* تاريخ مختصر الدول : من منشا بن حزقيا الى بطليموس

اذهب الى الأسفل

* تاريخ مختصر الدول : من منشا بن حزقيا الى بطليموس

مُساهمة  طارق فتحي في الأربعاء نوفمبر 20, 2013 12:10 am

(1/20)

" منشا بن حزقيا " ملك خمسا وخمسين سنة واجتمع له ملك الأسباط الاثني عشر بعد سبي شلمانعسر. وارتكب كل محظور ومحرم وعمل صنما ذا أربعة أوجه وأمر بالسجود له. ونشر اشعيا النبي ناهيه عن المنكر بمنشار مشدودا بين دفتين. وكان عمر اشعيا مائة وعشرين سنة منها في النبوءة خمس وثمانون سنة. فرذل الله مناشا وأسلمه إلى الاثوريين فأسروه وأخذوه مسلسلا إلى أثور وسجنوه في برج النحاس بمدينة نينوا. وعند ذلك تاب إلى الله ودعا دعاءه المشهور. فتاب الله عليه ورده إلى ملكه. وحال وصوله إلى أورشليم أخرج الصنم ذا الوجوه الأربعة من الهيكل وطهره وبنى سور أورشليم الجنوبي.
وفي سنة إحدى وعشرين لملك مناشا بنيت مدينة خلقذونيا. والصقالبة ملكوا إلى أرض فلسطين. وولي مدينة رومية الكبرى اوسطيليوس وهو أول من اختص بالحلى الأرجوانية والقضيب السلطاني. وبنى بوزوس مدينة بوزنطيا. وبعد تسعمائة وسبعين سنة عظمها قوسطنطينوس وسماها قوسطنطينوفوليس.
" امون بن مناشا " ملك اثنتي عشرة سنة وعلى رأي اليهود سنتين. هذا سلك الطريقة القبيحة وعبد آلهة الأمم الخارجة وقتله عبيده في الحرب.
وفي هذا الزمان اشتهرت في الحكمة بجزيرة رودس امرأة تسمى سيبولا. وبجزيرة سقيليا ارخيلوخوس الخطيب الملقب بالغراب. وسار إليه الطلبة لاستفادة الخطابة منه. وكان من جملة قاصديه فتى من اليونان يقال له ثيسناس ورغب إليه في تعليم هذا الفن وضمن له عن ذلك مالا معينا. فأجابه برغبته وعلمه. فلما لقنها حاول الغدر به ورام فسخ ما وافقه عليه فقال له: يا معلم ما حد الخطابة. فقال: إنها المفيدة للإقناع. قال: إني أناظرك الآن في الأجرة فإن أقنعتك بأنني لا أدفعها إليك لم أدفعها إذ قد أقنعتك بذلك. وإن لم أقدر على ذلك فلست أعطيك شيئا لأنني لم أتعلم منك الخطابة التي هي مفيدة للإقناع. فأجابه المعلم وقال: وأنا أيضا أناظرك فإن أقنعتك بأنه يجب لي أخذ حقي منك أخذته أخذ من أقنع. وإن لم أقنعك فيجب أيضا أخذه منك إذ قد نشأت تلميذا يستظهر على معلمه. فقيل: بيض رديء لغراب رديء أي تلميذ نكد ومعلم نكد.
" يوشيا بن امون " ملك إحدى وثلاثين سنة. وجلس في الملك وله ثماني سنين. وكان جميل المذهب حسن الطريقة. وأمر حلقيا الكاهن أبا ارميا النبي بأن يدخل هيكل الرب ويرممه. وفي ترميمه وجد سفر الناموس وتلاه على يوشيا. فغار على نفسه وأمته وكسر أصنام أبيه وقتل خدمها وأحرق عظام قوامها على مذبحها كما تنبأ شمعي النبي أيام يوربعام ابن ناباط وجدد عيد الفصح بأورشليم. وفي سنة إحدى وثلاثين من ملكه نزل فرعون نخاوث أي الأعرج على الفرات بقرب مدينة منبج طالبا حراب ملك أثور. فسار إليه يوشيا بجيوشه ليمنعه من العبور. فانتصر عليه فرعون فقتله. وحمل ميتا إلى أورشليم. وكان له أربعة بنين يهواحاز وصذقيا ويوخنيا أبو أب دانيال النبي ويوياقيم أبو الفتيان الثلاثة حننيا وعزريا وميشائل. وفي زمانه كان صفنيا النبي وارميا وحولذى النبية.
" يهواحاز بن يوشيا " ملك ثلاثة أشهر. كان فاسد الطريقة فسباه فرعون الأعرج في عوده وأوثقه بالحديد وأنفذه إلى مصر ومات هناك. ونصب يوياقيم أخاه مكانه.
" يوياقيم بن يوشيا " ملك اثنتي عشرة سنة. وكان قبيح المذهب مذموم الطريقة.وقبل عليه الجزية لملك مصر كل سنة مائة قنطار ذهبا. وفي السنة الثالثة من ملكه صعد بختنصر ملك بابل إلى بيت المقدس وسباها وجلا أكثر أهلها إلى بابل ومعهم دانيا النبي والفتية الثلاثة أولاد يوياقيم أعمام دانيال النبي ووضع الجزية على يوياقيم ورجع عنه. ثم وصل فرعون الأعرج إلى الفرات مرة ثانية والتقاه بختنصر هناك وقتله. وفي السنة الثامنة من ملك يوياقيم نزل بختنصر إلى أورشليم نزولا ثانيا وأخذ مالا من يوياقيم وعاد. وبعد ثلث سنين مات يوياقيم.
" يوياخين بن يوياقيم " وهو المسمى في إنجيل متى يوخنيا. ولما مضت عليه ثلاثة أشهر من ملكه قصده بختنصر وحاصر بيت المقدس. فخرج يوياخين إليه مستأمنا مع أمه وحشمه وعبيده. فجلاهم كلهم إلى بابل ولم يترك في أورشليم إلا شيخا مسنا وعجوزا ضعيفة. وولى على من تخلف بأورشليم صدقيا بن يوشيا عم يوياخين وبقي يوياخين معتقلا في بابل سبعا وثلاثين سنة.

(1/21)

" صدقيا بن يوشيا " كان اسمه مثنيا وبختنصر سماه صدقيا. ملك إحدى عشرة سنة. ثم عصى ومنع الجزية التي كان يؤديها إلى بختنصر. فعاد إليه وأسره وذبح أولاده بين يديه وسمل عينيه وسار به إلى اثور وجعله يدير الرحى مثل الحمار. وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة ولما مات رميت جثته وراء السور فأكلته الكلاب. وفي هذه المرة دخل بختنصر إلى مصر وجزائر البحر وهدم مدنا كثيرة وأحرق مدينة صور وقتل حيرم ملكها وكان عمره كما يقال خمسمائة سنة. وبعث بختنصر نبوزردن القائد إلى أورشليم فدعثر سورها وأحرق الهيكل. وكان لشمعون رئيس الكهنة عند هذا القائد منزلة فسأله في أمر كتب الوحي فلم يحرقها فجمعها هذا شمعون باتفاق ارميا النبي ووضعاها مع لوحي الناموس وعصا موسى ومجمرة البخور وباقي آلات القدس في تابوت العهد ورميا بها في بعض الآبار ولم يعرف مكانها إلى الآن. وجلس ارميا النبي ينوح على أورشليم عشرين سنة. ثم انتقل إلى مصر فقبض عليه قوم من اليهود وحبسوه في جب ثم أخرجوه ورجموه ومات ودفن في مصر. ثم الاسكندر في زمانه نقل تابوته إلى الإسكندرية فدفن هناك. وكان حزقيال النبي في جملة من سبي إلى بابل. فقتله اليهود لأجل توبيخه لهم. فمن السنة الرابعة من ملك سليمان التي كان فيها الشروع في بنيان هيكل الرب إلى خرابه الكلي وحريقه أربعمائة واثنتان وأربعون سنة. وعلى رأي من جعل مدة ملك صدقيا تسعا وستين سنة تكون مدة الهيكل عامرا خمسمائة سنة.
الدولة الرابعة
المنتقلة إلى ملوك الكلدانيين
الكلدانيون أمة قديمة الرئاسة نبيهة الملوك وكان منهم النماردة الجبابرة الذين كان أولهم نمرود بن كوش من بني حام باني المجدل. وكان من ولد نمرود بختنصر الذي غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقا كثيرا وسبى بقيتهم وغزا مصر وفتحها ودوخ كثيرا من البلاد. ولم يزل ملك الكلدانيين ببابل إلى أن ظهر عليهم الفرس وغلبوهم على مملكتهم وأبادوا كثيرا منهم. فدرست أخبارهم وطمست أثارهم. وكانت من الكلدانيين حكماء متوسعون في فنون المعارف من المهن التعليمية والعلوم الرياضية والإلهية وكانت لهم عناية بأرصاد الكواكب وتحقيق بعلم أسرار الفلك ومعرفة مشهورة بطبائع النجوم وأحكامها. وهم نهجوا لأهل الشق الغربي من معمور الأرض الطريق إلى تدبير الهياكل لاستجلاب قوى الكواكب واظهار طبائعها وطرح إشعاعاتها عليها بأنواع القرابين الموافقة لها وضروب التدابير المخصوصة بها. فظهرت منهم الأفاعيل الغريبة والنتائج الشريفة من إنشاء الطلسمات وما أشبهها. ولم يصل إلينا من مذاهب الكلدانيين في حركات النجوم ولا من أرصادهم غير الأرصاد التي نقلها عنهم بطليموس القلوذي في كتاب المجسطي. فإنه اضطر إليها في تصحيح حركات الكواكب المتحيرة إذ لم يجد لأصحابه اليونانيين أرصادا يثق بها.

(1/22)

" بختنصر بن نبوفلسر " ملك قبل إحراقه هيكل الرب وخرابه أورشليم تسع عشرة سنة وبعده أربعا وعشرين سنة. واسمه بالسريانية نبوخذنصر أعني عطارد ينطق. وإنما سمي بذلك لأنه نطق بالعلوم والآداب المنسوبة إلى عطارد. وفي السنة الثالثة من قمعه ملك اليهود رأى مناما راعت روحه منه واقتصه على علماء بابل. فقالوا هذا خطب عسير لا يكشفه للملك إلا آلهة السماء الذين ليس مسكنهم مع الأرضيين. فاحتدم صدره لذلك غيظا وتقدم إلى اريوخ صاحب شرطه بإهلاك المنجمين والسحرة و أصحاب الرقي والزجر والفأل. فقال دانيال لاريوخ: مهلا اتئد ولا تقتل حكيما ولكن أوصلني إلى الملك. فلما مثل بين يديه مثولا قال له: أقادر أنت على أن تخبرني بالرؤيا التي رأيت وتعبيرها. فأجابه دانيال قائلا: إله السماء والأرض هو الذي يبدي السرائر. وأنت أيها الملك رأيت صنما عظيما ذا منظر رائع رأسه من الذهب الإبريز وصدره وذراعاه من فضة وبطنه وفخذاه من نحاس وساقاه حديد ورجلاه خزف. ورأيت حجرا انقطع من غير قاطع وضرب رجلي الصنم فهشمها هشما شديدا. فهذه الرؤيا. وأما التعبير فأنت رأس الذهب بما منحك اللهملكا عزيزا وكرامة وجلالة. ويقوم بعدك ملك يكون دونك في العزة. والثالث الممثل بالنحاس يكون دون الثاني. والرابع الممثل بالحديد دون الثالث فيهشم ويدق كثيرا من مجاوريه. أما الأرجل والأصابع التي من حديد وخزف فدليل ممالك مختلفة قوية وواهية. وأما الحجر المنقطع من جبل من غير يد قاطعة فدليل ملك روحاني مبيد كل معبود سوى الواحد الحق يظهر في آخر الأيام. فخر بختنصر ساجدا لدانيال وأعطاه الألطاف والهدايا ورأسه على جميع حكماء بابل. وولى أعمامه حننيا وعزريا وميشائل أمر مدينة بابل وسماهم بأسماء نبطية اعني شدراخ وميشاخ وعبد ناغو. ثم اتخذ بختنصر صنما من ذهب طوله ستون ذراعا في عرض ستة أذرع. وتقدم إلى جميع عظماء دولته أن يوافوا عيد الصنم. وإنهم إذا سمعوا صوت القرن وباقي أنواع الزمر يخرون سجدا للصنم. فامتثل الجميع أمره ما عدا حننيا وعزريا وميشائل. فسعى بهم قوم إلى بختنصر إنهم لا يعتدون بأمره. فاستشاط من ذلك غضبا وأمر أن يسجر الآتون فوق ما كان يسجر سبعة أضعاف الوقود وأن يكتفوا بسراويلهم وقلانيسهم وبرانسهم وباقي ثيابهم ويزجوا في أتون النار. فلما فعل بهم ذلك أحرقت النار الذين سعوا بهم. فأما هم فمكثوا في النار ممجدين لله وملاك الطل نزل عليهم وأمال عنهم لهيب النار فلم تنك فيهم ولا في ثيابهم ولا في لباسهم. فلما شاهد الملك ذلك بهت تعجبا وقال: أرى الرابع منهم شبيه المنظر ببني الآلهة يعني الملاك. وناداهم بأسمائهم قائلا: يا عباد الله العلي اخرجوا. فخرجوا من النار ولم يشط شيء من ثيابهم ولا من شعورهم. فرفع بختنصر درجاتهم. ثم رأى بختنصر رؤيا ثانية كأن شجرة في سواء الأرض قد علت حتى بلغت إلى السماء ولها ورق أنيق وثمار كثيرة فيها مطعم لكل بشر. وجميع حيوانات البر وطيور الجو تأوي إلى ظلها. وكأن ملاكا قديسا نزل من السماء وقال: اقلعوا هذه الشجرة وجذوا أغصانها وانثروا أوراقها وبددوا ثمارها وتتفرق عنها حيوانات البر وطيور الجو وذروا عروقها في الأرض إلى أن يحول عليها سبعة أحوال. فاقتص بختنصر هذه الرؤيا أيضا على دانيال وقال له: أنت قادر على تعبيرها لأن فيك روح الآلهة القديسين. فقال دانيال: أيها الملك الرؤيا لمن يشنأك وتعبيرها على أعدائك. أما الشجرة الموصوفة بتلك الصفات الجليلة فإنك أنت الذي عززت حتى ارتفع اسمك إلى السماء. وأما الملاك القديس الذي رأيت وأقواله تلك فتدل على أن الناس يخرجونك من بينهم ليصير لك تعمر مع الوحوش وتطعم العشب طعما كالثور ويبلك قطر السماء حتى تحول عليك سبعة أحوال. ثم يثوب عقلك إليك وتستوي على كرسي ملكك. فكفر خطاياك بالصدقات وآثامك بالترحم على الضعفاء لتبعد عنك هفواتك.

(1/23)

ومن بعد سنة لما رأى بختنصر أن رقاب أمم المسكونة قد خضعت له ودانت له ملوكها هيبة له وخوفا من شدة بأسه طغى بقلبه وشمخ بأنفه وأخذته العزة في نفسه. فسمع صوت هاتف يهتف به هتافا ويقول: لك يقولون يا بختنصر لقد لفظتك مملكتك وسيهيج عليك الناس. فتمت الكلمة عليه في تلك الساعة وطرده الناس ورعى العشب كالثور. وطال شعره وصارت أظافره كمخاليب سباع الطيور حتى أتت عليه سبع سنين. ثم راجعه عقله وطلبه قادته واستوى على سرير مملكته ومنح مزيدا من العظمة وحمد الله وعلم أن سلطانه إلى دهر الداهرين يهب الملك لمن يشاء ويجعله في سفلة الناس وسقاطهم.
وجدت في كتاب عتيق سرياني مجهول أن اوطولوقيوس المهندس اليوناني عرف في زمان بختنصر وكان مشهورا في وقته. والموجود من كتبه الآن كتاب الكرة المتحركة إصلاح الكندي وكتاب الطلوع والغروب ثلث مقالات. وأما ثاوذوسيوس فلم نقف له على زمان معين وهو من حكماء اليونان المشهورين وله نصانيف حسان. له كتاب الأكر الذي هو اجل الكتب المتوسطات بين كتاب اوقليدس والمجسطي.
وفي هذا الزمان كان فورون الفيلسوف الكلدي. وكانت حكمته هي الحكمة الأولى التي لم تستقر. وكان صاحب فرقة وله جمع يتعلمون منه الفلسفة الطبيعية وذهب إليها فيثاغورس وثاليس الملطي وعامة الطلبة من اليونانيين والمصريين. وكانت هذه الفلسفة شائعة في يونان إلى قبل زمان سقراطيس. ثم مال الناس عنها وقد انتصر لها ناس من المتأخرين منهم محمد بن زكريا الرازي لأنه لم يتوغل في العلم الإلهي ولا فهم غرض ارسطوطاليس فيه فاضطرب رأيه وتقلد آراء سخيفة وانتحل مذهبا خبيثا مذهب فورون وذم أقواما لم يفهم عنهم ولا هدي سبيلهم. وفرقة فورون يعرفون بأصحاب اللذة لأنهم كانوا يرون أن الغرض المقصود إليه في تعلم الفلسفة اللذة الحاصلة للنفس بمعرفتها وهي مع البدن لانجائها من عذاب الجهل في الآخرة كما هو رأي أرسطو لأن النفس لا بقاء لها بعد البدن عندهم.
" أول مرودخ بن بختنصر " ملك ثلث سنين. هذا أخرج يوياخين بن يوياقيم من السجن وأكرمه وآكله مؤاكلة بعد سبع وثلاثين سنة وكان فيها معتقلا. وقتل مرودخ وملك بعده أخوه بلطشاصر.
" بلطشاصر بن بختنصر " ملك سنتين. ثم عمل وليمة عظيمة لألف رجل من أكابر دولته وكان يشرب الخمر بازائهم. وأمر وهو يشرب أن يؤتى بآنية هيكل الرب التي سباها أبوه من أورشليم وشرب فيها مع عظمائه. فظهرت قبلته كف يد كاتبة عقابه في ضوء المصباح على الحائط. فرابته الكتابة وأحضر حكماء بابل ليترجموا الكتابة. فعجزوا عن حلها. فامتعض لذلك امتعاضا شديدا. فأخبرته أمه عن دانيال النبي أنه دراك غيب وحلال عقد. فاستدعاه وضمن له أن يلبسه الأرجوان وأن يوليه ثلث الملك إن أول الكتابة. فقال دانيال: لتكن مواهبك لك واجعل ذخائر بيتك لغيري. أما الكتابة فقراءتها أحصي إحصاء وزن وأعري. وتأويلها: إن الله أحصى ملكك واستلبه. ووزنك زنة فوجدك شائلا فلذا أعراك من ملكك فأنت عار عرية. وفي تلك الليلة اغتاله داريوش المادي وقتله.
الدولة الخامسة
المنتقلة إلى ملوك الفرس
أما الفرس فأهل الشرف الشامخ. والعز الباذخ. وأوسط الأمم دارا. وأشرفهم إقليما. وأسوسهم ملوكا. تجمعهم وتدفع ظالمهم عن مظلومهم. وتحملهم من الأمور على ما فيه حظهم على اتصال ودوام. واحسن التئام وانتظام. وخواص الفرس عناية بالغة بصناعة الطب ومعرفة ثاقبة بأحكام النجوم. وكانت لهم أرصاد قديمة. وقال يعض علماء العجم: أول من ملك بعد الطوفان كيومرت من بني سام بن نوح وكان ينزل فارس.واتخذ الآلات لإصلاح الطرق وحفر الأنهار وذبح ما يؤكل من الحيوان وقتل السباع. وما زال الملك في ولده إلى أن ملك دارا بن دارا الذي غزاه الاسكندر وقتل في المعركة. ثم ملكت الاشكانية أولهم اشك. ثم اشك بن اشك وهو أول من تسمى بالشاهية. ودام الملك فيهم إلى أن ظهرت المملكة الساسانية أولهم اردشير بن بابك بن ساسان من بني كشتاسب. فأحسن السيرة وبسط العدل. وتوارث بنوه الملك إلى أن ملك يزجرد ابن شهريار بن قباذ بن فيروز بن هرمز بن كسرى انوشروان المعروف بالعادل. وهو آخر ملوك الفرس. فلما ملك انتقضت عليه الدول وتفاقمت أمورها وطلعت أعلام الإسلام بالنصرة وقتل كما يأتي شرح ذلك في موضعه.

(1/24)

" داريوش المادي " واليونانيون يسمونه نابونبذس. ملك سنة واحدة. وقيل تسع سنين. وبه بطلت مملكة النبط الكلدانيين منتقلة إلى الفرس المجوس. وهذا الملك استولى على الملك وهو من أبناء اثنتين وستين سنة. وحسنت منزلة دانيال النبي عنده. وأقام في ولايته مائة وعشرين قائدا ورأس عليهم ثلاثة رجال أحدهم دانيال. وكان يرجع في سرائره إليه. فساء ذلك أرباب الدولة وجعلوا يطلبون عليه حجة يوقعونه بها عن مرتبته. فلم يظفروا منه بهفوة غير إنه يدين بغير دين الملك. فساروا إلى الملك وقالوا: إن دانيال يعبد إلها غريبا. وفي سنتنا أن من دان في أرضنا بدين غير ديننا وتعدى سنة أهل ماه وفارس قذف به في جب الأسد. فلما لم يقدر الملك على إبطال شريعة قومه تقدم بقذف دانيال في جب الأسد وقال له: إلهك ينجيك. وانصرف إلى منزله وبات طاويا وطار عنه نومه إشفاقا على دانيال. وكان حبقوق النبي في الشام قد طبخ طبيخا ومضى يطعم الحواصيد فأخذه ملاك الرب بشعر رأسه ووضعه في بابل على فم الجب فقال: دانيال دانيال قم خذ الطعام الذي أنفذ لك ربك. فقال دانيال: ذكرني الله ولم يهملني. وأخذ الملاك لحبقوق ووضعه في موضعه. وجاء الملك داريوش بعد سبعة أيام ليبكي على دانيال لكثرة اهتمامه له. فلما دنا من الجب ناداه: يا دانيال هل قدر معبودك أن ينجيك من السباع. أجابه دانيال قائلا: أيها الملك عش خالدا إن الهي بعث لي ملاكة وسد أفواه الأسد فلم تهلكني. فحسن موقع ذلك من الملك جدا وأخرج دانيال من الجب وألقى وشاته فيه مع نسائهم وبنيهم وذريتهم. فما استقروا في قرار الجب إلا ومزقتهم الأسد ورضت عظامهم رضا.
وفي هذا الزمان اشتهر فراخوديس مصنف القصص معلم فيثاغورس.
" كورش الفارسي " ملك إحدى وثلاثين سنة واستولى على ملك العراق وخراسان وأرمينية والشام وفلسطين وغزا بلاد الهند وقتل ملكها. هذا كورش تزوج أخت زوربابيل ابن شلاثيل بن يوياخين بن يوياقيم ملك يهوذا. ولما دخل بها ارتفعت عنده وقال لها: اطلبي مني ما شئت. فطلبت منه عود بني إسرائيل إلى أورشليم وأن يأذن لهم بعمارتها. فجمعهم كورش الملك وخيرهم قائلا: من اختار الصعود فليصعد ومن أباه فليقم. فكان عدد مؤثري الصعود خمسين ألفا من الرجال غير النساء والأولاد. فحصل زوربابيل ملكهم ويشوع بن يوزاداق كاهنهم. وعنهما قال ملاك الرب لزخريا النبي: إن هذين ابنا الدلال وهما يقومان بين يدي رب العالمين. فصعدت هذه الشرذمة من بني إسرائيل في السنة الأولى من ملك كورش إلى أورشليم وهموا بعمارتها. ولأن الفلسطينيين مجاوريهم اعنتوهم كان تشييدهم الهيكل على التراخي في ست وأربعين سنة كما قال يوحنا الإنجيلي. ولاختلاط كورش بنسل داود قال عنه اشعيا النبي قبل ولاده: قال الله لمسيحه كورش الذي عضدت بيمينه. وعظم كورش أيضا شأن دانيال وفوض إليه سياسة ملكه. فغار لله غيرة وكسر الصنم المسمى بيل وقتل التنين معبود البابليين. فمقت ورمي في جب فيه سبعة أسد ونجا منها وهلك مبغضوه. ثم رأى الرؤيا على نهر الفرات وعرفه ملاك الرب مدة السنين التي بقين من السبي ومن ظهور السيد المسيح وآلامه وموته. ومات دانيال ودفن في قصر شوشن اعني مدينة ششتر.
" قمباسوس بن كورش " ملك ثماني سنين. وفي أيامه كانت يهوديث المرأة العبرية التي احتالت على الفرنا الماجوجي صاحب جيش قمباسوس وقطعت رأسه وأمنت اليهود بأسه.
وفي هذا الزمان كان زرادشت معلم المجوسية وأصله من بلد أذربيجان. وقيل: من بلاد أثور. وقيل: إنه من تلامذة اليا النبي. وهو عرف الفرس بظهور السيد المسيح وأمرهم بحمل القرابين إليه وأخبرهم أن في آخر الزمان بكرا تحمل بجنين من غير أن يمسها رجل وعند ولادته يظهر كوكب يضيء بالنهار ويرى في وسطه صورة صبية عذراء. وانتم يا أولادي قبل كل الأمم تحسون بظهوره. فإذا شاهدتم الكوكب امضوا حيث يهديكم واسجدوا لذلك المولود وقربوا قرابينكم فهو الكلمة مقيمة السماء.

(1/25)

" داريوش بن بشتسب " : ملك ستا وثلاثين سنة على رأي قليميس واوسابيوس واندرونيقوس. وفي السنة الأولى من ملكه بالقرب من نجاز بنيان هيكل الرب بأورشليم أعني قبله بست سنين تمت السبعون سنة التي للسبي كما أوحى الله إلى ارميا النبي أن تبقى الأمة جالية ببابل. ويؤكد ذلك حجي وزخريا النبيان بابتهالهما إلى الله قائلين: حتام لا ترحم أورشليم وقد أتى على خرابها سبعون سنة. وذلك إذا عددناها مبتدئين من آخر ملك صدقيا وهي السنة الرابعة والعشرون من ملك بختنصر التي فيها احترق الهيكل وخربت أورشليم وجلي اليهود عن أوطانهم إلى بابل الجلاء الكلي. وأما افريقيانوس فإنه يعدها مبتدئا من أول ملك صدقيا ليتم في أول ملك كورش عند إرساله الجماعة من بني إسرائيل إلى أورشليم وتقدمه إليهم بعمارتها.
وفي هذا الزمان توفي فيثاغورس الحكيم ابن خمس وتسعين سنة. هذا جعل مبادئ الأكوان الأعداد بدليل أن المركبات مبادئها البسائط. ولا أبسط من الأعداد إذ كل ما عداها يلزمه التركيب من إضافة العدد إليه. واشتهر في الفلسفة ديموقراطيس وهو القائل بانحلال الأجسام إلى أجزاء لا تتجزأ. وديوجانيس الكلبي وكان قد راض أصحابه رياضة فارق فيها اصطلاح أهل المدن من اطراح التكليف. وكان أحدهم يتغوط غير مستتر عن الناس. ويقول فيما يأتيه من ذلك: لا يخلو إما أن يكون ما يفعله قبيحا على الإطلاق فلا يحسن في موضع دون موضع وعلى صورة دون صورة. وإن كان مما يحسن في موضع دون موضع وعلى صورة دون صورة فهذا أمر اصطلاحي فلا أقف معه. وكانوا يحبون من قرب منهم ويكرهون من بعد عنهم. فقال أهل زمانهم: هذه الأفعال تشبه أفعال الكلاب فسموهم الكلبيين. ومن مشاهير هذا الزمان انكساغورس الطبيعي وفينذارس وسيموندس الموسيقيان وفروطوغورس واسوقراطيس السفسطانيان واريسطوفنيس وقحاليس الشاعران الهاجيان.
وفي هذا الزمان أيضا عرف ابقراط الطبيب. هذا كان يسكن مدينة حمص ويتردد إلى مدينة دمشق ويأوي إلى بستان كان له فيها ومكانه معروف إلى يومنا هذا في واد هناك يسمى النيرب. وكان رجلا إلهيا يداوي المرضى مجانا. وقد أحسن جالينوس في وصفه حيث قال: إن جالينوس أدبه الدرس وأبقراط أدبته الطبيعة. وقال أيضا: إن ابقراط انغمس في الطبيعة وسرى معها حتى انتهى إلى أعماقها وأخبر عما شاهد هناك. وله من الكتب كتاب افوريسمون أي الفصول وكتاب بروغنوسطيقون أي تقدمة المعرفة وكتاب ابيذيميا أي الأمراض الوافدة وكتاب ماء الشعير وكتاب الأخلاط وكتاب قسطران أي كتاب المدن والماء والهواء وكتاب طبيعة الإنسان وكتاب شجاج الرأس وكتاب دياثيقي أي العهد.
ومن الحكماء المعاصرين لابقراط فيليمون وكان عالما في فن من فنون الطبيعة اعني الفراسة إذا رأى شخصا استدل بتركيب أعضائه على أخلاقه. وله فيها كتاب عندنا نسخته بالسرياني. وحكي أنه اجتمع تلاميذ ابقراط وقال بعضهم لبعض: هل تعلمون في زماننا هذا أعلم من هذا الرجل يعنون ابقراط. فقالوا: لا. فقالوا: نمتحن به فيليمون فيما يدعي من الفراسة. فصوروا صورة ابقراط ثم نهضوا إلى فيليمون. وكانت يونان تحكم الصورة بحيث تحكيها على الوجه في قليل أمرها وكثيرها لأنهم كانوا يعبدون الصور فأحكموا لذلك التصور ويظهر التقصير في التصوير من غيرهم ظهورا بينا. فلما انهم حضروا عند فيليمون وقف على الصورة وتأملها وأنعم النظر فيها ثم قال: هذا رجل يحب الزنا. وهو لا يدري من هو المصور. فقالوا: كذبت هذه صورة ابقراط. فقال: لا بد لعلمي أن يصدق فاسألوه. فلما رجعوا إلى ابقراط واخبروه الخبر قال: صدق فيليمون أحب الزنا ولكن أملك نفسي.
" احشيرش بن داريوش " ملك إحدى وعشرين سنة. وفي السنة الثانية من ملكه استولى على مصر. وبعد تسع سنين فتح مدينة اثيناس واحرقها. وقيل في زمانه كانت قضية استير العفيفة ومردخاي البار من أهل يهوذا. وهذا القول غير سديد وإلا لما أهمل ذكرها في كتاب عزرا المستوعب جميع ما جرى لليهود في زمان هذا الملك. والصحيح إنها جرت في أيام ارطحششت المدبر.
" ارطبانس " ملك سبعة اشهر معدودة مع سني احشيرش.

(1/26)

" ارطحششت الطويل اليدين " ويسمى أيضا اريوخ. ملك إحدى وأربعين سنة. وفي سنة سبع من ملكه أمر عزرا الحبر وهو الذي تسميه العرب العزير أن يصعد إلى أورشليم ويجتهد في عمارتها. وفي سنة عشرين من ملكه أرسل نحميا الساقي الخصي أيضا ليجد في ترميمها. وفي هذا الزمان لم يكن لليهود نار قدس لأنهم رموها في بئر وقت جلائهم. فأتوا بحمأة منها ووضعوها على حطب القربان فاشتعلت بأمر الله بعد أن طفئت مائة سنة وأربعين سنة بالتقريب. ولما رأى عزرا المعجز استف من سفساف تلك البئر ثلث سفات فأعطي منحة الروح القدس وأنطقه الله بجميع كتب الوحي وأعادها كما كانت.
" احشيرش الثاني " ويسمى اردشير. ملك شهرين. ثم قتله سغدينوس وملك بعده مدة يسيرة.
" سغدينوس " ملك سبعة أشهر وهي مع الشهرين المتقدمين معدودة مع سني اريوخ.
" داريوش نوثوش " أي ابن الأمة. ملك تسع عشرة سنة. وفي سنة خمس عشرة من ملكه خلع المصريون ربقة طاعة الفرس من أعناقهم ونصبوا لهم ملكا بعد مائة وأربع وعشرين سنة لتسلط الفرس عليهم.
" ارطحششت الثاني " المعروف بالمدبر واليونانيون يسمونه ارطاكسراكسيس. ملك أربعين سنة وتزوج باستير العبرية الصالحة وصلب هامان العملقي الذي زاول زوال الجالية من بني إسرائيل. وذلك بدعاء استير ومردخاي الصديق صاحبها. وفي سنة خمس عشرة من مملكة هذا ارطحششت أخرب افريقيانوس قائد الإفرنج مدينة قرخيذونيا وسمي بلدها باسمه إفريقية.
وفي هذا الزمان كان ميطن واقطمين وهما إمامان في علوم الفلك اجتمعا بالإسكندرية على أحكام آلات الارصاد ورصدا ما أحبا من الكواكب. وقيل أن بين زمانهما وبين بطليموس صاحب المجسطى خمسمائة سنة وسبعين سنة.
" ارطحششت الثالث " المعروف بالأسود.واليونانيون يسمونه اوخوس. ملك سبعا وعشرين سنة واستعاد ملك مصر وهزم نقطابيوس ملكها وصار يسيح في بلاد اليونانيين بزي منجم لأنه كان ماهرا في علم الفلك وأسرار الحركات السماوية. وقيل أنه تلطف لمجامعة ألومفيذا امرأة فيليفوس ملك مقدونيا في تنجيمه لها. فحملت منه بالاسكندر ذي القرنين.
" ارسيس بن اوخوس " ملك أربع سنين. وفي زمانه اشتهر سقراطيس الحكيم المتأله. هذا زهد في الدنيا ومتاعها إلى حد انه سكن الحب. وقيل له: إن انكسر الحب ماذا تعمل؟ فقال: إن انكسر الحب لم ينكسر مكانه. وكان يقول: حسن الظاهر تابع للحسن الباطن فيستدل على حسن النفس بحسن البدن. ولأنه كان يختار للتعليم الأحداث الوسام نسبه الاثنيون إلى الفحشاء. ولكثرة تقييده الملك المشتهر بالفجور علم ابنيه انطوس وميليطوس الإفساد عليه وأماته مسموما.
وبعد موت سقراط صار الصيت لأفلاطون. هذا كان شريف الوالدين نسب أبيه يرتقي إلى فوسيديون ونسب أمه إلى سولون واضع النواميس للاثنيين. وقيل: انه تميز في حداثته في علم الشعر. فلما رأى سقراط يهجن هذا الفن من جملة العلوم أحرق كتبه الشعرية وتلمذ له خمسين سنة ومنه اقتبس الحكمة الفيثاغورية وقال: إن المبادئ ثلاثة الإله والهيولى والصورة. وأثبت وجود الأمثال النوعية في الخارج مجردة عن المواد. وادعى تناسخ النفوس وإن وجدوها قبل وجود الأبدان. كان يأذن لمن عجز عن مكابدة العزوبة من تلامذته أن يشاركه النفر منهم في زوجة واحدة لما في ذلك من قلة المؤنة وكثرة المعونة. وقد عد له ثاون الإسكندري ثلاث وثلاثين كتابا. والموجود منها الآن كتاب فادن وكتاب طيماوس وكتاب النواميس وكتاب سياسة المدن. ومات وقد بلغ من العمر اثنتين وثمانين سنة. وخلف بستانين ومملوكين وكأسا واحدا وقرطا كان معلقا في شحمة أذنه شعارا بشرفه. وباقي ماله كان قد أخرجه على تزويج بنات أخيه. وكتب على قبره: هاهنا وضع رجل إلهي فاق الناس كلهم في العلم والعفة والنباهة والأخلاق العادلة. فكل من مدح الحكمة فقد مدحه إذ فيه أكثرها. وكتب في الجانب الآخر من التربة: يا أيتها الأرض وإن كنت مخفية جسد أفلاطون لكنك لا يمكنك الدنو من نفسه التي لا تموت. وتولى بعده مدرسته سفوسيفوس ابن عمه.

(1/27)

وفي هذا الزمان اشتهر في الطب روفس وتصدر للتعليم وله في ذلك تصانيف. إلا إنه كان ضعيف النظر مدخول الأدلة رد على أكثر أقواله ارسطوطاليس في كتبه الطبيعيات. ورد عليه جالينوس أيضا مثل ذلك وأقاما الحجج الواضحة على غلطه. ولم تكن الصناعة تحققت في زمانه تحققها في زمان هذين الفاضلين.
" داريوش بن ارشك " هو دارا بن دارا. ملك ست سنين. ولما بلغه خروج الاسكندر بن فيليفوس اليوناني المقدوني جيش والتقاه في الشام. فانتصر اليونانيون على الفرس وانهزم داريوش طالبا الثغور. فأدركه الاسكندر عند مدينة أياس التي هي فرضة البحر ببلد قيليقيا وقتله وتزوج ابنته المسماة روشنك. وبطلت وقتئذ مملكة الفرس باستيلاء الاسكندر على الأرض.
وفي هذا الزمان اشتهر في الفلسفة ارسطوطاليس بن نيقوماخس الطبيب من قرية طاجيرا من أعمال مقدونيا. ونسبه من والديه يرتقي إلى اسقليبياذيس. وأخذ الحكمة من أفلاطون وهو ابن سبع عشرة سنة ولازمه عشرين سنة. وكان إذا لم يحضر في الدرس يقول أفلاطون: العقل لم يحضر. كأن الغافلين عن الحق صم هم عما هم سامعوه. وصار له منزلة عظيمة عند الملوك. وبرأيه كان يسوس الاسكندر ملكه ويتوجه إلى محاربة ملوك الأرض. وتفرغ ارسطوطاليس لتصنيف الكتب المنطقية والحكمة العلمية والعملية. ويسمى معلما أول لا لأنه اخترع المنطق اختراعا كما ظن. لكن لأنه جمع أشتاته ورتبه ترتيبا كما قال حاكيا عن نفسه: إنه قد كان لنا في الصنائع المنطقية أصول مأخوذة ممن سبقنا مستعملة في جزئيات برهانية مثلا في الهندسة جدلية وخطابية في السؤال والجواب.
وإما في صورة القياس وصورة قياس القياس فأمر قد كددنا في طلبه مدة من العمر حتى استنبطناه. وكان لا يفتر عن الدرس والمطالعة إلا عسى عند النوم. وكان إذا سئل لا يبادر الجواب إلا بعد الفكر. ولا قصد في البحث إلا الحق دون الغلبة. وكان يقول في إبطاله التناسخ: أفلاطون صديق والحق أيضا صديق فإذا لحظتهما كان اختياري وإكرامي للحق. وكان إذا شعر بتقصير من نفسه لم يستنكف من أن يدفعه. وكان معتدلا في الملابس والمأكل والمشرب والمنكح والحركات. ومات وله ثمان وستون سنة. وخلف ابنا وابنة صغيرة وخلف مالا كثيرا.
واعلم وفقك الله أن الحكماء الذين نظروا في أصول الموجودات دهريون وطبيعيون وإلهيون. فأما الدهريون فهم فرقة قدماء جحدوا الصانع المدبر للعالم وقالوا إن العالم لم يزل موجودا بنفسه لم يكن له صانع صنعه. والطبيعيون فهم قوم بحثوا عن أفعال الطبائع وانفعالاتها وما صدر عن تفاعلها من الموجودات حيوان ونبات. وفحصوا عن خواص النبات وتركيب أعضاء الحيوانات فمجدوا الله وتحققوا بمخلوقاته انه قادر حكيم عظيم. إلا أنهم رأوا أن النفس تهلك بهلاك الجسد وأن لا بقاء لها بعده. وأما الآلهيون فهم المتأخرون من حكماء يونان مثل سقراط وهو شيخ أفلاطون. وافلاطون شيخ ارسطوطاليس. وارسطو هو مرتب هذه العلوم ومحررها ومقرر قواعدها ومزين فوائدها ومخمر فطيرها ومنضج قديرها وموضح طرق الكلام وتحقيق قوانينه والراد على الدهرية والطبيعية والمندد عليهم والقائم بإظهار فضائحهم. وهذب كلام أفلاطون وسقراط وحققه ونمقه ورتبه فجاء كلامه ابضع كلام وأحكم معاني. وكل من نقل كلامه من اليوناني إلى لغة أخرى حرف وجزف وما أنصف. وأقرب الجماعة حالا في تفهمه الفارابي وابن سينا فإنهما تحملا علمه على الوجه المقصود. واعذبا منه لوارد منهله المورود. وكان لارسطو ابن أخ اسمه ثاوفريسطس وهو أحد تلاميذه الآخذين الحكمة عنه وهو الذي تصدر بعده للإقراء بدار التعليم. وكان فهما عالما مقصودا لهذا الشأن. وقرئت عليه كتب عمه وصنف التصانيف الجليلة واستفيدت منه ونقلت عنه. فمنها كتاب الآثار العلوية وكتاب الأدب وكتاب ما بعد الطبيعة نقله من السرياني إلى العربي يحيى بن عدي. وكتاب الحس والمحسوس نقله أيضا إبراهيم بن بكوس. وكتب أسباب النبات نقله أيضا إبراهيم المذكور. وأما نيقوماخس والد ارسطوطاليس فكان متطببا لفيليفوس أبي الاسكندر وكان حكيما فيثاغوري المذهب وله من التصانيف كتاب الارثماطيقي وكتاب النغم.
الدولة السادسة
المنتقلة إلى ملوك اليونانيين الوثنيين

(1/28)

أما اليونانيون فكانوا أمة عظيمة القدر في الأمم طائرة الذكر في الآفاق فخمة الملوك. منهم الاسكندر بن فيليفوس المقدوني الذي أجمع ملوك الأرض طرا على الطاعة لسلطانه. وكان من بعده من ملوك اليونانيين البطالسة دامت لهم الممالك وذلت لهم الرقاب. ولم يزل ملكهم متصلا إلى أن غلب عليهم الروم وهم الإفرنج. وكانت بلاد اليونانيين في الربع الغربي الشمالي من الأرض. ويحدها من جهة الجنوب البحر الرومي ومن جهة الشمال بلاد اللان ومن جهة المغرب تخوم بلاد الامانية ومن جهة المشرق بلاد أرمينية وباب الأبواب. ويتوسط بلاد اليونانيين الخليج المعترض ما بين بحر الروم وبحر نيطس الشمالي فيصير القسم الأعظم منها في حيز المشرق والقسم الأصغر منها في حيز المغرب. ولغة اليونانيين تسمى الاطيقية وهي أوسع اللغات وأجلها. وكانت عامة اليونانيين صابئة معظمة للكواكب دائنة بعبادة الأصنام. والفلاسفة منهم من أرفع الناس طبقة وأجل أهل العلم منزلة لما ظهر منهم من الاعتناء الصحيح بفنون الحكمة من العلوم الرياضية والمنطقية والمعارف الطبيعية والإلهية والسياسات المنزلية.
" الاسكندر بن فيليفوس " :ملك ست سنين بعد قتله داريوش. وكان قد ملك قبل ذلك ستا أخرى. وفتح بلادا كثيرة حتى بلغ ملكه إلى أقصى الهند وأوائل حدود الصين. وسمي ذا القرنين لبلوغه قرني الشمس وهما المشرق والمغرب. وقتل خمسة وثلاثين ملكا وبنى اثنتي عشرة مدينة منها اثنتان في بلد خراسان وهما هراة و مرو. وواحدة في بلد السغد وهي سمرقند. وأخرى في بلد القبط وهي الإسكندرية. وفي عودته من الهند ووصوله إلى بابل مات مسموما ووضع في تابوت ذهب وحمل على أكتاف الملوك والأشراف إلى إسكندرية القبط ودفن بها. وكان لما احتضر أمر أن يكتب إلى أمه بالتعزية وأن تتخذ طعاما وتأمر أن لا يدخل إليه إلا من لم تصبه مصيبة. ففعلت كذلك فرجع جميع الخلق وحسن بذلك عزاؤها. وبعد موت الاسكندر تقاسم الممالك أربعة من عبيده وهم بطليموس بن لاغوس واريذاوس وانطيوخوس وسلوقوس.
وسئل الاسكندر بناء السد سد يأجوج فبناه بحجارة الحديد والنحاس وأضرم عليه صخرا واحدا طوله اثنا عشر ذراعا وعرضه ثمانية أذرع. ولما فرغ من بناء سد يأجوج جاء إلى موضع السد الأعظم وهو المكان الذي يعرف بالباب والأبواب في مروج بلدان القفجاق فحفر موضع الأساس ومده في الجبال حتى ألحقه بحر الروم. فلم تزل ملوك فارس في طلب هذا الأساس فتجشموا معرة الترك والخزر من بلاد العراق والجبل وأذربيجان واران وأرمينية حتى وجد الأساس يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد ابن سابور. فابتدأ ببناء السد من حجارة ونحاس ورصاص ولم يتممه. وكان أكثر هم ملوك الفرس بعده في بنائه فما اتفق لهم الفراغ منه حتى سهل الله ذلك على يدي كسرى انوشروان فأحكم بناءه وألصقه برؤوس الجبال ثم مده في البحر على ميل ثم غلق عليه أبواب الحديد وأقام على بنائه سنة وأكثر. فصار يحرسه مائة رجل بعد إن لم تكن تطيقه مائة ألف رجل من الجند. وأذن للمرزبان الذي يقيم هناك بالجلوس على سرير الذهب ولذلك يسمى ملك تلك الناحية ملك السرير.
وفي زمان الاسكندر كان اندروماخس الطبيب الذي زاد في معجون المثروديطوس لحوم الأفاعي فصار نافعا من نهوشها.
" بطلميوس بن لاغوس " أي ابن الأرنب. ولي مصر وجميع أرض القبط والنوبة أربعين سنة. ومنه سموا ملوك مصر البطالسة. وهو جلا اليهود إلى مصر في أيام حونيا رئيس الكهنة. وحصل لاريذاوس وهو فيليبوس المذكور في السونطاكسيس أي المجسطي مقدونيا وجميع بلاد اليونانيين. ولانطيوخس سوطير أي المخلص إنطاكية وجميع بلاد الشام. وبعد اثنتي عشرة سنة من موت الاسكندر حصل لسلوقوس المسمى نيقاطور أي القاهر ملك بابل وكل العراق وخراسان إلى الهند. ومن أول ولايته يبتدئ هذا التاريخ المعروف بتاريخ الاسكندر وهو الذي يؤرخ به السريان والعبريون. ومن آدم إلى أول هذا التاريخ على رأي ثاوفيل الرهاوي خمسة آلاف ومائة وسبع وتسعون سنة. فإذا زدنا على سني الاسكندر التامة أعني سني سلوقوس هذا المبلغ وعلى الشهور التامة من السنة المنكسرة التي أولها تشرين الأول شهرا واحدا حصل لنا سنون تامة وشهور من السنة المنكسرة التي أولها شهر أيلول وبهذا التاريخ يؤرخ الروم في زماننا هذا.

(1/29)

" بطلميوس فيلاذلفوس " أي محب أخيه. ملك ثماني وثلاثين سنة. وفي زمانه خلع الأرمن طاعة ملوك اليونان ونصبوا لهم ملكا اسمه ارشك. ومن هنا سموا ارشكونية. ولما ملك هذا بطلميوس حبب إليه العلم والعلماء وسمع أن في السند والهند وفارس وجرجان وبابل واثور فنونا من الحكمة غير التي عند اليونان فتقدم إلى وزيره بالاجتهاد في جمع كتب هذه الأمم وتحصيلها والمبالغة في أثمانها وترغيب التجار في جلبها. ففعل ذلك فاجتمع من ذلك في مدة قريبة أربعة وخمسون ألف كتاب ومائة وعشرون كتابا. فلما علم الملك باجتماعها قال لوزيره: أترى بقي في الدنيا شيء من كتب العلوم لم يكن عندنا. فقال له الوزير: بقي عند اليهود كتب إلهية أوحى الله بها إلى الأنبياء فنطقوا بها. فأمر أن يجد في طلبها. فأطلق سبيل جالية اليهود وطلب من اليعازر رئيس الكهنة أن يسير إليه جماعة من أحبار اليهود المتبحرين في لغتي العبريين واليونانيين لينقلوا له كتب الوحي من اللغة العبرية إلى اللغة اليونانية. فأرسل إليه اثنين وسبعين حبرا ذوي مهارة في النقل من كل سبط ستا. فرتب الملك كل اثنين منهم في بيت في جزيرة فوروا وأمرهم أن ينقل كل اثنين منهم كل واحد واحد من الكتب الإلهية. وعند الفراغ قوبلت النسخ الستة والثلاثون فوجدت مطابقة لم تتخالف لفظا ولا معنى فاعتمد على صحة النقل. وهذا النقل السبعيني هو المعتبر عند علمائنا وهو الذي بأيدي الروم وباقي فرق النصارى خلا السريان وخصوصا المشارقة فإن نسختهم المسماة بسيطة لترك البلاغة في نقلها تطابق نسخة اليهود. وأما المغاربة فلهم النقلان البسيط المنقول من العبري إلى السرياني بعد مجيء السيد المسيح في زمان ادي السليح. وقيل قبله في زمان سليمان بن داود وحيرم صاحب صور. والسبعيني المنقول من اليوناني إلى السرياني بعد ظهور المخلص بزمان طويل.
وفي هذا الزمان كان طيموخاريس الحكيم الرياضي. وكان عالما بهيئة الفلك وصناعة آلات الأرصاد. وقد ذكر بطلميوس الحكيم في المجسطي أن وقته كان متقدما لوقته بأربع مائة وعشرين سنة.
" بطلميوس اورغاطيس " أي الصانع ملك ستا وعشرين سنة. وفي زمانه بنيت قرقيسياء وقالونيقوس وهي الرقة. وحونيا رئيس كهنة اليهود منع الجزية التي كان يعطيها لملوك مصر. فغضب اورغاطيس وهم باستئصال اليهود. فأرسل إليه يوسيفوس الحكيم العبري وهادنه فتهادنت أمور اليهود.
" بطلميوس فيليفاطور " أي محب أبيه. ملك سبع عشرة سنة واضطهد اليهود. وفي آخر ولايته قهره انطيوخس الكبير صاحب الشام. وهذا أيضا اعتسف اليهود وعنف عليهم وجرت الوقائع المذكورة في القصة الأولى من كتاب المقبانيين.
" بطلميوس افيفانوس " أي المظهر. ملك إحدى وعشرين سنة وأرسل جيشا مع اسقافوس قائده إلى بلد يهوذا والشام. فحاربه انطيوخس الكبير وانتصر عليه وهزمه واستولى على مدت كثيرة كانت للمصريين. وحينئذ أخلص له اليهود في الطاعة فأحسن إليهم ورصف الحجارة في الطرق المؤدية إلى إنطاكية وعقد القناطر على أكثر أنهار الشام. وفي سنة إحدى عشرة من ملك هذا انطيوخس قهره الإفرنج وكان يعطيهم الجزية كل سنة ألف قنطار ذهبا وسلم إليهم ولده رهينة. وصالح أيضا بطلميوس افيفانوس وتزوج ابنته قلاوفطرا. ثم مات وقام بعده ابنه المسمى باسمه انطيوخس وهو الصغير الملقب بأفيفانوس وهو لقب صاحب مصر. هذا ورد البيت المقدس ونجس الهيكل بنصبه صنم زاوس وهو المشتري فيه. وألزم اليعازر الكاهن أن يضحي للصنم الأضحية. ولأنه أبى أماته بالعقاب. ثم سعي إليه بامرأة اسمها اشموني مع سبعة بنيها أنهم يسبون الأصنام. فأحضرهم بين يديه وأمر بقطع لسان الأول وأطراف جميع أعضائه وألقاه في الطاجن وسلخ جلدة رأس الثاني. وكذلك أمات الباقين وبعدهم أمهم بأنواع العذاب. ودفنوا في أورشليم. ثم بعد مجيء المخلص نقل مؤمنوا النصارى أجسادهم إلى مدينة إنطاكية وبنوا عليهم كنيسة.
" بطلميوس فيلوميطور " أي محب أمه. ملك خمسا وثلاثين سنة. وفي السنة السادسة عشرة من ملكه مات انطيوخس الصغير غازيا بالفرس. وملك بعده انطيوخس اوفاطور سنتين واضطهد اليهود اضطهادا شديدا. وولي أمر اليهود يهوذا المقبي وجمع بين الملك والكهنوت ونفى نواب انطيوخس من أرض يهوذا وطهر الهيكل وصار اليهود يحاربون ملوك الروم.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2863
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى