامات والى مدير الجنسية بحفاوة منقطعة النظير وباخلاق سقوط بغداد وبالفاظ القرن الحادي والعشرون وكانت الالفاظ النابية تنهال عليه من كل حدب وصوب ما ظهر منها وما بطن تارة بالاشارة واخرى بالعبارة .
ودقت ساعة العمل واصبحنا احرار , وجها لوجه مع السيد المدير حيث صب على اخي سيل من الشتائم لم ترى مثلها في جميع البلدان التي تحدث عنها المسعودي. كل هذا وانا لازلت في حالة الصدمة الاولى والافكار تتراقص في ذهني كانها اضواء اعياد الميلاد , وبعد ضحك ولعب وحب وجد . تم تناول موضوعي فقال السيد المدير ( موجهاً سبابة وشتائمه الى اخي ) بعد ان اطلع على كافة الاوليات التي بحوزتي . فرفع راسه ونظر الي بكل عنفوانه وشبابة . فقلت في سري ياستار يا الله نجنا مما نخاف . واخشى ماكنت اخشاه تلكم القذائف البلورية التي تخرج من الفم فورية , كي ما تصيبني هذه المرة بنوبة قلبية.
استاذ تفضل استريح هكذا تكلم معي السيد المدير وكلف احد الموظفين بمتابعة معاملتي وما هي الا دقائق معدودات لا تتجاوز برمتها النصف ساعة من الزمن حتى حضر اخي وفي يدة الكنز المصون هوية الاحوال السر المكنون, اضافة الى صورة قيد نفوس بنسختان اصليتان نضاحتان نضاختان بالحقيقة .
قشكرت السيد المدير على حسن استقبالة ..؟ وكرم ضيافته !!! وخرجت من عنده وهو يصرخ بي لا تنسى استاذ ان تصدق القيد من الخارجية العراقية . وكانت كلماته بثقل جبل احد وقعت على كاهلي . وقلت في سري كأني في موقف شاهد لم يرى شيئا في حياته .
ودعت اخي وانطلقت الى وزراة الخارجية العراقية في علاوي الحلة , ويظهر هنا والله اعلم , اني دخلت في احد الانفاق الدودية الفضائية القريبة من الارض . فكان المكان في اللا مكان وتوقف الزمان منذ الان . ومع ان النفس مهضومة ولكن الهيئة كانت مغرومة . ترتيب ..تنظيم.. تنظيف .. حجزت رقم انتظار مسبق .. وانتظرت امام شباك مخصص .. حيث القاعة كبيرة .. والناس وفيرة .. والانارة وضيئة والمقاعد وفيرة .. كل يجري بحسب وتيرة .. والانسان له تقديره .. وبعد ساعتان من الانتظار لكثرة الزحام نودي على اسمي وحصلت على سهمي . وخرجت اتلفت ورائي غير مصدق ذاتي ..
يـــا الهي .. يــا الهي .. يا الهي. وهكذا اسدل الستار على عمل قيد نفوس احوال مدنية مترجمة ومصدقة . وان كنت غير مصدق ..
وتم بفضل الله انجاز مهمة واحدة فقط من متطلبات عمل فيزة لغرض السفر والاقامة خارج العراق . والمهمة الثانية ان شاء الله هي عمل عقد زواج مترجم ومصدق ايضاً . والمهمة الثالثة عمل اجازة سوق دولية .. ثلاثة مهمات انجزن واحدة منها بثمانية مشاهد فقط ..
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2863
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى