* تفسير:وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا - ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ

اذهب الى الأسفل

* تفسير:وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا - ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ

مُساهمة  طارق فتحي في الأحد نوفمبر 25, 2012 8:31 am

* { وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ }
قال أبو جعفر: وهذا من الله عزّ وجلّ احتـجاج لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى مشركي قومه من العرب ومنافقـيهم وكفـار أهل الكتاب وضلالهم الذين افتتـح بقصصهم قوله جل ثناؤه:
{ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَـيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ أمْ لَـمْ تُنْذِرْهُمْ }
وإياهم يخاطب بهذه الآيات، وأخبر بأهم نعوتها، قال الله جل ثناؤه: وإن كنتـم أيها الـمشركون من العرب والكفـار من أهل الكتابـين فـي شكّ وهو الريب مـما نزّلنا علـى عبدنا مـحمد صلى الله عليه وسلم من النور والبرهان وآيات الفرقان أنه من عندي، وأنـي الذي أنزلته إلـيه، فلـم تؤمنوا به ولـم تصدّقوه فـيـما يقول، فأتوا بحجة تدفع حجته لأنكم تعلـمون أن حجة كل ذي نبوّة علـى صدقه فـي دعواه النبوّة أن يأتـي ببرهان يعجز عن أن يأتـي بـمثله جميع الـخـلق، ومن حجة مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى صدقه وبرهانه علـى نبوّته، وأن ما جاء به من عندي، عَجْزُ جميعكم وجميع من تستعينون به من أعوانكم وأنصاركم عن أن تأتوا بسورة من مثله. وإذا عجزتـم عن ذلك، وأنتـم أهل البراعة فـي الفصاحة والبلاغة والدراية، فقد علـمتـم أن غيركم عما عجزتـم عنه من ذلك أعجز. كما كان برهان من سلف من رسلـي وأنبـيائي علـى صدقه وحجته علـى نبوّته من الآيات ما يعجز عن الإتـيان بـمثله جميع خـلقـي. فـيتقرّر حينئذ عندكم أن مـحمداً لـم يتقوّله ولـم يختلقه، لأن ذلك لو كان منه اختلافـاً وتقوُّلاً لـم يعجزوا وجميع خـلقه عن الإتـيان بـمثله، لأن مـحمداً صلى الله عليه وسلم لـم يَعُدْ أن يكون بشراً مثلكم، وفـي مثل حالكم فـي الـجسم وبسطة الـخـلق وذرابة اللسان، فـيـمكن أن يظن به اقتدار علـى ما عجزتـم عنه، أو يتوهم منكم عجز عما اقتدر علـيه.
ثم اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: { فأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ }.
حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: { فأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } يعنـي من مثل هذا القرآن حقّاً وصدقاً لا بـاطل فـيه ولا كذب.
وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: { فأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } يقول: بسورة مثل هذا القرآن.
وحدثنـي مـحمد ابن عمرو البـاهلـي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميـمون، عن عبد الله بن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { فأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } مثل القرآن.
وحدثنا الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد مثله.
وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: { فأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } قال: مثله، مثل القرآن.
فأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
{ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ }
فمعنى قول مـجاهد وقتادة اللذين ذكرنا عنهما، أن الله جل ذكره قال لـمن حاجَّه فـي نبـيه صلى الله عليه وسلم من الكفـار: فأتوا بسورة من مثل هذا القرآن من كلامكم أيتها العرب، كما أتـى به مـحمد بلغاتكم ومعانـي منطقكم.
وقد قال قوم آخرون: إن معنى قوله: { فأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ }: من مثل مـحمد من البشر، لأنه مـحمداً بشر مثلكم.
قال أبو جعفر: والتأويـل الأوّل الذي قاله مـجاهد وقتادة هو التأويـل الصحيح لأن الله جل ثناؤه قال فـي سورة أخرى:
{ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فأتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ }
ومعلوم أن السورة لـيست لـمـحمد بنظير ولا شبـيه، فـيجوز أن يقال: فأتوا بسورة مثل مـحمد.
فإن قال قائل: إنك ذكرت أن الله عنى بقوله: { فأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } من مثل هذا القرآن، فهل للقرآن من مثل فـيقال: ائتوا بسورة من مثله؟ قـيـل: إنه لـم يعن به: ائتوا بسورة من مثله فـي التألـيف والـمعانـي التـي بـاين بها سائر الكلام غيره، وإنـما عنى: ائتوا بسورة من مثله فـي البـيان لأن القرآن أنزله الله بلسان عربـي، فكلام العرب لا شكّ له مثل فـي معنى العربـية فأما فـي الـمعنى الذي بـاين به القرآن سائر كلام الـمخـلوقـين، فلا مثل له من ذلك الوجه ولا نظير ولا شبـيه. وإنـما احتـجّ الله جل ثناؤه علـيهم لنبـيه صلى الله عليه وسلم بـما احتـجّ به له علـيهم من القرآن، إذ ظهر عجز القوم عن أن يأتوا بسورة من مثله فـي البـيان، إذ كان القرآن بـياناً مثل بـيانهم، وكلاماً نزل بلسانهم، فقال لهم جل ثناؤه: وإن كنتـم فـي ريب من أنّ ما أنزلت علـى عبدي من القرآن من عندي، فأتوا بسورة من كلامكم الذي هو مثله فـي العربـية، إذْ كنتـم عربـاً، وهو بـيان نظير بـيانكم، وكلام شبـيه كلامكم. فلـم يكلفهم جل ثناؤه أن يأتوا بسورة من غير اللسان الذي هو نظير اللسان الذي نزل به القرآن، فـيقدروا أن يقولوا: كلفتنا ما لو أحسنّاه أتـينا به، وإنا لا نقدر علـى الإتـيان به، لأنا لسنا من أهل اللسان الذي كلفتنا الإتـيان به، فلـيس لك علـينا حجة بهذا لأنا وإن عجزنا عن أن نأتـي بـمثله من غير ألسنتنا لأنا لسنا بأهله، ففـي الناس خـلق كثـير من غير أهل لساننا يقدر علـى أن يأتـي بـمثله من اللسان الذي كلفتنا الإتـيان به. ولكنه جل ثناؤه قال لهم: ائتوا بسورة مثله، لأن مثله من الألسن ألسنتكم، وأنتـم إن كان مـحمد اختلقه وافتراه، إذا اجتـمعتـم وتظاهرتـم علـى الإتـيان بـمثل سورة منه من لسانكم وبـيانكم أقدر علـى اختلاقه ووضعه وتألـيفه من مـحمد صلى الله عليه وسلم، وإن لـم تكونوا أقدر علـيه منه فلن تعجزوا وأنتـم جميع عما قدر علـيه مـحمد من ذلك وهو وحده، إن كنتـم صادقـين فـي دعواكم وزعمكم أن مـحمداً افتراه واختلقه وأنه من عند غيري.
وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
{ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ }
واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: { وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ } فقال ابن عبـاس بـما:
حدثنا به مـحمد بن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد، عن ابن عبـاس: { وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ } يعنـي أعوانكم علـى ما أنتـم علـيه، { إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ }.
وحدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن نـجيح، عن مـجاهد: { وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ } ناس يشهدون.
وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد مثله.
وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد، قال: قوم يشهدون لكم.
وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاح، عن ابن جريج، عن مـجاهد: { وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ } قال: ناس يشهدون. قال ابن جريج: شهداءكم علـيها إذا أتـيتـم بها أنها مثله مثل القرآن.
وذلك قول الله لـمن شك من الكفـار فـيـما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: { فـادْعُوا } يعنـي استنصروا واستعينوا، كما قال الشاعر:
فَلَـمَّا الْتَقَتْ فُرْسانُنا وَرِجَالُهُمْ دَعَوْا يا لَكَعْبٍ واعْتَزَيْنا لِعامِرِ
يعنـي بقوله: دعوا يالكعب: استنصروا كعبـاً واستعانوا بهم.
وأما الشهداء فإنها جمع شهيد، كالشركاء جمع شريك، والـخطبـاء جمع خطيب. والشهيد يسمى به الشاهد علـى الشيء لغيره بـما يحقق دعواه، وقد يسمى به الـمشاهد للشيء كما يقال فلان جلـيس فلان، يعنـي به مـجالسه، ونديـمه يعنـي به منادمه، وكذلك يقال: شهيده يعنـي به مشاهده. فإذا كانت الشهداء مـحتـملة أن تكون جمع الشهيد الذي هو منصرف للـمعنـيـين اللذين وصفت، فأولـى وجهيه بتأويـل الآية ما قاله ابن عبـاس، وهو أن يكون معناه: واستنصروا علـى أن تأتوا بسورة من مثله أعوانَكم وشهداءَكم الذين يشاهدونكم ويعاونونكم علـى تكذيبكم الله ورسوله ويظاهرونكم علـى كفركم ونفـاقكم إن كنتـم مـحقـين فـي جحودكم أن ما جاءكم به مـحمد صلى الله عليه وسلم اختلاق وافتراء، لتـمتـحنوا أنفسكم وغيركم: هل تقدرون علـى أن تأتوا بسورة من مثله، فـيقدر مـحمد علـى أن يأتـي بجميعه من قبل نفسه اختلاقاً؟
وأما ما قاله مـجاهد وابن جريج فـي تأويـل ذلك فلا وجه له لأن القوم كانوا علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنافـاً ثلاثة: أهل إيـمان صحيح، وأهل كفر صحيح، وأهل نفـاق بـين ذلك. فأهل الإيـمان كانوا بـالله وبرسوله مؤمنـين، فكان من الـمـحال أن يدّعي الكفـار أن لهم شهداء علـى حقـيقة ما كانوا يأتون به لو أتوا بـاختلاق من الرسالة، ثم ادعوا أنه للقرآن نظير من الـمؤمنـين.
إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ
{ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ }

فأما أهل النفـاق والكفر فلا شك أنهم لو دُعوا إلـى تـحقـيق البـاطل وإبطال الـحق لسارعوا إلـيه مع كفرهم وضلالهم، فمن أيّ الفريقـين كانت تكون شهداؤهم لو ادّعوا أنهم قد أتوا بسورة من مثل القرآن؟ ولكن ذلك كما قال جل ثناؤه:
{ قُلْ لَئِنْ اجْتَـمَعَتِ الإنْسُ والـجِنّ علـى أنْ يأتُوا بِـمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يأتُونَ بِـمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً }
فأخبر جل ثناؤه فـي هذه الآية أن مثل القرآن لا يأتـي به الـجن والإنس ولو تظاهروا وتعاونوا علـى الإتـيان به وتـحدّاهم بـمعنى التوبـيخ لهم فـي سورة البقرة، فقال تعالـى:
{ وَإنْ كُنْتُـمْ فـي رَيْبٍ مِـمَّا نَزَّلْنَا علـى عَبْدِنَا فأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـين }
يعنـي بذلك: إن كنتـم فـي شك فـي صدق مـحمد فـيـما جاءكم به من عندي أنه من عندي، فأتوا بسورة من مثله، ولـيستنصر بعضكم بعضاً علـى ذلك إن كنتـم صادقـين فـي زعمكم حتـى تعلـموا أنكم إذا عجزتـم عن ذلك أنه لا يقدر علـى أن يأتـي به مـحمد صلى الله عليه وسلم ولا من البِشر أحد، ويصح عندكم أنه تنزيـلـي ووحيـي إلـى عبدي.
فإنْ لَـمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا
{ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ }
قال أبو جعفر: يعنـي تعالـى بقوله: { فإنْ لَـمْ تَفْعَلُوا }: إن لـم تأتوا بسورة من مثله، وقد تظاهرتـم أنتـم وشركاؤكم علـيه وأعوانكم. فتبـين لكم بـامتـحانكم واختبـاركم عجزكم وعجز جميع خـلقـي عنه، وعلـمتـم أنه من عندي، ثم أقمتـم علـى التكذيب به. وقوله: { وَلَنْ تَفْعَلُوا } أي لن تأتوا بسورة من مثله أبداً. كما:
حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: { فإنْ لَـمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا } أي لا تقدرون علـى ذلك ولا تطيقونه.
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: { فإنْ لَـمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا } فقد بـين لكم الـحقّ.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فـاتقُوا النَّارَ الَّتِـي وَقُودُها النَّاسِ وَالْـحِجَارَةُ }.
قال أبو جعفر: يعنـي جل ثناؤه بقوله: { فـاتَّقُوا النَّارَ } يقول: فـاتقوا أن تَصْلَوا النار بتكذيبكم رسولـي بـما جاءكم به من عندي أنه من وحيـي وتنزيـلـي، بعد تبـينكم أنه كتابـي ومن عندي، وقـيام الـحجة علـيكم بأنه كلامي ووحيـي، بعجزكم وعجز جميع خـلقـي عن أن يأتوا بـمثله. ثم وصف جل ثناؤه النار التـي حذرهم صِلِـيَّها، فأخبرهم أن الناس وقودها، وأن الـحجارة وقودها، فقال: { الَّتِـي وَقُودُهَا النَّاسُ والـحِجارَةُ } يعنـي بقوله وقودها: حطبها، والعرب تـجعله مصدراً، وهو اسم إذا فتـحت الواو بـمنزلة الـحطب، فإذا ضمت الواو من الوقود كان مصدراً من قول القائل: وقدت النار فهي تقد وُقوداً وقِدَةً وَوَقَدَاناً ووَقْداً، يراد بذلك أنها التهبت.
فإن قال قائل: وكيف خُصَّت الـحجارة فقرنت بـالناس حتـى جعلت لنار جهنـم حطبـاً؟ قـيـل: إنها حجارة الكبريت، وهي أشدّ الـحجارة فـيـما بلغنا حرّاً إذا أحميت. كما:
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن مسعر، عن عبد الـملك بن ميسرة الزراد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميـمون، عن عبد الله فـي قوله: { وَقُودُهَا النَّاسُ وَالـحجارَةُ } قال: هي حجارة من كبريت خـلقها الله يوم خـلق السموات والأرض فـي السماء الدنـيا يعدّها للكافرين.
وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عيـينة، عن مسعر عن عبد الـملك الزرّاد عن عمرو بن ميـمون، عن ابن مسعود فـي قوله: { وَقُودُها النَّاسُ والـحجارَةُ } قال: حجارة الكبريت جعلها الله كما شاء.
وحدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: { فاتَّقُوا النَّارَ الَّتِـي وَقُودُها النَّاسُ وَالـحِجَارَةِ } أما الـحجارة فهي حجارة فـي النار من كبريت أسود يعذّبون به مع النار.
فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ
{ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ }
وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج فـي قوله: { وَقُودُها النَّاسُ والـحجارَةُ } قال: حجارة من كبريت أسود فـي النار. قال: وقال لـي عمرو بن دينار: حجارة أصلب من هذه وأعظم.
حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: حدثنا أبـي عن مسعر، عن عبد الـملك بن ميسرة، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميـمون عن عبد الله بن مسعود، قال: حجارة من الكبريت خـلقها الله عنده كيف شاء وكما شاء.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { أُعِدَّتْ للكافِرِينَ }.
قد دللنا فـيـما مضى من كتابنا هذا علـى أن الكافر فـي كلام العرب هو الساتر شيئاً بغطاء، وأن الله جل ثناؤه إنـما سمى الكافر كافراً لـجحوده آلاءه عنده، وتغطيته نعماءه قبله فمعنى قوله إذا: { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ }: أعدّت النار للـجاحدين أن الله ربهم الـمتوحد بخـلقهم وخَـلْق الذين من قبلهم، الذي جعل لهم الأرض فراشاً، والسماء بناءً، وأنزل من السماء ماءً، فأخرج به من الثمرات رزقاً لهم، الـمشركين معه فـي عبـادته الأنداد والآلهة، وهو الـمتفرّد لهم بـالإنشاء والـمتوحد بـالأقوات والأرزاق. كما:
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن مـحمد ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد، عن ابن عبـاس: { أُعِدَّتْ للْكافِرِينَ } أي لـمن كان علـى مثل ما أنتـم علـيه من الكفر.
بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا
{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ }
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي أنزل الله جل ثناؤه فـيه هذه الآية وفـي تأويـلها.
فقال بعضهم بـما:
حدثنـي به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: لـما ضرب الله هذين الـمثلـين للـمنافقـين، يعنـي قوله:
{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً }
وقوله:
{ أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ }
الآيات الثلاث، قال الـمنافقون: الله أعلـى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال. فأنزل الله { إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَـحْيِـي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً } إلـى قوله: { أُولَئِكَ هُمُ الـخَاسِرُونَ }.
وقال آخرون بـما:
حدثنـي به أحمد بن إبراهيـم، قال: حدثنا قُراد عن أبـي جعفر الرازي، عن الربـيع بن أنس، فـي قوله تعالـى: { إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَـحِيِـي أنْ يَضرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا } قال: هذا مثل ضربه الله للدنـيا، إن البعوضة تـحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت، وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا الـمثل فـي القرآن، إذا امتلئوا من الدنـيا رِيّا أخذهم الله عند ذلك. قال: ثم تلا
{ فلَـمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَـحْنَا عَلَـيْهِمْ أبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ }
الآية.
وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس بنـحوه، إلا أنه قال: فإذا خـلى آجالهم، وانقطعت مدتهم، صاروا كالبعوضة تـحيا ما جاعت وتـموت إذا رويت فكذلك هؤلاء الذين ضرب الله لهم هذا الـمثل إذا امتلئوا من الدنـيا ريّا أخذهم الله فأهلكهم، فذلك قوله:
{ حَتَّـى إذَا فَرِحُوا بِـمَا أُوتُوا أخَذْناهُمْ بَغْتَةً فإذا هُمْ مُبْلِسُونَ. }
وقال آخرون بـما:
حدثنا به بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله: { إن اللَّهَ لا يَسْتَـحْيِـي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } أي إن الله لا يستـحيـي من الـحقّ أن يذكر منه شيئاً ما قل منه أو كثر. إن الله حين ذكر فـي كتابه الذبـاب والعنكبوت، قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله: { إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَـحْيِـي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا }.
وحدثنا الـحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لـما ذكر الله العنكبوت والذبـاب، قال الـمشركون: ما بـال العنكبوت والذبـاب يذكران؟ فأنزل الله: { إنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَـحْيِـي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَها }.
وقد ذهب كل قائل مـمن ذكرنا قوله فـي هذه الآية وفـي الـمعنى الذي نزلت فـيه مذهبـاً، غير أن أولـى ذلك بـالصواب وأشبهه بـالـحقّ ما ذكرنا من قول ابن مسعود وابن عبـاس.

ومعد هذه المقالة طارق فتحي يقول :
اثبتت الدراسات المجهرية المتطورة جدا دراسة هامه للبعوض لا كتشاف كيف ينقل الامراض للانسان وعند تكبير الصور المجهرية الاف المرات وجدوا ان فوق ظهر البعوضة طفيلي يعيش على الدماء فقط وان البعوضة تغرز ابرتها في اي جسم لتمتص الدماء منه في جراب خاص يكون خرطوم الطفيلي بداخله واذا امتنعت البعوضة عن مص الدماء سوف يقتله هذا الطفيلي الشرير الجاثم فوق ظهره هذه التفسير من الناحية العلمية البحته ولابأس بالتفاسير القديمة التي تحوم حول المعنى والاخذ بالقول المجاز في سبيل افهام الناس كونهم اي العلماء كانوا يخاطبون الناس على قدر علمهم . ومن معجزات القران الكريم واياته المحكمات انه يلائم كل عصر واوان ..
فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً
{ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }
وقال بعضهم: عنـي بذلك أهل الكتابـين: التوراة، والإنـجيـل.
ذكر من قال: عنـي بها جميع عبدة الأوثان من العرب وكفـار أهل الكتابـين:
حدثنا مـحمد بن حميد، قال: حدثنا سلـمة بن الفضل، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: نزل ذلك فـي الفريقـين جميعاً من الكفـار والـمنافقـين. وإنـما عَنَى بقوله: { فَلاَ تَـجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدَاداً وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ } أي لا تشركوا بـالله غيره من الأنداد التـي لا تنفع ولا تضرّ، وأنتـم تعلـمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علـمتـم أن الذي يدعوكم إلـيه الرسول من توحيده هو الـحقّ لا شك فـيه.
حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد عن سعيد، عن قتادة فـي قوله: { وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ } أي تعلـمون أن الله خـلقكم وخـلق السموات والأرض، ثم تـجعلون له أنداداً.
ذكر من قال: عَنَى بذلك أهْلَ الكتابـين:
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد: { فَلا تَـجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدَاداً وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ } أنه إله واحد فـي التوراة والإنـجيـل.
وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا قبـيصة، قال: حدثنا سفـيان عن مـجاهد مثله.
وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ } يقول: وأنتـم تعلـمون أنه لا ندّ له فـي التوراة والإنـجيـل.
قال أبو جعفر: وأحسب أن الذي دعا مـجاهداً إلـى هذا التأويـل، وإضافة ذلك إلـى أنه خطاب لأهل التوراة والإنـجيـل دون غيرهم، الظنّ منه بـالعرب أنها لـم تكن تعلـم أن الله خالقها ورازقها بجحودها وحدانـية ربها، وإشراكها معه فـي العبـادة غيره. وإن ذلك لقولٌ ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر فـي كتابه عنها أنها كانت تقرّ بوحدانـيته، غير أنها كانت تشرك فـي عبـادته ما كانت تشرك فـيها، فقال جل ثناؤه:
{ وَلِئِنْ سألْتَهُمْ مَنْ خَـلَقَهُمْ لَـيَقُولُنَّ اللَّهُ }
وقال:
{ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ والأرْضِ أمْ مَنْ يَـمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الـحَيَّ مِنَ الـمَيِّتِ ويُخْرِجُ الـمَيِّتَ مِنَ الـحَيَّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ }
فـالذي هو أولـى بتأويـل قوله: { وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ } إذ كان ما كان عند العرب من العلـم بوحدانـية الله، وأنه مبدع الـخـلق وخالقهم ورازقهم، نظير الذي كان من ذلك عند أهل الكتابـين. ولـم يكن فـي الآية دلالة علـى أن الله جل ثناؤه عنى بقوله: { وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ } أحد الـحزبـين، بل مخرج الـخطاب بذلك عام للناس كافة لهم، لأنه تـحدّى الناس كلهم بقوله:
{ يا أيُّها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ }
أن يكون تأويـله ما قاله ابن عبـاس وقتادة، من أنه يعنـي بذلك كل مكلف عالـم بوحدانـية الله، وأنه لا شريك له فـي خـلقه يشرك معه فـي عبـادته غيره، كائناً من كان من الناس، عربـياً كان أو أعجمياً، كاتبـاً أو أمياً، وإن كان الـخطاب لكفـار أهل الكتاب الذين كانوا حوالـي دار هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل النفـاق منهم ومـمن بـين ظهرانـيهم مـمن كان مشركاً فـانتقل إلـى النفـاق بـمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم

ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً
{ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }
وقوله: { الَّذِي جعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشاً } مردود علـى «الذي» الأولـى فـي قوله:
{ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَـلَقَكُمْ }
وهما جميعاً من نعت «ربكم»، فكأنه قال: اعبدوا ربكم الـخالقكم، والـخالق الذي من قبلكم، الـجاعل لكم الأرض فراشاً. يعنـي بذلك أنه جعل لكم الأرض مهاداً وموطئاً وقراراً يستقرّ علـيها. يذكّر ربنا جل ذكره بذلك من قـيـله زيادة نعمه عندهم وآلائه لديهم، لـيذكروا أياديه عندهم فـينـيبوا إلـى طاعته، تعطفـاً منه بذلك علـيهم، ورأفة منه بهم، ورحمة لهم، من غير ما حاجة منه إلـى عبـادتهم، ولكن لـيتـم نعمته علـيهم ولعلهم يهتدون. كما:
حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ فـي خبر ذكره، عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ أَلارْضَ فِرَاشاً } فهي فراش يُـمْشَى علـيها، وهي الـمهاد والقرار.
وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ أَلارْضَ فِرَاشاً } قال: مهاداً لكم.
وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، عن عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس: { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشاً }: أي مهاداً.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَالسَّماءَ بِناءً }.
قال أبو جعفر: وإنـما سميت السماء سماءً لعلوّها علـى الأرض وعلـى سكانها من خـلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخر فهو لـما تـحته سماءٌ. ولذلك قـيـل لسقـف البـيت سماؤه، لأنه فوقه مرتفع علـيه، ولذلك قـيـل: سما فلان لفلان: إذا أشرف له وقصد نـحوه عالـيا علـيه، كما قال الفرزدق:
سَمَوْنَا لِنَـجْرَانَ الـيَـمانِـي وأهْلِهِ وَنَـجْرَانُ أَرْضٌ لَـمْ تُدَيَّثْ مَقاوِلُه
وكما قال نابغة بنـي ذبـيان:
سَمَتْ لـي نَظْرَةٌ فَرأيْتُ مِنْهَا تُـحَيْتَ الـخِدْرِ وَاضِعَةَ القِرَامِ
يريد بذلك: أشرفت لـي نظرة وبدت، فكذلك السماء: سُميت للأرض سماءً، لعلوّها وإشرافها علـيها. كما:
حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره، عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: { وَالسَّماءَ بِناءً } ، فبناء السماء علـى الأرض كهيئة القبة، وهي سقـف علـى الأرض.
وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة فـي قول الله { وَالسَّمَاءَ بِنَاءً } قال: جعل السماء سقـفـاً لك.
وإنـما ذكر السماء والأرض جل ثناؤه فـيـما عدّد علـيهم من نعمه التـي أنعمها علـيهم، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قوام دنـياهم، فأعلـمهم أن الذي خـلقهما وخـلق جميع ما فـيهما وما هم فـيه من النعم هو الـمستـحقّ علـيهم الطاعة، والـمستوجب منهم الشكر والعبـادة دون الأصنام والأوثان التـي لا تضرّ ولا تنفع.
وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً
{ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وأنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ماءً فأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ }.
يعنـي بذلك أنه أنزل من السماء مطراً، فأخرج بذلك الـمطر مـما أنبتوه فـي الأرض من زرعهم وغرسهم ثمرات رزقاً لهم غذاءً وأقواتاً. فنبههم بذلك علـى قدرته وسلطانه، وذكرهم به آلاءه لديهم، وأنه هو الذي خـلقهم وهو الذي يرزقهم ويكفلهم دون من جعلوه له نِدّا وعِدْلاً من الأوثان والآلهة، ثم زجرهم عن أن يجعلوا له ندّاً مع علـمهم بأن ذلك كما أخبرهم، وأنه لا ندّ له ولا عدل، ولا لهم نافعٌ ولا ضارّ ولا خالقٌ ولا رازق سواه.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فَلا تَـجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدَاداً }.
قال أبو جعفر: والأنداد، جمع ندّ، والندّ: العِدْل والـمثل، كما قال حسان بن ثابت:
أتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدّ فَشَرُّكما لـخَيْرِكُما الفِداءُ
يعنـي بقوله: «ولست له بند»: لست له بـمثل ولا عدل. وكل شيء كان نظيراً لشيء وشبـيهاً فهو له ندّ. كما:
حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: { فَلاَ تَـجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً } أي عدلاء.
وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنـي أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { فَلاَ تَـجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً } أي عدلاء.
وحدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي عن خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: { فَلاَ تَـجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً } قال: أكفـاء من الرجال تطيعونهم فـي معصية الله.
وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد فـي قول الله: { فَلاَ تَـجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً } قال: الأنداد: الآلهة التـي جعلوها معه وجعلوا لها مثل ما جعلوا له.
وحدثت عن الـمنـجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: { فَلاَ تَـجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدَاداً } قال: أشبـاهاً.
حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: حدثنا أبو عاصم عن شبـيب عن عكرمة: فلا تـجعلوا لله أنداداً أي تقولوا: لولا كلبنا لدخـل علـينا اللصّ الدار، لولا كلبنا صاح فـي الدار ونـحو ذلك.
فنهاهم الله تعالـى أن يشركوا به شيئاً، وأن يعبدوا غيره، أو يتـخذوا له نداً وعدلاً فـي الطاعة، فقال: كما لا شريك لـي فـي خـلقكم وفـي رزقكم الذي أرزقكم، وملكي إياكم، ونعمتـي التـي أنعمتها علـيكم، فكذلك فأفردوا لـي الطاعة، وأخـلصوا لـي العبـادة، ولا تـجعلوا لـي شريكاً وندّاً من خـلقـي، فإنكم تعلـمون أن كل نعمة علـيكم منّـي.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ }.
اختلف أهل التأويـل فـي الذين عُنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عنـي بها جميع الـمشركين، من مشركي العرب وأهل الكتاب.
avatar
طارق فتحي
المدير العام

عدد المساهمات : 2863
تاريخ التسجيل : 19/12/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alba7th.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى