* قصص قصيرة : في احد مزارات بغداد - حقيقة ليلة رعب عشتها - ماكل مايتمنى المرء يدركه

اذهب الى الأسفل

* قصص قصيرة : في احد مزارات بغداد - حقيقة ليلة رعب عشتها - ماكل مايتمنى المرء يدركه

مُساهمة  طارق فتحي في الأربعاء أبريل 02, 2014 4:29 am

في احد مزارات بغداد وبتوصية من الاجداد
بقلم : طارق فتحي
في سن الصبا والشباب يتقبل المرء الافكار كأنها حقيقة مسلم بها وما بعدها سوى سراب بقيعة يحسبها الضمأن ماءاً . وفي ذات صيف يوم قائض . اوريت ما يرى النائم . بان اذهب الى مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني لاداء فريضة صلاة الجمعة في المسجد الملحق بمزاره
فقصصت منامي الى والدتي وقلت لها فيما قلت ان جدي عبد الرحمن الرشيدي الحسيني يأمرني بصلاة الجمعة في مرقد الشيخ عبد القادرالكيلاني .  ويقول صلاة الجمعة نجم دين الاسلام وعيد المسلمين كافة وفيه تنزل الرحمة الالهية على النفوس البشرية . وجاء يوم الجمعة المشهود فتهيأت للذهاب لصلاة الجمعة في الحضرة الكيلانية .
كان المقام مكتظاً بالناس في المرقد والباحة الخارجية والمسجد ايضاً كل يتحرك باتجاه كانهم خلية نحل مستفزة . وبالكاد حصلت على موضع سجود في وسط المسجد تماما . بعد ان اذن المؤذن لصلاة الجمعة الجامعة . وهدأت النفوس المضطربة وعم المكان السكون بانتظار اذان الاقامة لبدء الصلاة . والحق اقول لكم كان من خشوع المصلين شيء يسلب الالباب ويدهش العقول . وتشعر بان هناك فيوضات ربانية ورحمة الهية تغمر الجميع . وتشعر بان السكينة والاطمئنان وجدوا طريقهما الى عقلك وقلبك وجميع جوارحك . فما يسعك الا ان تطرق براسك باتجاه الارض ويغمرك احساس ليس كمثله شيء .
طرق سمعي صوت المؤذن باقامة الصلاة بصوت جهوري مزق فيه سكون المكان واشرأبت الاعناق نحو المنبر بانتظار الخطيب ان يعتلي المنبر ويخطب بالمصلين . فاطرقت راسي بعد ان استرقت النظر باتجاه المنبر وانا اذكر منامي مع نفسي . وكيف اوصاني جدي بضرورة حضور صلاة الجمعة في هذا المكان وما الغاية من هذا المنام واسئلة كثيرة اخذت تدور في رأسي الصغير وما من اجابات واضحة او تفسير مقنع . فقلت في سري انه منام ليس الا . وما الضير في ذلك . ولكن بعض عبارات جدي استوقفتني . مثل  (يوم الجمعة نجم الدين) وعبارة ( فيه تنزل الرحمة الالهية على النفوس البشرية ) . طيب ان هذه معلومة يعلمها الصغير قبل الكبير . ما فائدة تكرارها من قبل جدي في المنام . وكل مسلم يعلم ما هي فضائل يوم الجمعة نسبة الى الملسمين المؤمنين وغير المؤمنين .
( سيد .. سيد .. سيد .. سيد )  فاذا باحدهم يلكز كتفي الايمن من بين الحشود . فانتبهت الى . نفسي وانا مستغرق بالكلية مع ذاتي ومنغمس في بحور المعاني الجليلة التي يفرضها المكان والزمان بكل قوة على ضمائرنا فنقوم بمحاسبة انفسنا على الصغيرة والكبيرة على جميع اعمالنا الخيرة منها والسيئة . على هيئة ارهاصات فكرية تشل فيها القلوب والعقول وجميع الجوارح. فالتفت خلفي لارى من لكزني . فاذا بحشود المصلين ينهضون من جلستهم ويغادرون المسجد بشكل فوضوي ورأيت خلفي رجل اربعيني ببدلة رسمية وربطة عنف انيقة يعتمر عمامة لم ارى مثلها لغاية يومنا هذا خفيف الشارب واللحية كثير الابتسام . فتبسمت في وجهه ايضاً .
فقال لي عبارة كدت ان اخر فيها صريعا في مقامي هذا . فتوسعت لها حدقات عيناي وفغرت فاهي واخذتني الرجفة وسرت القشعريرة في جميع انحاء بدني .. يا .. الهي .. يا..  الهي ..
فقلت له مخاطبا اياه بالاشعور .. يا .. الهي ما هذا الذي تقوله ( بالرحمة الالهية ) .. فتبسم ابتسامة الوواثق من نفسه  وكرر عبارته ثانية وقال لي بالنص ( نعم بالرحمة الالهية ارسلنا أليك وبالرحمة الالهية انت ضيف الرحمن الآن ) فتفضل معنا ..
فنهضت معه كمن تخدرت جميع جوارحه وعقله وقلبة . فامسك بيدي وساعدني على النهوض فخرجنا من المسجد الى الباحة الخارجية للحضرة الكيلانية . ووسط الجموع تم تقديمي لشخصان اخران لا يختلفان بالزي عن صاحبنا هذا . فقلت له : كيف آتي معك وانا لم اعرفك فتبسم ايضا بشكل غريب وفال لي : ( سيد .. سيد.. قبلناك في الليل نقبلك في النهار ) فتفضل معنا بالرحمة الالهية .
وكنت حينها شابا يافعا مفتول العضلات جريء بعض الشيء فقلت له استاذ الا اعرف اسمك قبل القدوم معك . وهنا كانت الطامة الكبرى والصاعقة المحرقة التي اتت على بقيتي والحق اقول لكم ان كلامه معي سحرني من آخر شعرة في راسي حتى اخمص قدمي . وما كان مني الا ان ابتسم وربما ضحكت بشكل هستيري عنيف وانا اربد بكفي على جنبي واقول الله اكبر .. الله اكبر .. لماذا يحدث هذا معي .؟
واذا به يقول سيدي .. سيدي .. انا ( نجم الدين ) خادمكم المطيع وانت بضيافتي ( بالرحمة الالهية ) . فعجبت منه يناديني سيدي وهو يكبرني على الاقل بخمسة وعشرون عاما او ما ينيف عن ذلك . فالتفت الى من حولي من جموع المصلين . واذا الكل مشغول بامرة وليس هناك ما يريب . او ان يكون احد ما قد انتبه الى حديثنا . وكان كل شيء طبيعيا بالمرة .
فذهبت معه منقاد بالكلية الى منزلة في شارع فلسطين ولا اذمر المكان بالضبط . ودخلنا نحن الاربعة الى بيت فاره بعض الشيء وفي غرفة الصالة وجدت شيء لا يشبه المكان ولا شكل البيت وهيبته . كانت الصالة فارغة تماما الا من كنبة خشبية عتيقة دست بجانب الباب . وفرش ارضية محاكة باليد . وباقي الصالة مكشوفة الجدران والارضية ليس فيها شيء غير ذلك . وكان للصالة بابا مغلق يشرف على البيت من الداخل . جلست القرفصاء على فوق الفرش بالارضية . وجلسوا الثلاثة امامي على الكنبة . جلسوا معي صامتين لمدة تراوحت بين العشرة الى الخمسة عشر دقيقة . ثم انصرفوا جميعا .
وبقيت لوحدي اصلي واذكر الله واسبح كانني في مهمة مقدسة . وبعد صلاة المفرب بقليل سمعت طرقا خفيفا مصدرة الباب الداخلية للصالة . وبين تردد واقدام وبعد مضي بعض الوقت فتحت باب الصالة رويدا رويدا . فاذا بي اجد مفاجأة سارة صينة كبيرة مملؤة بما لذ طاب من المأكولات وكنت حينها اتضور من الجوع ولا اردي ماذ اصنع . فالتمت الطعام واتيت به عن اخرة وجمدت الله وشكرته . واخذتني سنة من النوم لم انهض منها الا في اليوم التالي عصراً.
حيث حضر المدعو ( نجم الدين وبرفقته تسعة اشخاص ) تبدوا عليهم ملامح الهيبة والوقار واعمارهم ناهزت الخمسين عاما ً . جلس القسم منهم على الكنبة القديمة اليتيمة في الصالة وافترش الباقون الارض وكلهم مبحرون بي فاغرون فاههم كأنني ( اسد في سيرك ) .
ةصار الشيخ يصرح باسمائهم وانا اتكلم عنهم بصورة لا ارادية مان سيرتهم الذاتسة تغرض امامي كمن يشاهد شريط فديو بجودة عالية . وحالما انتهيت نهضوا جميعا وخرجوا من الدار بدون كلام او نقاش . وكنت انهار بعد كل جلسة تعمق حتى بات الشحوب في زحهي وجسدي يلازمني كظلي . ومر يومان . واذا بالشيخ يقبل لوحدة ويخبرني بالذهاب الى حيث اصطحبني وانا كنت اسير خلفه مسلوب الارادة منقاد اليه بالكلية .
هذه الحالة الغريبة التي حصلت معي لم اجد لها تفسيرا لغاية يومنا هذا . رغم محاولاتي الجادة خلال سني عمري الا اني لم افلخ ابدا .. ابدا .

حقيقة ليلة رعب عشتها يوماً
بقلم : طارق فتحي
اسمى وظيفة في الدماغ هو التفكير , هذا ما اثبته العلماء اخيراً .
وفي سن الصبا خطرت على بالي ممارسة بعض التمارين في تنقية النفس والصفاء الروحي . فكان يا ماكان من استحصال بعض الملكات الفكرية والعقلية لا النقلية في الجلاء السمعي والبصري . وبعد ارهاصات ثلاث سنوات في التجلي والسمو الروحي . ولجت يوماً كوناً آخر ليس موازياً لكوننا هذا بل متداخلا فيه بشكل غريب .
واليكم قصتي التي حدثت معي منذ خمسون عاماً خلت .
كانت لي شقيقة كبرى رحمها الله تشتكي دائما من وجع اسنانها . وذات عصر يوم جميل والعائلة ترتشف الشاي في حديقة المنزل بين الزهور والرياحين . فوجئنا بشقيقتنا تدخل علينا وفي فمها قطعة قطن كبيرة ملوثة بالدماء . وبعد تحيتنا بالاشارة زفت الينا البشارة فعلمنا منها انها اقتلعت ضرسها بشطارة وهي الجبانة بمهارة تخشى الوجع بجدارة فقلنا مازحين معها ما هي العبارة .؟ قالت انتم تعلمون اني كمن لا يعلم ليلة من نهاره وجع ضرسي ورأسي شغل كل اهل الحارة . فقلنا لها اهلا بك يا جارة .
واخذنا نطمئنها جمعينا ونهضت انا من فوري وعملت لها فنجان قهوة سادة لوقف النزيف الفموي بريادة فارتشفته بزيادة . وما ان مضى وقت خفيف حتى توقف النزيف وتم تطهير اثر الضرس بماء دافيء وملح حريف . فتوقف النزيف . توقف النزيف .
وبدأت الامور تتحسن وذهب عنها الصداع وفي هذه الاثناء دخلت علينا الوالدة وهي تعنف شقيقتنا بشدة على فعلتها في قلع ضرسها . وقالت لها الوالدة . كيف تقلعين ضرسك وانت امراءة نفساء .؟ وقبل ثلاثة ايام وضعت طفلا .
ما هذا الغباء .؟
فلف الصمت الجميع ولم يحر احدنا جواباً لعدم درايتنا في هكذا امور.
واكفهر الجو وحان وقت العشاء للتو ودخل الجميع الدار حيث كان العشاء مبسوطاً على مائدة الطعام في قصعة خبز فوقها لحماً مسموطاً. وبعد سكون هيئة شقيقتي . التفتت الي وقالت اريد منك ان تدعو لي بالشفاء العاجل مما انا فيه . وان لا ارى مكروها يحدث لي . فقلت لها تعالي معي وادعي انت لنفسك فيكون ذلك افضل لك .
كان اعتقاد شقيقتي الكبرى فيً اعتقادا كبيراً بأني متحصل على ملكات روحية خاصة من خلال مراقبتها لي اثناء خلواتي مع نفسي خلال الاعوام الماضية وبعد ان اخذنا مقعدينا في غرفة الجلوس حل علينا الناموس كحد الموس فهدئت النفوس واخذنا ندعو معاً بالطمأنينة وبالشفاء وسعادة الدارين الاولى والاخرة . وخطر على بالي ان نسبح لله سبحانه وتعالى كأننا موقنين استجابة دعائنا وعلينا شكر خالقنا على ذلك .
وكنت قد غاليت في التسبيح كثيرا وسرقنا الوقت ونحن على هذه الحالة وبعد مضي ساعة واحده او اثنتان توقفنا عن التسبيح بسبب كون شقيقتي الكبرى كانت متعبة ومجهدة حقاً .
وطيلة فترة تسبيحنا لله تعالى كان في يد شقيقتي قدح ماء فارغ تقلبه ذات اليمين وذات الشمال تارة وتارة اخرى تقلبه راساً على عقب بصورة لا ارادية . وهي تردد الادعية والتسابيح , واثناء توقفنا عن التسابيح قالت لي شقيقتي اني عطشى فقلت لها وعلى عجل وبدون تفكير في يدك الكأس فاشربي منه ما شئت . فقدمت كأسها لي فشربت منه القليل وناولته لها ثانيةً وما ان اخذت منه جرعة واحدة حتى رمتني بالكأس وبدون سابق انذار وعلى حين غرة . وصرخت مذعورة واغمي عليها .
ساد الهرج والمرج في البيت ولكن سرعان ما افاقت شقيقتي واخذت في البكاء بشدة فاحتضنتها والدتي وهي ترمقني بنظرات فيها اطنان من العتاب فوقف والدي عند الباب وقال ما هذا الجنون ايها الاولاد .
جلسنا جميعاً في غرفة الاستقبال وعندها بدأت والدتي تسأل شقيقتي . ما حل بك واصابك يا بنيتي .؟
ما حصل لك حتى صرخت بهذه الشدة العظيمة .؟
فردت عليها شقيقتي بالتالي : اني كنت اسبح لله مع اخي طارق وكان في يدي قدح ماء فارغ اقلبه طيلة فترة الذكر والدعاء وعندما توقفنا عن ذلك وانا عطشى جداً . اخبرت اخي بذلك فقال لي اشربي الماء القراح بما في يدك وقدمته اولا ثم اعطاني الكأس وفيه الماء وشربت منه جرعة واحدة وحصل ما حصل .
اذاً من اين اتى الماء في القدح .؟
فالتفتت والدتي نحوي فقلت لها قبل سؤالها . ان هذا امر هين يحصل للجميع  لماذا هذا الرعب الشديد . ان صفاء القلوب لا يخفى على علام الغيوب وقد اسقانا الله من عنده . فاين وجه الغرابة في هذا الامر .؟
لم يناقشني احداً بما تفوهت به وبات الصمت سيد الموقف . والحق اقول لكم كنت طموحاً جداً في هذه المسألة كطموح صبي يافع يجيز كل شي واي شيء من الممكن وغير الممكن .
اردتيت ملابسي على عجل لايصال شقيقتي الى دارها وكانت تسكن غير بعيد عنا يفصلنا عنها شارع طويل ومتنزه كبير وزقاقاً ضيقاً حيث تسكن . وخرجنا انا وهي مسرعين الخطى والساعة تشير الى الحادية عشر ليلاً او ما يزيد عن ذلك الوقت بقليل.
وما ان انعطفنا نحو الشارع الوحيد حتى قلت لشقيقتي تعالي نكمل ما بدأنا به من الدعوات والذكر والتسبيح لله تعالى ونستثمر الوقت للتقرب به الى الله بذكره فوافقتني واخذنا نذكر الله معاً ونحن نسير بهدوء وسكينة وبعد مرور بعض الوقت مررنا بسوق الخضار المقفل وكان على يمين الشارع ويقابله تماما ً مركزاً للشرطة وبجانب بوابة المركز يقف شرطي مدججاً بسلاحة داخل كابينة الحرس المعدة لذلك وما ان اقتربنا اكثر فاكثر حتى شاهدنا العجب العجاب من منظر يحبس الانفاس ويخلب الالباب .
شاهدنا مجموعة من النساء يتحلقن حول شيء ما ملقى على الارض وكن متشحات بالسواد ( العباءة العراقية ) يولولن ويلطمن الخدود وكن ما بين الثمانية او العشرة من النسوة وحالما رأيننا حتى انتبهن لنا واخذوا ينادون على شقيقتي باسمها الصريح وهذا شيء نادر وعجيب قلما يحدث على قارعة الطريق , وبعد ان اشبعوا شقيتي سباً وشتماً بالفاظ غير لائقة ومخدشة للحياء قالت احداهن لها ( ام النزيف اما تخافين الله ترمين بطفلك اللقيط في السوق وعلى قارعة الطريق) . وبعد ان امعنا النظر جيداً وعلى ضوء المصابيح الخارجية لمركز الشرطة شاهدنا طفلاً مقمطاً بقماطة بيضاء يقبع بين ارجل النسوة المتحلقات حوله .
فتعجبت من نفسي اشد العجب . كيف يتم سباب شقيقتي في العلن في السوق امام الملاُ وانا لا احرك ساكناً . فقلت لشقيقتي لا تتحركي من مكانك اني ذاهب اليهن لاشبعهن ركلا وتقبيحاً . فردت علي شقيقتي وهي ترتجف من هول ما شاهدت وما سمعت من قبيح الكلام والصفات ,
اي اخي هب انك ذهبت اليهن ونهرتهن واشبعتهن ركلا وتقبيحاً حتما ستفلت احداهن من قبضتك وتأتي اليً لتقتلني , واني احببت ان تكون بجانبي كي لا امس بسوء منهن على الاقل حتى نصل الى مركز الشرطة ونفهم من الحارس ما يجري .
فوافقتها على الفور وكانت الدماء تغلي في عروقي وكنت في حالة من الهيجان مشدود الاعصاب متوتر الهيئة جاحظاً عيناي فاغراً فاهي
وبعد ان مررنا من امامهن من على الجانب المقابل المحاذي لمركز الشرطة حمدت الله وشكرته لانهن لم يهجمنا علينا وكان سيل جارف من السباب والشتائم تقشعر منها الابدان تنهال علينا من كل حدب وصوب كاننا انسانيين منبوذين .
السلام عليكم . تحيتي لحارس مركز الشرطة .
(ها حجي خير شنو الموضوع ). رد الحارس.
فقلت له ما بال النسوة المتحلقات حول طفل لقيط ميت امام السوق في هذا الوقت المتأخر من الليل ويقذفن شقيقتي بابشع الالفاظ والنعوت ويتهمنها بهذه الفعلة الشنيعة . اروم مقابلة ضابط المركز الخفر لاقدم بلاغاً عنهن ومعرفة من اين لهن الاثبات بان هذا اللقيط الميت منسوب الى شقيقتي .
هه .. هه .. هه .. ضحك حارس المركز بسخرية على اجابة طلبي وقال لي : حجي ما هذا الذي تقوله .؟
اين هن النسوة اللائي تتحدث عنهن .؟
واين هو الطفل اللقيط الميت .؟
فاجبته امامك قبالة السوق فحانت مني التفاته خلفي وانا اشير له باحد سبابتي يدي باتجاههن . فلم ارى شيئاً وكان السوق مقفلاً ويلفه الظلام الا من بصيص ضوء خافت ينعكس على احد المحلات المغلقة من مصابيح السياج الخارجي لمركز الشرطة . فما كان مني الا ان شكرت حارس المركز . وهربت منه مسرعاً وانا لا اعلم ما حصل لي من شدة المتناقضات التي رايتها في دقائق معدودات .
اخذت بيد شقيقتي حتى تجاوزنا مركز الشرطة بقليل . وانا اسأل شقيقتي اثناء سيرنا الجاد مسرعين الخطى .
هل رايت النسوة اللائي اشبعنك سباباً وشتماً باقذع الالفاظ .؟ التمني
فردت عليَ شقيقتي نعم . فقلت لها للتأكد من صحة كلامها .
طيب بماذا كانت النسوة يشتمنك . ؟
فكررت على مسامعي نفس الالفاظ التي سمعتها . وهذا يعني اننا نحن الاثنان كنا نشاهد ونسمع ما حصل لنا وبالحرف الواحد . فتأكدت اني لست مخبولاً او ارى اشباحاً في الظلام .
وقبل ان ينعطف الشارع الطويل بنا يساراً شاهدت سيارة حمل كبيرة يجلس على محركها رجل كبير في السن ممسكا مصباحا يدويا بيد وباليد الاخرى رافعاً غطاء المحرك . وهو اب لاحد زملاء اخي الكبير في المدرسة يدعى  ( خليل ) . فقلت في سري هذه فرصتي الذهبية لأعرف منه ما حصل في السوق انه امر جلل لا بد ان يكون قد انتشر في المحلة كلها .
السلام عليكم عمي ابو خليل . وعليكم السلام .
( حجي منو انت ) فعرفته بنفسي فلم يعرفني فقلت له ما قصة الطفل اللقيط اليوم في السوق . فقال لي حجي اي طفل لقيط فقلت له قبل دقائق معدودات كان هناك طفلا لقيطا ميتاً مرمي في الشارع قبالة السوق ومركز الشرطة . فرد علي ابو خليل
( حجي الله يخليك روح لشغلك خليني اصلح سيارتي ) .
فذهبت عنه مغاضباً ومخاصماً ابو خليل .
ومال بنا الشارع يسارا حتى وصلنا الى المتنزه الكبير في المنطقة وكان المكان يلفه الظلام ونسجت حوله بعض الاساطير المخيفة كنا نسمعها من الكبار اثناء طفولتنا البريئة التي تصدق اي شيء . وكان صوت الريح يعصف باوراق الاشجار الباسقة ذات الاغصان الكثة وتزمجر الرياح بين الفينة والاخرى حتى ليخيل اليك انك تسمع همسات تلاحقك وانفاس تلهب قفاك وشيء ما يجرك نحو عالم غامض مجهول ويرسم العقل علامات تجعلك ترى ما لا يجب ان تراه وتحلق بك عاليا نحو متاهات الضلال بعيداً عن الظلال . مما يجعلنا كل هذا الامر ان نسمع خفقات دقات قلوبنا بكل وضوح .
كان طريق المتنزه قصيرا نسبياً اذ لا يتعدى بضع العشرات من الامتار وكان هناك عمود انارة يتيم في مقابل الدور السكنية يلقي بضوء خافت اصفر على قارعة الطريق وبالكاد نرى ما تلمسه اقدامنا ونسير على هدي هذا النور الضعيف . وتعجلت المسير خوفاُ على شقيقتي وما ان ولجنا امتار قليلة في خضم هذا البحر من الظلام والسكون حتى انتصب فجأة امامنا ثلاثة من الرجال لا تبدوا ملامحهم جيدة حجبوا بظهورهم بصيص الضوء هذا . وكلما اقتربنا منهم اكثر كانت هيئاتهم تكبر وتتضخم اكثر حتى انهم سدوا الافق . فنحيت شقيقتي جانباً وقررت المواجهة معهم .
فقلت في سري ( يا قاتل .. يا مقتول ) وفي الحالتين انا الفائز .
وما ان وصلت اليهم حتى قدمت رجلاً واخرت الثانية واتخذت وضعية الملاكم المدافع عن نفسه . كي لا اطرح ارضاً بسهولة فهم ثلاثة وانا لوحدي وهكذا تم الامر فوقفت في منتصف الشارع تماما قبالة الرجل الذي في الوسط واغمضت عيني استعداداً للحظة الدفاع عن النفس وانا اضرب بكل ما اوتيت من قوة وفورة الشباب بيميني وشمالي .
( طوط .. طاط .. طيط ..) فافقت على منبه سيارة تقف خلفي تماماً . نزل منها السائق وقال لي
( حجي هاي شبيك ليش واكف بهذا الشكل وسط الشارع وفي مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل )
تحتاج للمساعدة اوصلكم لمكان ما .؟
فشكرته وذهب عنا مسرعاً . وما هي الا دقائق معدودات حتى وصلنا الى دار شقيقتي . وبعد السلام والتحية على الجميع قررت العودة من فوري . لانتقم مما جرى لي .
توقفت اثناء عودتي في المتنزه وبحثت بين الاشجار القريبة من الشارع عليً اجد احداً ما اسأله او اشاهد الرجال الذين هاجمونا ثانية ولكنني لم افلح . فقفلت عائداً متابعا مسيري الى دارنا وما ان عرجت الى الشارع العام ثانيةً باتجاه سيارة ابو خليل حتى فغرت فاهي وشدني ذهول عجيب وامر غريب لم يحدث لي من قبله مثيل فلم اجد سيارة الحمل الكبيرة الطويلة ولا ابو خليل .
فقلت في سري عله اصلحها وذهب بها ليجربها . الافضل ان اذهب الى دار ولده خليل وانه سوف يحل لي جميع الاشكالات التي مررت بها والتي ولم اجد لها تفسيرا عقلانياً ومنطقياً . وعلى الاخص ان داره مشرفة على السوق ولابد ان سمع هو او اهله بموضوعة الطفل اللقيط .
طرقت الباب حتى كل متني ولما كل متني ظهر لي خليل بشحمه ولحمه فحمدت الله كثيراً وبعد السلام والرد بالايجاب قال لي
( تفضل حجي شنو رايد ) فقلت له . الم تعرفني .؟
وانت تدرس يوميا مع اخي الكبير في حديقة منزلنا عند عودتكم من المدرسة انت واخي . فضحك خليل ضحكة صفراء وقال
( المهم ماذا تريد مني .؟ )
فاخذته جانبا بقرب جدار دار جارٍ له واخبرته بكل ما حدث معي وبالتفصيل الممل . وبينما كنت احادثه رايت شئياً ملفتاً للنظر وله العجب العجاب من عين بشرية كانت مرسومة على حائط جدار جاره بالطبشور . وكانت هناك امراءة تجلس القرفصاء تحت رسمة العين هذه وقد اخرجت ثديها الايمن لتقلم به فم طفلها الرضيع وكان الطفل يبكي ويصرخ بشدة والمراءة تضع كفها تحت رسمه العين فتسيل الدماء من العين لتملاء كف المراءة وبعد ذلك تسقيه لطفلها حتى تهديء من روعة وصراخه .
في حقيقة الامر كان خليل يتحدث معي ولم اسمع منه كلمة واحدة لا بل ولا حرفاً واحداً مما قاله لهول ما رأيت من افاعيل هذه المراءة .
( حجي هاي شبيك مو دا احجي وياك . وين عينك .؟)
فقلت لخليل وانا مازلت انظر للمراءة وهي تقوم بهذا العمل بشكل آلي وروتيني . ان هذه جارتكم امراءة سوء وهذا البيت سيء السمعة . فرد عليَ خليل . وقال نعم وهو كذلك . انهم قتلوا ابنتهم سيئة السمعة قبل ما يزيد عن الشهر بقليل .
وصاح خليل .
( حجي مدكولي شرايد مني ) فقلت له . لماذا تناديني بالحجي وانا اصغر منك عمراً فضحك ضحكة مجنونة وقال لي
( عمي اغاتي فدوة اروحلك) وقبل ان يكمل خليل جملته سألته عن والده الذي مررت به قبل نصف ساعة تقريباً ولم يعرفني ايضاً .. وقال لي نفس ما تقوله انت حجي وهو بمقام والدي .
وبعد بعض حركات ً  التذمر التي قام بها خليل متعمدا قال لي وهو يشيح بوجهه عني . ( اغاتي عمي الحجي والله العظيم ابوية صارله شهر بالبصرة ) فكيف رأيته قبل قليل وبعدها استدار خليل ودلف داره . وانا واقفاً كالصنم او كشخص مسه الجنون . لا الوي على شيء .. فذهبت مسرعا لدارنا . وممرت من امام حارس المركز وتطلعت في المكان فلا وجود له ولا حتى لكابينة الحرس . وكانت الباب الخارجية مقفلة . فاخذني العجب وانا انتبه لنفسي رويدا رويدا ولكني لا زلت تحت تأثير الصدمة .
كانت والدتي تنتظر عودتي لتقفل باب دارنا وما ان رأتني من بعيد مقبلا على الحارة حتى ذهبت مسرعة وارتدت عبائتها . ولما وصلت بقربها قالت ظننتك رجلا كهلا غريبا يمر من امام باب درانا .
وتملكني حينها شعور بالانفجار العظيم . وبالكاد كتمت غضبي والشرر يتطاير من جميع انحاء حسدي واكتفيت بالقول (( حتى انتي يا امي )) . وصعدت الى غرفتي بالطابق الثاني . وارتميت على سريري شبه ميت ولا اذكر حينها الا اني صحوت على صوت امي وهي توقظني للافطار الصباحي مع العائلة ؟؟؟

ما كل ما يتمنى المرء يدركه
بقلم : طارق فتحي
في العام 1990 احلت نفسي الى التقاعد غير آسف لعدم اكمال الخدمة التقاعدية التامة .. للبحث عن فرص عمل حر باجور مجزية .. وكان من شجعني على ذلك احد زملائي الموظفين . خاله يملك شركة كبيرة للاخشاب في اندنوسيا طلب منه ان يجد له شخص عراقي موثوق به يمسك حسابات الشركة والعمال والادارة .. وكان قد طرح الموضوع سابقا الا انني لم اعره اهتمامي .. وعندما حانت ساعة الحقيقة جائني وقال لي انا احلت نفسي الى التقاعد وسوف اسافر الى خالي في اندنوسيا وذكرتك عنده ما قولك .. فاجبته هذه المرة بالموافقة فقال لي انا لا استطيع ان انتظرك لاني حجزت تذكرتي وسوف اسافر قبلك وعندما تنهي امورك وتقاعدك اتصل بأخي اسعد حتى ارتب لك سفرك ورجاني ان اسرع في الامر ولا اتأخر .. فاجبته بالموافقة على كل كلامه .
وما ان مرت ثلاثة شهور عددية حتى استلمت هويتي التقاعدية فكانت بحق اجمل هدية وحانت ساعة الحقيقة الوردية وهيأة الامور السرمدية .. حينها قمت بالاتصال باخيه بحسب طلبه ..
الو .. الو .. اسعد .. السلام عليكم ..
اقدم لك نفسي انا طارق زميل اخيك اكرم في الوظيفة .. فرحب بي الرجل .. وصمت طويلا .. قلت له ما الخبر ..؟ هل انت مريض .. ؟ فقال لي ..لا .. انا لست مريضاً المرحوم اكرم اخبرني عنك ..
وذهلت من كلامه فقلت له ذكرت لي لفظة المرحوم اكرم ..؟ فقال .. نعم .. فقلت له كيف ذلك . فاخبرني بان اكرم هاجر بصورة غير شرعية في احد القوارب البالية من اندنوسيا الى استراليا وغرق القارب قبالة السواحل الاسترالية وكان ضمن من فيه ثلاثة عشر عراقيا وكان اخي اكرم واحدا منهم .. وقد انتشر الخبر على نطاق واسع وتناولته الصحف العراقية ايضاً .
فعدت مع افكاري بخفي حنين وقد تبخرت كل احلامي وآمالي حيث امتزجت بشكل عجيب مع ألامي . فقفلت عائدا الى البيت وانا مهموم مغموم مصدوم كظيم . فبادرني الاهل ما الخبر .. فقلت لهم .. لقد توفى الله اكرم فلا سفر ولا هم يحزنون .. كنت كمن فقد كل شيء في الحياة وكذلك فقدت الامل
وبعد مرور بضعة سنين وانا جالس مع بعض الاصدقاء في كازينو الخضراء في شارع ابي نؤاس المطل على نهر دجلة الخالد نتسامر الحديث ونرتشف الشاي وكنا ثلاثة اشخاص . طرح احدهم فكرة الذهاب الى استراليا حيث العاصمة سدني . واخذ يطنب في وصف سيدني العاصمة في مقولته الشهيرة عنها ( حنيني الى سيدني .. حنين الام للابني ) واخذ يشرح لنا عدة طرق للسفر والوصول الى هناك . وعندما نهض لحاجة يقضيها استفسرت من صديقه الذي كان معه وكان اسمه ( كوثر ) .
يظهر ان استاذ قتيبة يسافر كثيرا حول العالم . فضحك كوثر ضحكة هستيرية عجيبة ومفاجئة . ولما قرأ استغرابي على ملامح وجهي اعتذر مني وقال انه لم يغادر بغداد منذ ولادته لحين تقاعده من الجيش اذ كان ضابطا برتبة عقيد وهي مرة واحدة في حياته  التي سافر بها الى فرنسا من اجل دورة تدريبة اعدت حينها كتبادل خبرات عسكرية .
فقلت لكوثر ولكنه وصف معالم اوربا واستراليا كشخص كان يعيش هناك فعلا. فاجابني انه مهووس بالسفر ويقرأ الكتب السياحية كثيرا حتى انه يحفظ معالم لندن افضل من المواطنين البريطانيين انفسهم . وانه من الاشخاص الذين اذا جالستهم سوف يحولون لك الخيال الى حقيقة باسلوبهم الفريد من نوعه في الكلام ( بين قوسين همبلجية ) .
ولما فرغ قتيبه من امره حضر مسرعا باتجاهنا وقبل ان يصلنا بأمتار قليلة انحرف في مسيره نحو باب الكازينو واذا به يسلم على احدهم سلاما حاراً ويسحبه من يده لمجالستنا . وكان لقتبيه ما اراد وجلسنا جميعا حول مائدة واحدة . وتم التعارف بيننا من قبل الشخص القادم معه .
السلام عليكم ( الله بالخير اغاتي )
وعليكم السلام انا اسمي خالد عراقي ومن المبعدين من الكويت ( بدون )           اهلا وسهلا بك هذه كانت تحيتي له وانا انظر له بعين الريبة وهاجسي يؤرقني كونه معرفة قتيبه بعد ان علمت من هو قتيبه وما ادراك ما قتيبه هذا . وبعد ان اخذ خالد رشفة  من كوب الشاي بدأ الحديث والمسامرة عن الكويت واحوالها . وكنت مستمعا جيداً بانتظار ما تجيد به قريحته  من وصف المدن والامصار التي يهواها . ودار الحديث حول المخطوطات العربية النادرة واخذ يتحدث عن ( مخطوطة المجسطي ) وكم كانت دهشتي عظيمة اذ كنت سابقا وحاليا مغرم بقراءة المخطوطات فشعرت لوهلة اني وجدت ضالتي المنشودة في شخص خالد .
فأجبته انا بحثت منذ عشر سنوات خلت عن هذه المخطوطة في العراق وجبت بعض محافظاتها ولم اعثر لمخطوطة المجسطي على اثر . فابتسم  ابتسامة الواثق من نفسه . وقال لي استاذ المخطوطة موجودة في مكتبة عمان الكبرى في وسط البلد وانا قرأتها هناك .
ما سر اهتمامك بهذه المخطوطة وولعك بها . فقلت له انا باحث في المخطوطات وعثرت على كلمات كان السيد المسيح يشفى بها اصحاب العلل والامراض وهي متكونه من كلمتين فقط لاغير .
فرد علي  ما هي هاتين الكلمتين . فقلت له . لا اعلم فكل مخطوطة تتطرق للامر تضع هاتين الكلمتين في فراغ بين قوسين ويكتب في داخل القوسين عبارة ( فراغ في الاصل ) يعني ان هذه المخطوطة مستنسخة من مخطوطة اصلية ولم يشأ صاحبها ان يذكر هاتين الكلمتين . ومما اخبرت به من اهل الصنعة ان الكلمتين موجودتان في مخطوطة للمجسطي .
فقال طيب . انا اعمل في مجال العطور والشامبو والاسبوع القادم سوف اسافر الى الاردن العاصمة عمان . وياريت استاذي العزيز تأتي معي ( رفقة طريق ) فقلت له انا صاحب عائلة لا يمكنني السفر هكذا بدون تريب . فتوسلني خالد بانه سيدفع كل مصاريف السفر من الجواز والتجنيد وأجور السفر ويعطيني مبلغا من المال لايداعة عند العائلة كمصروف يومي .  
في الحقيقة كان الاغراء قوياً فقلت في سري ( خليك مع الكذاب لحد باب الدار ) ويظهر ان خالداً هذا اضبط من قتيبة اذ انه تمكن من اقناعي جيدا ً . ففكرت مليا وقلت لنفسي اليوم او غدا ستنكشف الحقيقة وكل يعلم مقدار نفسه جيدا .وعندما ههمنا بالرحيل ارتشف خالد ما تبقى في كوب الشاي وانزله من فمه وهو يقول لي استاذ اين تسكن فاجبته بسرعه بديهية في السيدية . فانتفض خالد وقال لي انت جاري اذا انا ايضا اسكن السيدية بعد ان اعطينا دارا فيها عند نزوحنا من الكويت كمهجرين فقلت له على بركة الله تعالى .
وبعد اسبوع بالتمام والكمال وقفت سيارة امركية فارهة امام باب داري في السيدية وترجل منها خالد وفتح صندوق السيارة واخرج منها صندوق مصنوع من الكارتون تحوي عطور وصوابين وشامبو ومنظفات اخرى كهدية منه الى العائلة بمناسبة زيارته لنا لاول مرة . فشكرته كثيرا بعد عتاب خفيف وجلسنا في حديقة الدار نرتب ونخطط للسفر فاعطاني مليون دينار عراقي لعمل الجواز منها 450 الف دينار رسوم تأيد من التجنيد خاصتي . واعطاني مليوناً اخر كمصروف يومي للعائلة اثناء غيابي ستة اشهر كحد اقصى هكذا كان الاتفاق بيننا .
وما مر اسبوع آخر حتى انتهى كل شيء وودعت العائلة على امل اللقاء قريباً باذن الله تعالى . وتم سفرنا انا وخالد براً عن طريق منفذ طريبيل الحدودي وانا غير مصدق ما يجري لي . وذهبت جميع هواجسي النفسية ونظرياتي في معرفة الشخصية من ملامح الوجه واليدين ادراج الرياح . فخالد هذا قلب الموازين جميعها . وابطل كل قواعد وقوانين ونظريات علم النفس السلوكي لدى البشر.
هبطنا في اليوم الاول في فندق حقير وضيع وسط البلد ذو اجور منخفضة ريثما يتم  تأجير شقة محترمة ان لم يكن في وسط البلد ففي ضواحيها . ونهضنا للافطار الصباحي في الفندق حيث افطر خالد وتعففت انا عن الافطار لوضع الفندق المزري وكانه مقهى على قارعة الطريق الدخول لكل من هب ودب والفرش والاغطية راحتها تزكم الانوف والناس فيه من كل لون وكانوا جميعاً من الدول العربية وبعض الشحاذين من اهل البلد .
وعند باب الفندق اشار خالد بيده الى يافطة صغيرة نوع ما مكتوب عليها ( مكتبة امانة عمان الكبرى ) وكانت مقابل باب الفندق تماماً . فخرجنا مسرعين الى المكتبة في صباحنا الاول للاستفسار والاستعلام في بادي الامر . واذا بالبناء عبارة عن ثلاث او اربع طوابق .. الطابق الارضي مخصص لدائرة الامن العامة والطابق الثاني مخصص للكتب الاجنبية والدراسات والطابق الثالث مخصص للكتب العربية اما الرابع على ما اظن مخصص للمخطوطات العربية فقط . قدمت نفسي لسكرتيرة المكتبة قسم المخطوطات على اني باحث عراقي جئت خصيصا للبحث والدراسة عن المخطوطات العربية . سمحت لي بالزيارة اليومية من الساعة الثامنة والنصف وحتى الساعة الرابعة والنصف عصراَ . وتم تسجيل اسمي ومعلوماتي الباقية بموجب جواز السفر . فقفلنا من فورنا خارجين من المكتبة .
ويظهر ان خالد لديه معارف كثيرين في عمان وعلى الاخص في وسط البلد وفي الفندق والمقيمين فيه على وجه التحديد فصاحب الفندق يعرفه جيدا وكذلك بعض النزلاء الوقتيين والدائميين . ما علينا اعتذر خالد لبعض مشاغله وتجارته وذهب عني واخذت اتجول في وسط البلد سيرا على الاقدام باتجاه الملعب الروماني  فتمتعت بمشاهدة الاثار الباقية من القرون الخالية وعند الظهيرة قفلت عائدا الى الفندق للاستراحة استعدادا للجولة المسائية .
وفي طريق العودة رايت العجب العجاب فكلما سلمت على شخص قادما نحوي بالاتجاه المعاكس لم يرد التحية كبارا وصغاراً شيبهم وشبابهم . ما الامر ؟ ما الخبر .؟ ولا سلام ولا احد يرد سوى شخص او لثنان من اصحاب اللحى الطويلة والدشاديش القصيرة اللهم انهم فقط من يردون التحية . وفي عصر ذات اليوم ذهبت الى سوق كبيرة وطويلة نسبيا تقع خلف بناء المكتبة لغرض السياحة والاطلاع وقفلت عائدا الى الفندق وفي اليوم التالي ذهبت الى المكتبة في الموعد المحدد ومكثت فيها حتى الساعة الرابعة والنصف وتكرر الامر بعد ذلك يوميا باستثناء يوم الجمعة .
اتاني خالد في احد الايام حيث كنت في المكتبة التهم كتاب المجسطي قراءةً ونقلاً وقال لي اني ذاهب برفقة احد اصدقائي الى منطقة الزرقاء لمعاينة سيارة في النية شرائها وقد نغيب يوما او يومان . فقلت له لا عليك انا كل همي المكتبة آتي اليها في الصباح واخرج منها للغداء ثم اقفل عائدا اليها حتى المساء . ووعدني خيرا عند عودته وقال لي ان الفندق آأمن مكان لكلينا فلابأس ان نبقى فيه فلم اعترض كلامه وكنت اهز رأسي له بين الحين والاخر بالايجاب والقبول .
وكالعادة خرجت لتناول وجبة الغداء في احد كازينوهات وسط البلد فاذا باحدهم يصرخ باسمي من الطرف الاخر للشارع ولما عبر نحوي تبينته فاذا به احد اصدقاء الطفولة والصبا والشباب وزميل الدراسة . وبعد عناق طويل وبكاء قصير قدم هاشم عبود نفسه لي بانه محامي وهو يشارك احد الاردنيين مكتباً للمحامات . واخذني الى داره حيث عائلته وتمتعت بوجبة غداء فاخرة بنكهة عراقية صرفه وتعرفت على باقي افراد العائلة الكريمة . وشعرت حينها بسعادة تغمرني واحساس لم امر به سابقاً فاستحلفني ان اسكن عنده ولدية غرفة شاغرة مناسبة لي . الا انني اعتذرت من هاشم عبود ذلك الانسان الرائع ووجدت فيه نفس خصال الطفولة والشباب ببرائته المشهودة عنه وطيبىة اخلاقة ودماثة خلقه .
وفي احد الايام خرجت كالعادة للغداء في وسط البلد فاذا بشخص يوقفني وتكلم معي بلهجة عرفت منها انه لبناني الموطن وقال لي وهو ينظر الى احد شاشات الهواتف العامة في الشارع الرئيسي وكانت مكتوبة باللغة الانكليزية وهو لا يجيدها فترجمت له المطلوب وتعارفنا وقال لي انك عراقي فقلت له نعم . فقال انا احب العراقيين فكلهم مثقفين جيدين . وسألني عن سكني فاجبته على سؤواله فعرض علي السكن في شقته مجانا . على ان اعلمه اللغة الانكليزية . فلم اوافقه الرأي وقلت له امهلني افكر بالموضوع وانا اثابر على الحضور في مكتبة عمان الكبرى واعطيته ساعات تواجدي فيها . وقلت له بعد بكره تجدني في المكتبة وتحصل على اجابتي . فسر الرجل بي وقال بالمناسبة انا اسمي محمد الحلو . وكان بحق شابا وسيما ( يعني اسم على مسمى ) .
تناولت الغداء وعدت ادراجي الى المكتبة وكم كانت دهشتي كبيرة اذ وجدت الصديق خالد فيها وهو يتصفح مخطوطة المجسطي التي تركتها مفتوحة عند مغادرتي  للمكتبه في حينها . فقفلنا عائدين الى الفندق وفي غرفتنا وجدت ثلاث شبان لبنانيين يظهر انهم كانوا مع خالد وتحدثنا قليلا بعد تعارفنا عن المخطوطات واخبرتهم بما املك من معلومات بشأنها والعلوم الغريبة التي وجدتها بين دفتيها .
تمت مساومتي على نشر مؤلفاتي وكانت حينها اربعة مؤلفات تتناول العلوم القديمة المندرسة وبعد تصفح صفحات مسودة كتابي الموسوم ( علوم سادت ثم بادت ) عرضوا علي التالي : السفر الى لبنان العاصمة بيروت
1 - تأجير شقة فاخرة مع جهاز حاسوب وانترنيت مجاني
2 - شراء سيارة تمليك باسمي الشخصي غير قابلة للرد
3 - تأليف الكتب الاربعة واعادة صياغتها
4 - يقسم ريع الكتب بنسبة 50% للمؤلف والباقي للشابين الذين سيتكلفان بالمشروع
5 - بعد الاتفاق المبدئي والسفر الى لبنان يتم توقيع العقد هناك حسب الاصول
6 - جلب عائلتي من بغداد الى بيروت للسكن معي وكل شيء يصبح ملكا صرفا لي بعد انتهاء العقد باستثناء الشقة اذ  كانت مؤجرة ومملوكة لصاحبها.
وكان خالد يلتقط اطراف الحديث بعيون ذئب ولم ينبس ببنت شفة طيلة مناقشاتنا بعد ان خرج احد الشبان الثلاثة . فقلت لهم طيب امهلوني يوما او يومان ريثما ادبر الامر مع نفسي والانتهاء من مخطوطة المجسطي التي بين يدي . فوافقوا على ذلك  وقالوا نحن ايضاً لدينا اتصالاتنا لترتيب الامر. وكان موعد اللقاء بنفس الساعة وفي نفس الفندق  
وما ان خرج الجميع ومعهم خالد حتى ارخيت نفسي على سريري وانا اقلب افكاري ذات اليمين وذات الشمال اذ لا خبرة لدي في مثل هذه الامور ولا اعلم هل العرض كان لصالحي ام لصالحهم .. يا .. الهي .. انها فرصة العمر بالنسبة لي واخذت احلم .. واحلم .. حتى استحضرت صورة الاديب العربي نجيب محفوظ حيث كان اصدقائي ينعتوني به ايام الصبا والشباب لجميل رواياتي وقصصي المشوقة  .واخذتني افكاري بعيدا وانا اجالس عباس محمود العقاد واحمد شوقي والمنفلوطي وطه حسين وادباء وكتاب آخرون من بلادي متوجاً بجائزة افضل مؤلف عربي في مؤتمر عربي عقد في مصر وما ان اعتليت المنصة حتى دوى تصفيق هائل رجت له قاعة المؤتمر واذا باحدهم يصرخ عالياً .. يالعراكي .. يالعراكي .. تلفون على شأنك . فافقت من احلى غيبوبة يقظة مررت بها في حياتي . وكان الاستاذ هاشم عبود المحامي على الطرف الاخر من الخط يدعوني لتناول الطعام مع عائلته بأوامر من اختنا الكريمة ام مهند حفظها الله ورعاها . فاجبته بالقبول والحضور .
ذهبت في اليوم التالي الى شقة صديق عمري الاستاذ هاشم عبود وما ان دلفنا الدار معاً انا وهو حتى تلقفتني العائلة بالترحاب والتهليل بعيون مبتسمة وقلوب مؤمنة زاد ذلك من انشراحي وفرحي وفي الحقيقة لم اتمالك نفسي فاجهشت بالبكاء بصمت رهيب حيث كانت الدموع تنهمر على وجنتي وهم يتلقفوني بالسلام والتحية وانا اهز رأسي وامسح دموعي دون ان انبس ببنت شفة كاتما صوتي لا اقوى على فغر فاهي خشية افتضاح امري . يا الهي .. انه احساس جميل ومؤلم لم امر به من قبل . ماذا جرى لي .؟ لا اعلم انها عائلته الطيبة الرائعة هي التي تركت في كل هذه الاحاسيس الجميلة .
تناولنا الغداء على مهل بلذة عظيمة بعد ان سكنت هيئتي وهدأت من روعي وانزوينا في احد غرف الشقة نتجاذب اطراف الحديث وتبين لي ان الاستاذ هاشم عبود لديه نفس اهتماماتي في المخطوطات وحكيت له قصتي بالكامل من البداية وحتى النهاية . فقال لي استاذ يجب ان التقي بهولاء وافهم منهم مرادهم بصفتي محاميك واترك الحديث معهم لي فقط . واتفقت معه على الامر والاتصال به حال اجتماعنا وكان ما اراد فاجتمعنا في اليوم التالي في غرفتي بالفندق بحضور الاستاذ هاشم عبود المحامي . وكانت الامور تجري على غير رضا وقبول من صديقي هاشم وتبيبن ان الشباب انهوا اتصالااتهم وكان المقترح انهم وافقوا(اي جماعة بيروت) على العرض الا ان النسبة انخفضت الى 35% للمؤلف ومثلها لدار النشر في بيروت ومثلها للوسيط الشباب الذين التقوا معي سابقا.
وافق اخيرا المحامي وانا ايضاً وافقت على جميع الترتيبات الا ان الاختلاف دب من جديد فالمحامي يريد توقيع العقد في عمان كونه بلد محايد للعراق ولبنان وقوانينها لا يمكن التلاعب فيها حيث رفضوا هم ذلك . وحمي النقاش ودب الشجار ثانية وانتهى الامر على لا شيء وخرجوا الشباب مغاضبين مخاصمين . وذهب معهم خالد رفيق السفر . فاختلط علي الامر ولم افهم هل ما قمنا به صحيح ام غير صحيح الا ان ثقتي بالمحامي كانت عالية جداً . وتقبلت خسارة الموضوع والفكرة بقلب مطمئن وبعدها خرجنا انا والمحامي من الفندق باتجاه احد المقاهي في وسط البلد لمناقشة الامر معاً . وبعد ان تهالكنا على احد مقاعد المقهى . طلب المحامي من النادل كوبان من الشاي الاسود الفاخر وبعد هنيئة جلب لنا النادل صينية عليها كوبان فارغان وشكردان وقوري مملوء بالشاي الحار قدمها لنا  بابتسامه عرضها السموات والارض .
بدأ المحامي بالحديث وقال لي بالحرف الواحد استاذ طارق اترك رفيق سفرك خالد وتعال اسكن عندي لبعض الوقت ريثما احصل لك على شقة مناسبة فامر رفيقك هذا مريب وهو من دبر لك هذا المقلب مع شباب بيروت . والامر هنا ليس كما هو في العراق وعلى الاخص في بغداد فهنا الامور تختلف كثيراً . هنا توجد مافيات عالمية ومحلية من كل نوع وصنف . واني قرأت الامر جيداً في وجوه القوم . وانت اخي وصديق عمري وخشيت عليك منهم كثيراً . وانا محامي مقيم في البلد منذ سنوات وخبرت قضايا كثيرة . والحمد لله الصدفة قادتنا لبعضنا البعض لانقذك من براثن هذه الوحوش البشرية .
نهضت باكرا كالعادة في اليوم التالي وذهبت الى المكتبة كالعادة فاخذت اقلب في اوراق مخطوطتي وافكاري تتراقص امامي على نغمات عزف نشاز والحان باهتة واصبحت في دوامة لا يعلمها الا الله . يا الهي ... ما هذا ..؟ انها كلمات السيد المسيح .. ماذا ..؟ ( بايمانك اشفيك ) انها الكلمتان اللتان بحثت عنهما دهراً . يا لسخرية القدر كنت اظنها كلمات مطلسمة او مشفرة او ملغزة . وخرجت من المكتبة مثلما دلفت اليها تائه الفكر مبعثر الهواجس مترهلا في مشيتي حتى ارخيت رحلي على احد مقاعد مقهى يقبع على ناصية الطريق العام في وسط البلد حيث الشارع اليتيم الذي يسميه اهل البلد ( سقف السيل )
وبعد هنيئة عثر علي خالد وكان يبحث عني وبعد ان لم يجدني في المكتبة علم اني في احد مقاهي وسط البلد جاء وجلس معي واتفقت معه على كل الامور وانهيت علاقتي به بعد ان سددت له كافة مصاريفه التي صرفها لي وتم اعطاء مبلغ المليون دينار عراقي الى عائلته في بغداد وانتهى الامر بيننا بسلام حيث اخذت حقيبة سفري اروم الذهاب الى شقة اخي وحبيب عمري المحامي هاشم عبود . واذا انا وجه لوجه مع محمد الحلو . فاخبرته باني تركت الفندق  . فانحنى امامي بحركة غريبة واذا به يحمل حقيبتي ويضعها خلف ظهره ويصعد بنا ادراج رصت على جبل من وسط البلد باتجاه شقته ودون اعتراض مني تبعته لغاية الشقة.
مكثت عند محمد الحلو ما شاء الله ان امكث واشتريت له كراسة تعلم اللغة الانكليزية في سبعة ايام وقد سبقني محمد بشراء كراسة ايضاً تحمل عنوان ( تعلم اللغة الانكليزية بدون معلم ) الا ان صدمتي كانت كبيرة حيث اتضح ان محمد الحلو لا يجيد القراءة والكتابة لا باللغة العربية ولا باية لغةً اخرى . وبعد انقضاء شهرا او ما يزيد تعلم محمد هجاء الحروف العربية ولكنه لم يجيد كتابة الكلمات . واتضح في ما بعد ان محمد يعمل في تجارة الحديد ( شيش التسليح ) وتهريبة من عمان الى لبنان والعكس بالعكس . وكذلك الحال في تهريب الاشخاص بين البلدين . فاوجست نفسي منه خيفة وبعد ان اخبرت المحامي هاشم بالامر . اتى الى شقة  محمد وبعذر مقبول لملمت اغراضي وذهبت مع صديق عمري هاشم عبود الى حيث شقته . ومكثت عنده اسبوع او اسبوعين لا اعلم كم مكثت كانت احلى ايام تواجدي في عمان . وبعدها اوصلني الى كراج بغداد مودعاً اياي وهكذا انتهت رحلة تأليف الكتب في بيروت واضعت فرصة عمري ربما لم ولن تتكرر مستقبلا وفعلا كان ذلك وبقيت مؤلفاتي حبيسة اوراقي لغاية يومنا هذا . ولسان حالي يقول ( ما كل ما يتمنى المرء يدركه .. تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ) .
وتيتي تيتي مثل ما رحتي اجيتي .. والسلام عليكم .
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2863
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى